لقد أتوا من بعيد ليحاكموا جنسنا: قصائد ميشيل هولبيك ترجمة صلاح باديس

michel_houellebecq

.

1
كنت وحيدا خلف مقود البيجو 104
مع ال 205 كنت لأبدو أكثر لؤما
كانت تمطر بغزارة و أكره أن أتشاجر مع نفسي،
بقي عندي 3 فرنكات و 55 سنتيم.
.
ترددتُ أمام تفرّع “كولمار”
هل كان من الحذر أن أترك الطريق السريع؟
رسالتها الأخيرة تقول: سئمت منك و من مشاكلك.
سخافتك تقززني.
.
علاقاتنا باختصار عرفت نوعا من البرود،
الحياة دائما ما تفرِّقُ العشاق.
مُطرطقا أصابعي ومن دون أن أفقد عزيمتي
أخذتُ في إنشاد مطلع « Vie de Bohéme »

.

2
“الألمان خنازير، لكنهم يحسنون تشييد الطرقات”
كان يقول جدي بروح حسّاسة و ناقدة.
كنتُ متوترا، التعب من دون شك،
ولكني استقبلت بفرح الزفت الألماني.
كانت الرحلة تتحول إلى انهيار
وكنت على حافة نوبة هستيرية.
.
كان لدي ما يكفي من الوقود للوصول إلى فرانكفورت
هناك أكيد أني سأربط صداقات
وبين حبتي نقانق سنستخف بالموت
سنتكلم عن الإنسان وعن معنى الحياة.
.
أتجاوز شاحنتين لنقل اللحوم
ومن سعادتي بهذا المشروع أدندن أناشيد…
لا! لم ينته شيء، الحياة وتضحياتها
تمتدُ أمامي، جليلة ومبهمة.
.
الزائرون
هم الآن مجتمعون في نصف دائرة
ترتعش أصابعهم و تُزهر
و في كل مكان ينمو جو من الترقب
إنه يوم المغيب، لقد جاءوا من بعيد.
.
لقد جاءوا من بعيد وليسوا خائفين
كانت الغابة باردة ومُقفرة
عرفوا بعضهم البعض بإشارات الألوان
أغلبهم مجروح و نظراتهم جامدة.
.
يسود على هذه القمم صمتٌ مقدّس
تثبت السماء و يعود كل شيءٍ إلى مكانه
جثا الأول وكانت نظرته قاسية
لقد أتوا من بعيد ليحاكموا جنسنا.
.
اُحب المستشفيات
اُحبُ المستشفيات، ملاجئ المعاناة
حيث يتحول العجائز المنسيون إلى مجرد أعضاء
تحت النظرات الساخرة وغير المبالية
يهرش المرض أجسامهم وهم يأكلون الموز.
.
في غرفهم المُعَّقمة والقذرة
نرى بوضوح ضوء النيون يترصد حركاتهم
خاصة عندما يتريضون في الصباح
مطالبين، بصوت أقرب للنواح،
بسيجارتهم الأولى.
.
العجائز يعرفون كيف يبكون بصوتٍ خفيض
ينسون الأفكار وينسون الحركات
هم لا يضحكون، وكل ما تبقى لهم
لبضعة أشهر، قبل المرحلة الأخيرة،
.
بضع كلمات! غالبا ما تتردد،
شكرا لستُ جائعاً، سيأتي اِبني يوم الأحد
أحسُّ بألم في أمعائي رغم ذلك سيأتي اِبني
الابنُ ليس هنا، وأيديهم قد صارت بيضاء.
.
الموت صعب
الموتُ صعبٌ بالنسبة للعجائز الغنيّات
محاطات بفتيات جميلات تناديهن “حلوتي”
يضغطن بمنديل حريري على عيونهن الرائعة
وهنِّ يقمن لوحات وأنتيكات.
.
اُفضِّلُ موت عجائز الأشالام*
اللَّواتي يتصورن حتى آخر أيامهن أننا نحبهن
مُنتظرين قُدوم الابن المُفترض
الذي يدفعُ حقَّ تابوتٍ من خشب الصنوبر.
.
العجائزُ الجِدُّ غنيّات ينتهين في المقبرة
مُحاطات بأشجار السرو
إنها نُزهة لأترابهن الستينيين
للسرو رائحةٌ جيدة تطردُ البعوض
.
عجائزُ الأشالام ينتهين في محرقة للجثث
في دُرْجٍ عليه بطاقة بيضاء
العمارة هادئة، لا أحد -حتى يوم الأحد-
يُزعجُ نوم الحارس الأسود.
………
*الأشالام HLM مجّمعات سكنية في فرنسا للفقراء وأغلبيتهم من الأفارقة والمغاربة.
.
قُلوب كثيرة
قُلوب كثيرة دقّت على هذه الأرض
والأشياءُ الصغيرة المحشوة في الخزانات
تحكي القصة الكئيبة والمُحزنة
لأولئك اللذين لم يعرفوا الحُب على هذه الأرض.
.
الأواني الصغيرة للعجائز العزّاب
الملاعق المتآكلة لأرملة الحرب
يا الله! ومحارم العجائز الآنسات
داخل الخزانات، ما أبشع الحياة…
.
الأشياء مرتبة بعناية والحياة خاوية
والتسوق في الليل من بقايا البقالةتلفزيون من دون مُتابع، وجبة من دون شهية.
.
أخيراً المرض، الذي يجعل كل شيء أكثر قذارة
والجسد المتعبُ يتحللُ في الأرض
الجسد الذي لم يُحِبْ ينطفئ من دون سحر.
.
القصائد المترجمة من ديوان “تتابع السعادة” la poursuite du bonheur أو the pursuit of hapiness المنشور عام 91 و كان ثاني ديوان لهولبيك بعد “البقاء حيا” Rester vivant عام 91 أيضاً.
أغلب القصائد فيه نُشرت من دون عنوان، والقصائد المترجمة هنا – باستثناء “زائرون” وأول قصيدة وردت مرقمّة – عُنونت بأول بيتٍ فيها كما وردت في الفهرس. القصائد كتبها هولبيك بطريقة كلاسيكية و لكنه تناول فيها الحضارة الغربية، موضوعه الأثير، بكل جوانبها المظلمة، أو الفوضى التي توجد خلف اللافتات الإشهارية العملاقة المُبهرة. وحتى عندما بدأ في كتابة الروايات، جاءت كتابته كرد فعل على الروائيين الذين يكتبون وفق تقاليد “الرواية الجديدة” مهتمين بصدى كتبهم في الوسط الأكاديمي ومهملين الجمهور الواسع، و قد صرح في حوار مع مجلة باريس ريفيو سنة 2010 قائلا في ذات السياق: الناس كانوا يريدون أن يقرأوا عن الحياة اليومية التي تدور في المكاتب و الشوارع و البيوت.

Respond to لقد أتوا من بعيد ليحاكموا جنسنا: قصائد ميشيل هولبيك ترجمة صلاح باديس

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s