ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

تعتيم
صباح سكندري آخر ينتهي بالعودة للقاهرة. لا شئ في هذه المدينة يشبه شيئاً آخر تعرفه. حين تزورها كسائح تاريخ تحمل رائحته في قلبك وتنظر للبحر من هذه الشرفة العتيقة. وتنتظر حتى تمتلئ الرئتان. قضيت ليلتي مع فيرجينيا وولف: ما هو أسوأ من رواية؛ تتبُّع سيرة حياة منذرة بالأسى، رومانسية وشائقة حين تقرأها في كتاب لكنها تطلق في أوصالك ارتعادة حين تكتشف حجم الشبه بينها وبين الواقع. واقعك. تنظر فيرجينيا معك إلى بحر الإسكندرية، يأخذك الهواء المالح لثلاثينيات القرن الماضي، بينما كانت تفكر في طريقة للموت هرباً من العالم، من غول الحرب ومن الجنون. تُرى ماذا يكون شعورها إن هي أسندت مثلي مرفقيها على هذا السور المنتمي للقرن الماضي وواجهت البحر بعين بينما العين الأخرى ترقب مسيرة صغيرة لمجموعة من الشبان الغاضبين على استيلاء أسوأ ترس في ماكينة اليمين الرجعي على البلاد. أقرأ: “وكانت فيرجينيا قد قررت مع زوجها يهودي الاصل ان يتخلصا من حياتهما بالغاز السام لو تمكن الألمان بقيادة الجيش النازي من اجتياح لندن…” هل الرحيل إجابة السؤال؟ يصدمني طريق مسدود مع مُلوحة الهواء. لمن نترك هذا الجمال كله؟ تجيب المترجمة من وحي خيالها على لسان وولف: “لو كنت أعلم بهزيمة الألمان لما قررت التخلي عن الحياة.” يراودني الشك في خيال لا يدرك القوة الكامنة في قرار الموت الاختيارى. أعود لتعليق وولف المتأسي: “كيف تعتمون المدينة الجميلة بالسواد مخافة الحرب، التعتيم اسوأ من الحرب.” هذا ما تقوله: التعتيم اسوأ من الحرب.
حصوة
في الجنازات يمسح الناس أخطاءهم في حق الراحل بالصمت سيراً على الأقدام والتذكر، يُفصّلون خيالاً على مقاس الخطايا. إنه معنا، يقولون على غير الحقيقة. ويواصلون الندم ثم لا يكفون عن ارتكاب الحماقات.
في مجلس العزاء تلبس الزوجة طاقما كاملا من الدموع بأزرار داكنة محكمة الاغلاق وتتربع على عرش الفجيعة بأقصى ما يمكن أن تصنعه حنجرة بشرية… لتستقبل طابور النادمين بأسى لا يهم من رحل.
وفي صدر المشهد تعجب الأم من المتمنين لها الحياة الباقية. لا تفهم كيف تسطو على ذلك الجزء المغتصب من حياة الشاب الذي غادر للتو. تندم الأمهات على بقائهن أحياء حين يرحل الاولاد.
الرحيل هو الهبة الحقيقية للحياة. فلنكن واقعيين. أنت تصنع حياة للرحيل. يأخذها في آخر الليل دون تردد ولا عبارة شكر. ترحل الأحلام والحكايات، ويرحل القريبون من القلب مع وعد باللقاء تعلم انه لن يتحقق. بيقين. فالرحيل لا يخبر بمكانه، ولا يترك إشارة تدل عليه. ينقض فجأة كغمضة: حصوات صغيرة تنغرس في الحدقة بإحكام، ثم لا تخرج.
وعندما يحين الإغماض الاخير، تأخذها جميعاً وترحل. كأداة بلا ارادة في يديه.
شمس
على زجاج نافذتهم العتيقة فارس عجوز من عالم الحكايات وأزهار وفراشات. حين يستيقظ النهار تضيء اللوحة كبانواراما ملونة وزاهية. تشاركهم فطورهم قهوة داكنة بالسكر وموسيقى الصباح.
في المساء يتبخر الضوء فتنطفىء ابتسامة المتأمل في ملكوت الزجاج. ورغم أنهم سكان عابرون، لا يمانعون في أن يتسلل النور من مصباح الفلورسنت إليه حتى لا يشعر بالوحدة؛ على الاقل في وجودهم…
ثديان يرافقانها في كل المشاوير. يعجبهما على وجه الخصوص استعراض مسائي أمام المرآة حين تتوقف الشمس عن صبغ العالم بألوانها الشفافة، فيمتصا ببهجة مريبة أضواء الغرفة الخافتة. يقفزان بحرية وكأنها ليست هناك حتى يدركا استحالة الطيران.
تباغتها نكهة حمص مطحون وفلافل بينما يفصلها عن بلاد الصقيع ساعات لن تكفي ليتعلم الركاب نفخ الجاكيتات والتعلق بثبات في بالون بينما السقوط أكثر إثارة من إشارات مضيفة يئست من التكرار ولا مبالاة الركاب.
الشمس هنا تغزل حكاية الناس، تضبط وقع تفاصيلهم اليومية. وحين تختفي لا يحيا على أرضهم سوى الغرباء والمشردين والمختبئين في صخب الليل والدخان والكحول. حتى الشعراء هنا يتنفسون النهار: كم محطة قطار ضيّعتُ لأسجل هذه الحقيقة؟ نحن ابتكرنا العلاقة بين الليل لباسا والنهار معاشا. تشرق الشمس في بلادنا بطول السنين ثم لا نعيرها التفاتة… بينما المحكومون بالبرد واختباء النور يديرون العالم.
برود
أهمية المباني الصغيرة أنه يمكنك أن تسمع وقع أقدام من تحبهم على السلم. فيزغرد قلبك مع كل درجة كفرح كامل غير منقوص… فرح تقتله المصاعد الكهربائية ببرود.

Respond to ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s