علي لطيف: الجميع يريد الذهاب إلى الجنة لكن لا أحد يريد أن يموت

يوم السبت، 15 تشرين الثاني عام 1969 :
أمام مبني الكابيتول، مقر الحكومة الفيدرالية والكونجرس في واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقف أكثر من 500 ألف أمريكي، أغلبهم من الشباب، يحملون على أعناقهم أسماء جنود أمريكيين ماتوا في فيتنام، أو قرى فيتنامية دُمرت بقنابل السلاح الجوي الأمريكي.
غنى بيت سيغر، طالب علم اجتماع  سابق في هارفارد، هيبي، وموسيقي، أغنية جون لينون “امنح السلام فرصة!” غنوا جميعاً معه لمدة 10 دقائق، وبين كل فقرة وفقرة من الأغنية يسأل سيغر:
“هل تسمع يا نيكسون؟”

.

يوم الأربعاء، 12حزيران عام 1974 :
زار الرئيس الأمريكي نيكسون القاهرة، وفي ذلك اليوم ركض شاعر لمنزله وأخرج قصيدة ساخرة من تحت فراشه، غناها مع صديقه على العود. غنوها أكثر من مرة، ثم سُجنوا. سُجنوا أكثر من مرة أيضاً.

.

يوم الأربعاء، 22 كانون الثاني 1986 :
عبد الباسط ف، سبعة عشر عاماً، الابن الوحيد بين ثلاثة بنات. آخر عام في المدرسة الثانوية. في نهاية الفصل، مع الظهيرة، كان في الساحة يتحدث مع صديقيه، وليد وسليمان. كانوا يسيرون تجاه بوابة الخروج من المدرسة. الغد عطلة، الغد جمعة، كانوا يتحدثون عن الطعام، كانوا جائعين.
توقفت ثلاث حافلات أمام بوابة المدرسة. لا يمكنك رؤية الشارع من خلال البوابة، هناك فقط الأبواب المفتوحة لثلاث حافلات. وقف الجنود أمام الأبواب المفتوحة، كانوا يحملون هروات، مجموعة من الطلبة مصحوبين بالأساتذة ساروا نحوهم. شاهد الثلاثة المشهد حائرين، ثم سمعوا صراخاً. سقط الأستاذ، سقط أحد الطلبة أيضاً. هرب الباقون، ثم بدأ الجميع يجري. “الجنود انشطروا، كل جندي أصبح جندييّن!” صاح وليد.
أمسكوا الجميع، بعض الطلاب حاولوا الاختباء في الفصول و الحمامات ووراء الشجيرات. أحد الطلاب تظاهر أنه ميت أو مغمى عليه، أيقظوه بركلات البوت العسكري. لا فائدة. أغلق الجنود أبواب الحافلات، وذهبت تلك الحافلات إلى معسكرات التدريب العسكرية في الجنوب.

.

يوم الثلاثاء، 8 نيسان، 1986 :
لطالما أراد عبد الباسط ف أن يكون طبيباً وأن يعيش في نيو أورلينز. لقد ورث حبه للموسيقى من والده، الذي كان من أول الهيبيين بالمدينة. أعني من أول من وضع زهرة في شعره الآفرو وتحدث عن البيتلز ولينون والسلام بين كل الشعوب.
كان تحررياً إلا أنه تراجع عن ذلك عندما شاهد رفيقه جورج (محمود)  يُسجن في سجن الحصان الأسود وسط المدينة منتصف السبعينات.
“الموسيقى تجعل للحياة معنى،” سمع والده يقول ذات مرة.
تظاهر والد عبد الباسط ف لوحده أمامهم، ضربه الجنود. لحسن حظه لم يسجنوه، لم يقبضوا عليه بتهمة الخيانة العظمى، معارضة الحرب. وبينما كان يسترجع أنفاسه على الأرض ويمسح دم أنفه بكم قميصه، تقدم منه نقيب عجوز. كان يمسك في يده زهرة صغيرة مسحوقة.
“يا سيد، تفضل، هذه وقعت منك،” قال النقيب. أخذ والد عبد الباسط ف الزهرة المسحوقة ووضعها في جيبه.
“أين ابني؟ أريد أن أرى ابني!” صاح والد عبد الباسط ف.
“ابنك يحارب من أجل الوطن، أنت تعلم أن تلك الأرض من حقنا نحن، وأن الغرب الاستعماري الإمبريالي سرقها منا وأعطاها للعبيد.” قال النقيب.
“وما دخل ابني؟”
“ابنك يقاتل من أجل شرفك، يجب عليك أن تكون فخوراً،” أجاب النقيب.
“نحن لا نريد الحرب، الشعب لا يريد الحرب، دعني أقاتل أنا وأعيدوا  لي ابني!”
“أنت تضع الأزهار في رأسك، وهناك يضعون الرصاص في رأسك،” ضحك النقيب وسار مبتعداً.

.

يوم الأربعاء، 24حزيران، 1987 :
قاعدة معطن السارة، الساعة العاشرة مساءً. سليمان وعبد الباسط ف في عنبر الجنود يستمعان إلى الراديو الذي يملكه أحد الجنود العجائز، أكبر جندي في القاعدة، أكبر سناً حتى من الضابط المسؤول عن القاعدة.
كانوا يستمعون إلى أغاني شعبية وطنية، ويضحكون على نكات الجندي العجوز.
“الوطن كالجندي التشادي، تقتله عشرة مرات لكنه لا يموت، ثم يعود إليك ويقتلك،” ضحك الجندي العجوز، وضحك كلاهما.
“عليك أن تتبول على الرصاص، لتقتل جندي تشادي، إنهم مسحورون،” قال الجندي العجوز. “وأنا لا أمزح، أخرج زبك وتبول على الرصاص، ولن تندم لأنك ستعيش!”
بعد فترة من الضحك والنكات عن الحرب حلَّ الهدوء. صمت الجميع. عبد الباسط فكر في وليد، لا توجد أخبار عن فرقته في تشاد منذ أشهر، والإشاعات في القاعدة تقول إنهم قتلوا جميعاً، وإن الجيش التشادي يقترب من الحدود. إنه ينوي الاستيلاء على قاعدة معطن السارة.
لم يعد يسأل عبد الباسط نفسه “لماذا؟” لقد نسي هذه الكلمة، مفهومها الاستفاهمي تلاشى تماماً من إدراكه. الآخرون في القاعدة أغلبهم مثله، غير محظوظين، شباب وجدوا حافلات أمام مدارسهم أو كلياتهم العسكرية أو مضحوك عليهم أن هذه الحرب سهلة وأن الانتصار في المتناول وأن الله معهم.
لكن لا توجد حرب سهلة، والله ليس مع أحد، والوطن أمر مبالغ فيه. اقتنع عبد الباسط ف بذلك في آيار عندما شاهد جرحى الجنود يدخلون إلى القاعدة.

.

الصباح الباكر، 25 حزيران، 1987 :
صوتٌ غريب صَدرَ من الراديو، أصوات صراخ وصيحات مصحوبة بكلمات غير مفهومة.
موسيقى جنائزية – بكاء.
الأطفال: أبي، أبي، عُد إلي المنزل إلينا.
الأب: أوه، يا أولادي! أوه، يا زوجتي! أوه، أولادي الأعزاء! هأنا هنا. أعود إليكم! أوه، يا أحبائي. أوه، يا أحبائي، هأنا هنا أعود إليكم. لكن أنا ميت! يا للأسف. أنا عدت إليكم لأدعكم تعرفون أنني ميت. أنا مت بلا جدوي. لكن الوقت كان متأخراً جداً، عندما أدركت أخيراً أنني أخطأت عندما انضممت إلى الفيت كونج.
يا أصدقاء . . . أنتم مازلتم أحياء. مازالت لديكم الفرصة لتروا أحبائكم. اهربوا الآن! لا تترددوا أكثر. مازال لديكم الوقت لتهربوا! اهربوا لتنقذوا أنفسكم يا أصدقائي. لو لم تفعلوا ذلك، لن يمكنكم الهروب من الموت. ستُقتلون مثلما قُتلت.  اهربوا الآن. اهربوا! اهربوا فوراً قبل فوات الأوان.
تكررت الكلمات التي كانت مدتها أربع دقائق وثلاثين ثانية عدة مرات.

.

المساء، 25 حزيران، 1987 :
في ذلك اليوم، كلمات غير مفهومة متكررة سُمعت على أكثر من راديو في شمال إفريقيا، وخاصة في الريف والصحراء، أينما كانت السماء صافية والأرض قاحلة وخالية من المعمار.
لقد وصل الصوت بعد 19 عاماً من فيتنام إلى شمال إفريقيا. عَبَر الصوت كل تلك المسافة ووصل إلى هناك. موجة تصطدم بموجة وتتحرك، موجة تصطدم بموجة وتتحرك. مثل الدومينو.
إن رحلة 19 عاماً كانت عسيرة على جندي الفيت كونج. لم يتوقف القتال في فيتنام بعد أن مات، ولم يتوقف رفاقه الفيت كونج عن القتال إلى آخر رجل. دُمرت القرى، قُتل الأطفال، فشلت عملية “الروح الهائمة” السيكولوجية للاستخبارات العسكرية الأمريكية فشلاً ذريعاً. لم تُضعف العملية المقاومة الفيتنامية على الإطلاق، ولم يعد لصوت الجندي المحتضر أي فائدة في سماء فيتنام.

.

يوم السبت، 5 أيلول، 1987 :
30 كيلومتر شمال قاعدة معطن السارة التي أصبحت ركاماً. عبد الباسط ف يحمل سليمان المصاب برصاصة في ساقه على كتفه. سماء الصحراء صافية، وأشعة الشمس عنيفة وراقصة. 25 جندياً من ضمنهم عبد الباسط وسليمان استطاعوا الهرب من القاعدة بعد قتال استمر لساعات، القوات التشادية سيطرت على القاعدة وقتلت 1713 جندي وأسرت 300، كان منهم الجندي العجوز.
“ذلك العجوز اللعين، لماذا أراد البقاء؟” سأل سليمان.
“لماذا؟ لماذا؟” ردد عبد الباسط ف.
استمروا في السير إلى أن غابت الشمس، الحياة طعمها غريب بعد الفرار من الموت، مثل التراب. كأن تضع حفنة من رمل الصحراء الحارق في فمك ثم تبصقه. خيّم الجنود الفارون تحت قمر الصحراء.
مع الصباح، تقلص عددهم إلى 20، مات خمسة منهم مثأثرين بجراحهم أثناء الليل. سليمان بقي على قيد الحياة.
تلك الليلة اهتم عبد الباسط بالجنود الجرحى. سهر عليهم طوال الليل، تحدث معهم، ضحك معهم. شاركوه الخوف الممزوج بذهول النجاة. لم يشعر عبد الباسط بالذهول لأنه نجا من الموت، بل لأنه الآن تأكد أنه يعرف ما يريد حقاً: عبد الباسط الطبيب، نيو أورلينز، أمريكا، أي مكان بعيد عن الشمس.
في صباح اليوم التالي، دفن الجنود جثث رفاقهم  تحت رمال الصحراء – ستعاود الظهور مجدداً بعد شهور وستبقى هناك لليوم – وتابعوا مسيرتهم.
مع الظهيرة، وصلوا إلى قرية صغيرة. وجدوا بعض الجنود المتمركزين هناك، أخبروا الضابط المسؤول عما حدث. قُبض عليهم، اتُهموا بالعصيان والخيانة العظمي.
“الأوامر، أوامر،” قال الضابط للجنود المعتقلين.

.

بعد سنتين، أيلول، عام 1989 :
بعد سنتين خرجوا من السجن، تقلص عددهم إلى 15 جندياً. لم يعودوا جنوداً. الوطن لا يحتاجك إن أردت الحياة. اثنان منهم شنقا نفسيهما بملابسهما الداخلية في السجن، ثلاثة ماتوا بحمى الدرن الرئوي. الآخرون نجو، وأصبحوا هائمين في الشوارع معظم الوقت، أنصاف رجال، أنصاف مسوخ، بشر بلا جدوى.
عندما عاد عبد الباسط ف إلى منزله، لم يجد والده. أخبرته والدته أن والده قد مات قبل سنتين، وأنهم لم يريدوا أن ينقلوا له الخبر عندما سمعوا بخبر نجاته قبل سنة من الآن.
“والدك كان رجلاً طيباً، وقد فعل المستحيل من أجلك ليُخرجك من هناك،” قالت أمه.
لم يجب عبد الباسط ف. بدأت أمه تبكي. شعر بشيء من الأسى لأجلها. أخواته كبرن، إحداهن تزوجت، والأخرى ستتزوج سليمان بعد عدة سنوات.
“أنا سأرحل من هنا،” قال عبد الباسط ف.
“إلى أين؟ نحن لم نرك لثلاثة سنوات وتريد أن تتركنا!” قالت أمه.
“سأرحل،” قال عبد الباسط ف.
حاولت أمه إقناعه بالبقاء، لكنها استسلمت في النهاية. شيء ما تغيّر فيه. لم يعد يسأل لماذا، شعوره بالذنب تلاشى، لكنه كان مازال يعشق الموسيقى. جعلته يستمر في التنفس، لولاها لشنق نفسه في السجن أو جُن أو شيء أسوء من كل هذا:  بقي في الوطن المبالغ في أمره.
تمنى عبد الباسط أن يكون صوتاً بعد خروجه من السجن، يتحلل إلى ذرات تطفو في فضاء الأرض للأبد. كان مايزال يفكر في الصوت الذي سمعه مع سليمان والجندي العجوز على الراديو تلك الليلة، صوت جندي الفيت كونج.
ستمر سنوات طويلة قبل أن يسمع هذا الصوت مجدداً. في ذلك الوقت عبد الباسط سيكون إنساناً مختلفاً، “أفضل،” سيقول لنفسه. لكنه في  لحظة سماع أصوات الصراخ ذاتها مجدداً، كل شيء سيعود إليه، وسيسأل نفسه: “لماذا؟ لماذا؟” مجدداً. ولا أحد يعلم إلى أين سيقوده ذلك.

.

يوم الأربعاء، 25 كانون الأول، 1991 :
“الجميع يريد الذهاب إلى الجنة لكن لا أحد يريد أن يموت. . .” غنى آلبرت كينج، في حانة بلوز في نيو أورلينز. مرت أربع سنوات على فرار عبد الباسط ف من الموت في قاعدة معطن السارة. ليبيا خسرت الحرب، ولا أحد يعرف ماذا حل بالأسرى، المفقودين، الجثث. كأن الحرب لم تحدث أبداً.
لقد حل عصر جديد ذلك اليوم، عصر نهاية الأيديولوجيا، نهاية التاريخ. الأمريكيون كانوا يحتفلون خارج الحانة بسقوط السوفييت، ماعدا عبد الباسط ف الذي كان جالساً هناك يحتفل لوحده، ثملاً، سعيداً، لأنه أخيراً عرف ما يريد.

One response to علي لطيف: الجميع يريد الذهاب إلى الجنة لكن لا أحد يريد أن يموت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s