يوسف رخا: شارع يعني شتراسا

Processed with VSCOcam with b4 preset
يقولون إن في العالم نوعين من البلاد: المتقدمة التي عندهم، والمتأخرة التي نعرفها. وإنك بمجرد أن تطأ قدمك الأسفلت، ستعرف الفرق. لا يمكن – يقولون – أن يختلف عاقلان على أن النوع الأول أحسن. ثم يرغون بلا توقف عن النظام والنظافة، وكيف أن الناس تترك الناس في حالها؛ كرم العيش، وفسحة العاشقين. لا يخبرونك أبداً عن أي بلد يحكون، ولا يذكرون مجرد ذكر، تلك الأشياء التي يفتقدها الواحد، بعد أن يترك المتأخرة إلى التي عندهم: أن هناك جمالاً خبيئاً في التي نعرفها، مثلاً، أو قبحاً داخلياً عند أهل المتقدمة، يدفعونه ثمن تقدمهم كل يوم… هؤلاء لا يعرفون أن الأماكن كالوجوه، لا يمكن تقييمها بغير الذاكرة والإشارة. بالذات المدن:
في كل مدينة في العالم، هواء سارح كالانتظار، من كل مدينة أخرى. وعلى نواصي الشوارع الكبيرة، في لقاء الظل بالوهج، شيء مثل نَفَس الغائبين. كثيراً ما تضيع وتستوحش، لأن المدينة أوسع وأضج من أن يفرق معها وجودك. لكنك تظل مطمئناً، في المقابل، لأنك يمكن أن تذهب دائماً، إلى مكان لا يعرفك فيه أحد. وهناك تجلس على مقهى منزوٍ وتتطلع في شارع مجهول. لغز المدينة أنها مكان حميم. وما كنا لنعرف الأسرار التي نعيش من أجلها، لولا التواءات الشوارع الخلفية المعتمة، ولا تقدم عمر الأرصفة المشغولة بغير المشاة، وأزيز السيارات المارقة كالجن والأحلام… هؤلاء لا يعرفون أن المدن، في الحياة الواحدة، تتشابه. ولا أنها تترك آثاراً باقية على البشرة: مثل روائح بيوت سكناها، أو وجوه لا نكاد نذكر ملامحها، كانت – ذات يوم – وجوه أحبابنا الذين شاركونا سكن تلك البيوت.

Respond to يوسف رخا: شارع يعني شتراسا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s