حوارات

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح”؟
الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١.
أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟
هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…
إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.
الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.
إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟
في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات”). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.
في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).
هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.
هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟
من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…
عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟
لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.
في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.
ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟
أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.
خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟
يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…
كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟
كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.
كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟
لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:
في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.
في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.
من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

 

كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟
أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.
هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟
لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.
إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟
الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري.
لوحظ أنك تشتغل كثيرا على اللغة ؛ بل تمارس فعلك في اللغة بما يتوازى مع حركية الحياة الإنسانية .. هي (فعل يحيل إلى الواقع) ؛ كيف من وجهة نظرك أن تصبح اللغة مشاعا إنسانيا لاحتمالات التغيير؟
هذه مسألة شديدة الصعوبة وأظن لها علاقة بالأمانة، بأن لا نقول إلا ما نصدّقه ونريد بالفعل أن نقوله وبأن لا تستهوينا الشعارات. أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة تبالغ كثيراً في تصوراتها عن دور الشعر في تغيير المجتمع أو إمكانية أن يكون للشعر أثر مباشر على الحراك الاجتماعي. أعتقد أن المبالغة في تلك التصورات إنما تقوّض وتعهّر الشعر وتخطئه، كما تساهم في انعزال الشعراء. العثرة الأساسية في العالم العربي هي الأمية بكل تجلياتها، وكون الأدباء اعتادوا أن يخاطبوا السلطة لا الناس. رهاني “الثوري” يظل على التغيير التدريجي البطيء للوعي، وبينما أقوم بما علي لا أعول كثيراً على كسب الرهان.
مطالعة إنتاجك النثري يؤكد أنك تدعو إلى انقلاب ثوري ينطلق من فكرة، ترى الشعر (كشفا ورؤيا)، أليس هذا غير منطقي ويعلو على الشروط الشكلية للشعر التقليدي؟
أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

أرى الكتابة معرفة وأرى الشعر ببساطة درجة أصفى أو أكثر تكثيفاً لفعل الكتابة مما يكون عليه في أشكال أدبية أخرى، أصفى أو أحدّ ولكن ليس أرقى أو أقيم في حد ذاته. الشعر هو الكتابة في أشد صورها حدةً أو صفاءً، الأمر الذي يجعله معقداً بالمقارنة مع ما سواه من أشكال أدبية لكنه عندما يتحقق – وهذا هو أحد ألغاز الشعر – يصبح أسلس وأسهل مما سواه هكذا بلا مجهود إضافي. أعتقد أن نظرتي إلى الكتابة من واقع ممارستها منطقية تماماً، ولا أرى أنني منعزل عن امتدادها الزماني والمكاني في اللغة العربية. أنا لست معنياً بغير شروط واقعي كما أراه ولا ألتزم بالشروط الشكلية لأي شيء “تقليدي” فلماذا ألتزم بالشروط الشكلية للكتابة؟ في جانب منه يبقى الطموح كلاسيكياً لكن العلاقة بالتراث تأتي في عمق وتنوع ما يمكن أن يطرحه من أسئلة، ليس في استنساخ تقنياته. أنا شخص يرتدي القميص والبنطلون ويستعمل الموبايل واللابتوب، يقود سيارة ويحتسي المياه الغازية ولا يستطيع أن يعيش بلا إنترنت. ماذا يمكن أن يعنيني في الالتزام بشروط القديم أو إعادة إنتاجه؟
كتابتك النثرية وخاصة في قصائدك المنشورة في مجلة (نزوى) تدعو إلي مزيد من الحرية، التي تجعل الشكل يمَّحي أمام أي قصد أو هدف، من أجل البحث في وظيفة الممارسة الشعرية التي تعتبر طاقة ارتياد وكشف تتجاوز في قدرتها الأشكال المؤسسة .. إلى أين يأخذ يوسف رخا القارئ في زمن الثورة على كل التقاليد العربية ومنها تقاليد الشعر؟
الشكل شيء أساسي. لا أقصد النوع الأدبي وإن كان انتماء نص ما إلى نوع أدبي معين أو ادعاؤه أيضاً يؤثر على الشكل. الشكل هو من صلب النص وليست الحرية من دواعي اختلاله. وعليه فإنني أدعوك إلى اختيار أي جملة كتبتُها في أي سياق وسأستطيع أن أشرح لك كيف أنها جزء من بناء كُتبت بداخله ومن أجله، كيف أنها تساهم في تكوين شكل بقدر ما تعبر عن مضمون. أي جملة: أستطيع أن أشرح لك الوظيفة التي تؤديها لتحقيق الشكل الذي يحتويها، وإلام تستند من كتابات وأشكال كتابة سابقة على كتابتها. هذا أيضاً أمر مهم وإن لم يكن في صلب السؤال: أن لكل جملة تاريخ من الجمل المكتوبة قبلها من جانب آخرين قرأتَ لهم أو لم تقرأ؛ وحتى داخل اللغة الواحدة، بالرغم من التلاقح الدائم للغات، أنت عندما تكتب لا تقفز في الفراغ. أنت تعيد كتابة شيء قرأته أو كنت تود قراءته. من هنا أظنني أصاحب القارئ على دروب دائرية قد تقوده حتى إلى كتابة أقدم من كتابتي. لا أريد أن “آخذ” أحداً إلى مكان! أرى الكتابة طريقة للتواصل الصادق مع أناس لا أعرفهم، ولإعادة صياغة جمل لابد أنها صيغت من قبل لكنها لا تعنينا بالقدر نفسه قبل أن نعيد صياغتها. سأكتفي، رداً على عبارتك الأخيرة، بقول إن تقاليد الشعر تتجاوز عروض الخليل. ولو أن صياغتي للجمل التي أختارها تستلزم عدم الالتزام بالعروض، فذلك لا يعني أنني مقطوع الصلة بالمنجز الخلاب لأمثال أبي فراس الحمداني والنابغة الذبياني وأبي نواس والمتنبي وابن الفارض…
جيلك من شعراء قصيدة النثر (في التسعينيات من القرن العشرين) متهمون بأنكم مثل معظم تمثيلات الانتلجنسيا العربية ما زلتم تتعاطون مع مفهوم الحداثة من طريق القصر على الوسائل والأدوات دون تشرب حقيقي لفلسفتها، بما هي فكر وسلوك ونمط حياة. وحين تغدو الأفكار الجديدة انتقاء تتأبد أزمة المحاكاة والبرانية فماذا تقول ؟
أولاً أنا لا أنتمي إلى جيل. في الآونة الأخيرة أعتقد أنني فهمت من أين أتى هذا المفهوم إلى دوائر الأدب العربي وماذا كانت ضرورته – في غياب أي دعم معنوي أو مادي لإنتاج الأدب كان لزاماً على من تقاربت أعمارهم وظروفهم الاجتماعية أن يتكتلوا لكي تحافظ الكتابة على الحد الأدنى من المصداقية أو هكذا ظن عدد كاف من الناس عبر موجات متلاحقة بامتداد القرن العشرين – لكن بشكل “موضوعي” لا أظن مفهوم الجيل ينطبق عليَّ. كان لي صلة سطحية بجماعة “الجراد” ربما وهي أحد “جيتوهات” الهامش الثقافي المفترض – لست مقتنعاً بثنائية الهامش والمتن التي استُغلت ببذاءة في هذا السياق، لكن لا يمكن وصف جماعات التسعينيات إلا بالجيتوهات – وبدا ما يكتبه أعلامها قريباً إلى ذائقتي أو فكرتي عن ما يجب أن يُكتب. لكنني لم أكن مجايلاً لهؤلاء ولا مشاركاً لهم في السلوك ونمط الحياة. كان ما يشدني إليهم في جزء منه على الأقل هو الشعور بأنهم يكتبون أشياء حاصلة في الواقع دون اللجوء إلى متكآت مفاهيمية كالحرية والعدالة والإخاء أو الحب والخير والجمال. كانوا يتحدثون عن الخبرة الروحية وخبرة المكان دون أن يقولوا قال الله وقال الوطن. ولم يكن خطابهم يعتمد على ذرائع جمالية أو سياسية. الآن فقط أعرف أن فردية “التسعينيين” لم تكن عاملاً في انجذابي إليهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا فرديين. كان وجودهم في جيتو هو ما ينفرني، بالمقابل.
وخلاف أن يكون المقصود بكلمة حداثة هو تلك الفردية أو تجاوز المقدسات، أستطيع أن أقول بصدق إنني لا أعرف ماذا تعني الكلمة أو ماذا يُقصد بها في السياق العربي. من ذا الذي نحاكيه؟ هل تعلم مثلاً أن الكثير جداً من الشعر “الغربي” المعاصر موزون ومقفى؟ أين إذن الحداثة النثرية المفترض أنها وافدة إلى شعرنا؟ وبأي منطق تقابل أي “حداثة” محتملة مفهوم “الأصالة” أساساً؟ هل المبتغى أصالة مفاهيمية (أيديولوجية) أم أمانة فردية؟ بسبب تعليمي في إنجلترا واتقاني للإنجليزية منذ عمر مبكر، لا أظنني أدعي إذ أقول إنني “أعرف” الغرب. ولا أظن “هم” مختلفين عن “نا” أو متفوقين علينا أدبياً في أي شيء سوى درجة تغلغل الكتابة في المجتمع الذي ينتجها، والمدعومة بنسق رأسمالي عام يستلزم أنواعاً من “المهنية” ليست دائماً في صالح الأدب، لكنها بالطبع مدعومة أيضاً بنسب بتوفر أسباب القراءة الاقتصادية والتعليمية والسياسية بدرجات أعلى بما لا يقاس. أعتقد أن الإشكال عندنا يكمن في الجهل بالسياقات الغربية والافتراض المسبق أنه أفضل أو ما يشبه إحساساً ملازماً بالدونية ولذلك أسباب تاريخية واضحة، لكن قناعتي أن التفاعل أياً كان هو بتعريفه نشاط ندي. الكتابة فضاء ندي شئنا أم أبينا، وليس سؤال البرانية أو العصرية (المعاصرة) سؤالاً ثقافياً؛ أقصد أنه ليس سؤالاً يطرحه اختلاف ثقافة عن أخرى. قناعتي أنه سؤال أخلاقي، بمعنى أن الشعر تمثل لحقيقة ما داخل واقع ما من المفترض أن تلتزم بهما الكتابة ومن ثم تحفظ مصداقيتها. فهل تخرج الكتابة من احتياج صادق إليها وهل تُستقبل بنزاهة أدبية؟ أظن هذا هو المهم، ولا أظنه مرتبطاً لا بالحداثة ولا بالتطابق مع مصدرها.
هل الجغرافيا تصنع كل هذا الفرق بين البشر؟ ماذا يفرق بشراً عن بشر آخرين؟
هذا سؤال فلسفى عميق ومستحيل إجابته هكذا. أنت ترى الفروق فى الجغرافيا عندما تتحرك على الخريطة. لكن الذي يصنع الفرق ليس الجغرافيا ولكن السياسة والثقافة واللغة: التاريخ، بكل جوانبه. أسهل شيء فى هذه المسألة أن تسطّح وتُعمِّم؛ لكن الأشياء ليست بذلك الوضوح. الصفة التى تقرنها بالمكان “أ” ربما تجدها على أوضح شكل فى فرد من المكان “ب” لكنها تظل مقرونة بالمكان “أ” لأنها تتكرر بشكل ربما أقل وضوحاً مع عدد أكبر من الناس. لكن هل هناك فروق؟ في رأيى طبعاً هناك فروق. فقط لا يوجد فروق مطلقة. المثير بالنسبة لى فى المقارنات هو الأماكن التى تشبه بعضها. حين تقارن كندا بأمريكا هذا مثير أكثر من أن تقارن أمريكا بمصر، لأن الفروق بين أمريكا ومصر أوضح وأسهل ولأن مقارنات الأماكن المتشابهة تدخل فى مناطق أرهف، مقارنة المصريين باللبنانيين مثلاً: هناك تشابه كبير جداً لكن هناك اختلافاً. هذا مثير أكثر بكثير من أن تقارن اللبنانيين بالفرنسيين. كما أن علاقة العالم الثالث بالأول في جانب منها مُحددة مسبقاً، وعادة ما توجد أجندة سابقة على المقارنة نفسها. فأنت إما ستؤكد أن طرفا أفضل من طرف، أو تحاول أن تدحض ذلك. أما فى الأماكن المتشابهة فأنت تهتم بأشياء ليس لها علاقة بأي المكانين أحسن فأنت أصلاً مطمئن لأن الأشياء تشبه بعضها بدرجة كافية. هكذا تصبح مثيرة أكثر، ممتعة أكثر. كل الفكرة فى الكتابة هى المتعة، المتعة بمعناها العميق المتعدد. الكتابة شكل من أشكال السعى للمعرفة من خلال الاستمتاع… يمكن أن تقرأ دراسة فلسفية عميقة جداً ومفيدة جداً وربما تفتح لك آفاقا لم تُفتح قبل ذلك فى تاريخ الإنسانية لكن لا تكون ممتعة. هذه أيضاً معرفة، لكن ما الفرق بينها وبين الأدب؟ الكتابة الأكاديمية غير ممتعة على الاطلاق. فوكو مثلاً أفكاره ممتعة جداً، لكن كتابته سيئة ككتابة، بالفعل لا يُقرأ. لا يهتم بالصياغة ولا الكتابة، فقط عنده أفكار يقولها. ولأنه يتحرك داخل أعراف أكاديمية لا تضع فى اعتبارها أهمية أن تكون الأشياء مقروءة. هذه أزمة حديثة نسبياً، لو عدت إلى القرن التاسع عشر إلى هيوم ولوك وهذه المجموعة مثلاً ستجدهم ممتعين جداً فى القراءة. ليس كلهم بالطبع: “كانت” مثلا مستحيل، عذاب صرف. تقرأ صفحتين كاملتين تعاني فيهما لكي تصل إلى فكرة شديدة البساطة. لكنها فى النهاية طريقة فى الكتابة… أعتقد أن الأدب لكى يصبح أدباً لابد أن يكون سلساً وممتعاً.
هل تعتبر المصريين عرباً؟
ماذا تقصد بـ”عرب”؟ بالمعنى اللغوي والثقافي بديهي أنهم عرب. لكن بالمعنى العرقى والقومي لا يوجد عرب أصلاً. أين هم العرب هؤلاء؟ حتى الجزيرة العربية تعددت واختلطت فيها الأجناس. البُعد العرقى هذا أكذوبة كبيرة. كلمة “العرق” عندما تثار فى علاقة بالهوية، لا تكون سوى استراتيجية سياسية لتحقيق أغراض معينة. في مصر مثلاً أنت تداخلت مع أتراك وبربر وأجناس لا حصر لها فضلاً عن الأقباط وقبائل الجزيرة. وحتى الأقباط أنفسهم، من عرفك أنهم أنقى عرقياً؟ هناك صعايدة مسيحيون يشبهون الفراعنة، لكن هناك مسلمين يشبهون الفراعنة أيضاً! وكذلك العروبة السياسية: أنا لا أوافق على المشروع العروبي السياسي، لكنني أرى الامتداد اللغوى، الامتداد المكانى والزماني للغة العربية، شيئاً جميلاً. وأرى الحدود ما بعد الاستعمارية التي تقسّم مساحة هذا الامتداد غير منطقية وسخيفة وغبية. لماذا يكون هناك حدود بينك وبين غزة أو السودان؟ الأمريكى عندما ينزل مصر لا يحتاج فيزا، لكن المغربى يحتاجها.
لكن أليست هذه هي نفسها القومية التى رفضتَها منذ قليل؟
لو أن معنى القومية هو إلغاء هذه الحدود المصطنعة، فأنا موافق. لكن ما يُقصد بالقومية العربية أو فترة ما بعد الاستعمار شيء آخر أراه امتداداً للمشروع الاستعماري نفسه. الدولة العربية فى الحقيقة هى دولة محمد على التى تحللت مبكراً، والتى أقامها شخص غير عربي. أما القصص التى عملها عبد الناصر، فكرة أن يتولى أمر بلد كامل أي ديكتاتور حيوان فيخربها ويروع سكانها بحجة أنه يمثّل العروبة لا تروق لي. على النقيض هناك توجه ثان في الفكرة التي روج لها لويس عوض بأننا لسنا عرباً على الإطلاق وعلاقتنا بالشرق معدومة بينما يجب أن نتطلع إلى الشمال؛ وهي الفكرة التي أدت إلى الترويج للكتابة بالعامية والقول بأن العامية لغة مستقلة لا علاقة لها بالفصحى. هذا أيضاً مرفوض، لأنه شكل من أشكال التحايل السياسي بتحديد الهوية فى اتجاه معين ليس بالضرورة منطقياً. لا ضرورة لإنكار أشياء حاصلة وبديهية: أننا نتكلم هذه اللغة، حتى لو كانت محرّفة بطريقة أو بأخرى في أفواهنا، وأن هناك تشابهات تاريخية وثقافية قوية جداً بيننا وبين البلاد المسماة بالبلاد العربية. لكن فى نفس الوقت ليس معنى ذلك أنه يجب أن يكون هناك مشروع قومى سياسى لو لم تصر عليه تصبح خائناً.
ما هى الهوية إذن؟
الهوية كارثة. الهوية فخ. دائماً هناك سعى أن تعرف هويتك. لكن ما إن تعرفها حتى تريد أن تتخلص منها. ما إن تحددها أو تُعرّف لك من جانب سلطة ما، تصبح خانقة. تحدك وتسطحك. سؤال الهوية لا يُطرح عملياً إلا فى وضع تحتاج فيه لحسم شيء ما، لكنك ما إن تحسمه حتى يخنقك.
لكن أليس في اختيار اللغة قرار سياسي بشكل ما؟ لماذا لا تكتب بالعامية مثلاً؟
بالنسبة لى اختيارى للغة العربية يرجع إلى أننى أستريح فيها. أعتقد أن العلاقة بين العامية والفصحى هى الموضوع، ليست هذه وحدها أو تلك. فى الكتابة نفسها، فى النَص الواحد، أستمتع بالحوار بينهما. فى ترتيب الجملة، فى اختيار المفردة. الفكرة بالنسبة لى فى ذلك التداخل، في تلك الدينامية. ثم إنه في الحقيقة لا توجد فصحى! ماذا تعنى كلمة “فصحى” بدقة متناهية؟ أنا لو حاولت أن أكتب فصحى صرفة لن تخرج مني فصحى قرآنية وربما أنتتهي إلى شيء أشبه بكتابة طه حسين على أحسن الفروض. أعتقد أن طه حسين كان آخر من كتب بالفصحى القرشيّة. وبدءا من نجيب محفوظ الفصحى نفسها تغيرت، تغيرت وتنوعت. وأنت عندك لغة كتابة لها هذا التراث الممتد بهذا الشكل، فلماذا تتخلى عنها مادمت على علاقة حية بالعامية ولا قلق من الرجوع إليها بوصفها اللغة الحية أو لغة الكلام؟ في الفصحىى هناك شئ يحملك: تراث 1,500 سنة من الأدب، حتى لو لم تقرأه كله، حتى لو لم تقرأ منه شيئاً. يظل يحملك فى الكتابة. العامية ليس لها تراث كتابة بحجم وزخم وثراء الفصحى. لكن العامية موجودة وحية ولا تخسر أى شيء: كتابتك بالفصحى لا تبعدك عنها. هناك فى العالم توجهان: التوجه الأوروبى، حيث أدت الحركات القومية إلى اندثار لغة الكتابة الجامعة، اللاتينية، والتأسيس لكل لهجة من لهجاتها باعتبارها لغة مستقلة؛ والتوجه العربي، حيث لم تقنن اللهجات المحلية باعتبارها لغات مختلفة. وأنا أرى في التوجه الثاني منحى جيداً لأنه يتيح الامتداد الزمني والجغرافي. لو أن المغاربة كتبوا بالدارجة المغربية لن تفهم شيئا، لكن من الممكن أن تدخل الدارجة المغربية في الفصحى التي يكتبونها بدرجات. الفصحى يمكنها أن تتلبس الدارجة المغربية وساعتها ستفهم الدارجة بل وربما ترغب في تعلّمها بعد ذلك.
هل تعبر الفصحى عن أشياء لا تستطيع العامية أن تعبر عنها؟
بالتأكيد. طبعاً، بمعنى أن الفصحى لها تاريخ طويل في الكتابة وهناك سوابق براقة في الفلسفة والعلوم على سبيل المثال. فى تركيا اليوم، على الرغم من أنه كان هناك سعى عنيف للتخلص من كل الألفاظ العربية والفارسية، تظل معظم الألفاظ الذهنية عربية: “كتاب” أو “استقلال”، مثلاً. العامية المصرية أخذت من التركية كلمات مثل “أوضة” أو “شنطة”، لكن حتى اليوم لا يوجد كلمة للاستقلال بالتركية غير الكلمة العربية. الفصحى بهذا المعنى لغة ذهنية، الأمر الذي لا يعني أن العامية قاصرة عن نقل الأفكار المعقدة أو المشاعر الدقيقة لكنها لا تملك ما يكفي من مفردات لذلك وليس هناك سوابق لاستعمالها في الكتابة على هذا النحو. وحتى في الكلام العامية نادراً ما تؤدي مثل هذه الوظائف بدون الرجوع إلى الفصحى أو سواها من لغات النشاط الذهني غير المتصلة بالحياة اليومية، وهو أمر طبيعي. معظم المفاهيم الذهنية باستثناء الوافد من لغات أخرى تظل فصحى حتى ونحن نتكلم بالعامية، فكلمة “تفاعل” أو كلمة “مركّب” قد تقال في جملة عامية، لكن مثل هذه الكلمات لا تنتمي للعامية كما تنتمي كلمات مثل “شكمان” أو “تليفون” وإن ظلت هناك مفاهيم ذهنية عامية غير موجودة في الفصحى فالمسألة ليست مطلقة.
هل للفصحى علاقة بهويتك؟
للعامية علاقة أقرب بهويتي لأنها لغتي الأم بالمعنى الحرفي. لكن العلاقة باللغة لا تكون مباشرة بهذا الشكل. يمكن للغة أن تعكس جانباً ما من هوية ما فى لحظة ما، لكن لا يحدث ذلك بقرار وفي النهاية قد تأخذ قراراً وترجع فيه. أنا أخذت قرار أن أكتب بالإنجليزية ورجعت فيه أكثر من مرة لأننى وجدت العربية تحقق طموحي الأدبي بشكل أوقع، ولعل القرار الداخلي، غير الواعي كان أن أكتب العربية. وجدت سِكة أكثر إرضاءً في العربية. والسكة هذه قرار نابع من الداخل وليس عن وعى. يمكنك أن تفكر وتقرر في أي أمر من أمور الحياة لكن القرار الداخلي الخفي هذا هو الذي يحكمك مهما قررت.
كيف يمكن أن يستفيد الكاتب الشرقى بصفة خاصة من التراكم المعرفى والحضارى الغربى؟
هناك توجهان سائدان فى هذا الموضوع. التوجه الأول هو تقديس الغرب، والتعامل معه على أنه قادم من المنطقة الأعلى منك وأنه كله جيد وكله عظيم وأنت لابد لك أن تقلده. والتوجه الثانى هو أن “تؤبلسه” إن جاز التعبير، ترفضه كاملاً ليس لأنك ترفضه ولكن لأنه جاء إليك من مكان أضر بك في الماضي وهو بالتالي – وبالضرورة – مؤامرة عليك. أنا أرى أن كون المعرفة قادمة من مكان معين في وقت معين لا يعيبها ولا يميزها على الاطلاق، وعلينا أن نكون أنداداً لأندادنا معرفياً. شروطنا ولابد مختلفة عن شروطهم، لكن لا يمكن لنا أن نعاملهم بوصفهم آلهة أو أبالسة.
“معنى الكتابة في حياة وﺍحد مثلي: كل الأشياء ﺍلتي يمكن ﺃن تُعوّض عنها.” ما معنى هذه الجملة؟
معناها أن كل ما لا تستطيع عمله في واقعك، كل ما يحرمك منه الواقع على كل المستويات – وربما أهم ما في ذلك هو احتمال الفهم أو الوضوح – تعوضك عنه الكتابة. لكل منا استراتيجية في مواجهة الدنيا وأنت منذ سن مبكر جداً واستراتيدجيتك هي أن تكتب. وليس المقصود بالتعويض هو تحقيق متخيل لرغبات مستحيلة. يحدث التعويض على مستويات عديدة. الكتابة شيء مرن يمكنك أن تحقق من خلاله أشياء عديدة بحسب اللحظة والإنسان. لكن الذي لا يتغير أنها وسيلة للتعامل مع حياتك وأنها تخلق توازناً ما. ربما التوازن أدق من التعويض. لأنها كمل تعوض تحرم في مكان آخر – وأظن أهم ما تحرمك منه هو الولاء الكامل لشخص تحبه، لأنك وفي خضم ذلك الحب قد يكون ولاؤك لشيء آخر – لكن الكتابة بهذا المعنى تحدث خللاً أيضاً. وهذا التضاد بين سد الفجوات وإحداثها هو الذي يجعل منها طريقة حياة فضلاً عن أي شيء آخر. ولا أعرف إن كان هذا إيجابياً أو سلبياً. هو فقط في صالح الكتابة. أنت تقبل بذلك لأنه يصبح حياتك. أن تكون خائناً. أن لا تكون علاقتك بالناس في جوهرها علاقة أخلاقية لأن هناك دوماً أولوية أخرى لها علاقة بما تريد أن تقوم به على الورق. هل ستكتب عن ذلك؟ وكيف ستكتب عنه لو كتبت؟ كل ما يحدث لك تكون على مسافة منه بدرجة ما، لأن ما يحدث يحدث على الورق بشكل أوقع مما يحدث على أي مستوى آخر.
ما الذى يفرّق كاتباً أو شاعراً عن آخر؟
بالنسبة لي، هناك مسألة أساسية وهي مسألة لها جانبان. الجانب الأول هو أن يكون إخلاصى الحقيقى للكتابة، بمعنى أن لا توظّف الكتابة لصالح شيء سواها؛ يعنى الكتابة لـ”وجه الله”، وهو شيء نادر فعلاً فى الثقافة العربية. بالفعل مربك وصادم أن تكتشف مدى ندرته بعد كل ما قرأت. لكنه موجود عند سركون بولص، هذا الشيء. أما الجانب الثانى فمن الصعب التعبير عنه بوضوح ومن السهل أن يساء فهمه على مستويات عديدة، ومن السهل أن تخطئ في تأويله أيضاً إذا ما حاولت أن تطبقه على شخص بعينه. إنه ببساطة أن تكتب عن نفسك، بمعنى أن تكون مستعداً للمغامرة بحياتك من أجل ما تكتبه – أنا أفكر في المستوى النفسي، لكنه يحدث على مستويات أخرى أيضاً – وهو ليس شيئاً دونكيشوتياً على الإطلاق. إنه في عمق فكرة أن تكون الكتابة استراتيجية لمواجهة الحياة، وبالتالي هو شيء شخصي جداً وأظن له علاقة وثيقة بالحرية، الحرية بمعناها الحقيقي الذي يختلف عن الاستهتار والتخلي والاستعداد لإيذاء الآخرين. أن تكون مستعداً لمواجهة نفسك. أن تعرض نفسك لأشياء لو لم تكن ستكتب عنها لا سبب في الدنيا لأن تعرض نفسك لها. وهذا من وجهة نظرى ما يفرّق بين كاتب وآخر. هناك كاتب متمكن من أدواته وطموح لكنك لا تجد عنده شيئاً من ذلك: تظل الحياة شيئاً والكتابة شيئاً آخر. فكرة أن تكون معرضاً، مستعداً للتماهي مع ما قد يُخرج من جوفك كتابة لأنه غيرك بالفعل. أن تكون مستعداً لأن تمر بذلك التغير، لأن تخرب حياتك – عملياً – من أجل أن تحصل على خبرة، من أجل أن تكتب. أنا مثلاً عندما تزوجت وطلقت بعد عام. يجوز، محتمل، أنني في مكان ما من وعيي كنت أعرف أن هذه الزيجة ستنتهى بهذه السرعة وأريد هذه الخبرة لكى تفيدنى فى رؤية العالم. بالطبع لم أكن أرى الأمور وقتها بهذا الشكل وإلا أكون مجنوناً وهذا غير مفيد للكتابة. أظن بولص نفسه قال شيئاً بهذا المعنى: أنك تكون على الحافة، لو تخطيتها فهذا أشبه بأن لا تكون قد وصلت إليها أساساً، لأنك في فضاء خارج فضاء الاحتكاك. الفكرة كلها أن تبقى على الحافة.
لماذا قلت إن ليس لك أسلوب محدد فى الكتابة؟
الأسلوب شىء خطير. أنت لا تقرره وإذا قررته لا تثبت عليه. أنت تخترع لغتك وطريقتك ولو فعلت ذلك على مدى سلسلة من النصوص وصلت في آخرها إلى طريقة ثابتة فى الكتابة فهذه مصيبة لأنه لن يمكنك فيما بعد إلا أن تعيد إنتاج ما حققته من قبل. لكنها فكرة مقيدة ومضرة فى الحكم على الأشياء. ماذا يعنى أن يكون هذا الكاتب أسلوبه جيد وذاك أسلوبه رديء؟ إنها فقط على باللغة باللغة، وعلى قدر تطور هذه العلاقة يتطور الأسلوب. لكن يبقى في لغتك شيء خاص بك مهما تجنبت ذلك…
تبدو مشغولا بتجسير المسافة بين الأنواع الأدبية المختلفة، ما السبب؟
بالنسبة لما أكتبه، أشعر أن مسألة الأنواع الأدبية مفتعلة. ثمة شكل تقني يتطلب أشياء معينة. ولديّ دائما تساؤل هو: هل لو كتب رامبو روايات لكان أصبح أقل أهمية وتأثيراً؟ وهل لو كتب ديستويفسكي قصائد لكان أقل أهمية؟ فكرة التخصص التي كانت سائدة في السبعينيات لا معني لها من وجهة نظري. الكتابة كتابة سواءً أكانت مقالا أو ريبورتاج أو قصة. ما يحركني لها دوافع واحدة بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي أكتبه. في لحظة معينة أجدني أقرأ كتاب “ميزان الذهب في شعر العرب” من أجل كتابة بيتين من الشعر العمودي أحتاجهما في مكان معين من عمل معين. التركيبة الموجودة في “كل أماكننا” لا أعرف إلي أي مدي هي موفقة. هي مبنية علي نصوص كانت موجودة مسبقاً عندي.
رغبة رخا في التمرد وتحطيم البقرات المقدسة، لا توفر شيئاً أو أحداً، إذ تمتد إلي الشعر نفسه. نلاحظ رغبة قوية في إنزاله من عليائه واللعب به ومعه.
لا أري أن أدبية النص لها أي علاقة بتوصيفه. عندي ثورة شخصية علي الأدبية الخاصة بتلقي النص الآتية من مكان معين خارجه. من جانب آخر هناك الأفكار التي ظهرت في التسعينيات والداعية لكسر نوع معين من البلاغة وتصور معين عن الأديب. كان الأهم فيها أنها حطمت المفهوم الخاص بأن من يكتب يلعب دور المعلم أو الأديب أو حتي النبي. في عملي لا تزال هناك الرغبة في أن تصدمي أو تكسري. رغبة مصدرها التآلف مع ما حدث في التسعينيات رغم أني وقتها لم أكن واعياً بهذا بشكل كافٍ. هذا الكتاب أشعر أنه فاصل/ حاجز بين مرحلة استنفدت أغراضها وبين مرحلة جديدة. بمعني بين مرحلة كتابة المكان بالشكل الذي بدأته 2005 وبين الرواية التي انتهيت منها مؤخرا. الديوان صدر فوراً بعد “شمال القاهرة غرب الفلبين”. شعرت أنه يملأ المساحة بين أدب الرحلات والرواية. الكتاب كان من المفترض أن يحتوي أيضاً علي اسكتشات وصور فوتوغرافية، لكن لم يحدث هذا لأسباب ربما تكون تقنية، الفكرة تم رفضها من قبل الناشر.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه. ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية. الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى. لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي. فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
بالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟ وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟ أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها. الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق. وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً. الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
لك قصص وقصائد والآن تكتب رواية، فمن أين الإصرار على هذا الشكل أو النوع الأدبي في مقاربة المدن العربية خصوصاً؟
لن أقول لك، كما يقول أكثر من كاتب عربي صدقاً أو كذباً، إن الشكل لا يهم. الشكل جوهري ربما أكثر من «المضمون». إلا أن هذا الشكل كان نتيجة عفوية لاختلاط شعر النثر بالريبورتاج في سياق أوتوبيغرافي إن شئتِ، يستفيد من السرد الذي تدربت عليه بصدد صدور «أزهار الشمس» عام 1999 ومن عملي الصحافي باللغة الإنكليزية. ومع ذلك، من مجمل التطورات التي صارت معي منذ أنهيت كتابة «بورقيبة على مضض» في شتاء أو ربيع ,2006 أن سؤال الشكل لم يعد يلح علي بنفس الحدة. هناك تعبير يحبه الكتاب هنا هو «النص المفتوح»، وهو تعبير يثير ريبتي لأنه يوحي بالتحلل أو الانحلال، فيما أسعى إلى التماسك والتوازن. وإن كانت هذه النصوص تمثل جنساً أدبياً غير متفق عليه، فلعلها «أدبيات مركبة» على غرار العمل المركب في الفن التشكيلي، الأمر الذي التقطه بيار أبي صعب في تعليقه على الكتاب… غير أنني أعتقد أن كتاباتي هي، ببساطة، نماذج معاصرة لشكل أدبي منسي هو المقال، مع ملاحظة أن اللفظة الإنكليزية التي أفضلها في هذا السياق ـ essay ـ تعني ليس فقط المقال ولكن التجربة أو الاختبار: الكتابة بهدف سبر أغوار موضوع معلن دون معرفة مسبقة به. وقد تعددت تجليات المقال في تاريخ الأدب العربي، بل استوعبت القصة القصيرة وقصيدة النثر وغيرهما من الأجناس الأدبية الحديثة تحت مسميات مثل المقامات والمنامات واللطائف.
بلى إن كتبي الثلاثة عن المدن العربية هي أدب برحلة، وإن كان مثل هذا التوصيف مضللاً بعض الشيء. أنا أشعر بالانتماء لمجلة أمكنة السكندرية لأنها ساهمت في إنماء وعيي بإمكانية كتابة المكان، بالذات الكتابة عن مكان ما بشكل يستتبع تسجيل رحلة الذهاب إلى ذلك المكان بغرض الكتابة! أريد أن أكتب أدب الرحلة لكنني ما زلت أبحث عن صيغة لذلك، وأعتقد أنه سيكون علي، لكي أنتج أدب رحلة صرفاً، أن أتفرغ للترحال، الأمر الذي لم يتيسر بعد وقد لا يتيسر في ضوء بقائي «عبد معاش»، كما يقول الإنكليز… وقد روّجت لكتابي عن بيروت على اعتبار أنه أدب رحلة وكنت مقتنعاً بأنه كذلك. إلا أنني أعدت قراءة ابن بطوطة واكتشفت كتابين حديثين: واحد للشاعر العماني محمد الحارثي والثاني للروائي العراقي علي بدر. فأعدت النظر وأحسست أن أدب الرحلة قصة ثانية، قصة أبسط بكثير من الناحية الإبداعية لكنها تتطلب أسفاراً أطول وعلاقة أعمق مع الرحيل. ذلك فضلاً عن أدب الرحلة الأوروبي الذي كثيراً ما يتدنى إلى مستوى البروباغندا السياحية، رغم أنه في بعض الحالات، عند بروس تشاتوين مثلاً، يقترب مما أكتب. كلها مسميات على كل حال.

One response to حوارات

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s