محمود حسني: الضوء كله غروب

Map of Thebes, 1850. Source: archangelnikk.wordpress.com

Map of Thebes, 1850. Source: archangelnikk.wordpress.com

كنت أفكر في ملكات طيبة؛ وجوههن التي لوّحتها الشمس، خصلات شعورهن الثائرة. كنت أفكر في روائحهن، نظراتهن. كان ذلك حين وجدت نفسي أمام إحداهن. لم أكن أمامها بالضبط. فالأمر بدا أشبه باصطدام مُربِك. لم يكن اصطدامًا مكانيًا حسيًّا فقط، ولكنه ذلك الاصطدام الأكثر تجذّرًا في الوجدان. فاستسلمت له، واستسلمت لها. تماهيت معها حتى بدت وكأنها موجة عالية أنتظرها حتى تحملني لأسبح في تيارها الذي كان من الحماقة مقاومته.
كنت أفكر، أود، أتوق إلى تلمُّس رسم عينيها، تفاصيل وجهها، على مَهَل. كنت أعرف أنها ستظن أنه قد طالني مسٌّ من جنون. ولكنني تحايلت على ذلك المسّ. تركت الموجة تملأني حتى أصبحتُ بين يديها كاملًا، فتلمّست وجنتيها المتّقدتين، تشمّمت عنقها، روحها القديمة قِدم الخلق. حينها، بدت المدينة التي كانت شوارعها قد أصابتها شيء من المطر وكأنها تولد من جديد. بدت المدينة وكأنها تلدني من جديد.
لكن الأمر لم ينته بالولادة؛ فالولادة بدء. وفي اللحظة التي دخلت رائحة عنقها إلى روحي، اللحظة التي تسرّبت خطوط جبينها إلى ما بين أضلعي، ظلّ يغمرني شعور بأن هذه المرأة ملكة من طيبة القديمة. وها هو حضور صوتها، طريقة كلامها، انفعالاتها يدفعونني للكتابة، محاولًا أن أُحدِّثها على الورق لأستعيدها حيّة أمامي من جديد؛ بطريقة جلستها المفعمة بروح ليس من السهل سبر أغوارها؛ وجبينها الذي تنبت أعلاه تلك الشعرات البيضاء القليلات التي تؤكد ظني في أن هذه الروح قديمة قِدم الخلق، بل قديمة قِدم الله ذاته. هذه المرأة هي الأقرب لأن تكون الله. الله في أكثر صوره بهاءًا وصوفية وسكونًا.
فما الذي كان سيخسره الله لو جعل الضوء كله غروبًا؟ ألم يكن سيهوِّن بذلك شيئا من وجع الموت الذي دائمًا ما باغت اعتيادنا لهذا العيش الرث؟ في الغروب أشعر بالنعاس، في الغروب أرغب في الكتابة، في القراءة، وفي ممارسة الحب مع تلك التي أخبرتني أنني متكسِّر كسقيفة بيتِ متهاو.
ما الذي كان سيخسره ذلك الله، لو أخبرنا لحظة ولادتنا -مثلما أخبرنا كيف نلقم أثداء أمهاتنا- أن الألم سيظل في رحم قوس قزح، وأن الأفق الدامي لن ينسلخ مرة عن سماوية الغروب؟
أم أنه أراد أن ينتقم من وحدته، فأوجدنا، تاركًا إيانا لذلك الوخز الغريزي الذي يباغتنا في الليالي الممتلئة بالخيبة، ويلتصق بنا في النهارات الخاوية من كل شيء، عدا مراقبتنا لآثار القهوة على جدران كوب زجاجي، وتصاعد الآلام على جدران معدتنا المتآكلة من أثر الكحول.
عندما أتى الليل، فكّرت أن أصنع لكِ كرسيًّا، واضعًا إياه في ركن عال. فكّرت أن أجلسك هناك في ساعة قدسية. ربما كان هذا احتياجًا غريزيًا للعبادة، ربما لأنك أكثر عدلًا وجنونا من الله ذاته، ربما لأن العقلاني المتملكني لم يفكِّر في لحظة احتياجه إلى هذه الدروشة الصوفية يومًا ما.
ربما لأن أبي خذلني ومات وأنا ابن العاشرة، فتقمّصت حينها دور الأرزة، وملأني ولع قلبيّ، وارتياح ديني نحوك، فكتبت طقوسًا على ورق البردي، مثل تلك التي كتبها كهنة المصريين القدماء؛ وتقدّمت بقرابيني إليكِ: خاتم وقبلة، وممارسة للحب طوال السَحر، وقصيدة لجبران عن سكون الليل غنّتها فيروز. كان هذا كافيًا ليجعل لوجودي الهشّ قيمة ما، بعد أن كنت لا أزيد عن نقش مطموس على مسلّة، تهدّمت وهم يقيمونها في معبد، لم يذكره التاريخ قط.
لم تكن المسلة فقط هي التي تهدّمت، بل مدينتنا كلها. رأيتها في حلمي تغرس أصابعها في مياه البحر وهي تحترق بالكامل. وهو يجري، ذلك الظل المعتم للنقش المطموس على المسلة المجهولة، يتفادى النيران، يحاول الاختباء في كل منزل لم تلسعه الألسنة الملتهبة. لكن اختبائه لا يدوم. يلهث بشدة، لكنه لا يملك أن يتوقف. فالمدينة تعاني من فصام. بعدما كانت بيوتها ذات اللون الخشبي قد تحولت لكتل مضيئة من النيران، ها هي الآن آخذة في التدرج إلى الدكنة، القتامة، العتمة، تريد أن تلتقط أنفاسها الأخيرة وهي على اللون الأسود من أثر الاحتراق، وأعمدة الدخان الرمادية تحاول هي أيضا أن تضع شيئا أخيرًا من ذاتها على اللوحة المنهزمة.

2 responses to محمود حسني: الضوء كله غروب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s