حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

Continue reading

أين بيروت من دمشق؟ إلياس خوري

 

لم أر بيروت حزينة كما اليوم.

لم أرها عاجزة عن الكلام، وغارقة في الخجل مثلما هي اليوم.

حتى عندما كانت تحت القصف والخوف، لم تكن بيروت خائفة كخوفها اليوم.

لا، هذه ليست بيروت.

هذه مدينة لا تشبه بيروت، مدينة تختنق فيها الكلمات ولا تجد فيها الحرية زاوية تلتجىء اليها.

هذه مدينة مخجلة ومتواطئة مع القاتل.

بيروت تعرف ان الصمت مشاركة في الجريمة، ومع ذلك تصمت.

في الشام يقتل شعب بالرصاص وتداس وجوه الناس بالأحذية، في الشام شعب كامل ينتفض لكرامته وحريته وحقه في الحياة.

والشام ليست بعيدة عن بيروت، ولكن بيروت تبتعد عن نفسها.

صحافتها نصف صامتة، واعلامها اخرس، واذا تكلمت فالخجل يتكلم من خلالها وليس الحرية.

ساحاتها خالية، واذا جرؤ بعض الشبان والشابات على تنظيم اعتصام صغير صامت، كي يضيئوا الشموع تحية لأرواح الشهداء في سورية، يأتي شبيحة النظام الأمني المشترك ويدوسون الشموع، ويزأرون بهتافات تمجد الديكتاتور.

مثقفوها يدارون خجلهم وصمتهم متعللين بالظروف، وان حكى بعض الشجعان فيهم، فان كلامه لا يبرىء الصمت من صمته.

هذه ليست بيروت.

اما السياسيون فيتصرفون كرجال المافيا. يتغرغرون بكلام سمج عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، بينما يعرقل رجال الأمن قدوم اللاجئين السوريين الهاربين من المذبحة.

الأمن الموازي يهدد السوريين في لبنان، ويتم احصاء النازحين، وتوجه الاهانة الى من اثبت انه شعب على استعداد للموت كي لا يهان.

لن اتحدث عن ابطال ‘الممانعة’، لن اسأل المقاومين كيف يغمضون عيونهم. فأنا اعرف ان الطائفية لا تغلق عيون اللبنانيين فقط بل تحولهم الى عنصريين.

كل طائفي عنصري، وكل بنية طائفية هي شكل عنصري.

لن اسأل زعماء الطوائف عن صمتهم، فالأفضل ان يصمتوا، بعدما استمعنا الى ما قالوه عبر فضيحة وثائق ويكيليكس.

والطائفيون يكررون اليوم خطيئتهم الأصلية.

حلفاء النظام السوري مخطئون في حماستهم لنظام يترنح، لأنهم يخافون من ان يكون سقوطه مقدمة لاسقاط هيمنتهم السياسية التي هي الاسم الآخر لفسادهم ونهبهم.

واعداء النظام السوري مخطئون في انتظاريتهم، لأنهم ينتظرون اشارة لم تأت من سيدهم السعودي، وهم متخوفون من اللا قرار الامريكي حول مصير النظام، ومن التعاطف الاسرائيلي مع نظام شرح لنا المليونير رامي مخلوف معانيه.

كل هذه الحثالة من السياسيين تتلوث اليوم بعار الصمت والتواطؤ.

الشعب السوري في انتفاضته البطولية المجيدة، في صبره وتفانيه وشجاعته، يعلن فضيحة مزدوجة: فضيحة النظام السوري بالقمع الوحشي والدم المراق، وفضيحة النظام اللبناني بالجبن والسفاهة.

نستطيع ان نحلل اسباب هذا الصمت المتذاكي، او اسباب الدعم المتغابي للنظام السوري، كما نستطيع ان نفهم ان لبنان الذي استطاعت الطوائف اجهاض استقلاله وتحجيم مقاومته وتصغيرها، بات عاجزا ومشلولا وفاقد الارادة.

لكنني لا استطيع ان افهم لماذا تنتحر بيروت بالصمت.

المدينة التي قاومت الغزاة الاسرائيليين واحتملت القصف والجوع والحصار، تبدو اليوم خائفة من مجموعة من الزعران والبلطجية الذين يصادرون صوتها.

شارع الحمرا، الذي كان عنوانا ثقافياً للحرية تستولي عليه مجموعة من الفاشيين الذين يروعون الناس بأسلحتهم الجاهزة للاستعمال.

هذه البيروت ليست بيروتنا،

وهذه الصورة الخانعة لثقافة الصمت ليست ثقافتنا،

وهذه اللامبالاة الذليلة ليست لا مبالاتنا.

لا اعرف كيف اداري خجلي من نفسي ومنكم ايها الناس.

السوريون والسوريات يواجهون القمع بالموت، اما بيروت التي استقالت من نفسها، وصارت مجرد زواريب للطائفيين والفاشيين فانها تموت من دون ان تواجه، تنتحر ويُنحر صوتها على مذبح الخوف والمهانة.

لا اعرف كيف انهي هذا المقال، فلقد بدأت في كتابته كرسالة اعتذار من بيروت الى دمشق، وكوعد بأن لقاء الحرية لا بد وان يجمع المدينتين اللتين عانتا كثيرا من القمع والترهيب.

كنت اريد ان استعيد صوت سمير قصير الذي كان اول من زرع ياسمين الحرية في الشام، وروى بدمه ربيع العرب قبل ان يبدأ.

لكنني عاجز عن الكلام.

اشعر بالعار والعجز، واحس ان صوتي يختنق، وان بيروت التي كتبتها وكتبتني تتلاشى امام عيني، وانا ارى كيف تغرق المدينة في الخوف وتفترسها اللامبالاة.

لكن رغم القمع والخوف فان لا شيء يستطيع ان يمحو واقعا مشتركا تعيشه المدينتان المسورتان بالتخويف.

سوف يفي الوعد بوعوده، وسيحملنا الحلم صوب الشام وفلسطين.

اما مرحلة هيمنة الخوف فستنطوي كذاكرة لا نريد لها ان تعود.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\23qpt998.htm&arc=data\201155-23\23qpt998.htm

Enhanced by Zemanta

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta

آباء من الفضاء الخارجي

ثلاثة جُمَع ولا يبدو أن مبارك قد أدرك ما يحدث من حوله، لا هو ولا العاملون معه ولا قطاع آخذ في التضاؤل من المصريين الذين يفضّلون وهم اﻷمان على فرصة أن يكون لهم ولبلدهم معنى أو يحصلوا أخيراً على حقوق اكتسبوها بانقطاع أحبالهم السُرية. إما هذا أو أن التبجح والتنطّع قد جاوز حد العماء. والخسة  طبعاً، الخسة التي تُحوّل النَفَس، بين شهقة وزفرة، إلى كذبة سافرة. مجرد كذبة مكرورة مفترض من الناس أن يبتلعوها حتى بعد أن ذاقوا طعم الحقيقة وسجدوا على اﻷسفلت. أنا أعدك بذلك. منذ 1967 ونحن لا نصدق اﻷكاذيب بقدر ما نبتلعها خوفاً وبحثاً عن المصلحة المباشرة. في كل جهاز إداري وفي كل المجالات مبارك صغير يفعل ما يفعله مبارك، تحكمه الاعتبارات العائلية واعتبارات تحالف النصابين أكثر ألف مرة من الرغبة في التنمية أو الإنتاج. ومن قبل حتى أن يولد مَن أطلق شرارة اﻷحداث الجارية، كانت الرؤى القومية/ اليسارية قد ذهبت وبقيت، بلا مبرر، الدولة البوليسية. ذهب  الزعيم (على كل ما في فكرة الزعامة من قيد) وبقي الديكتاتور. الحرامي. مجرد صنم أجوف، صدقني. وليس من يمنعه من التصرف وكأنه سلطان يورّث عزبته لابنه بينما تقبّل الوزيرة يدَ امرأته أمام الكاميرات. لكن الدم الذي يجري في عروق مبارك ليس أزرق. ونحن نعلم. لا يمكن أن يظل الناس يصلون لإله عجوة إلى اﻷبد، خاصة وأن نعيمه لم يعد مواتياً. ومنذ سنين وسنين وقد تحولت اﻷشغال والمآرب إلى تمثيليات نبحث ﻷنفسنا بين طياتها عن مساحة مسروقة يمكن أن نكون فيها بشراً: الكتب التي لا يقرأها أحد ﻷن أكثر من نصفنا أمي؛ العمل الذي لا يأتي على أكثرنا بالربح الكافي للعيش ويتلخص إجمالاً في تملق الرؤساء؛ العشق الذي يخصَّص قسم كامل من أحد أقبح أجهزة اﻷمن في العالم لمنعنا من ممارسته؛ الفنون ومباهج الحياة التي يضيّق عليها مشروع سلفي اتضح منذ 25 يناير أنه (وبخلاف مشروع الإخوان المسلمين ) متواطئ بالكامل مع السلطة ويساهم في تحجيم الجماهير لتسهيل استبدادها بالقرار. ولا قرار. التعليم والصحة والزراعة والمواصلات وحتى السياحة، فضلاً عن تجاوزاتالشرطة: كل شيء فاسد وغبي ومزيف. خلاف ضخ اﻷموال العامة في الحسابات الخاصة وتنفيذ ما تأمر به أمريكا حرفياً بلا اعتبار لا للهوية العربية ولا للضمير الإنساني، بالذمة، ماذا فعل نظام مبارك في الثلاثين سنة الماضية؟ ثم لحظة من فضلك. بأي حق يخاطبني اﻵن شخص أثبت لي بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية والتضليل الإعلامي والمسيرات المدبرة والبلطجية المسلحين بل وبالجمال والحمير أنه ليس سوى رئيس عصابة؟ ثم بأي حق يكلمني بوصفه أباً أو حتى جداً مخرّفاً؟ بأي منطق يظنني سأصدق أن الشهداء أوجعوا قلبه أو أنه لن يقبل إملاءات من الخارج؟ ولا يفتأ نائبه الجديد، مهندس عملية السلامالعربي/ﻹسرائيلي  اﻷول – رافعاً المجرور وناصباً المرفوع – يحدثنا بكل هدوء عن اﻷجندات“! إلى مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق وأنس الفقي وسائر المخلوقات الفضائية: بحق  ما يجعلنا نتنفس ويخرج الصوت من حلوقنا، لن يعود أحد إلى بيته حتى تصبح لنا بيوت؛ لن نعود إلى الحياة حتى نشعر أننا أحياء. وأنتم  لستم آباءنا، يا قحابْ

صباح 11 فبراير قبل التنحي

Enhanced by Zemanta

حوار مع أحمد يماني لمدونة بيروت 39

windows 8
Image by yrakha via Flickr

An Open Window: Interviewing Ahmad Yamani

حاورته سوسن حماد

أحمد يماني, شاعر و مترجم مصري نشر أربعة دواوين في الشعر. ولد في القاهرة عام 1970 و حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة القاهرة في العام 1992.ترجم قصيدته المسماه بـ “يوتوبيا المقابر” الى الإنجليزية المترجم سنان أنطون, و ستنشر في مجموعة بيروت39 الأدبية.

ويذهب يوسف رخا المشارك في مهرجان بيروت 39، في مقال نقدي له، إلى أن يماني – ومعه إيمان مرسال – أعادا اختراع اللغة في قصيدة النثر. “لقد جردت هذه الأصوات [التسعينية] الخطاب من شوائب الأدلجة، وعبرت عن هموم إنسانية دون التقيد بأية ملامح قومية، كما أبرزت هوية فردية تستعيض بالصدق عن الأصالة”.

فلنبدأ من عنوان قصيدتك, “يوتوبيا المقابر”. غالبا ما أشعر بالراحة حين أسير في مقبرة, لعل سبب ذلك يعود إلى اليقين في معرفة أين سأكون بعد موتي. و لكن بالنسبة لك تبدو المقبرة كمساحة مثالية, أو يوتوبيا إلى حد ما, لماذا؟

أود أن أذكر بداية أنني كتب هذه القصيدة منذ أعوام طويلة وأنا في الثانية والعشرين من عمري وكنت مشغولا للغاية بفكرة الموت ومرتعبا منه إلى درجة نفيه في القصيدة وجعله حياة أخرى أو بيتا جديدا، كان علي أن أتصالح مع الموت وأن أراه بسيطا. ربما حررتني شخصيا هذه القصيدة من الرعب إلى حين.

جميع مقاطع قصيدة “يوتوبيا المقابر” تحكى من منطلق اللاوجودية .في مكان ما من بين ظلال الله التي تخيم على عظامك و التفكير في الإحتجاج على إستبداد الملائكة, نجد سلاح الطرافة و السخرية. السخرية: هل ماتت؟

لا أعرف، إن كنت تقصدين موتها في الفن فلا أظن ذلك ولا في الحياة عموما، على أن السخرية فن صعب للغاية كما هو معروف. يفرق عبد السلام بن عبد العالي بين التهكم والسخرية فالمتهكم ينطلق من مكان أعلى ويصدر تهكمه عن إحساس بالقوة ولذا لا يتهكم على نفسه بينما السخرية متواضعة تسخر من نفسها أولا، ويرى أن سقراط متهكم وأن نيتشه ساخر.

المقطع رقم 5 أشبه ما يكون بطقس جنازة. هل فكرت يوما بكتابة رثائك الخاص؟

لا أستسيغ شعر الرثاء عموما وخصوصا في الأدب العربي وأراه من أضعف الحلقات لأنه أحادي الرؤية أو هكذا يخيل لي. ربما أرى في سطر واحد لفرناندو بيسوا أمرا يتجاوز فكرة الرثاء كلية:

“من نافذة بيتي وبمنديل أبيض أقول وداعا لأشعاري التي تسافر نحو الإنسانية، ولست سعيدا ولا حزينا فهذا هو مصير الأشعار”.

بينما أقرأ المقطع رقم 8, خطر لي خاطر أن أقوم بنبش قبور الموتى فأحيي عظامهم لأستمع لمزيد من مناجاة المقابر التي تحكيها بسلاسة. يا للأسى في تلك القصيدة, فحتى عندما نرقد بأكفاننا نحاول فهم مغزى الحرية و كيفية الحظيان بها. لكن ماذا عن الدفتر الأحمر؟أين نجد الموت في تلك القصة؟

للدفتر الأحمر حكاية أخرى، هي مصادفة مركبة تعرضت لها وأنا أقرأ كتابا صغيرا لبول أوستر يسمى “الدفتر الأحمر” يتناول مصادفات واقعية حدثت له شخصيا. فقط أردت تدوين الحكاية.

انت الآن بصدد الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة كومبوليتينسه في مدريد في إسبانيا. عمّا تحوي رسالة تخرجك؟

أود القول بداية إنني لا أزال أشتغل على رسالة الدكتوراه وهي تتناول “قصيدة النثر العربية“. والمثير في الأمر أن قصيدة النثر المكتوبة بالإسبانية تعاني بشكل ما من المشكلات نفسها التي تعانيها القصيدة العربية من حيث خلطها مع “أشكال أدبية” أخرى كالشعر الحر والنثر الشعري إلخ… والمحزن أن هذا ينطبق أيضا على المستوى الأكاديمي وقليلة هي الدراسات الجادة التي تغوص في هذه القصيدة وإن كان هناك جهد معتبر يقوم به البعض مثل “بدرو آؤيون دي آرو” وهو منظر هام يقوم بمقاربة الموضوع خارج الكليشيهات المعروفة وكذلك البروفيسورة “ماريا بيكتوريا أوتريرا”. وبالطبع لك أن تتخيلي خلو المكتبة الإسبانية من أي مرجع يتناول قصيدة النثر العربية.

ما الذي تتوقع أن تخرج به من مشاركتك بمهرجان بيروت39؟

ثمة مستويات عديدة لهذا اللقاء منها ما يتعلق ببيروت المدينة التي تمثل لي الكثير بشعرائها وكتابها وفنانيها وحضورها الكبير وحلمي بزيارتها والذي دائما ما تأجل، ومنها ما يخص اللقاء مع الأصدقاء الكتاب المختارين، وبعد بوجوتا 39 عام 2007 أتوقع أن تكون بيروت 39 مناسبة هامة للإسهام بشكل ما في التعريف بالأدب العربي والذي للآن لم يصل إلى الكثيرين مثلما وصلتهم آداب أخرى لا أحسب أن الأدب العربي عموما يقل عنها في شيء

Reblog this post [with Zemanta]

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]

حوار إيمان علي في روز اليوسف اليوم

يوسف رخا: الكتابة طريقة حياة و… مهنة أيضاً

معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي،‮ ‬يكتب شعرا،‮ ‬ونثرا،‮ ‬ويرسم أعماله،‮ ‬ويصمم أغلفة كتبه،‮ ‬ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية،‮ ‬في كتابه الجديد‮ “‬كل أماكننا‮” ‬دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها،‮ ‬كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال،‮ ‬يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان،‮ ‬لكنه سيغير طريقته في التناول‮: “‬انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة،‮ ‬لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا،‮ ‬و”مش هتجيب‮” ‬أكثر من ذلك‮”.‬

الكتاب الصادر عن دار العين،‮ ‬هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه،‮ ‬يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي‮: “‬ما يعنيني هو العالم العربي،‮ ‬لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني،‮ ‬أعني حضوره الثقافي المسيطر،‮ ‬لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها،‮ ‬وليست العروبة بمنطق سياسي،‮ ‬أما في روايتي القادمة‮ “‬الطغري‮” ‬اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية‮”.‬

يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال‮ “‬كل أماكننا‮”‬،‮ ‬هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر،‮ ‬أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه،‮ ‬والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل،‮ ‬بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة،‮ ‬بغض النظر عن القواعد الشكلية‮: “‬لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل،‮ ‬لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها،‮ ‬وننتظر النتيجة،‮ ‬التي قد تكون في صالحنا،‮ ‬النص بإمكانه أن يكون متماسكا‮ “‬،‮ ‬من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر‮ ‬غريب،‮ ‬رغم أن وجودها كشكل أدبي‮ ‬غير متأصل في التاريخ العربي،‮ ‬فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة،‮ ‬وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين‮: “‬كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي،‮ ‬فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية،‮ ‬مثلها مثل التليفزيون،‮ ‬كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة‮”.‬

يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة،‮ ‬بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة،‮ ‬وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل‮ ‬غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان،‮ ‬مما يعني‮ ‬غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما‮: “‬ليس في‮ ‬غيابها مصيبة،‮ ‬أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة‮”.‬

نرجع للحديث عن المشروع القادم،‮ ‬فيخبرنا صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة،‮ ‬وفيها تلامس مع الفترة العثمانية،‮ ‬وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له‮ “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬و”شمال القاهرة شرق الفلبين‮”‬،‮ ‬والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل،‮ ‬صحيح أنها رواية عن التاريخ،‮ ‬لكنها‮ – ‬كما يري‮ – ‬ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا‮.

‬في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة،‮ ‬المراوغة‮ ‬والموسوعية،‮ ‬يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية،‮ ‬وبالتالي تنزعج من العامية المصرية،‮ ‬والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية‮ ‬غير واقعية وغير عقلانية بالمرة،‮ ‬وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها‮ – ‬أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء‮ – ‬إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس،‮ ‬يقول‮: “‬استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية،‮ ‬خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي،‮ ‬لا أحاكيها ولا أتناص معها،‮ ‬بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها‮”‬،‮ ‬إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها،‮ ‬وهو ما لا يراه رخا ويناقضه‮: “‬كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع‮ ‬غياب مفهوم الصحافة وقتها‮”.

‬ بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت‮ ‬39‮ ‬صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره،‮ ‬جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل،‮ ‬أسأله عن السبب،‮ ‬يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي‮ – ‬التحق بهذا المجال منذ‮ ‬1998‮- ‬وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش،‮ ‬أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة،‮ ‬لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره،‮ ‬يقول‮: “‬الكتابة طريقة حياة،‮ ‬ثم هي بالأساس مهنة،‮ ‬وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا‮”.‬

c.v

مواليد‮ ‬1976

يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي

يكتب الشعر

نشر له‮ “‬بيروت شيء محل‮” ‬2006‮- “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬2008

‮”‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮” ‬2009

وكتابه الأخير‮ “‬كل أماكننا‮” ‬صادر عن دار العين

يعمل حاليا علي رواية بعنوان‮ “‬الطغري‮”‬

Reblog this post [with Zemanta]