علي لطيف: الهروب من معسكر الموت

6kkwwwrahgr6t709

To Eat Bread. By Sama Alshaibi. Source: alwanforthearts.org

في بداية إحدى مذكراته، “نحو فزان”، كتَبَ الجنرال الإيطالي رودولفو غراتسياني: “على أثر الصلح المبرم في مدينة لوزان (18 أكتوبر 1912) تنازلت تركيا عن حكم طرابلس الغرب بأكملها وارتقت جيوشنا بمعونة الأهالي العرب (الجبل) واحتلت غريان وترهونة وبني وليد دون قتال.”
ليبيا الإيطالية تكونت من عام 1911 إلى عام 1937، وليبيا هذه لم يكن يحمل أي أحد فيها فكرة قيام الدولة قبل أن يحتلها الإيطاليون، فقد كانت ليبيا قبل الإيطاليين ولاية عثمانية. الولاية كانت متخلفة جداً نظرا لتخلف المملكة العثمانية التي لم تفعل أي شيء من أجل الليبيين غير النهب والقمع.
عبدالله وهو ابن أحد المقاتلين الذين حاربوا مع محمد فكيني في العديد من المعارك ضد الاستعمار الإيطالي هرب من إحدى معسكرات الاعتقال الجماعية التي أقامها الإيطاليون في فترة حكمهم، مع طباخ أثيوبي يُدعى سليمان.
وهذه قصتهما:
معسكر الموت
هرب عبدالله وسليمان من المعسكر في ليلة سبت أو أحد. هما لا يعرفان معنى الوقت، فلم تكن له أية جدوى في تلك الأيام. الوقت  رفاهية لا يملكانها، هناك الغد والأمس لا غير بالنسبة إليهما. خلال الستة أشهر التي عاشاها في المعسكر كان همهما الوحيد النجاة، كان ذلك همّ الجميع بالطبع، فالنصر رفاهية لا يحلمان حتى بها.
في كل ليلة في المعسكر كان يأتي ثلاثة ضباط إيطاليون: جوزيبو، مارتين، فيكو. ويختارون فتاة فتيّة جيدة يمرحون معها باقي الليلة. قبل الفجر بساعة أو ساعتين يُعيدونها إلى الحظيرة التي يوجد فيها 78 شخص من أطفال ونساء ورجال وعجائز.
في آخر خمسة ليالٍ، الضباط الثلاثة استقروا على اختيار فتاة سمراء جميلة من قبيلة صغيرة من فزان. كان ذلك أمراً غريباً حقاً، فهم لم يستقروا في السابق على أية فتاة لأكثر من ليلة.
الفتاة كانت وحيدة في المعسكر. أبوها قتلته بندقيات القبائل الليبية المتحالفة مع الإيطاليين، وأمها ماتت أثناء هربها من عصابات القبائل الليبية في الصحراء من شدة العطش. الفتاة جَرّت أمها في الصحراء لمدة يومين إلى أن أُغمي عليها.
لحسن حظ الفتاة أنقذتها قافلة ليبية مهاجرة من ليبيا إلى النيجر. إلا أنه لسوء حظ الفتاة، إحدى الفيالق العسكرية الإيطالية أغارت على القافلة في إحدى الليالي وأخذت الجميع أسرى.
في الليلة الثالثة قاومت الفتاة الضباط الثلاثة وهم يجرونها من فراشها في الحظيرة. صرخت الفتاة، رفست بقدميها ويديها الأرض، لم يهبّ لنجدتها أحد. الخوف من الإعدام شنقاً أو السجن الانفرادي في الحفرة لمدة عشرة أيام جعل الجميع يفكر مرتين قبل أن يساعدها.
عبدالله كان يغلي غضباً ورأسه كان يؤلمه بشدة بسبب صراخها المتكرر الذي كان يسبب له الأرق طوال خمسة ليال. كانت قد مضت أكثر من ثلاثة أشهر على وجوده في الشِبّردق*.   قررّ عبدالله أن عليه مساعدة الفتاة وليحدث ما يحدث.
“أنا ميت، ميت في أية حال!” قال لنفسه وهو يلاحق بعينيه الحراس الإيطاليين الثلاثة وهم يجرون الفتاة السمراء اتجاه باب الحظيرة.
في اللحظة التي بدأ يقف فيها عبدالله، أمسكه سليمان من يده. عبدالله لم يتحدث مع سليمان أبداً، فلا أحد كان يظن أن هذا الأثيوبي العبد يتكلم العربية:
“اجلس، اجلس، لا تكن غبياً!” قال سليمان.
بعد أن أخذوا الفتاة، التفت عبدالله إلى سليمان:
“لماذا قلت لي أن أجلس؟”
“لماذا جلست؟”
“لا أعرف.”
“لأنك كنت ستقوم بفعل غبي سيؤدي بك للقبر، لهذا جلست.”
“لكننا ميتون، ميتون!”
“لدي خطة للهرب من هنا.”
“لا أفهم؟”
“هل أنت معي؟”
“أجل، أجل، أنا معك، وماذا عن الفتاة؟”
“علينا أن نتركها، لا يمكننا فعل أي شيء!”
“لن أتركها!”
“عنادك سيقتلك! الليلة المقبلة سأهرب، أنا أحتاج لرفيق قويّ مثلك. لو كنت معي فسأجدك مستيقظاً في نفس هذا الوقت بالضبط!” قال سليمان.
عبدالله لم ينم إلا ساعتين في الليلة الماضية. لقد انتظر عودة الفتاة إلى الحظيرة. في النهاية عادت الفتاة تمشي بخطوات عرجاء مخزية، تمددت على فراشها الكريه في نهاية الحظيرة وبكت إلى أن نامت، نام عبدالله عندما خيّم الصمت على الحظيرة بعد توقف صوت البكاء.
*
الفتاة السمراء
كانت فتاة سمراء جميلة في بداية العشرينات ذات ساقيّن رائعتيّن ونهدين مكتملين وجسد خُلق ليُستعبد من الملوك، السلاطين، الشيوخ، والديكتاتوريين. لم يكن يعرف أحد اسمها بما في ذلك أنا.  أعتقد أنه لا يجب علينا أن ندعو التراجيديا باسم،  يجب علينا أن نتركها هكذا، نُجرّدها من بشريّتها، لراحة بالنا قبل أي شيء، ليمكننا نسيانها بسرعة. ستكون كذبة بالتأكيد، لكن حضاراتنا بُنيت كلها على الكذب. بانتهاء الكذب تنتهي كل الحضارات، وهذا ما لا نريده.
قصة هذه الفتاة هي جزء من معاناة مروعة تعرض لها الليبيون في المعسكرات من قبل الإيطاليين وأنفسهم أيضاً. جوزيبو ومارتين وفيكو كانوا جزءاً من منظومة الانتهاك والهلاك. كانوا ينتهكون جسدها كل ليلة دون أن يردعهم أحد.  والناس في الحظيرة يتجنبونها لأنهم يظنون أنها ملعونة من الله وأن لعنة الله تنتقل من الملعون إليهم إن ساعدوها.
ما لا يعرفونه هو أن الفتاة مجنونة، تعتقد أنها عقرب. لقد فقدت عقلها بعد موت والدتها. لم أفهم ذلك إلا في النهاية. وعندما وجدتها القافلة الليبية المهاجرة للنيجر بجانب جثة والدتها تمددت الفتاة على بطنها وحاولت لدغ أول شخص يقترب منها بساقها، كانت تلك أول مرة يرى فيها جد معمر القذافي الصغير عقرباً سوداء كبيرة.
*
معسكر الموت
“أنا معك، لنهرب الليلة.” قال عبدالله لسليمان في ساحة المعسكر وقت الظهيرة.
“حسناً، لقد ظننت أنني ارتكبت خطأ عندما عرضت عليك الأمر.” قال سليمان.
“أنا سأهرب، لكن الفتاة، أريدها أن تهرب معنا، أيمكنها ذلك؟ سأتكفل بها.” قال عبدالله.
“أفكر في الأمر منذ الصباح، الطريقة الوحيدة هي أن نتسلل على الحراس الطليان وهم معها ونراقبهم وننتظر عندما يأمرونها بالعودة إلى الحظيرة ثم نفاجئها ونأخذها معنا، وإن لم تشأ نأخذها معنا بالقوة.”
“أتظن أن هذه فكرة جيدة؟”
“لا يوجد غيرها، الوقت ليس في صالحنا.”
وافق عبدالله على خطة سليمان إلا أن خوفاً كبيراً غمره. “ماذا لو لم تنجح الخطة؟ ماذا لو أمسكنا الحراس؟ سيتم إعدامنا، لكن ما الذي سأخسره. لكن الفتاة سيعدمونها أيضاً، ما ذنبها؟ لكنهم ينتهكونها كل ليلة، أليس هذا أسوأ من الموت؟ ماذا لو لم تُرد الهرب؟  إنها تملك جسداً رائعاً!” فكر عبدالله بعد حديثه مع سليمان.
التساؤلات السابقة راودت عبدالله إلى حلول الليل، لم يستطع الوصول إلى أية إجابة. هو سيصبح مسؤولاً على حياة إنسان لأول مرة في حياته، إنسان لا يملك معه أية ذكرى إلا رؤيته يتعذب وحده.
“كم هي جميلة!” قال عبدالله لنفسه وهو ينظر إلى مؤخرتها بينما يقود الحراس الإيطاليون السجناء للحظيرة نهاية اليوم.
*
الفتاة السمراء
أعتقد أن السبب الذي يقود عبدالله ويجعله يرغب بإنقاذ الفتاة هو سبب آخر غير  ما ذكرت سابقاً، فماذا يفهم عبدالله عن الجمال ليحاول إنقاذه؟ أعتقد أننا مع مجابهة الموت نفقد إحساسنا بالجمال. إن ذوقنا في الجمال انتقائي دائماً، إلا أنه عند مجابهة الموت يصبح كل شيء حي جميلاً، أي شيء يدل على الحياة يصبح في نظرنا جميلاً. ربما هي الشهوة فقط، الجنس، ربما لا. على أية حال الفتاة في كلتا الحالتين جميلة حقاً، لا أنا ولا عبدالله يمكننا إنكار ذلك، هناك شيء ما في عينيها شهواني ومخيف في آنٍ واحد. نحن نعشقه، نريده، لكننا لا نفهمه.
كانت الفتاة السمراء تقف في طابور الماء ظهيرة كل يوم لتتحصل على لترها الواحد من الماء. مع كل ظهيرة يبدأ توزيع المياه على كل المعتقلين في المعسكر، طابور للنساء وطابور للرجال. الفتاة كانت تتحصل على لتر أكثر منذ خمسة أيام. فيكو الجندي الايطالي القصير الذي كان آخر من يدخل فيها كل ليلة هو المسؤول عن توزيع المياه للمعتقلين. الفتاة كانت قد فهمت بعد ثالث ليلة أن عليها أن تغسل نفسها بالماء الإضافي جيداً من أجل الضباط الثلاثة.
“كلبة الطليان،” قالت لها العجوز الضخمة القبيحة ورائها.
“ابنة حرام، يا عبدة! ” قالت لها المرأة القصيرة وراء العجوز الضخمة القبيحة.
لكن الفتاة تحملت كل هذه الإهانات من المنكوبين مثلها، ليست لأنها الأم تيريزا، بل لأنها كانت تعتقد حقاً أنها عقرب. وحدتها كانت السبب، كونك العقرب الوحيد في حظيرة من البشر الضعفاء يُعطيك قوة تحمل عظيمة، بجانب أنها لا تمتلك أي خيار آخر إلا تحمل كل ذلك.
عندما تضرب المعاناة المتكررة المتجسدة في أفعال الغير المتوحشة يُفعّل هذا عملية انسلاخ مؤلمة. عندما ينتهي الانسلاخ يُصبح الإنسان حصيناً من المعاناة، إما يُجن أو يقتل نفسه أو يُصبح عقربَ. كأنه تحصل على تطعيم ضد مرض ما، أو كأن الجسد غُطي  كالأفعى بجلد سميك من ما تبقى من روح منهكة منتهكة تعرضت للضرب المتكرر.
قدرة الإنسان على الاعتياد هي التي جعلته يبقى حياً لآلاف السنين. إلا أن ذلك مثير للسخرية بطريقة ما، فقدرة اعتياد الإنسان على المصائب هي المعاناة المطلقة للإنسان. العذاب الذي يُعذبه الإنسان لنفسه بإرادته، الجميع يملك خياراً. أنا أعتقد ذلك حقاً أحياناً، لكن هذا الخيار مخيف جداً ويحتاج إلى شجاعة يعتقد الإنسان أنه لا يمكلها.
في اللحظة التي وصلت فيها الفتاة إلى فيكو لتأخذ حصتها من الماء، حجبت سحابة كبيرة بيضاء الشمس. كان الأمر غريباً فلا سُحب في سماء الصحراء باستطاعتها حجب الشمس.
“ربما هذا يوم القيامة،” فكّر رجل عجوز واقف في نهاية طابور الماء لا علاقة له بالقصة.
الفتاة شعرت بشعور غريب كأن حظها هذه الليلة سيتغير، غير أن فيكو عندما أعطاها كعادته الجديدة أكثر من لتريّ ماء نظر إليها بعينيه الكبيرتيّن الخضراوين  ورمقها بنظرة ماكرة وأخرج من جيبه قطعة صابون بيضاء صغيرة وأعطاها لها:
“أريدك أن تكوني إيطالية هذه الليلة من أجل الكابو!” همس لها باللغة الإيطالية.
بعدها ذهبت الفتاة وراء الحظيرة وأخذت تفرك جسدها جيداً بالصابون والماء، يا له من جسد مكتمل! فهمت الفتاة السمراء الجميلة ما كان يريده فيكو منها ولو لم تكن تفهم لغته. لكن لماذا انصاعت له، هذا ما لم أفهمه. كان بإمكانها أن تبقى قذرة، كريهة. كان ذلك سيكون رداً على قسوتهم وانتهاكهم لها. أترون، الإنسان يمكنه أن يقاوم دائماً. لكنها لم تكن تستطيع، كأنها قد تقبلت ما يحدث لها. ربما كان الأمر يعجبها، ربما هي حقاً “كلبة الطليان” كما قالت العجوز الضخمة القبيحة.
*
التحول
تحت الشمس الحارقة كالمعتاد في الصحراء، وبجانب إحدى الكثبان الرملية اللامنتهية وجدت عقرب صغيرة سوداء جسداً، أقصد جسدين مرةً واحدة ملقيين كجثتين على الرمال. ابتهجت العقرب الصغيرة، فقد كان من الضروري عليها أن تلدغ جسداً لكي تنال مكانةً في قبيلتها، وإلا لأصبحت مثل أخيها عقرباً بلا فائدة. أخوها العقرب لم يكن قادراً على لدغ السم في أي جسد، فقد وُلد وهو لا يملك السم في جسده.
نبذت القبيلة أخاها فما فائدة العقرب إن لم يملك السم ولم يكن قادراً على اللدغ؟ قررّ أخوها الرحيل عن القبيلة، ذهب ولا يعرف أي أحد أين ذهب. يقول بعض العقارب إنه قد مات في الصحراء من الجوع، وعقارب آخرون يقولون إن أحد الطيور قد أكله، لكن لا أحد يعرف الحقيقة ولا يهتم بها. فالعقرب بلا سم كالعقرب بلا روح.
أخته كانت تريد أن تُظهر للقبيلة أنها قادرة على لدغ السم في أي جسد، وقد قررت عند رحيل أخيها أنها ستثبت ذلك لهم. إنها عقرب مسمومة أكثر منهم بالرغم من كون أخيها بلا روح. كانت تحاول أن تُعوض فقدان روح أخيها بأن تُصبح أسم عقرب في القبيلة، لن يستطيعوا بعدها أن يتهكموا على عائلتها ولا عليها، ولو عاد أخوها فلن يستطيعوا مهاجمته، فأسم عقرب في القبيلة ستحميه.
“عقرب، عقرب، اقتلها، اقتلها يا سليمان!” صاح عبدالله عندما شاهد العقرب بجانب قدم سليمان.
نهض سليمان من نومه مذعوراً وأمسك بأول شيء بجانبه، كان أول شيء أمسكه سليمان – لسوء حظ العقرب الصغيرة – حجرة صغيرة ملطخة بالدماء حملها سليمان معه من المعسكر.
“عقرب سوداء شيطانية، عقرب سوداء شيطانية!” صاح سليمان وهو ينزل ويرفع الحجرة على جسد العقرب.
“قتلتها؟”
“نعم، نعم!”
“للحظة هناك كانت ستلدغك، الحمدلله على كل شيء.”
بعدها بلحظات قرر عبدالله وسليمان مواصلة المسير إلى أن يصلوا لأي قرية صغيرة. الماء كان على وشك الانتهاء، الطعام كذلك، والعقرب السوداء الصغيرة كانت قد لدغت عبدالله بينما كان نائماً، لكنه لم يشعر بذلك.
كان قد مر على هروبهم من المعسكر يومان ونصف، كانا محظوظين في هروبهما، ففي اليوم اللاحق للهروب حصل تمرد في المعسكر أنهى حياة الكثير.
*
التمرد
في الصباح الباكر من ذلك اليوم وجد أحد حراس المعسكر جثة فيكو ملقاة وراء الحظيرة التي كانت تسكنها الفتاة مع عبد الله وسليمان وباقي الثمانية وسبعين معتقلاً، وجه فيكو كان مهشماً بالكامل.
أخرج الحراس بعدها كل المعتقلين من كل الحظائر، جمعوهم في الساحة وكان يقف أمامهم حاكم المعسكر الجنرال فيتيريو ماريني ومعه المترجم  (أحد الليبيين الذين يعملون في الجيش الإيطالي):
“عليكم أن تُسلموا قاتل الضابط الوطني الشريف فيكو أرميني وإلا أعدمت في كل ساعة عشرة أشخاص!” قال الجنرال.
تعالى صوت الصراخ  وصيحات الاستهجان بين المعتقلين المجتمعين في الساحة، فلا أحد يريد أن يُعدم شنقاً وخاصة في هذا الطقس الحار. إلى الآن لا يعلم حراس المعسكر بأمر هروب عبدالله وسليمان، فلم يقوموا بعد بِعَدّ المعتقلين كعادتهم كل يوم. مقتل فيكو عبثَ بالروتين اليومي للمعسكر. حاكم المعسكر كان غاضباً جداً بسبب مقتل فيكو، بجانب ألم بطنه الذي كان يغضبه أكثر وبجانب أن فيكو كان قوّاده المفضل، فقد كان يجلب له فتاة صغيرة جميلة كل ثلاثة أيام إلى حجرته الخاصة.
“ما معنى ساعة؟” فكّر الرجل العجوز الذي لا علاقة له بالقصة.
“عليكم أن تُسلموا قاتل الضابط الوطني الشريف فيكو أرميني وإلا أعدمت في كل ساعة عشرة أشخاص!” كرر الجنرال جملته أمام جمهور المعتقلين.
بعد ساعة لم يُسلم أحد نفسه، فأمر الجنرال الحراس بجلب عشر مشانق ووضعها أمام المعتقلين. بعد عدة دقائق رفعت المشانق، وتعالى صوت الصراخ وصيحات الاستهجان بين المعتقلين، وكانت أكثر حدة من سابقتها، ولم يخرج أي أحد ليعترف بالجريمة.
“لقد مرت ساعة الآن وأنتم لم تسلموا لي القاتل بعد، والآن عليّ أن أعدم منكم عشرة أشخاص.” قال الجنرال.
التفت الجنرال إلى أربعة حراس وأمرهم بأن يُخرجوا خمسة رجال وخمس نساء ويضعوهم على المشانق، مع كل شخص يختاره الحراس تحدث مقاومة من الشخص وبعض الناس حواليه، اضطر الجنرال بسبب ذلك أن يُرسل أربعة حراس آخرين لمساعدتهم. اختار الحراس خمسة رجال وخمسة نساء، وضعوهم على المشانق  ووضعوا الحبال على أعناقهم.
“الآن سأنفذ حكم الإعدام في هؤلاء،” التفت الجنرال للمشانق. ” لديكم ساعة أخرى، إن لم تسلمو قاتل الضابط فيكو، سأقتل عشرة أشخاص آخرين، كل أحد منكم مُعرض للموت إن لم تسلمو لي القاتل،” قال الجنرال.
أمر الجنرال فيتريو الضباط بتنفيذ الحكم بحركة من يده اليمنى. سقطت الجثث وتأرجحت قليلاً تحت الشمس الحارقة ثم توقفت عن التأرجح. لم تكن هناك أية رياح ذلك اليوم. ثم سقطت إحدى الجثث، الحبل لم يتحمل وزن العجوز الضخمة القبيحة.
بعدها قام الضباط بإنزال الجثث من على المشانق ووضعوها أمام المعتقلين بأمرٍ من الجنرال. تعالت أصوات الصراخ وصيحات الاستهجان بين المعتقلين وكانت أكثر حدة من سابقتها. أحد المعتقلين رمى حجراً على أحد الضباط، آخر بصق على أحد الضباط، ومعتقل آخر اندفع اتجاه المشانق وهو يصرخ وفي يده حجر إلا أن رصاصة أحد الحراس كانت أسرع منه.
سيطَر الحراس في النهاية على المعتقلين باستخدام الهراوات وإطلاق النار تحت أقدام المعتقلين وفي الهواء. مساعد الجنرال كان يعلم أن عدد المعتقلين أكثر من عدد الحراس بأكثر من عشرة أضعاف، انتبه لذلك عندما ذهب ليغسل وجهه ورأى المشهد من بعيد. أسرع المساعد إلى الجنرال وقال له إنه يجب عليه أن يوقف عمليات الإعدام، وأن يحقق في مقتل فيكو بطريقة أخرى.
“هذا لن ينجح يا سيدي، هم غاضبون وقد ينفجرون في وجهنا في أية لحظة!” قال المساعد.
“تخاف من بعض الحيونات، لم أعهد عليك الخوف سابقاً يا فرانشيسكو!” قال الجنرال.
“أنا لست خائفاً، أنا فقط يا سيدي أريدك أن ترى الأمر كما أراه، هم أكثر منا عدداً، ولو هجموا علينا فلن نستطيع صدهم دون خسائر.” قال المساعد.
“لا تخف، الأمر تحت السيطرة!”
“لكن يا سيدي!”
“آمرك أن تعود إلى مكانك حالاً!”
“حاضر يا سيدي الجنرال!”
عاد المساعد إلى مكانه، إلا أنه هذه المرة وقف بعيداً بعض الشيء. الجنرال فيتيريو اعتقد حقاً أن كل شيء تحت السيطرة، وأن المعتقلين هم مجموعة ماشية تخاف من الضرب. إلا أنه نسي أن الماشية الغاضبة أكثر خطراً من قطيع ضباع جائعة.
“لقد مرت ساعة الآن وأنتم لم تسلموا لي قاتل الضابط الشريف الوطني فيكو!” قال الجنرال وأمر الحراس بأخذ عشرة معتقلين آخرين.
تردد الحراس في تنفيذ أوامر الجنرال، نظرات المعتقلين الغاضبة  أثارت الرعب في نفوس الحراس، وجوههم الغاضبة كانت أكثر ثأثيراً على الحراس من أوامر الجنرال. أمر الجنرال الحراس مرة ثانية بالتقدم من المعتقلين واختيار خمسة رجال وخمسة نساء كالمرة الماضية.
“أيها الجبناء! أنت وأنت وأنت تعالوا معي، ألا تخجلون من أنفسكم؟ تخافون من بعض الماشية! أنتم طليان، طليان!” صاح الجنرال في وجه الحراس.
تقدم الجنرال ومعه الحراس إلى جمهور المعتقلين، أخذ الجنرال هراوته وأخذ يأمر الحراس بأخذ هذا وأخذ هذه. الجميع كان يصرخ هذه المرة، الجنرال والحراس، النساء والرجال، الشمس والعقارب، كل شيء في ذلك المشهد كان يصرخ من الحر على الموت.
ما حدث كان غير متوقع، لم أتوقعه. من حيث لا يعلم أحد ظهرت الفتاة  ووقفت أمام الجنرال، تبادلا النظرات. عينا الفتاة كانتا كسماء ليل الصحراء في هدوئهما، كأنها كانت تعرف أن النهاية قد بدأت للتو. عيناها كانتا تقولان للجنرال “نهايتك اليوم يا ابن القحبة!” الجنرال فهم نظرات الفتاة غير أنه لم يصدق أن مثل هذه الزنجية الحقيرة يمكنها أن تنظر له بمثل هذه الطريقة.
هناك شيء ما في السلطة يجعل الإنسان أعمى وأحمق، الجنرال كان كذلك. الفتاة كانت مبصرة، أعتقد حقاً أنها مسحورة – هي ليست من هذا العالم – أو أنها مع المعاناة أصبحت شيئاً آخر، مسخاً ربما، مسخاً أو شيئاً ما لم يُخلق مثله من قبل على هذه الأرض. عقرب بشريّة، هذه هي، شيء كهذا. أعتقد أنني كنت مخطئاً عندما كنت مقتنعاً أنها حقاً “كلبة الطليان” كما قالت العجوز الضخمة القبيحة.
أمر الجنرال الحراس بأخذ الفتاة، إلا أن الجنرال لم ينتبه أن حراسه في تلك اللحظة كانوا محاصرين من قبل الجموع الغاضبة. الأمر يحتاج إلى مجّرد شرارة بسيطة لا غير، سيحدث الأمر في أية لحظة. الشرارة كانت الحجرة البيضاء التي تحملها الفتاة، وفجأة بدأ التمرد.
عندما التفت الجنرال ورأى حال حراسه، قرر أن يتراجع. غير أنه في تلك اللحظة بالذات أحس بسائل دافيء ينساب على جبهته. الضربة الأولى، الضربة الثانية، الضربة الثالثة وسقط الجنرال أرضاً. انقضت الفتاة عليه، جلست على صدره وأخذت تضرب وجهه بالحجرة البيضاء، مرة، ثانية، ثالثة، رابعة إلى أن أصبحت الحجرة البيضاء حمراء في يديّ الفتاة. ثم تمددت الفتاة على بطنها على جسد الجنرال، رفعت ساقها اليمنى لأعلى ورأسها أيضاً وبدأت تضحك وتصرخ اتجاه الشمس.
شاهد الجميع ذلك المشهد، توقف كل شيء للحظة، لم يقم أي أحد بفعل أي شيء، لا الحراس لا المعتقلين. “كلبة الطليان قتلت الزعيم!” صاحت العجوز القصيرة.
في تلك اللحظة أصبح الجميع معتقلاً لديها، لدى العقرب. أخذت الفتاة السمراء تنظر إلى المشانق أمامها حينةً وتقضم وجه الجنرال حينة آخرى.
“أنا جائعة!” فكّرت الفتاة العقرب في نفسها.
فجأةً انقطع الصمت، بدأ المعتقلون  في رمي الحجارة اتجاه الحراس، بدأوا ينقضون على الحراس واحداً تلو الآخر، يُهشمون روؤسهم. والحراس يُطلقون الرصاص، رصاصة وراء رصاصة. والفتاة في مكانها فوق صدر الجنرال كعقرب سوداء كبيرة مؤلهة.
مع تراجع الحراس قام مساعد الجنرال بإرسال ثلاث حراس ليجلبوا الرشاشات من مخزن الأسلحة. تصدى الحراس ومعهم مساعد الجنرال للمعتقلين الغاضبين بكل ما لديهم من قوة إلى أن أتت الرشاشات وتغيّر كل شيء.
قبل أن تأتي الرشاشات شنق المعتقلون المتمردون سبعة حراس. كان من بينهم جوزيبو ومارتين، والفتاة السمراء كانت ما تزال في مكانها فوق صدر الجنرال كعقرب سوداء كبيرة مؤلهة تتحدى الشمس منذ الأزل.
الجميع كان ينتقم للفتاة في ذلك التمرد بشكل أو بآخر. كانت تقودهم بشكل ما أو بآخر. معاناة المعتقلين تقمصت الفتاة والفتاة تقمصت معاناة المعتقلين، والانتقام والتمرد الذي حدث نتج من هذه المعاناة.
لا يمكنني التعبير عن الفرحة الغريبة على وجوه الناس وهم يعدمون الحراس ويقتلونهم بأياديهم العارية وبعض منهم يقضم وجوه الحراس الذين سقطوا على الأرض. لقد نسي جميع المعتقلين من هو في ذلك التمرد، أصبحوا وحوشاً لا معنى لها في الحياة إلا القتل. الانتقام أصبح الجميع، والجميع أصبح حراً عندما كان ينتقم. أما كلبة الطليان، الفتاة السمراء، العقرب، أياً كان اسمها، فقادتهم إلى الحرية في النهاية. هكذا هي الثورات! لكن الحرية لم تدم طويلاً عندما بدأت الرشاشات بإطلاق النار.
في نهاية اليوم أتى الدعم للمعسكر. قام الجنود الإيطاليون بحفر حفرة كبيرة خارج المعسكر ودفنوا فيها الموتى، أما مساعد الجنرال فقد اعتُقل ونُقل إلى إيطاليا بعدها بأيام ليحاكم عسكرياً هناك بتهمة الإهمال والخيانة.
في اليوم التالي أُعدمت الفتاة وستة وعشرون معتقلاً آخر بتهمة قتل الحراس والجنرال. البريق في عينيّ الفتاة لم يبهت منذ أن قتلت فيكو. نظراتها لا يقهرها إلا الموت. ما بدأ بالموت يجب أن ينتهي بالموت، لا تنسَ ذلك أياً كنت.
“ما قصة هذه الفتاة أيها الحارس؟” قال الجنرال أدريانو دانييلي أمر قوة الدعم المرسلة للمعسكر من بنغازي.
“يا سيدي الجنرال، هذه الفتاة هي من قامت بقتل الجنرال فيتيريو ماريني!” قال الحارس.
“ضعوا على رأسها  قطعة قماش سوداء وأسرعوا بإعدامها، هناك بريق شيطاني في عينيها لا أتحمل النظر إليه.”
*الشِبّردق: أرض مسيّجة بالأسلاك الشائكة؛ استعملها الليبيون لتسمية معسكرات الإعتقال الجماعية في فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا

Respond to علي لطيف: الهروب من معسكر الموت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s