معن أبو طالب: رجل حذر

Benjamin Lowy. From

Benjamin Lowy. From “Run Hard: The NYC Marathon for Sports Illustrated”, source: benlowy.com

‘الهريبة ثُلثين المراجل’
مثل شعبي
.
لم يترك لي أبي رحمه الله من متاع الدنيا سوى الحذر. وهو بهذا قد ترك لي ثروة لا تفنى ولا تتبدد ولا يأتي عليها ظرف ولا امرأة ولا خمر.
بدأ تاريخ عائلتنا الحكيم في اتخاذ الحذر منهجاً في الأشهر التي سبقت النكبة، عندما رفض جدي عاصم رحمه الله الانضمام إلى باقي رجال القرية في مقاومة الصهاينة. كنت أسمع من جدتي أنه كان متقلباً في قراره هذا وأن ضميره قضّ مضجعه ليال كثيرة. كما أنه عانى الأمرّين كل يوم في القرية عندما كان الناس يُسمعونه كلاماً بخصوص امتناعه عن المشاركة. فكانوا يقولون “ما سمّعتنا صوتها للمحروسة يا أبو أمين” مشيرين إلى بندقيته التي كان يعلّقها في الدكان ولم يستخدمها قط. وأحياناً أخرى “وإنا إليه راجعون، ولا إنت شايف غير هيك يا أبو أمين”؟ ولكنه تحمّل وثبت، وأنا أميل للاعتقاد أنه لم يعان من قراره كما وصفت جدتي، بل أنه كان واثقاً وغير مكترث، وأن صمته وتجنبه لأهل القرية في تلك الأيام لم يكن إلا من سنة الحذر نفسها والتزامه بها.
بانت حكمة جدي ونفاذ بصيرته عندما دخل الصهاينة على القرية ذات يوم وجمعوا جميع رجالها. تقول جدتي إن جدي كان بينهم، وإنهم أخذوهم جميعاً إلى أحد قصور العوائل الكبيرة المدَمّرة ووضعوهم في ساحة القصر معصوبي الأعين، مكبلين، ومقابلين سوراً في صفين متوازيين. عندما حان وقت أن يرفع المجندين رشاشاتهم، وأعطاهم القائد الإسرائيلي أمر الاستعداد لإطلاق النار، قال أحد الضباط “مين … فيكُن … آسيم أويس؟” صاح جدي بأنه هو، وتقدم منه جندي وفكّ عصبته ووثاقه، ثم ركله على مؤخرته. تقول جدتي إن جدّي “حمل كل شبشب بإيد، وركد متل الطلأ. حتى صوت الرشاشات ما لحّؤه”.
فالحذر إذن هو من تلك القيم التي تعود على صاحبها بفوائد ملموسة. ليست كالكرم والإخلاص والوفاء وما شابه. هذا إن جاءت الضرورة طبعاً. وإن لم تجئ، فالحذر يكون مكافأة نفسه. فلا داعي لحمل شبشب والركض متل الطلأ. منذ ذاك اليوم حُفر في ذهن عائلتنا درس لا ينسى ولا يُساءل. تأصلت فينا بوادر كانت تطفو وتظهر حيناً وآخر دون أن تصبح طابعاً. وربما لو كنا اعتمدناها قبلاً لكان وضع العائلة أفضل بكثير مما هو الآن. فلو أن عم والدي  تطبّع بالحذر، ولم يختر الذهاب إلى لبنان بدلاً من عمّان – لأسباب عاطفية تاريخية ساذجة – لما نفق ربع العائلة في مذبحة، ومن ثم ربعها الآخر في مجاعة. ولما اضطر ابنه الوحيد المتبقي للجوء إلى أمريكا اللاتينية، حيث زرته في لحظة ضعف وضياع في شبابي، وعرفت أكثر مما يلزمني عن مخاطر السذاجة.
الحذر، كغيره من الخصال الحميدة، بعضه فطرة وبعضه تطبّع، ولذا حرصت أنا على تربية أبنائي على هذا المنهج منذ نعومة أظفارهم، ولا أعتقد أن فيهم أية بوادر تنبئ بالحياد عنه، على الأقل لم أر أية بوادر. الحذر، نعم الحذر. لا أبقى منه ولا أنجع. أخذني الموضوع بعض الوقت لأروض زوجتي وأضعها على هذا النسق. فهي وإن كانت من عائلة محترمة “بدهاش إلا الستر”، إلا أن مهارتهم وخبرتهم في ممارسة الحذر لا يقارنا بعراقة حذر آل عويس. بل إن أحد إخوتها طائش لا مبال، شارك مرة في اعتصام أمام السفارة السورية. ومع أنه لم يُعد فعلته هذه، إلا أن علاقتي به اختلفت تماماً من بعدها، وهو يعرف هذا. هناك برود تسلل إلى تصرفاتي تجاهه لا ينهيه إلا إثباته لي أنه لن يعيد طيشاً كهذا مرة أخرى. فهكذا أمور تجر العائلة كلها إلى التهلكة.
لسان العرب يقول إن الحذر هو “اليقظة والتأهب”، وهذان تعريفان يسعدانني جداً، ويزيدان من طمأنينتي طمأنينة لهذه الأسوة التي اتخذناها في آل عويس مذهباً. وهي فضيلة يحث عليها ديننا ويشجعنا عليها، فالحذر ثابت في الكتاب والسنة. ولأذكّر عائلتي بهذا بروزت آية ووضعتها في صدر غرفة الجلوس: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتاً أو انفروا جميعا} النساء ٧١. وفي هذا تأكيد أزلي وحاسم على محاسن الحذر. قد تقول، كما قال لي أحدهم مرة: وماذا سينفعك الحذر إن وقعت على حيّك قنبلة أو قذيفة؟ أو قامت القيامة؟ وماذا سينفعك لو وقع عليكم نيزك من سجيل، تحمله طيور أبابيل؟ هنا أقول له إنني لهذا السبب بالضبط أقوم بما أقوم به الآن. فإن وقعت الواقعة الآن فأنا أعرف تماماً كيف أتعامل معها. لن أقف مشدوهاً أتحسر على ما كان ولن أتأمل في رحمة من أحد. وانطلاقاً من كون الحذر ينطوي على التأهب كما يقول لنا لسان العرب، فإن هناك أمرين يمليهما علينا الحذر الآن: دراسة خيارات الرحيل، والحد من تأثير بعض العناصر غير المسؤولة على عائلتي.
لقد رأينا الكثير من المصائب واعتدنا على قربنا منها، ولكن العيش هنا يعطيك الشعور الباطل أن هذه القيامات الصغيرة تحدث في مكان آخر بعيد. وهذا أمر أنبّه أبنائي له على الدوام. فهم ينسون أن صبرا وشتيلا حدثت على بعد ثلاث ساعات بالسيارة، وأن الجنود الإسرائيلين قابعون على بعد ساعة لا أكثر، وأن المستوطنين المسعورين يقتربون كل يوم، وأن الشوارع مليئة بمختلف أنواع القتلة والمجرمين الذين نزحوا من العراق أو سوريا أو لبنان أو فلسطين. ولذا علّمت أبنائي أن يسيرو في الشوارع مطأطئين رؤوسهم لا يكلمون أحداً. ولقد دربتهم كثيراً على الرد التالي إن تحدث إليهم أحد، أيّاً كان: آسف، بعرفش. ثم أن يسيروا مبتعدين. وكما يقولون فإن العلم بالصغر، كالنقش في الحجر، أو زي ما أنا بحب أقول: العلم في الصغر نقش للحذر. ويمكن إعادة تأويل هذا المثل ليكون: العلم في الصغر، بلاغة في الحذر. أو: الحذر الحذر، عليك بالحذر. وصلت الفكرة؟ هؤلاء الأولاد المباركون ينكّبون على دراستهم ولا يقومون بما ليس له داع ولا ينجرّون وراء زملائهم. هم هواة الشق العلمي من التعليم، وهم مؤدبون لا صلة لهم بالمشاكل. تلومني أمهم أحياناً أن لا أصدقاء لهم ولا هوايات، ولكني أذكرها بأن لا أحد يعوَّل عليه كالأخ، والصديق لا ينفع لا وقت الضيق ولا غيره. فلتراني أنا، لا أصدقاء لي ولا هوايات، أساير زملائي في العمل فقط بما يكفي لكي لا أستثير عداوتهم، وها أنا قانع مبسوط منشكح، لا يضيرني أن أجلس مع عائلتي لنتابع التلفزيون أو نتحدث عن دراسة الأولاد. هم جميعاً يودون أن يصبحوا موظفين في جامعات أو دوائر حكومية.
هناك بطولة في الحذر لا يعرف عنها الشجعان شيئاً. هي صلابة وإرادة وتصميم أسطوري على تجنب المتاعب، بل وخوض متاعب تختارها أنت لتجنب متاعب قد تفرض عليك.
تجد دوماً من يتغنى ببطولات أحمق رمى بنفسه وعائلته إلى التهلكة، أو ضحى بحيه بأكمله من أجل لحظة من المجد والكبرياء، ولكنك لا ترى أبداً من يتغنى بحكمة وحنكة رجل تحمّل لطمة كف فسيطر على نفسه، وأدرك حجم العار الذي سيلحق به، ومع ذلك صمم وآثر أن يحافظ على اتزانه وأن يحوّل نفسه إلى حديد لا يشعر باللطمات. أذكر بوضوح حكمة أبي عندما رفض إيواء مقاتلاً فلسطينياً خلال أيام أيلول الأسود، وكيف تحمل بشجاعة رد فعل أهل الحي ومقاطعتهم إيانا لسنوات طويلة بعدها، تحملناها نحن بمزيد من البسالة من بعده. ولكننا كنا قانعين. أن يقاطعنا أهل الحي وأن نكون محط احتقارهم خيار ناجع مقابل غضب نظام منتصر وراءه العالم بأكمله، بضباطه وبندقياته وزنازينه. المهم، إذا قسنا على حكمة أبي رحمه الله، ومنهجه الحكيم في درء المشاكل والابتعاد عن المقلقات، فإن تصرفي في مكانه، وإن بدا فيه شيء من التهوّر والمبادرة. كما أنه لا بد لعمل كهذا أن ينطلي على مفاجآت، والمفاجآت بطبيعتها أمر سيء. ولكن الحذر الحقيقي، كما رأينا، لا يكون بالوقوف مكتوف اليدين بانتظار ما يلقيه العالم في وجهك من قمامة، بل يكون بأخذ الاحتياطات اللازمة والابتعاد عن مسببات المصائب.
في الأسبوع الماضي دعانا أهل زوجتي للغداء في الشعبانية. أنا أتجنب هذه الزيارات قدر ما استطعت ولكن بعض الأمور لا مفرّ منها، ومقاطعتها قد تتسبب بمشاكل أكثر مما تختصر. المهم، كان يوم جمعة وذهبنا جميعنا هناك وبدأنا بالحديث عن العموميات وأسعار البطاطس والبندورة والطقس وما شابه. وارتحت أيما ارتياح عندما بدأنا بالحديث عن مباريات الأسبوع المنصرم. أنا لا أكترث لهذا التهافت طبعاً ولكني أعرف ما يكفي لأجاري حديثاً مع هؤلاء الحمقى المخلصين للأندية. ومتعتي في الحديث عن الرياضة لا تأتي من الموضوع نفسه وإنما من شعور عميق بالأمان أحس به كالدفء يصعد في جسمي، حتى أنني أحياناً أجد نفسي مبتسماً بلذة وأنا أستمع لغريمي الأحمق يتحدث عن هذا المدرب أو ذاك وما أخطأ به أو أصاب. كانت جلسة هانئة لا بوادر إشكال فيها حتى ظهر أخو زوجتي متأخراً عن موعد الغداء طبعاً، وأمسك بالريموت وحول التلفاز إلى قناة إخبارية. نظرت إلى أولادي وأومأت لهم بأن يذهبوا ويلعبوا في إحدى الغرف الداخلية لأنني أحسست بما هو قادم. وفعلاً، ما كانت إلا دقائق حتى بدأ بالحديث في أمور فظة يُحرى بها أن لا تُناقش علناً. وراح يتكلم بلا حرج عن سوريا ومصر واليمن ويفسّر هذا ويؤوّل ذاك. وما أزعجني أيما انزعاج كان أن الجميع قد انسجم معه وأخذوا يستمعون له بل ويناقشونه. كانت هذه جلسة مزعجة لا أكثر، كما أنني كنت مشغولاً بتهنئة نفسي على إبعاد الأولاد في الوقت المناسب دون إثارة الشبهات. لكن وبينما أنا سارح في أفكاري هذه لم أكد أصدق أذني عندما بدا لي أن زوجتي تتحدث إلى ذلك الوغد، أخيها. وفعلاً أدرت رأسي ونظرت ورأيت ما رأيت. وكانت هذه من اللحظات القليلة في حياتي عندما وجدت صعوبة في أن أتمالك نفسي. بدأت أستمع لحديث زوجتي ووجدتها تطرح سؤالاً. هذا يعني أن هذه الأمور تشغل حيّزاً في تفكيرها. إنها تفكر في هذه الأمور العبثية لأجلها وليس فقط لأجل تفاديها. الفوضى تتسلل إلى سريري وأنا نائم. الأحمق يجاوبها الآن وهي منصتة بعطش يثير غثياني. من هي هذه؟ هل أعرفها؟ هل تتحدث إليه في الهاتف لتسأله عن هذه الأمور؟ ماذا لو تحدث عن هذه الموبقات أمام أطفالي؟ لا أستطيع أن أسمح بهذا ولن أسمح به. وحسابها عسير عندما نصل البيت. ولكن هذه ليست هي المشكلة. المشكلة هو. هذا المتطفل الدخيل على عالمي المحكم. هي مجرد نافذة غير محكمة، وهو المطر المنهمر. هذا الوغد الأعزب المتعجرف غير المسؤول. هذا الفوضى العارمة التي تسير على قدمين. ليس بعيداً أنه يحمل منشورات أو أنه يجمع تبرعات أو يحضر اجتماعات سريّة. فهو يبدو من هذا النوع الأبله الرومانسي ببنطاله الجينز وشعره النافش وكلماته الكبيرة. لا بد لي من القضاء على تأثيره، أو عليه. علي أن أدرس الموضوع وأن أعرف أيهما أسهل، وعندها لن أتوانى ولن يوقفني شيء عن تحقيق خطتي. الضرورة لها أحكام، والحذر له أشكال عدة.
عندي مبلغ لا بأس به في البنك جمعته خلال سنين طويلة من مراكمة راتبي المتواضع، يكفي فقط للابتعاد لبضعة أشهر لا أكثر. هو ثمرة عملي في الجامعة كموظف تسجيل. هذه الوظيفة ما زالت تثبت أنني كنت ذا حكمة وبُعد نظر حتى في أيام شبابي. راتبي مضمون، وحتى الحرب العالمية الثالثة لا يمكن أن تغير بنداً من بنود عملي. أحياناً نتعامل مع طلاب متعجرفين أو أبناء ذوات ووساطات ويضطر المرء لغض سمعه عن كلمة أو إساءة، ولكن لا شيء خطيراً بحق يحدث هنا. دوامي من التاسعة إلى الرابعة والنصف كل يوم. وأنا تقريباً لا أغادر مكتبي أبداً، إلا عندما يتوجب علي أن أسلّم قوائم المنح الخارجية إلى رئيس قسم الدراسات العليا.
لقد تحدثت مع زوجتي مليّاً بعد عزومة الغداء المروّعة تلك. وقالت إنها كانت تشعر بالفضول لا أكثر. سألتها إن كانت لم تسمع قط بالمثل الإنجليزي القائل بأن الفضول قتل القطة، وقالت بلى، وأومأت إيماءة أظن أن المغزى منها كان الإيحاء بالندم. ولكن، وأسفاه، فأنا لا أستطيع أن أثق بها بعد الآن. ما الذي يؤكد لي أن الفضول لن يبث سمومه في رأسها مرة أخرى؟ ما الذي يضمن لي أن لسانها لن يزلّ أمام أولادي؟ عندما خطبت لي أمي زوجتي من الحارة التحتى وصفتها بكلمة واحدة فقط، قالت إنها “عاقلة”. ولو! وهل فشلتِ حتى في هذه يا أمي؟ هل وصل بك انعدام الكفاءة إلى هذا الحد؟ طلبتُ منك أن تجدي لي زوجة عاقلة. لم أقل جميلة، لم أقل شقراء، لم أقل ذكية، لم أقل خفيفة دم، لم أقل ذات صدر ممتلئ، لم أقل ذات بشرة حنطية، كل ما طلبته منك هو أن تكون عاقلة. وها قد ثبت أنك فشلتِ في هذه المهمة يا أمي. المهمة الوحيدة التي كلفتك بها. بدلاً من العاقلة وجدت لي من هي فضولية. ياله من فشل يا أمي. ماذا حصل؟ هل تسرّعتِ؟ هل كان وراءك مشوار جعلك تتعجلين في الحكم على شريكة حياتي؟ لو كنت أستطيع أن أجدها بنفسي لفعلتُ، ولكن أن يجد رجل فتاة عاقلة بنفسه أمر مستحيل. كونها عاقلة ينفي أي امكانية للتواصل معها. أرأيت؟ كما أقول دوماً، لا يمكن أن تثق بأحد، ولا حتى بأمك.
بعد أن يخلد أولادي إلى النوم أجلس وحدي على التلفاز وأتابع نشرة الأخبار في منتصف الليل. كانت زوجتي تنضم إلي أحياناً وكنا نتناقش بما نسمعه بيننا. ولكن هذا لم يكن – أو هذا ما خُيّل لي – من باب الاهتمام والفضول، بل من باب تمحيص الأمور ودرء المخاطر. كنت بهذه الطريقة أعرف حصيلة اليوم من مصائب وأستطيع أن أكوّن فكرة واضحة عن مدى الخطر الذي يتهدد عائلتي. ولكن بعد ما حصل مؤخراً بدأت بتغيير هذه الاستراتيجية. فلا يمكنني أن أتابع الأخبار بتركيز إذا ما كانت زوجتي بجانبي. دوافعها ليست دوافعي. وإشباع فضولها بالأخبار لن ينتج عنه إلا المزيد من الفضول والأسئلة المتزايدة. لذا أصبحت أتابع فيلماً، يفضل أن يكون فيلم كوميديا رومانسية، نذهب بعده إلى الفراش ببال مرتاح. أحاول أن أحصر الحديث في الفيلم الذي حضرناه وما سنتناوله للغداء في اليوم التالي. لا أخفي عليكَ عزيزي أنني أشتاق لزوجتي بعض الشيء، وأني أشعر بوحدة عميقة منذ تلك العزومة اللعينة، ولكن يجب علي أن أصمد. لا أستطيع أن آخذ أي مغامرة قبل أن أنهي مهمتي.
ما علي فعله هو أن أقترح على زوجتي أن تدعو أهلها إلى عزومة إفطار فور حلول رمضان، وأن تصر على قدوم الوغد الأحمق معهم. هو عاطل عن العمل ويحمل شهادة في الأدب الإنجليزي. سأحصن بيتي من المصائب يومها بأن أرخي أحد أسلاك التلفاز وأدّعي أنه معطل، كما أنني سأصرف الأولاد سريعاً للدراسة أو ما شابه. ومن ثم وبعد أن نبدأ بالأكل سأسأل الأحمق عن خططه المستقبلية من باب أنني نسيبه وهو خال أولادي ويهمني أمره. لا شك أنه سيجيبني جواباً مبهماً قابل للتحوير والخزق، وهنا سيكون مقتله. سأتسلل إلى رأسه كما تسلل إلى فراشي. سأبالغ في وصف نفوذي وسأوهمه بأنني أستطيع دعمه للحصول على منحة للدراسة في الخارج. يجب أن أكون محدداً أكثر ليرسم الحلم في رأسه بوضوح أكبر. سأقول له إن هناك منحة من جمعية دولية وأنهم سيختارون مجموعة من الخريجين لاستكمال دراستهم في برلين، وإن بإمكاني اقتراح اسمه على اللجنة. سأقول له إن المنحة لدراسة الماجستير وأن التكاليف كلها مغطاة وإنه من الممكن للمبعوثين البقاء والعمل في البلد التي درسوا فيها، وبعد هذا سيكون عليهم التدريس في الجامعة إن عادوا، ولكن من يريد أن يعود من هناك؟ أليس هذا صحيحاً، وعندها سنضحك سويّاً. وسيبتسم هو ابتسامة بلهاء فاغرة تُفشي عن تغلغل السم في بدنه. سأحمّسه، ولابد أن حماتي وحماي سيتحمسان أيضاً ويشكرانني، بينما يشغل هو مخه بهذا الهراء الذي لا يضرني بدلاً من الهراء الذي يجلب لنا جميعاً التهلكة.
نعم، بعد هذا الغداء سأوطد مكانتي في عائلة زوجتي كالمنقذ الذي يُرتكن إليه، وهذه حقيقة، وسأخلص هذا الشاب المسكين من أفكاره التعيسة الخطيرة وأبدلها بأفكار تعيسة غير خطيرة. سألهيه بهذا أشهراً عدة بين طلب امتحان لغة ووثيقة حسن سيرة وسلوك واستخراج دفتر خدمة وما شابه. وفي هذا الوقت أكون بالتأكيد قد حللت مسألة الرحيل وربما نغادر البلد وهو مازال ينتظر. ذلك الوغد السفيه الذي جرأ على تلويث أدمغة زوجتي وأولادي.
بين كل فترة وأخرى يركض ورائي طالب مسكين يطلب مني راجياً أن أريه قائمة المبعوثين التي سأسلمها للعميد. حدث هذا آخر مرة منذ حوالي شهر. ركض ورائي شاب ذو لهجة قروية بحذائه الرديء وملابسه التي يكويها يومياً ليخفي اهتراءها. ركض ورائي ورجاني أن يرى الأسماء، فهو لا يحتمل أن ينتظر أكثر. تقدم للمنحة منذ سبعة أشهر ولم يأته جواب، وقيل له إن هذه فرصته الوحيدة ليعرف. وهذا صحيح، إن ذهبت القائمة إلى مكتب العميد لن يعلن عنها للعامة حتى يصل المبتعثون إلى بلاد ابتعاثهم. وهذا يعني أن من تم رفضهم لن يعرفوا أيضاً. وهم لن يعرفوا من زملائهم لأن دوائر معارفهم لا تتقاطع.
وهكذا بطّأت من خطواتي رويداً رويداً وهو يلهث من ورائي ثم توقفت ووافقت أن أريه القائمة وهي في يدي. ما حدث له يشبه ما يحدث لأم قيل لها إن طفلها ضاع، أو أب قيل له إن ابنه في المعتقل، أو شاب قيل له إن حبيبته تزوجت صديقه. المسكين ثبتت عيناه. حاول أن يقول شيئاً ما وتحرك فمه ولكن صوته لم يخرج. سار خطوات قليلة وجلس على بنش وأنا في مكاني أنظر إليه. ياله من أحمق. أحقاً اعتقد أنه كان سينتشل من قريته حيث يذبحون الخراف في صدر الدار ليرتمي في صالات محاضرات الغرب؟ جلس على البنش رأسه فوق ساقيه ويداه على جنبه تمسكان البنش كأنه قد يقع إلى الأمام على وجهه. لقد وقع المسكين بالفعل، ولا كل علامات الدنيا ستنتشله. هو وقع لحظة ولادته، مستقبله محسوم والكل يعرف إلا هو، هذا الساذج الأحمق. البطالة تنتظرك يا بطل. تنتظرك على بعد أيام يا أوّل الدفعة. البطالة ستحتضنك بذراعيها الواسعين وقضيبها المنتصب، وستستسلم لها أنت وكل من معك. هكذا أريد أن أرى ذلك الوغد نسيبي. أريد أن أراه محطماً مستسلماً. يبني مستعمرة من الآمال والأحلام على مدى أشهر طويلة لأحطمها له مرة واحدة. سأقول له إن الجامعة في برلين رفضته. إن رفضه جاء من مصدر أحلامه وليس من العائق المحلي المعتاد. نعم لن أسمح له أن يلوم أحداً إلا نفسه. رُفض لأنه ليس جديراً. لأن قدراته متوسطة لا أكثر. نعم أنت وهو، طأطئ رأسك واعرف حدودك واقبل بمن أنت.
كل ما أحتاج إليه هو بعض الوقت. يجب علي فعله لأنه في النهاية ربما تكون فكرة ترك البلد والذهاب إلى مكان آخر غير سديدة. إن ما علي القيام به هو أن أؤمن نفسي هنا وأضع ثقتي في حكمة ونظام مالكي البلد. ربما يكون كل ما يجب علي فعله هو أن أبيع شقتي حيث أسكن الآن، وأن أبيع ذهب وفضة زوجتي، ثم أهددها بالطلاق وأشتري بيتاً صغيراً على مشارف العاصمة، وأن يكون في البيت حديقة صغيرة أربي فيها الخضروات والفواكه وربما بعض الدجاج. سأعهد لأحد أبنائي بمهمة رعاية الحديقة وزراعتها. سأشتري من زميلي في الجامعة مسدساً من النوع المسموح به وسأضع حديداً على النوافذ، وسأبني سوراً عالياً أغطيه بزجاج محطم.
نعم. ربما، بعد أن أرتب أمور بيتي، ربما يتضح لي أن بقائي هنا أنجع وأفضل من أي بلد يبدو مستقراً هادئاً. أنا في مدينة أشبه بمحطة قطار. فيها يمكنك الاختفاء تماماً. العابرون لا وقت لديهم لملاحظتك ولا الشرطة والأمن معنيون بك. الجميع ينتظرون الخروج. هو مكان لا وقت فيه للتراكمات. مكان لا لغة له سوى لغة اللافتات والطلبات والوجبات السريعة، تلك اللغة المُبسّطة المشوبة. أنا في مكان ليس لأحد. وهذا، ربما، هو أبعد ما يسعني أن أكون عن المذبحة.

Respond to معن أبو طالب: رجل حذر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s