محمود المنيراوي: رسائل من السويد

photo 3
 
أنا وهو
كنّا في وضحِ النهار
يستنجدُ بالمارةِ، الناس والكلاب والقطط
لكن أحداً لا يراه
أجُرّه خلفي بسلسةِ وعودهِ
ودمه الأبيض يطبعُ الحادثة على الأسفلت خطوط مشاة
يكلّمني، والدمعُ المغلي في عينيه، يسألُ:
ما ذنبي؟

لكنّي لنّ انظر للخلف
في الخلفِ كفُ الحيرة لو صفعتني لن انجو
هل هم شياطين؟
من يتراقصون في الضوء بألوان فاقعة
أعرفُ أنه نعم
لكن السؤال يزيدُ حضورهم
ومنهم آخذ هذا اللهبُ في فمي (١)
جناحُ بعوضة يحملكِ
فحذار من الوقوع
إني سانفخُ في هذا المدى غضبي (٢)
‏أيتها الجميلة
يا من بللتكِ دهشة الخوف
هذا الماء ثقيلٌ عليكِ
ولا زالت النار تستعر في فمي
هل تريدين بعضاً منها؟ (٣)
صدى الصوتُ يحمل ضحكتي
وفرحةُ الشياطين برنينِ كعوبهم على مسرحِ الغدِ
هل تسمعين؟
أم نكرر لكِ حفلتنا. (٤)
كنت تختبئين في قلبي
هاربة من أولادِ الشوارع
وأنا الذي أخبركِ: إن الخارج أمان.
خرجتِ، خلعتِ حذاءكِ على باب عيوني
وركضتِ حيث لا أرى أحداً.
حين عدّت، صارَ المشط سيفاً
لم تمشطِي شعري
ولا حككتِ لي ظهري
قُسمتُ نصفين، بحدٍ ماضٍ
نصف تعرفينه، ونصف جديد لا نطيق
كانت يداكِ ملعقة
حرّكت ملحاً راكداً في قعر القلب
لكن شخرة في وجهكِ
يمكن أن تجعلني اهدأ
تعطيني فرصة لاحرق أوراقي من جديد
لنحصل على بعض الدفء
الليلُ لا يذهب من خلفِ الشباك
أنامُ وهو موجود، واستيقظ وقت لا يزال هناك
وأنا على سريري، لا يحرّكني إلا الطعام أو الخراء
أما البول، فتحلُّ أمره قنينة البيبسي البلاستيكية
ولا مشكلة لديَّ إذ أشعرُ أنني حيوان
لكن إذا ما خطرتُ لي بأنني خنزير، اغضب
لأنني لا أريدُ أن ازعجَ أمّي بداخلي
-إنها تكره الخنازير-
أحياناً افكرُ في أن أصلي
وربّما جماعة في بعضِ المسلمين
لاتصل بعدها بأمّي، اخبرها
أن الناس سعيدون بصوتي وأنا اقرأ القرآن.
يتكرر الأمرُ كثيراً
لكنّي لم افعلها حتى الآن ولو مرة واحدة
إنني حتى لم اتصل بأمي أبداً اسألها كيفُ حالكِ
لكنّي انتظرها كل يومٍ أن تتصل
واتعجبُ كل يومٍ لأنها لا تفعل!
كم كنتَ تكذب حين تقول
لا شيء عندي كي أقوله
هذا الكلام الذي يصير التهابات في حلقك، سيخنقك
وكذبك أيضاً، وحزنكَ وحيداً بلا شريك.
الغرفة صغيرة
لأربعة شهور أبدو جنيناً لعوباً فيها
لكنها ليست أمي
ومع ذلك، منها ساخرجُ وليداً جديداً
ببطاقة تعريفٍ جديدة
وصورة جديدة
وربّما اسم جديد
لكن الأمرَ مرعب
أن تعود جنيناً، والمرّة في رحمٍ حجري
افتحُ الشبابيك
يدخل البرد
ولأنّي لا أحب البرد
افتح الباب
يزيد البرد
تيارٌ هوائيٌ يلسعني
ولأنّي لا أحب البرد
اهدُّ الجدران، حجراً حجراً
يقشعرُ بدني
أرجفُ
تتجمّدُ أذناي وأصابع يديَّ وأنفي يحمرُ
ولأنّي لا أحبُ البرد
ساخلعُ ملابسي
وأقفُ عارياً بلا جدران، بلا باب موصد، بلا شبابيك مقفلة
وانتظرُ الموت أو انتهاء العاصفة.

Respond to محمود المنيراوي: رسائل من السويد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s