أحمد الحادقة: كلهم أحد

Bieke Depoorter. EGYPT. Cairo. 2012. From the series

Bieke Depoorter. Cairo. 2012. From the series “In Between”. Source: magnumphotos.com

أن تجلس في هذه البقعة، نعم هي ليست خارج المدينة، لكن أن تجلس فيها وترى السيارات عن بُعد، ليس من أعلى مكعب كملايين المكعبات لكن من أُفُق  السيارات نفسها، إحساس جديد في هذه المدينة. أن تشعر أن نسبة من يراقبونك أقل من المعتاد ولو لفترة وجيزة، إحساس طالما افتقدته في المدينة المخصية هذه: مدينة بلا خصوصية على الإطلاق.
تلك الأحساسيس تعمل كمخدر إلى أن – فجأة – تعي الحقيقة. إنك وحيد في مربع أخضر يملأه خراء كلاب لا تراه. للحظات كنت تظن أن أصوات من حولك خافتة. للحظات كنت تظن أنك في مكان خارج مخاوفك.
فجأة يرن الهاتف الذي تكتب عليه تلك الكلمات، فتسمع صوتاً أُنثوياً يقول “تعالَ دلوقتي”. تغلق كتاباً تقرأ فيه، وتتأمل. هل هناك ما يدعو للتأمل وسط تلك الأغاني الشعبية التي سمّاها مُخَنَث ما بالمهرجانات؟ هل هناك ما يدعو للتفكير في مستقبل ما وسط أدخنة تنكح صدرك؟
أن تكون في تلك المدينة، إما أن تخاف أو تعرّس. دائماً هناك من تعرّس له. دائماً هناك ما تخاف عليه أو منه. بوسواسٍ قهري، تلقي نظرة علي آخر جملها في رسائلها، تأمل لو كان هذا كابوساً. تُصلي لرب قد يكون موجوداً لكنه لا يأبه بك، بأن يوقظك.
يعلن البعض أن الليل قد حان. تذهب إلى مكانٍ خارج تجاربك، وتجلس علي الرصيف. مرة أخرى ترى السيارات على الأُفُق. لكن هذه المرة، هي أقرب إليك من ذراعك الممتد لطرقعته. تُفاجأ برسالة غير متوقعة من ذاتك: “إنت كويس؟” حيث يتزاوج الألم والأمل. يا لها من مصادفة! فالعالم كله مبني على كلمتين هما وجهان لنفس العُملة، ألم وأمل، مع تبديل حرفين. كلما تغوص في واحدة منهما، تغوص في الأُخرى. كأنك تعرس لواحدة، فيجيئك عرض بالتعريس المجاني للأخرى.
على الأرجح، هناك أمل. لكنك لا تعي سِفر تكوينه ولا أسباب نزوله. فهو مخبّأ في أرقام تزال بعيدة عن اللحظة. آه منها آه. اللحظة والحاضر شيء محرج، تماماً مثل سؤال الإرادة الحرة من وجهة نظر فلسفية. هل أنت حُر؟ الذي يسأله السُذج ”هل انت مسير ام مخير؟” قمة الإحراج، تماماً كالجلوس على رصيف شارع لا يجلس عليه سوي التراب الممزوج بالعرق، وربما كثير من البصاق المجمد.
دُخان سيجارتي يُعدّل في المشهد، ربما (أعشقها عندما تقول تلك الكلمة) كان مخبران يختطفان رَجُلا ليلقيا به في ميكروباص. أؤجل رشفة ما تبقى في كوب من ماء، لأتمدد ثانيةً علي الفراش – آه يأتيني صوت من أعلى رأسي يقول “اسمه سرير ياله” – مُستعداً لرحلة لا أشعر بها في إحدى ليالي الأحد. ليلة فراق (لا تحتاج لأل التعريف). وكُلهم أحد.

Respond to أحمد الحادقة: كلهم أحد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s