ضجر يوسف رخا: عناية جابر

كل كاتب يمتلك في داخله نظام كتابته. نظام يبين الكتابة على ما هي عليه، وعلى ما تريد أن يعتقده القارئ عنها. يوسف رخّا في كتابته عموماً (مواليد القاهرة، يعمل في الصحافة باللغة الإنكليزية منذ 1998)، بدءاً بمجموعته القصصية «أزهار الشمس» مروراً بـ«بيروت شي محل» و«بورقيبة على مضض» و«شمال القاهرة غرب الفيليبين» وكلها كتب في الأمكنة وأدب الرحلات، حتى جديده «كل أماكننا» الشعري/ النثري، الصادر حديثاً عن «دار العين» نرى الى كتابته كيف أنها تعمل وكأنها ضمير الأمكنة الطيّب، مُهمتها أن تُطابق خداعاً بين أصل الصورة (المدينة، الشوارع، الناس، المشاعر، ثم عامل الضجر بشكل أساس، الضجر الوجودي المقلق) وتحوّل هذه الكتابة، التحوّل الأكثر إدهاشاً يتمثّل في أن تُعطي الكتابة عن هذه الأشياء، تبريراً لفعل الكتابة نفسه، وتزكية حقيقتها.
أعرف يوسف رخّا وأعرف قلقه، وأتملّى هذا القلق في كتابته على وجه الخصوص.
كتابته هي شكله، جسده وروحه ويقينه (إن كان من يقين) وإرهاصاته.
ثمة كروية لأعماله، عبّرت عن نفسها بسرديات غرائبية إلى حدّ عن هذا المكان وذاك، سرديات هي إسقاطات رخّا نفسه، مصقولة ومُسقطة لعالم مُطيع ومربوط بفكرة الكاتب عنه.
في جديده الشعري/ النثري «كل أماكننا» ثمة الجملة القصيرة، بارقة وغريبة ومكوّنة لحجر الزاوية في القصيدة، فيها يتخفّف رخّا من تعداد الأمكنة لتصير هذه مجتمعة مكاناً واحداً، يتظهّر فيه ضجر الكاتب، فعلاً إبداعياً منفلتاً من جذور التجوال في المدن وشوارعها، ومتوجهاً نحو صلة منطقية تُعنى بالمشاعر فحسب، وبسيرورات داخلية تماماً غير مفتوحة على هواء الترحال الشكلي. قصائد/ لحظات شعورية ملمومة الأطراف وتليق بالشعر كما بالنثر، لأجلها يتحمّل رخّا الضغط الحاذق الصادر عن انفلاته الأقصى في كتابة أدب الرحلات، نحو حرية وانفلات كتابة أدب الدواخل الساخنة: «الزمن كفيل بكسر الجناح/ انس الأيام/ ضع قلبك على أقرب/ ترابيزة فقط/ وانتظر».
عند رخّا، نرى تعدّد ضمير المتكلّم، كأنما هو مئات الكُتّاب، سوى أن العالم هو المعطى الأول للكتابة. ضمائر للمتكلم كثيرة ومتعدّدة. وضمير مُتطلّب، وعنصر أصلي وخام للقصيدة، وللنصّ في علاقتهما الملتبسة بالشهوة (ليس الحب) وبالعجز عن الشعور بلحظة رضى.
يصعب التفريق بين الشعر والنثر عند يوسف رخّا، فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق بين طول الجملة أو قصرها. النثر عند رخّا هو الحدّ الأطول لقول الشعر، والشعر هو الحدّ الأقصر لقول النثر. خصوصية الكتابة عند رخّا هي لغته أيضاً المعنية بتحطيم السائد والمُزيّن أو طقوس الصورة المعتادة. حركة الكلمات عند الكاتب تُفضي الى روابطها، تلك الروابط الكثيفة المتفجّرة التي تضع قصيدته في عمق تجربته، والبادية في «كل أماكننا» كما لو إعلانات بـ«النيون» الأزرق عن شعر يريد الذهاب إلى نقطة أبعد مما كتبه الشاعر حتى اللحظة

Respond to ضجر يوسف رخا: عناية جابر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s