نساء يلبسن أكفاناً سوداء: نصوص لصلاح فائق مسروقة من فيسبوك

وصيتي للعميان
إلى علي عبد الصمد
.
أكتب وصيتي الأخيرة ليقرأها العميان باللمس
أنا محبط منذ أيام: جامعت في مخيالي
حسناء من فيلم قديم.
اليوم رأيتها في مرآتي الكبيرة كئيبة، غاضبة
تتهمني بالاغتصاب، وكانت تحمل قطة من خزف.
هل يكفي أن أصرخ، أو أدعو عباقرة في تنظيم الموصلات
لينصحوني في هذا الشأن؟
كل هذا في رأسي وأنا أفحص صورا بالمجهر
أرى في إحداها عناق سحاقيات وأسمع، من ثانية،
خفاشا ينتحب في كهف.
أنا أيضا في إحدى الصور، حاملا مظلة مفتوحة،
أجول في مدينة مهدمة تماما، وليس هناك مطر.
wpid-photocopy-2013-06-1-21-56.jpg
ثلاث قصائد عن دبي
أبنية عالية، فارغة – أظنها مصابة بالجدري.
يضحكني مشهدها، كأنها ستسافر إلى ملجأ ما
أو إلى أي بلد آمن.
أشعر بالجوع وأنا أمشي بينها.
أجدادي مروا من هنا، حاملين أحجارا كبيرة
إلى البحر، كما يفعل هؤلاء العمال.
هناك نمور من نحاس، مبعثرة، قبيحة
لزينة بوابات.
لا أحد يرحب بي، لا أحد.
***
في اليوم التالي لوصولي، أرى مكانا حديثا
مصاعد بلا بشر، تصعد وتنزل.
موقع ملائم لالتهام لحوم نيئة.
كل شيء يتحرك على إيقاعات، تجمع بين الهذيان واليأس:
ثعبان ضخم وطويل، من حديد، يعدو بسرعة، ناقلا مهاجرين
سياحا وشغيلة إلى هذه الجهة أو تلك
من غابة إسمنت.
غربتي تضاعفت مذ جئت، بلا تأملات، بلا احتفال، بلا ذكرى.
مجاعة مقنعة، قديمة، في الضواحي، تحيط فقراء من بلدان بعيدة
خلفها تنتظر صحراء.
***
ثلوج مزيفة، تسر جالسين، معظمهم عجائز
حول بركة مياهها مستوردة.
تعلمت الانحناء للعوائل ولقطعان حيوانات ضارية
لكن ليس الآن وليس هنا.
مأكولات من بلاستيك عند مكب نفايات،
سطوح بلا حد، سطوح وسطوح هي مدينة هي منائر
من خرسانات، هي مساحات ومساحات من غياب
وفي هذا الغياب يبتسم رجل لفراغات كانت سماء
في ما مضى.
wpid-img_3751-2013-06-1-21-56.jpg
جدار يقرأ قصيدة
أهرول وقت الفجر حول مستشفى
أسمع جدارا يقرا قصيدة
إليه تستمع جدران أخرى.
أقف وأصغي: إنها قصيدتي بصور ومقاطع جديدة،
لم أكتبها. منها، ممرض يشتم حصانا في حديقة
وأنا في نهاية مقطع أسأل جدولا عن سبب وقوفه تحت
قنطرة، فلا يجيب.
***
باكرا اكتشفت أن الحرية كلمة، مكررة في صحف وكتب
يرددها في خطب قادة قساة. لذا لم تعد تثيرني.
أنا مهتم، منذ فترة، في العثور على أضلاع ضائعة لي
وأن أتصدق ملابسي الرثة على فقراء، أروي لهم قصصا
عن بشر يطيرون في بلدان قريبة، شباب يركلون أقدارهم
أمام خزافين أو يطاردونها بهراوات.
أعرف الكثير وأظنني مفيدا في شؤون:
أمشي في أية مدينة ولا يراني أحدْ.
***
علي أن أجمع أفكاري حولي.
في كل مرة أستغرق في تفكير طويل
لا أصل إلى نتيجة.
لذا، كي أنجح في تفكيري، أقترح على نفسي
أن أغلف يدي بقفاز، فقد أصادف ثورا في فكرة
أو صيادين يقيمون أشراكا في حقل مهجور
تتدافع مشاهده في رأسي.
ربما جيد أيضا، عندما أفكر،
أن أستلقي تحت سريري، مرتديا ثيابي،
وتحت رأسي كومة قش.
***
أخيرا أستفيق من سبات طويل
أصوات واهنة تصلني كأنها وصايا محتضرين.
نمت ليلة أمس وكان في رأسي مؤرخون يتنازعون:
مازالوا يتناقشون في غرفة أخرى
أذهب إليهم حاملا معولا،
لا أرى أحدا.
***
سأرتقي اليوم هضابا نائية
لأنقل معلبات وأرغفة إلى ضحايا زلزال
سأجمع قصصا وحكايات من خيمهم
حين أعود سأكتبها على جدران روحي
التي تريد ان تهاجر،
أو أحفظها في فمي، الذي يأوي أشباحا يعودون،
في آخر الليل، حاملين سحابة سوداء.
***
أنا مولع بخادمات فنادق
أتنزه في المساء حول أبنيتهن
وكأني بين صفين من أشجار مثمرة.
ألوح لهن وهن في شرفات
أو يرتبن ستائر غرف.
أنا إذن أمام غزلان عند جدول، أقول.
أفعل هذا مرات كل شهر، ناسيا واجبي حول نفسي
وحول آخرين: لا أنفذ رغبة ميت كان صديقا
وأغش جيراني، كما كنت في أعوام مضت.
***
تنهض من فراشك نشطا، مسرورا
تتثاءب بصوت حيواني كأنك حارس اصطبل.
تقرر أن تهيم على وجهك اليوم
بين حانات قديمة، فقد تنفس فمك جيدا في
الليلة الماضية. لملمت، في منامك، أموالا تبعثرت
أمام أبواب موصدة لبيوت عشت فيها لسنوات.
كنت تتسكع في بعض مساءاتها
في معاقل مهجورة لإقطاعيين هربوا، بلا سبب،
إلى بلدان بعيدة.
أخيرا ها انت عند حديقة تهمس إلى مهاجرين.
تتلفت، ليس هناك أحد.
wpid-2013-05-2902-36-25-2013-06-1-21-56.jpg
كلكامش يتطلع إلى شعبه في التلفزيون
زرت مدينتي قبل عشر سنوات
رأيت بيوتها تحتضر.
بعد تلك الأعوام، أرى شعبي الآن في التلفزيون
مبعثرا، قتيلا، أو جريحا في أروقة مستشفيات
وعلى جسور.
حكامه مجرمون، خونة
لا أحد يعرفهم – حملتهم مدرعات وسفن أجانب
من إحدى القارات.
شعبي نسي ماضيه، أسماله تتدلى
أشجاره هزلت، هرب نهراه لا أحد يعرف إلى أين
ومتاحفه تهمس من هاوية.
لم يعد مولعا بومضات النجوم
في ليالي الصيف.
.
فوق سور بابل يقف كلكامش
يتطلع، مذهولا، إلى شعبه وقد أصيب بالجنون.
wpid-img_3426-2013-06-1-21-56.jpg
نساء يلبسن أكفانا سوداء
أتسلى مع شغيلة مرفأ
قضيت أياما أجمع أسنانا كبيرة
من مستشفيات وعيادات أطباء.
سأبيعها إلى سواح أجانب
وأشتري باقة زهر لامراتي:
لا أتغنج أمامها، لا يروق لي ذلك
ربما لأني ولدت في جبل
وليس لأني خجول، محطم نوافذ،
أو سارق دنان نبيذ، بل لأني خواف قديم
يجثم الخوف أمامي أينما ذهبت وجلست
ولا تفيدني كبريائي.
سأشتري أيضا كتابا لي، منشفة لعزيزنا الكلب.
الآن أتسلى مع عمال مرفأ
ركبتاي متلاصقتان لأحمي نقودي
وحولي سحابة تدور.
***
أستلقي فوق حرير، سمائي رمل
هذا أفضل من العيش في مدينة
فهي حشرة كبيرة.
لا أحب الاستعارة أو المجاز
وصلت الى عمر الحكمة، أنا النشال المتجول
منذ مراهقتي. كانت لي خليلات
ذات مرة، مع إحداهن، رأيت ريحا تحمل رؤوس قطط
وشاهدت، مع أخرى، الله يهرب من إحدى المعارك.
أظنك تفهم ما أعني: أغني بين بروق.
نظمت أمر شيخوختي المقبلة
لي علبة سعوط، في خزانتي كفني
وأيضا صابون وعطور.
***
سأذهب إلى المحيط وأنا أمشي مثل فقمة
بسبب آلام مفاصلي.
لا، لن أهرم قريبا.
أغسل، فاغر الفم، أطباقي
وأراقب من نافذتي فراشات بيض في مقبرة
وهناك شرطي نحيل يقرأ شواهد قبور.
نعم، سأمشي مثل فقمة، متأبطا كتابا
كما كنت في شبابي.
***
أتخيلني أتسكع في مدينتي القديمة
أمامي نساء يلبسن أكفانا سوداء.
أتسكع مسرورا وقت الغسق، مثل خفاش.
لا أحد يتذكرني هناك الآن
أرى مدافع منصوبة في حدائق، أبتعد
لأرشد نفسي إلى بيت ولدت فيه.
حولي سعاة بريد يتظاهرون
وترفع شجرة رمان أغصانها كي أمر
رغم أني أرتدي ثياب فلاح.
***
سجون كثيرة في مدينة
أبنية ملائمة لصنع قوارب، ترتيب متحف
ملعب للأطفال، مستشفى.
سنضع فرقة موسيقية من راهبات عجائز
عند إحدى البوابات، وأمام أخرى جوقة منشدين عميان.
سنرى ملائكة تكنس شوارع المدينة وأرصفتها.
سنطمر خنادق في رؤوسنا، على المرتفعات
ونصبغ ماضينا بالأبيض، لون الأكفان.
***
عند منتصف الليل
تقودني ريح إلى كوخ ينام فيه لصوص
يكرمونني بنبيذهم، أشكو إليهم سطو جيراني على كتبي
عندما ذهبت مع خالتي لأشتري بوقا لي
– حسنا، يجيبني أحدهم، سأعيدها إليك غدا.
في عودتي أسمع أغنية بذيئة
من عسكري ضخم في مستودع للأخشاب.
من حسن حظي لم أكن عاشقا
وأفكر أن السوس أكل منضدتي
ثم انساب الى زقاق آخر.
***
أنا أتصرف مع نفسي كأم
لا أم لي لتعالج شقوق يدي من البرد.
في دماغي ميناء يجذف أمامه عميان.
أصوم لأني بدين وأخفي نقودي في رئتي.
لا أقتنع بالقليل، مأواي قصيدة
ومربية أطفال.
أسراب طويلة من عصافير تمر
تتبعها أسراب أخرى. أتساءل عن كمية الهواء في أجسادها
ورؤوسها. سأذهب إلى وجار دب وأساله
فهو يعرف الجواب لأنه ذكي جدا.
***
لن أنتحر في المحيط، القريب من بيتي
فهو صديقي، ثم أن مياهه باردة.
قبل هذا، علي إنهاء مهام كثيرة
منها إنهاء الفصل الأخير من كتابي “تاريخ الرعاة”،
تدوين أناشيد أشجار باطنية،
أن أدافع عن أرملة في سجن
لأنها سخرت من أحد القضاة، وكان يرقص في شرفة،
وأن أرى بعيني الاثنتين زهرة عباد الشمس تنحني
على ميت خارج قبره – غطوه بالأسمنت
فلا يعرف أين يذهب.
***
هذه قصيدة عن مصلح مظلات
يحب شاي الزنجبيل، يعتقد أن الشيطان تقاعد منذ قرون.
أجلس في دكانه الفارغ، أراقبه يصلح مظلتي
“ينبغي محاكمة الريح”، يقول،
“لأنها لا تدع البحر هادئا أو نائما
ضحاياها بالآلاف في كل عام،
تهدم بيوتا ودكاكين هنا وهناك وهي تزهو:
ضربتها بمجرفة قبل أيام
التفتت إلي ووعدتني بأنها ستعود وتنتقم.
سأبيع دكاني وأهرب قبل الشتاء.
مظلتك جيدة الآن.”
***
أجلس في غرفتي وأسمع، فجاة،
بكاء أبي.
أنا مقتنع بهذا. معتقداتي بسيطة:
لا أستدين، لا أتحمل سخريات جيراني
وأجد أن للأشجار أرواحا، تماما مثل أرواح البوم
وحفاري القبور.
أكتب بصعوبة، أصابعي مصابة بالروماتيزم،
معوجة قليلا، لكني أكتب كي لا أرسف في أغلال
أو أرد على وقاحة شبح.
دماغي ماء نقي لأني نجوت باكرا من المدرسة
أحوم في الليل مرحا، قدمت قبل قليل خمري
إلى خنزير، فرفض.
أجلس في غرفتي وأشرب خمرتي
رغم بكاء أبي.
.
نصوص صلاح فائق
صور يوسف رخا

2 responses to نساء يلبسن أكفاناً سوداء: نصوص لصلاح فائق مسروقة من فيسبوك

  1. salah faik

    جميلة هذه السرقة , تعجبتي .شكرا للشاعر يوسف رخا .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s