عطارد: محمد ربيع | فصل من الرواية الجديدة

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

Mercury by Polidoro Caldara da Caravaggio (1495–1543). Source: gormagon.org

ما زلتُ أذكرُ أوّل يوم، كان هذا منذ ثلاث سنواتٍ وستّة شهورٍ، بالتحديد في الثالث من مارس عام 2023.
كنتُ في إجارة، أمشي في شارع شريف في وسط البلد، باحثًا عن أيّ مقهى. كان الشارع مُزدحمًا كعادته، الساعة تقتربُ من الثانية ظهرًا وهي ساعة الذّروة في منطقة وسط البلد.
دون مُقدِّمات، رأيت مبنى البنك الأهلى ينهار، وكمّية هائلة من الغبار والركام ترتفع في السماء لتحجب الأنظار، وتسدّ الحلوق. بعدها سينسى الجميع تمامًا انهيار مبنى البنك الأهلي، وسنعرفُ أنّه انهار من تلقاء نفسِه، لا بسبب صاروخ أو دانة مدفع.
خلال الساعات الثلاث التالية، ستمرُّ في السماء طائرات حربيّة عديدة، ستقصف أهدافًا بعينها؛ البنك المركزي، ووزارة التعليم، ووزارة الصحّة، ومبنى نقابة الأطباء، ومبنى تابع للتلفزيون في حيّ المقطم، ومبنى القمر الصناعي في المعادي، ومباني الأوبرا في الزمالك، ومباني ومصانع ومخازن عسكرية عديدة في كلّ أنحاء الجمهورية. سنعرف كلَّ هذا لاحقًا.
قُطعت الاتصالات كلّها، عدنا إلى أوائل القرن العشرين فجأة، لا إنترنت، لا تليفونات محمولة، ولا تليفونات أرضية، ولا تلفزيون. لم يبقَ إلّا الراديو، أذاع راديو صوت العرب برامجه المعتادة، وبثَّ الموسيقى الهادئة بعد انقطاع نشراته الإخبارية المعتادة كلّ ساعة.
بعد ثلاث ساعاتٍ من القصف المختار بعناية، سمعنا خبرًا في الراديو، إذاعة الـ «بي بي سي» تعلن أنَّ: القوّاتِ المسلّحةَ لجمهورية فرسان مالطا قد ألحقت هزائم بالغة بالقوّات المسلّحة المصرية، وأنّ جمهورية مصر العربيّة أصبحت تحت سيطرة الجيشين الرابع والخامس لفرسان مالطا. تمَّ إلغاء الدستور المصري، وإحلال دستور جمهورية فرسان مالطا بدلًا منه، وحلّ مجلسي الشعب والشورى، وحلّ المجلس العسكري المصري، ومجلس الأمومة والطفولة المصري، ومجلس الحرِّيَّات المَدَنيّة المصري، ومجلس حقوق الإنسان المصري، ومجلس الدعم الفنِّي للإجراءات الوقائية المصري، وإلغاء المحكمة الدستورية المصرية، وتعطيل العمل بالمحاكم المصرية كافَّة، وضمّ جهاز المخابرات العامّة المصرية إلى الجيش الرابع لفرسان مالطة، وعزل الرئيس المصري، وفصل رئيس الوزراء الحالي وحلّ الحكومة. وأخيرًا، تجميد عمل فروع القوّات المسلّحة المصرية كافّة.
في التاسعة مساءً سنسمع من الراديو خبرًا يعلن اسمَ الحاكم العسكري لمصر، الفيلدمارشال بول- بيير جينفيف. وسيكون أوّل قراراته هو تعيين الدكتور خليفة صدقي رئيسًا للوزراء، وتكليفه تشكيلَ الحكومة الجديدة.
في صباح اليوم التالي، الرابع من مارس 2023، ستتصدّر جميع الصحف المصرية عناوين متشابهة، سيصبح أشهرها مانشيت الأهرام: «الدكتور صدقي يُكلَّف بتشكيل الحكومة الجديدة وأنباء عن إلغاء وزارة الإعلام».
وخلال الأسبوع التالي، وبينما رئيس الحكومة الجديد عاكفٌ على اختيار وزرائه، «لتواجه الحكومة ما يترصَّد مصر من مخاطرَ ومشاكل» قام 450 ألف جنديٍّ وضابطٍ من جيشي فرسان مالطا بالدخول إلى الأراضي المصرية عبر فرعي النيل عند مدينتي رشيد ودمياط، لتغطِّيَ تلك القوّاتُ الدلتا بالكامل، وعبر قناة السويس لتحتلّ مدينتي السويس وبورسعيد. استقرَّت عدّة ألوية مدرّعة في دمياط ورشيد والمنصورة ودمنهور وطنطا والمحلّة الكبرى والإسماعيلية والزقازيق ومنوف وأخيرًا القاهرة. اقتصر الأمر على الدلتا فقط، ولم يتحرَّك جندي مالطي واحد جنوب القاهرة، وكان الصعيد مهملًا تمامًا.
وهكذا، انتشرت دوريّات الاحتلال في كلّ تلك المدن، كانت مهمّتهم الحفاظَ على الأمن بعد انسحاب ضبّاط الشرطة وهزيمة الجيش. قيل عن هذا الاحتلال إنّه كان أنجح عملية عسكرية في التاريخ، تمّ تدمير معدّات الجيش المصري وقواعده بالكامل خلال الأسبوع الأوّل من انتشار القوّات المالطية، وأصبح الجنود والضباط بلا قيادات أو أسلحة أو أجهزة اتصال، فعاد أغلبيّتُهم إلى بيوتهم بلا أيِّ أمل في المقاومة. في نهاية الأسبوع الأوّل ومع اكتمال انتشار وحدات جيشي فرسان مالطا في جميع مدن الدلتا والقاهرة، أعلن رئيس الوزراء أنّ: «مصر تلتزم الاتفاقاتِ الدُّوَليةَ كافّة، وتلتزم استمرارَ دعم الموادّ الغذائية والمحروقات، وتلتزم دفعَ رواتب العاملين في القطاع الحكومي، بما فيهم موظفي وزارة الدفاع، وتتطلّع إلى مستقبل ناجح سيبهر العالم في ظلّ التطوّرات الدُّوَلية الجديدة».
لم يقاومِ المصريون المُحتلَّ هذه المرّة، وعندما عادت الاتصالات بعد أسبوع من الانقطاع، تواردت أنباء عن مقتل عشرين مواطنًا في أثناء انتشار قوّات فرسان مالطا، وهو رقم صغير جدًّا إذا ما تمَّت مقارنتُه بما يحدث عادةً في الحروب، بينما لم يكن هناك أيُّ معلومات عن خسائر الجيش، أو عن الحكومة المقالة، أو عن الرئيس السابق. انتشرت صورٌ ومعلوماتٌ عديدة عن جيشي فرسان مالطا، وعن الفيلدمارشال بول- بيير جينفيف. عادتِ الحياة إلى طبيعتها بسرعة كبيرة.
وكشاهدٍ على القوّة البحرية الهائلة، وقدرة زوارق فرسان مالطا وقواربهم على الحركة والمناورة واحتلال مجرى النيل، استقرَّت خمسُ قواربَ حربيّةٍ خفيفةٍ في مجرى النيل، في المنطقة الواقعة بين جزيرة الزمالك والقاهرة الشرقيّة. كانت الزوارق تبدو كأقزامٍ أمام المباني العملاقة المطلّة على الكورنيش، لكنّ الجميع كان يدرك مدى كفاءة تلك الأقزام.
كنتُ أعيش في حيّ الدقّي في ذلك الوقت، بينما كنتُ أخدمُ في قسم قصر النيل في حيّ جاردن سيتي. انقطعتُ عن العمل كما فعل كلّ رجال الشرطة في القاهرة الشرقيّة. وبدا أنّ القاهرة الغربيّة وما بعدها مناطقُ لا تمثِّل أهمّيةً لدى جيشي فرسان مالطا.
وخلال تلك المُدّة لم تُقرأ كلمة «احتلال» في أيّ من الصحف. بل لم تُسمع قطّ.
كان الأمر شديد الغموض، أعني تقبّل المصريين للمحتلّ وانعدام مقاومتهم له، تناسى الجميع الحكاية برُمّتها واستمرُّوا في حياتهم المعتادة، قاموا بالتعاون مع دوريّات جيشي فرسان مالطا المرورية في المدن المحتلّة، واحترموا الانتظار لدقائقَ قليلة في طوابير ليتمَّ التأكُّد من سلامة تراخيص السيّارات والاطّلاع على بطاقات الهُويّة، وبعد شهرين أعلن الحاكم العسكري عودة المحاكم المصرية إلى العمل، الأمر الذي قوبل باستحسانٍ هائل، ورأى الناس أنّ الأمر بعودة المحاكم إلى العمل هو اعترافٌ مالطي بشموخ القضاء المصري الشامخ دومًا. تعاملت النيابة مع جيشي فرسان مالطا كما كانوا يتعاملون مع جهاز الشرطة المصرية، كسلطة ضبط وإحضار ومحافظين على الأمن، وأيضًا تعامل القضاء مع الجيشين بالصفة نفسها. بدا أنّ جيشي فرسان مالطا أكفأ منَّا كثيرًا، والحقيقة أنّ أداء الداخلية كان قد استقرّ عند القاع منذ مدّة طويلة، والناس أنفسُهم كانوا قد ملّوا الشكوى، وتقبَّلوا جرائم السرقة والاختطاف بصدر رحب، ومع مرور الوقت لم يعد هناك ما يُمكن سرقته، أو من يصبح اختطافه مربحًا. ربّما لذلك كانت مهمّة جيشي فرسان مالطا سهلة للغاية.
بعد مرور تسعة شهور من الهدوء تمّ تعيين اللّواء محمّد أحمد عبد الله وزيرًا للداخلية، كان اللواء عبد الله يشغل منصب مساعد وزير الداخلية السابق لقطاع السجون. وفي خطاب له، بعد حلف اليمين أمام الفيلدمارشال بول- بيير جينفيف، أعلن أنّه يستدعي جميع العاملين في وزارة الداخلية إلى العمل مرَّة أخرى، طالبًا منهم حُسنَ التصرُّف وتقديم مصلحة المواطنين على كلّ مصلحة. كان خطابه عاطفيًّا جدًّا.
بدأَت على الفور حملةٌ نشطة في كلّ وسائل الإعلام تطالب رجال الداخلية بالعودة إلى أماكنهم لخدمة الوطن والمواطنين. الصحف نفسُها التي لم تذكر كلمة «الاحتلال» قطّ خلال المدّة الماضية أيَّدت قرار الوزير الجديد. كُتب كلام كثير عن «هيبة الدولة» التي غابت بسبب إضراب رجال الداخلية عن العمل. وعن مسؤوليتنا تجاه الوطن الذي نحيا فيه، وعن رفع العبءِ عن جيشي فرسان مالطا الذَين يعانيان كثيرًا كي يحافظا على الأمن الداخلي بينما مهمَّتهما الحقيقية هي الحفاظ على الحدود المصرية من الأعداء الخارجيين. وظهرت دعوى تطالب بأن يكون عيد الشرطة القادم، يوم 25 يناير من عام 2024، هو يوم عودة الشرطة إلى العمل مرَّة أخرى. أُطلق على الحملة «الشرطة تعود في عيدها».
لكنّ الحملة لم تخرج خارج نطاق الصحف والبرامج التلفزيونية، خلا الشارع من أيّ مظاهر داعية إلى عودة الشرطة، بل خلا من أيّ اهتمام بما يحدث.
وبالفعل، في يوم 25 يناير 2024 قام جنود جيشَي فرسان مالطا بتسليم أقسام الشرطة ومباني مديريات الأمن ومبنى الوزارة إلى موظّفي الداخلية مرَّة أخرى.
كانت تلك الأيّام مفترق طرقٍ بالنسبة إليَّ، كنتُ بين اختيارَين واضحَين؛ العودة إلى العمل تحت إمرة المحتلّ، أو الاستمرار في موقفي الرافض لذلك. كنتُ حتّى ذلك اليوم أتسلَّم مرتّبي بشكل طبيعي، وبالطبع كان ترك العمل سيسبّبُ ضررًا ماديًّا ضخمًا، فضابط الشرطة، عادة، بلا دخل سوى مرتبه، وكنتُ فعلًا بلا دخل آخر.
في ذلك الوقت كانت الأمور مستقرّة كثيرًا، بالطبع امتلأت القاهرة بنقاط التفتيش التي أقامها جنود فرسان مالطا، كانوا يتحدَّثون العربية بلهجة تونسية، وإنجليزية بلهجات عديدة، وكانوا والسكّانُ يتفاهمون بشكلٍ أو بآخر. كنتُ أرى أنّنا في قاع الحفرة؛ رضينا بمجموعة من المرتزقة كمحتلّين، بلا أيّ أمل في الخلاص منهم، أقلّ من نصف مليون من جنسيّات أصلية مختلفة، كلّهم حصلوا على جنسية جمهورية فرسان مالطا، ونحن نستضيفهم بكلّ وداعة في بلادنا.
لم تكن هناك أرض تحمل اسم «جمهورية فرسان مالطا»، تاريخ مواطني الجمهورية يعود إلى بقايا فرسان الحملات الصليبية، سيطروا على جزيرة مالطا بعض الوقت، فاكتسبوا اسمَهم الشهير، وبعد ذلك طُردوا منها وأصبح وضعُهم محيرًا جدًّا، إلى أن اتّخذوا في روما مقرًّا للجمهورية. هذه دولة بلا مواطنين، هناك عشرون ألف منتسبٍ للدولة، وأربعمئة ألف عضوٍ. وقبل مارس 2023 صار جميعُ الأعضاءِ والمنتسبون، فجأةً، مواطنين في جمهورية فرسان مالطا، كلُّهم موظّفون وضبّاط وجنود سابقون في جيوش دول عديدة، كان جيشًا كبيرًا، متعدِّدَ الأقسام ومتنوِّعًا، وقرَّر القادة أنّ مصر أرض مناسبة ليستقرَّ الجميع فيها، واتّجه الجميعُ من كلِّ دول العالم مسافرين عن طريق البحر ليستقرُّوا في سفن حربيّة وحاملات طائرات قرب الساحل الشمالي لمصر. وربّما شجَّعتهم حكوماتُ دول العالم المختلفة للخلاص من جَعجَعة المصريين الفارغة والسذاجة التي تُدار بها العَلاقات الدُّوَلية طوال السنوات الماضية. كانت جمهورية فرسان مالطا دولة بلا نظام سياسي أو إداري، فقط جيشان هائلا الحجم، قويّا التدريب، متنوِّعا الأعراق والجنسيّات، قراصنة على البرّ إن أردتُ أن أصفهم وصفًا دقيقًا، بلا أرضٍ وبالتالي فالوطنية لا وجودَ لها في عقولهم، واختارُوا أن يتركُوا بلدانهم خلفهم وأن يستقرُّوا هنا. فكَّرتُ كثيرًا في ما حدث، وأيقنتُ أنّهم كانوا يعلمون أنّنا لن نقاوم، وبالطبع كانوا يعلمون أنّهم سيتمكَّنون من هزيمة الجيش المصري بالكامل. ما بقي بعد ذلك كان نزهةً في أرضٍ خصيبة يشغلُها اللون الأخضر والناس.
رفضتُ العمل، كنتُ أرى أنَّ هناك شيئًا ما غيرَ مفهوم يحدث حولي، هناك جنون هادئ أصاب المصريين وجعلهم يقبلون بكلّ ما حدث خلال الشهور الماضية، وكنتُ أرى أنّ رجال الشرطة أصابهم الجنون نفسُه، راحوا ضحيَّته كما راح باقي المصريين من قبلهم. وقرَّرتُ أنّي سأبحث عن أيّ عمل، لكنّي لن أعمل أبدًا تحت قيادة المحتلّ. في الوقت الذي عاد فيه أغلب زملائي ومعارفي إلى وظائفهم ومقرَّاتهم ورتبِهم، كان الرافضون للعمل مثلي قلَّةً لا تكاد تُذكر، وربّما لم نتعدَّ الألفَ ضابط.
كنتُ في أسوأ حالٍ عندما حدث أول تفجير لمدرَّعة مالطية في شارع رمسيس. بعد ساعةٍ من التفجير، أعلنت المقاومة المصرية أنَّ هذه أوّل عملية لها، ولن تكون الأخيرة. حينها علمتُ أنّي لستُ وحدي.
تسارعت وتيرةُ الأحداث بعد ذلك؛ قامتِ المقاومة بعمليّات اغتيال لجنود الاحتلال، وعمليّات تفجير لمدرَّعاتهم ودبَّاباتهم، وقصفت نقاط تمركزِهم بالهَاوِن، وأطلقت صواريخ على طائراتهم. خلال أسبوع واحد قُتل أكثرُ من مئة ضابطٍ وجنديٍّ مالطي.
وفي نهاية الأسبوع، اتّصل بي زميلٌ قديمٌ يطلب مقابلتي، كان طلبه وديًّا ولم يبدُ على صوته في التليفون أيُّ حماس أو انفعال. وفي أثناء جلوسنا على القهوة وسط الناس طلب منّي الرائد كريم بهاء الدين الانضمامَ للمقاومة، هكذا، بكلّ بساطة، وفورًا أبديتُ ترحيبي وسعادتي. ما قاله كريم بعد ذلك كان مبهجًا حقًّا.
المقاومة مكوّنة من ضبّاط شرطة سابقين فقط، هناك عددٌ قليلٌ جدًّا من ضباط الجيش، وهؤلاء لا يطَّلعون على كلّ شيء ويُعتبرون أعضاءً من الدرجة الثانية، ولا يتمُّ تكليفُهم إلا بالمَهمّات الانتحارية أو الخَطِرة جدًّا. هناك أيضًا عددٌ أقلُّ من المواطنين العاديّين، تدفعهم الحماسةُ الوطنية إلى ارتكاب أفعالٍ حمقاءَ لكنَّها فعَّالة، راغبين في التخلُّص من الاحتلال. وهؤلاء لم يقوموا إلَّا بعمليات التجسُّس، ونقلِ المعلومات، لا يعرفون أعضاء المقاومة من ضبّاط الشرطة، لا يعرفون أسماءَ القادة أو أماكن الاجتماعات، لا يحملون سلاحًا، ومن يرغب في التطوُّع منهم، فكلّ ما يُقدّم له سلاحٌ أبيضُ وعليه التعامل به مع العدوّ المحتلّ. كانت المقاومة المصرية، بشكلها هذا، جنَّتَنا؛ نموذج مثاليّ لذكاء جهاز الشرطة المصري وتفاني رجاله في خدمة الوطن، وحرصهم على عدم إدخال أيّ غريب وسطهم، حتّى لو كان وطنيًّا حقًّا وكارهًا الاحتلالَ، كالمواطنين العاديّين. كلُّنا كنَّا نعرفُ أسبابَ انفرادِنا بالمواقع المهمّة في المقاومة، وهي عديدة لا يمكن حصرُها؛ على سبيل المثال لأنّ المواطنين ضعفاءُ في الأصل، ينحازون إلى أُسرِهم الصغيرة، ومُتعِهم التافهة، هم غيرُ مُدرَّبين على استخدام السلاح أو على العمل في مجموعات أو تحمّل المسؤولية، وحتّى لو كان المواطن مدرَّبًا على كلّ ما سبق، كضبَّاط الجيش مثلًا، فسينقصه حتمًا القدرةُ على التصرُّف في الأوقات الحرجة. قال كريم إنّ ضبّاط الجيش السابقين اكتسبوا جرأةً انتحارية لا حدودَ لها، وقال إنّ تلك الجرأة سببُها هزيمتُهم المُنكَرة، ورغبتُهم في التكفير عن خطيئتهم في حقّ البلد، قال إنّ عذابَهم مقيمٌ ودائم، وهم على الاستعداد للانتحار ببساطة من أجل جرح أحد جنود الاحتلال. كان هذا مناسبًا جدًّا، وفكَّرتُ أنّنا مع زوال الاحتلال، ولا أعلم متى سيحدثُ هذا، سنكون قد تخلَّصنا من رجال الجيش السابقين تمامًا، في النهاية، مَن يرغب في سيطرة الجيش مرَّة أخرى على البلاد؟
كانت المقاومة لنا فقط، شركة ضخمة يديرُها خيرةُ ضبّاط الشرطة، غرضُها الأساسي والوحيد طردُ المحتلّ. والحقيقة أنّي لم أكن لأهتمَّ على الإطلاق بضبّاط الجيش، هؤلاء انتهَوا تمامًا مع أوّل يوم من الاحتلال، ولن تقومَ لهم قائمةٌ إلّا إذا سمحنا بذلك. كان يعنيني – حقًّا – السذَّجُ من المواطنين العاديّين، عرفتُ من الزميل أنّ هؤلاءِ كانوا يُقادون إلى حتفِهم دون أيِّ اهتمام. ولم أتعاطف معهم إلّا عندما رأيتُ الأغلبية الساحقة من المواطنين يعيشون في رضًا تامٍّ تحت الاحتلال. قلتُ في نفسي إنّ هناك من لا يزال يهتمُّ بهذا البلد.
بعد ذلك طلب زميل آخر مقابلتي، هذه المرَّة كان برتبة عميد، لم أكن أعرفُه، ولم أسمع باسمه من قبل، إلى درجة أنَّي شككتُ في كونه ضابطًا حقًّا، تلاشت مخاوفي حينما رأيته يقترب من مكان جلوسي في مطعم في مصر الجديدة، كان بطيءَ الحركة جدًّا، بما يتناسب مع ضابط كسولٍ ينشغل عقلُه بالتفكير عوضًا عن انشغال جسدِه بالحركة، هذه خطوات عميد، وهذه أيضًا جلسته، حالما جلس أخبرني باسمه وبالقليل عن عمله السابق في الداخلية. العميد عادل الشواربي هو أحد القيادات المتوسِّطة في المقاومة، وعلى الرغم من وجهه الجامد وعينيه الساكنتين، إلا أنّه تبسَّط كثيرًا في الحديث بعد مرور خمس دقائقَ فقط، وكأنّه كان ينتظر أن يطمئنَّ إليَّ كما كنتُ أنتظر تمامًا، تحدَّثنا كثيرًا عن حال البلد، وعندما أبديتُ تعجُّبي من طول مدَّة الاحتلال وانعدام أيّ وجه من أوجه المقاومة، قال إنّ هذا أفضل من اشتراك المواطنين في المقاومة بكثير، عزوفهم سيؤكِّد على دورنا المتخصِّص في العمليّات العسكرية داخل المدن. قال إنّنا في حرب عصابات الآن، ولا أحد يصلح لها سوانا، قاطعته لأُعلِمَه بأنّ شرطَ عملي الوحيد هو الحفاظ على هذا الهيكل دون تغيير؛ ضبّاط الشرطة هم الأساس، وضبّاط الجيش والمواطنون العاديّون على الهامش وبلا أيّ صلاحيّات. ضحك وقال إنّه يودُّ لو اهتمّ المواطنون العاديّون، وإنّ قادة المقاومة لو أرادوا فعلًا إشراكَ المواطنين العاديّين في العمليّات، لمَا استطاعوا ذلك. لكنّه قال إنّ المشكلة حقًّا في ضبّاط الجيش، لذلك هم حريصون على التخلُّص منهم في عمليّاتٍ ذاتِ مخاطرَ كبيرة، قال إنّ هذه السياسة لن تتغيَّر أبدًا، ويبدو أنّ السادةَ ضبّاطَ الجيش يعلمون أنّ المقاومة تطبِّق هذه السياسة عليهم فقط، ويبدو أيضًا أنّهم راضون بما يحدث. قال: «في النهاية نحن في خضم حرب، ولا بدَّ من قتلى في أيّ حرب، فلمَ لا يكون القتلى في الجانب الذي أضاع البلد في الأصل؟».
كان كلامُه مطمئنًا، وأخبرني أنّهم يريدونني قنَّاصًا. وأنّ عليَّ ألَّا أتردَّدَ كثيرًا، فأنا مطلوب للعمل على وجه السرعة.
استعدتُ ذكرياتِ عملي في شرطة المطار وفي الحراسات العامّة كقنَّاص. كنتُ قد أمسكتُ البندقية عشرةَ أعوام، وتطلَّعتُ إلى العالم ناظرًا من خلال العدسات ساعات عدَّة، واستسلمتُ لإغراء التلصُّص بعد مقاومة ضعيفة، وأطلقتُ النار على أربعة أشخاص.
قال العميد عادل: «علمنا أنّك لم تخطئ قطّ».
وبالفعل، لم أخطئ قطّ. حتّى عندما تركتُ العمل في الحراسة واتّجهتُ إلى العمل في إدارات أخرى مختلفة لم أخطئ قطّ، كنتُ أتدرَّب على التصويب في الصحراء شرق القاهرة، وكنتُ أذهب إلى سيناء من حين لآخرَ لأصطادَ الغزلان، لم أكن أصوِّب على الغزلان، كنت أصوِّب على الأحجار القاتمة اللون على الأرض الفسيحة، كنتُ أعتبر اصطياد الغزلان إهانةً لمن اصطاد بشرًا من قبل. كان اصطياد الأحجار أشرف بكثير. وسخر منّي رفاق الصيد في أوَّل رحلة، لكنّهم أدركوا بسرعة أنّني لا يمكن أن أخطئ في كلّ مرَّة، وأنّي أتعمَّد ترك الغزلان. حتّى في سيناء لم أخطئ إصابة الأهداف قط.
استعدتُ ساعات الانتظار الطويلة، والسكون في انتظار ظهور الهدف المحتمل، والإبلاغ عن إمكانية إصابة الهدف في مقتل، والانتظار للحظات قبل أن يأتيَني التأكيدُ على أمر إطلاق النار، وسكوني للحظة بعد ذلك، والطلقة الغائبة في الهدف. كنتُ أتحكّم في تنفُّسي، فلم ألهث يومًا طلبًا لأكسجين زائد، لم يجفّ حلقي قطّ، ولم يندفع الأدرينالين في دمي قطّ، كنت أصوِّب وأطلق النار وكأنّي أُمرِّر كفّي في شعر رأسي. هذه ذكرياتٌ مجيدة حقًّا.
وافقته من فوري، وأبديتُ استعدادي للعمل دون أيِّ شروط أو تحفّظات، قلتُ له إنّ المشكلة الوحيدة أنّي لا أمتلكُ أيَّ سلاح الآن، وأنّ على المقاومة أن توفِّرَ لي بندقيةً بمِنظار. ابتسم وقال إنّ هذه ليست مشكلة.

Respond to عطارد: محمد ربيع | فصل من الرواية الجديدة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s