مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22
.
فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً
ولا تستجيب إلا لنا.
فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.
هلم نتحاجج: فرحتنا أولى بنا من جلدة بنى آدم. هكذا ظهر لنا ما كان صريع الوقت. القيامة المجيدة. الهتاف العَذب. الخوف المؤسي. العنبر الليلي الذى اختفى وراء أضغاث المدينة. رعب المرايات والشبابيك. هلم نتحاجج. فرحتنا أهم من موتنا. أهم من رعب الصيف. أهم من خضروات السوق التى تنمو من قلوبنا. أهم من المأساة التى تشكلت عبر وعينا حين فهمنا ما فى الأرض. المأساة الجميلة. الحقيرة. المغرضة. التافهة. الخبيئة. الوسيعة. هلم نتحاجج إذن: إذا كان رب البيت نائماً فباطلاً بنى البناءون. إذا لم يبن الرب البيت فباطلاً نام النائمون. هلم نتحاجج يا كلبي العزيز. ما كان سوف يكون. ما سقط صريعاً لن يقوم ثانية. ولن تسع الأرض شيئاً سوى فرحتنا. التى لا تسع سوانا.
.
تلك التي قبلتني علي خدي
ونحن في ذروة السُكر
لأني سكبت زجاجة البيرة
شعرت أنها تواسيني في محنة ما
خيال مشترك
استدعته بالضرورة – أو من غير ضرورة –
رغاوي البيرة علي سطح الزجاج.
كانت قبلة مفاجئة
علي خدي الساخن
استجلبتها مرة أخرى بسكبي جرعة جديدة.
في المرة الثالثة
نبهتني في نبرة ذنب أنها ستعترف لصديقها
لم أعرف إن كانت تتحدث بجدية
أم تمرر لي رسالة
عليَّ أن أفهمها.
.
في غمرة عربدتي
ارتميت علي الأرض
وأخذت أصيح بصوت عال وأغني
شعرت بذراعين ترفعانني وتجلسانني علي الكرسي
في هدوء
(تذكرت أمي وهي ترفعني أثناء اللعب
وأنا طفل صغير)
ولوهلة
شعرت بالدفء في قلبي.
.
وجدتها هي. والطفل وحيدٌ وسكران.
.
.
كنا فى آخر أيام القتال
وكانت أبواب الجحيم مفتوحة
بردٌ وضبابٌ يملأ الرئتين
والموت يبتسم ابتسامته الاخيرة
واقفين نحصي قتلانا.
.
لماذا ارتجت الشعوب واهتزت الأمم
ولماذا كان الرب سليطا علينا
نحن رجال البر… رأينا وجه البحر الغاضب
يزحف نحونا… وسلك الشمس مقطوع منذ شهور.

.
أقول لكَ:
أسماكٌ هي الفُرص الضائعة
التي نلتقطها بصنَّارة الوقت
نمسكها بيدينا، ترتعشُ
ننظر إلي عينيها نصف الميتة
نكاد أن نشرع في البكاء
لانعكاس تعاسة وجوهنا عليها
ثم نرميها في المياه
ونبدأ فعلياً في البكاء.
.
أسماكٌ هي أفكارنا البائسة
تلمع بقشريات تزيدها ظلافة
تكاد أن تسد شرايين أدمغتنا
نرجوها مرةً لو تُخرج خاتماً
أو ترحمنا من طعم المياه
المالحة في حلوقنا
أسماكٌ هي أرواحنا الغارقة.
.
هذا الرقم الذي يدل على العشق ولا يدل على الوحدانية. فى ليالينا الحارة بانتظار عيد القيامة الشرقي – كأن الله قام مرة فى الغرب ومرة فى الشرق – تناقشنا نحن الأثنان حول ما إذا كان الحب يستلزم الموت. فى خضم حوارنا التخيلي عبر شبكات الاتصال ران فى نفسي هذا السؤال الذى يأتي كل عام: لماذا لابد من أسبوع آلام كامل قبل كل قيامة؟ لماذا الألم كشرط للفرح؟ لماذا الموت فى قلب الحب؟ إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فسوف تظل وحدها. الإثنين هو الزحف المقدس نحو المأساة. ليس غريباً أن يكون ثنائياً. نذهب جميعاً إلى المأساة أزواجاً حتى نصلها فنصبح وحدنا تماماً. وحدنا فى قلب المأساة. المركز.
.
رجلٌ مغمى عليه في الشارع. العجائز أصدقاؤه يتبادلون النظرات القلقة وجس النبض ومسك الذراع. أنا وصديقي للمرة العاشرة بعد المائة نحاول إمساك النسيان في صراع الدخان، جالسين، بيننا وبين الرجل زجاج المقهي الشفاف، يحاول أصدقاؤه دعك صدره وواحدٌ منهم تبدو عليه أمارات الفزع. أحاول التماسك والكتابة. فشلوا في إفاقته ومع وصول طبيب كان جالساً بالصدفة حملوه ومضوا. صديقي غنى لي في نشوة الحشيش أغنية عن رفض دخول البريء من بوابات العالم. دعنا نصل حتي لا يحترق الخزين.
.
يوماً ما سوف يحبنا الله، سترين
سيحملنا على سحابه مع أتقيائه
سيتبخر سوء حظنا وتعاستنا
سنضحك ونجري ونقضم كل تفاحة
تقع تحت أيدينا من أى شجر كان.
سنلهو بلا قلوب مدخنة…
تبدو للعين مثل فجوات ممتلئة بالحمص والياسمين.
سنركب مراكب ورقية ونجدف بكفينا على الرمال.
يوماً ما سيموت العالم فَزعاً من ضحكاتنا
ستموت المأساة مخنوقة
ويشجب السواد قلة التعاسة وطغيان البهجة
ستنشر الفتاة ثياب الفرح الداخلية
علي مرأى من الجميع
وتمشي عارية
علي شواطئ ومراسي لا تنتهي
وسأنتقل مثل قرة قلب عصفور من مكان إلي آخر
وأهمس في أذن حُوت هاديء
بكل كلمات الحب التي أعرفها
ولا أعرفها
لم أطلب منكِ شيئاً…
طلبت منكِ ان لا تبكى أكثر
فأنا لم أعد أرى شيئاً…
.
نصوص مينا ناجي

Respond to مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s