في العامية يقال ‘مْبَحّرْ’ بدل ‘تائه’، ربما اشتقت من بحر | صلاح باديس

ضجر البواخر

الفشل هو زيارة المنطقة السوداء داخل رأسك، أين رميت كل ما هو منبوذ ومستبعد حدوثه، الأشياء المشوهة والمؤلمة والتي لم تفكر يوما في مواجهتها.
الفشل أن تكتب هذا (عشرون عاما – وحدة مبكرة تؤنسها كتب وعلب سجائر متزايدة – روح في مركب أشخاص رحلوا – مؤخرات مدورة – عمل مؤقت لحلم مؤجل وأوهام كثيرة لتقبل الحياة) قبل حدوثه بعام،
تكتشف أن سقف خيالك سقوط مؤجل ولاشيء غير ذلك.
الناس في الشارع، الجامعة، العمل! على التلفزيون وعلى صفحات الجرائد يضاعفون جرعة الغضب بداخلك، أتممت عقدين على هذا الكوكب السابح في الفراغ، لا تدري أي شيء يشده، دورانه أم دوران ما حوله؟ لا تريد أن تصرخ في وجههم، ولا أن تتجاهلهم، تريد نهاية أفضل… مشهد النهاية من فيلم بوليسي رديء، عن شرطيين في لوس أنجليس التسعينيات مثلا، لكنك تعلم أنك ستترك موقع التصوير كالسائر في نومه وتبحث عن امرأة تسكن عمارة صغيرة، تقع بجانب حديقة عمومية، بحيث أن الأشجار تغطي البناية الناعسة في ذلك الصيف المستحيل، شقراء تلبس ثوبا أزرق، ونظارات شمسية سوداء، تحمل كوب قهوة وجريدة تسلية، وماذا بعد؟
قبل عام عندما كتبت ذلك النص، عندما لم تكن بعدُ فاشلاً، كانت لديك فتاة قرأت عليها النص، قلت لها إنك تتحدث عن شخص يشبهك حتى لا يستوقفها الحديث عن قلبك ووحدتك، لكنك – وكأبله – شرحت لها فكرة ‘الحنين التائه’، في العامية يقال ‘مْبَحّرْ’ بدل ‘تائه’، ربما اشتقت من بحر. البحر مرادف للضياع و الشتات، البحر كالتيه، فراغ أو فجوة بين الأشياء، تخاف من العشرين؟ لا. لكنك تعلم أن قدميك تلمسان شطّه، تتذكر ما قاله ألان روب-غرييي عن الثغرات وانقطاع الزمن عند فلوبير، يذكر نهاية روايته ‘التربية العاطفية’، نهاية ثورة عام 1848، عندما يبحث أحدهم داخل الحشد عن شخص اسمه فريدريك! ينقطع السرد وفي الفقرة التالية نقرأ خلاصة العشر سنوات الأخيرة في حياة فريدريك (سافر. عرف ضجر البواخر. طلوع الصباحات الباردة تحت الخيمة. وجع انتهاء الصداقات…) تيه حياة في فقرة. البحر حاضر، بدايته ضجر. نهايته نظرة تصطاده من بين الناس. الفشل هو أول التيه، الخروج عن الخطة، الحياد عن الطريق، أن تكون رجلا يلبس ملابس ضيقة أو واسعة ولا يملك بدلة على مقاسه.
الفشل، حنين للّتِي راحت وخلَّات.
صاحبك الذي قرأ فلوبير منذ أن كان طفلا، لا تهزُّه العبارة ‘ضجر البواخر’ ويفضل شعارا آخر للمرحلة: حظُّ الأبرياء، عن شخص تائه. ينتظران هاتفـاً في المنام، أو رسالة قصيرة على البورتابل، كلاهما يأتيان من عالمٍ بعيد. ذلك الشخص، يبحِرُ خلف حظِّه، يكاد يهلك لكن حظُّه ينقذه في النهاية، يحيط به لطفٌ يجهل من أين. يحميه من الوقوع على وجهه، يفتح له الباب يريه الطريق. يتركه ليعود من جديد.
الفشل أن تقول لأصحابك أن عبارة فلوبير كليشيه عن التيه، دون أن تعرف أن التكلم عن الكليشيه في عصرنا صار كليشيه.
الفشل أن تكتب نصًا عن الفشل.
صلاح باديس. الجزائرـ جوان 2014

Respond to في العامية يقال ‘مْبَحّرْ’ بدل ‘تائه’، ربما اشتقت من بحر | صلاح باديس

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s