ناظم السيد في القدس العربي

ناظم السيد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ للمصري يوسف رخا: كتابة تحتفي بالمكان واللهجات المحلية وتلتبس في التجنيس
بيروت- ‘القدس العربي’ تضع كتابة يوسف رخا القارئ في حيرة. على الأقل تضع قارئاً مثلي في ارتباك. تضعني في منطقة غائمة بين حداثة هذه الكتابة وعجالتها. بين الهدم والبناء. بين الرغبة والضجر. بين الإيمان بالمعنى لدرجة امّحاء هذا المعنى وبين الاتخاذ بالشكلانية لدرجة البهلوانية. أياً يكن الوصف وأياً يكن المنطلق، فإن كتابة تثير هذا الالتباس جديرة بالنقاش والتقدير.
في كتابه الجديد ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ الصادر عن دار ‘الكوكب- رياض الريس للكتب والنشر’، يستكمل يوسف رخا الشغل على المكان. لنقل إن هذا الإصدار هو- في معنى من المعاني- الجزء الثالث للكتابين السابقين ‘بيروت شي محل’ و’بورقيبة على مضض’. في هذا الكتاب ثلاثة أمكنة رئيسية يعمل عليها الكاتب وهي المغرب، لبنان، والإمارات العربية المتحدة، بعدما كان عمل في كتابيه السابقين على مفارقات بيروت وتونس.
الشغل على المكان- إذاً- محور الكتابة لدى رخا. ثمة كتابة مستمدة من رحلات وعيش في مدن. لكنَّ الكتابة عن هذه الأمكنة (المدن) تتعدى الكتابة التقليدية عن المدن، تلك الكتابة الوصفية والانطباعية والتقريرية والتأملية، الكتابة التي تبدو كأنها صادرة عن مراسل. بالطبع مثل هذه العناصر، أي التقرير والوصف والانطباع، ستدخل في أي كتابة عن اجتماع الناس في مكان، لكن هذه العناصر تحضر عاجلة ولماماً لدى نص رخا. الأرجح أن رخا يكتب نفسه في هذا المكان أو ذاك. يكتب ليس تفاعله الخارجي مع المكان وإنما يكتب داخله. ولولا بضع جمل تصريحية عن المكان الذي يكتب عنه وبضع جمل تشير إلى لهجة هذا البلد أو ذاك، لما كنا عرفنا عن أي مكان يكتب المؤلف. كتابة كهذه ليست عائمة بقدر ما هي جوانية، ليست وجهاً مسحوب الملامح بقدر ما هي وجه بملامح خفية. هذه الطريقة في تناول المكان أظنها إضافة رخا إلى النص الأدبي السردي تحديداً.
يكتب يوسف رخا عن المكان بوصفه آخر. أي أنه يتناول المكان كدلالة إنسانية، ككائن تاريخي وراهن، اجتماعي وسياسي. المكان بهذا المعنى البطل الأول في نصه. بيروت ليست عاصمة في نص رخا بقدر ما هي مثال اللبنانيين وتجسّدهم، وكازابلانكا ليست عاصمة المغرب الاقتصادية، وطنجة ليست وجه المغرب المتوسطي أو ذراعه إلى أوروبا، ومراكش ليست جنة السيّاح، بل إن هذه المدن هي ما يحسه يوسف رخا، ما يعيشه، ما يتفاعل معه أثناء عبوره فيها إو إقامته عليها.
حضور المكان كبطل في ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’ (وكذا في كتابيه آنفي الذكر)، يستدعي حضور اللهجات التي تدلُّ على هذا المكان. من ‘حال بحال’ و’طاكسي’ و’ديالنا’ و’وبالزاف’ و’شحال في عمرك’ و’مكان الازدياد’ في المغرب، إلى ‘العجقة’ و’وين بدنا نروح’ و’هون’ و’تروقت’ و’كاميون’ (شاحنة) و’يعطيك العافية’ و’فريمات’ (الفرامل) و’شوفير’ (السائق) و’بلش’ في لبنان، إلى ‘سيدا’ (دغري) و’علوم’ و’يبغي’ و’يسولف’ و’فديتك’ و’حليلك’ و’وايد’ و’تصيح’ في الإمارات العربية المتحدة. من هذه المفردات المحلية إلى تلك، ينتقل يوسف رخا. يتحوّل النص إلى احتفاء باللهجات المحلية. كأن الاحتفاء بالمكان (أو نقده) يستدعي الاحتفاء باللغة (أو هجاءها). حتى ان الكاتب يضع ألفاظاً محلية عناوين متكررة لنصوصه. كأن هذه الألفاظ مفاتيح لقراءة النص. كأن هذه الألفاظ أمكنة هي الأخرى. استطراداً: إذا كان البعض يحتفي بالفصحى فإن يوسف رخا يحتفي باللهجة الشعبية.
ثمة ما وراء الاحتفال بالمكان واللغة في تجربة يوسف رخا. أحسب أن ثمة سببين وراء هذا الاحتفال: الأول إنساني يكشف رغبة المؤلف في التماهي مع الآخر، في التحوّل إلى المكان الذي يكتب عنه، في التحوّل إلى لغة المكان الذي يكتب عنه. هذه تقنية العاشق القديم الذي كان يذهب في الآخر حتى الامّحاء. إلى حدّ ٍ ما يختفي رخا وراء المكان ولهجته ويكتب لنا من هناك. هذا ما قصدته حين قلت إن الكاتب يكتب داخله تجاه المكان، أي أنه يبتلع الأمكنة ويعيدها إلى الوجود مشوّهة بأناه. السبب الآخر للاحتفال بالمكان واللغة سبب فني. هذا الاحتفال يندرج ضمن الكتابة التجريبية التي باتت تميّز رخا. إن التنقل في النص الواحد بين الفصحى وعدد من اللهجات المحكية المتنوعة والمتباعدة، يشكل ملمحاً من ملامح هذه التجريبية.
التجريبية أيضاً تظهر في بنية ‘شمال القاهرة غرب الفيليبين’. نحن أمام نص سردي (روائي، حكائي، قصصي…) لا يكشف جنسه بسهولة. من الخارج ينتمي هذا النص إلى النثر، تحديداً إلى السرد. لكنَّ القراءة تكشف خلل هذا السرد. ثمة انعطافات واستدراكات وتشعبات تقطع هذا السرد. ثمة تأملات مفاجئة، وجمل مباغتة، تدخل فجأة على الإخبار (من خبر) وتدمّر السرد. بهذا المعنى فإن بنية السرد (النثر) لدى رخا بنية شعرية. بنية متقطعة، غير منطقية، مختلة الزمن، كثيفة، طفولية، أي بنية مناهضة للعقلاني. وأكثر: يحضر الشعر بشكل صريح في بعض الصفحات. حتى أن الكتاب يُختم بنص شعري من حيث اللغة ومن حيث التوزيع العمودي للكلمات على الصفحة. ويمكننا أن نعطف على هذا غياب الحدث في النص، إذ أن الكتابة هنا لا تقوم على الخبر وإنما على الإنشاء، لا تنهض على النقل وإنما على تخييل اللغة.
والحال، فإن شبهة الرواية (أو القصة) في نص رخا، مضافاً إليها البنية الشعرية، والمونولوغ الداخلي، والحوار، وأثر التحقيق الصحافي، والكتابة السياحية أو أدب الأسفار، تجعل من نص رخا نصاً متعدداً حيناً وضائعاً حيناً آخر. من جديد نعود إلى الالتباس. إلى السؤال الذي لا نعرف إذا ما كان نصف الإجابة أم ضعف الحيرة

Respond to ناظم السيد في القدس العربي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s