فيه حظر تبوّل، وال ناس محصورة. – أحد اﻷصدقاء من سكان القاهرة
عيدالشرطة
.ليس إسلامياً، وليس محدود العدد؛ وقد رأيته رؤى العين في ميدان التحري ر
“مسيّلةللدموع“
كان يسقط ماء من عيونهم
من نظراتهم المصممة وحناجرهم
قبل أن يرتموا على ظهورهم
متشنجين فوق سلالم العمارات
مفزوعين باحتقان وجوههم
بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ
حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة
تفتح عيونها بالخارج
كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون
وبينما يحتمون بأبواب العمارات
كان يسقط من عيونهم ماء
يبرق بين أقدام اللاحقين
(ليلة الجمعة، 28 يناير)
نقطة
مؤسسة اﻷهرام خاوية. أزاحوا جهاز التفتيش عن البوابة، ولا صوت حيث يزوم المغادرون. ليس من مخلوق في المكان سوى رئيس التحرير في مكتبه، يشاهد التلفزيون واقفاً وذقنه نابتة. أحتسي القهوة اﻷخيرة هنا وقد عب ّأت حقيبتي بعلب السجائر التي جهّزها لي القائم على البوفيه من فائض مخزونه بسعر مرتفع، وأستعد للعودة إلى ميدان التحرير.
(ﻹثنين، 31 يناير)
عيدالشعب
لا أحد يصدق اﻹعلام الحكومي حين “يهيب بالمواطنين” أن يتوخوا الحذر في مواجهة “البلطجية” والعصابات المعنيين بتنفيذ مخطط أجنبي أو مؤامرة. كلنا نعرف أن البلطجية عملاء الداخلية والحزب الحاكم، أن المؤامرة الوحيدة القائمة هي مؤامرة النظام القائم على الشعب، وأن أدوات ذلك النظام باتت أقل عدداً وأضعف مما يشاع منذ غادرت قوات الشرطة مواقعها تمهيداً لفتح السجون وتهريب المجرمين قبل المعتقلين سياسياً، ثم انطلاق صغار موظفي الداخلية بالرشاشات في سيارات مسروقة إلى المناطق السكنية. من دمّر واجهات المحلات وأشعل في صالاتها الحرائق؟ ومن أفرغها من بضائعها؟ لا المتظاهرون و لا “قلة مندسة”. الشعب المصري كله قلة مندسة. و ما كان شيء من هذا ليحدث لولا هزيمة الشرطة على الأسفلت. قبل وبعد معركة الجمعة، الشرطة وابل من الطغاة الصغار، المرتزقة والمرتشين. وبرغم أننا داخل المنظومة لسنا نحن أنفسنا سوى منتفعين، لا أحد يصدّق اﻹعلام الحكومي حين يصف أول ثورة حقيقية في مصر بـ”اﻷحداث المؤسفة”؛ إن فرحتنا هي التي ستميتنا وليس رصاص الجبناء.
أظن أكثر م َن شاركوا في التحرك بعد يوم الثلاثاء كانوا مثلي غير مسيسين، أو غير ناشطين سياسياً حيث لا فائدة من النشاط السياسي سوى التعرض للاعتقال والإهانة إن لم يكن العَزل والتعذيب. قبل 25 يناير، كان كل شيء يحدث على حس المعارضة اﻹسلامية، وأنت لست إسلامياً. (وحتى اﻵن ت ُستخدم فزاعة اﻹخوان لا ﻹخافة الشعب الذي أدرك إرادته وحقه في اﻹرادة ولكن من أجل تغذية مخاوف الإدارة اﻷمريكية حيال إسرائيل على وجه الخصوص.) أنت لم تكن جزء مما يحدث ﻷنه كان يحدث على حس اﻹسلام السياسي، أقول. أما اﻵن فقد غير التحرك كل شيء.
التحرك ؟ يوم 24 يناير كنت لازلت أمزح ساخراً من كلمة “ثورة”: هل توجد ثورة بميعاد ؟ مجرد “إيفينت” على “الفيسبوك”، إذن . لكنني في مساء 25 يناير عدت إلى الفيسبوك وحمّلتُ على حائطي ما تمكنت من تصويره بتليفوني قبل المجزرة.
***
رأيته رؤى العين، وعدت إليه صباح الجمعة بعد انقطاع خطوط الاتصال كلها، اﻹنترنت والمحمول. اﻷربعاء كنت “تمترستُ” في الجريدة أسمع الانفجارات وأرى الجموع تجري في الشوارع، أتشمم رائحة الدخان المسيل للدموع وقد تصاعدت من شدة كثافتها إلى نوافذ الطابق التاسع. كنت أنوي أن أمضي ليلة الخميس “أناضل” عبر اﻷثير؛ لا فائدة.
الجمعة (28يناير)
قرب جامع عمرو في مصر القديمة ، قلتُ للرفيق نائل الطوخي: ينصحنا اﻹخوة التوانسة بدفس خشبة في شكمان المضرعة لشلها عن الحركة ولكن المهم أن نجد الخشبة؛ رد الرفيق نائل الطوخي: بل اﻷهم أن نجد الشكمان.
صليت ﻷول مرة من سنين، بعد أن استمعت إلى الخطيب يحث العباد على اجتناب الفتنة؛ قال إن من لا يحصل على حقه في الدنيا سيعوضه الله في اﻵخرة، ودعا بالبصيرة والتوفيق لرئيس الجمهورية، القائد اﻷعلى للقوات المسلحة والحاكم العسكري منزوع الكاريزما منذ 1981 : ولي أمرنا وإمرتنا الذي أنزل به الله فيما يبدو ولم تنزل به التداعيات البذيئة لانقلاب عسكري حاز على تأييد الجماهير سنة 1952. لم يسل ّم المصلون على بعضهم في النهاية بحسب أعراف صلاة الجمعة، وخلال ثلاثين ثانية كان الهتاف يدوي من أعمق نقطة في المسجد: الشعب يريد إسقاط النظام.
لقد اختلطت في رأسي منذئذ تعبيرات وجوه المحتجين الداخلين إلى المسجد قبل الخطبة وهم يتعرفون على بعضهم بلا كلمة أو إشارة، بالعيون فقط، وخطاهم المستميتة لاحقاً وهم ينضمون إلى بعضهم في المنحنيات المؤدية إلى الشوارع العمومية بعد أن ساروا على أقدامهم إلى وسط البلد من المعادي والجيزة وغيرها من اﻷحياء البعيدة فضلاً عن مصر القديمة. ثمة اتفاق غير معلن على كل شيء، اتفاق ملزِم لدرجة التضحية بالروح، يكشف هشاشة القلق لات الطائفية اﻷخيرة ويتجاوز حتى الخلافات القيمية وتضارب التوجهات. اﻹسلامي مع الليبرالي مع الماركسي…
كنا غدراناً أو قطرات تنبثق من الجوامع والبيوت وتصب في أنهار تواجه سدوداً أمنية. وكنا نتبخر ، إثر الاصطدام بتلك السدود، دخاناً أبيض تلوذ منه أنوفنا بالدخان اﻷسود للإطارات التي أشعلناها، لو راوغتنا مداخل العمارات.
في مصر القديمة وفي شارع قصر العيني، إلى حيث انتقلتُ عبر عين الصيرة ومجرى العيون مشياً على اﻷقدام، كان اﻷمن المركزي يبدأ في قصفنا من قبل حتى أن نتكتل. وبرغم توفر الخشبات وغيرها من اﻷسلحة المرتجلة كقنابل المولتوف التي سيتلقى اﻷمن المركزي منها دفعات متتالية في معركة غير ضرورية انتهت بهزيمة أفراده وفرارهم من أمام المتظاهرين، لم تتسنَ رؤية مضرعة واحدة، دعك من شكمانها.
بعد وصول الجيش إلى الميدان، كانوا يعودون لقنصنا انتقاماً، أو لدهسنا تحت عجلات السيارات الموالية. و خلال مشاهد تذكّر بالانتفاضات الفلسطينية ضد إسرائيل – اﻷمر الذي جسد لي فكرة أن نظامنا هو بالفعل امتداد المشروع الاستعماري في المنطقة، وقد طالبتْ الحكومة اﻹسرائيلية أوروبا وأمريكا بتأييد مبارك قفزاً على إرادة الشعب وليس إرادة جزء من الشعب ولا طائفة أو جيل منه، تلك الكلمة المنتهكة التي مكنتنا الأحداث من استردادها نقية: الشعب – كانت اﻷكثرية تمنع اﻷقلية اﻷصغر سناً أو الأقل وعياً عن قذف معذبيهم بالحجارة دفاعاً عن أنفسهم .
في خطابه الذي ينتظره العالم منذ عيد الشرطة – ولم يكن في الخطاب ما يميّزه عن أي خطاب “بيضان” أ ُلقي منذ عشر سنين – بينما يتحدث رجل مترو اﻷنفاق اﻷول عن أمن وأمان المواطن المصري وأن الشباب هو ثروة البلاد، كان اﻷمن واﻷمان ذاته يطلق النار على العزل من هؤلاء الشباب واحداً واحداً من مسافات تصل إلى بضعة أمتار. وبينما لا نزال نغسل وجوهنا بالكوكاكولا ونغمس أنوفنا في البصل، كنا نتساءل عما إذا كانت ذخير ته حية…
أبل َغ هتاف يوم الجمعة كان اﻵه المجردة، يليها الشعار الذي سيستعيض لاحقاً عن النظام بالرئيس وعن اﻹسقاط بالمحاكمة. ساعات كاﻷيام أو اللحظات، لا أعرف. كل ما في اﻷمر أننا نريد أن نصل، مروراً بمقر الحزب الوطني الذي تمكن بعضنا من إحراقه ثم مقر مجلس الشعب، إلى أقراننا. وكلما اقتربنا – مع مرور الوقت وتقهقر قيادات الداخلية أمام صمود تلك الأعداد المهولة من المحتجين، كنا نتقدم بالفعل – لاقينا أهوالاً على الطريق. كأننا في حج صعب، والقِبلة ميدان التحرير.
حفلةتنكرية
وهل ظل مبارك كما عرفناه وأحببناه حاجب اً على بوابة الاستقرار؟ وهل نجح، مع ذلك، في إرجاع مصر إلى العصر الجاهلي؟ يوم اﻷربعاء سيعود اﻷمن متخفياً في هيئة متظاهرين مؤيدين لمبارك مع ميليشيات المتنفذين في الحزب الوطني وسط عدد كبير من المأجورين الذين عبأهم أمن الدولة أو أخرجتهم السلطات إلى الشوارع عوضاً عن أداء عملهم في المؤسسات الرسمية (وسيكون عبد المنعم سعيد من البذاءة بحيث يسمي ما قاموا به ثورة ثانية) . لا شك أن هناك من يؤيد مبارك بصدق، إما ﻷن ه خائف أو ﻷنه مستفيد؛ وحتى إن لم يكن هذا تفسيراً مقنعاً، من حق أي كان أن يؤيد مبارك. ال سوريالي حقاً أن ترى النوق والخيول قد اقتحمت الميدان على المعتصمين. وقبل أن تلقط نفسك تسمع باﻷمن وعملائه يحاولون تصفية المعتصمين بالرصاص الحي…
( صباح الخميس ، 3 فبراير)
الثلاثاء (1فبراير)
ليست “شعب” هي الكلمة الوحيدة التي استرددناها عشية اجتماعنا بأعداد تذكّر فعلاً بحج المسلمين. أصبح للوطن معنى أيضاً، للثورة والعدالة واﻹصلاح. أصبحت ْ منذ التحرك كلمات واضحة ذات معنى، وكان النظام يتفوق علينا كل لحظة في إثبات أن معناها ينحصر فيما ينقض وجوده وينافي شرعيته. لابد من أن ن بصق على النظام وأجهزته اﻷمنية خصوصاً حتى يمكننا الكلام في أمور غير شخصية، هذا ما أكدته لنا التطورات.
مليون شخص على اﻷقل بامتداد ميدان التحرير والمناطق المحيطة طوال ثلاثائنا السعيد الذي قطعه علينا بلطجية الحزب الوطني وأفراد أمن الدولة والشرطة في ثوبها الجديد، وبحجة أن ثمة من يؤيد مبارك … لعل للاستقرار معنى إذن، لعل له معنى سوى أن تُستخدم المرافق والموارد العامة بشكل منظّم في اﻹنفاق على بعض العاملين لدى الدولة البوليسية وخدمتهم، وأن يتحول التعليم والتوظيف بل والعمل النقابي ومن ثم كل ما يمكن إنتاجه أو تنميته إلى شبكات مصالح عائلية آخر ما يعني القائمين عليها هو المهنية أو الجودة وأكثر ما يهمهم هو التكريس لمساحات الاستفادة المباشرة التي تمكنوا من شغلها داخل إطار القانون أو خارجه وعلى حساب السبب المفترض لوجودهم في المكان. كأن الحياة نفسها تمثيلية ص ُمّمت من أجل حماية وإثراء من يشغلون المناصب بلا أي عقل وبما يقوّض المناصب نفسها.
غابة الدينصورات اﻷليفة و سلسلة أفلام عودة المومياء. هل لهذا ظلت مصر كل هذا الوقت من الخراء بحيث يستحيل الانتماء إليها؟ لقد استبدلنا المساءلة بالتملق والدقة بالتعريس، وليس سوى “بلطجي” يحمل رشاشاً لا تعرف إن كان من سكان العشوائيات أو أمين شرطة متخفياً.
لعل للاستقرار معنى سوى التنفيذ اﻷوتوماتيكي لسياسات أمريكا في الشرق اﻷوسط بلا أي اعتبار لمشاعر الناس، من جهة أخرى، وبغض النظر عن “الخطر اﻹسلامي” الذي يتربص بنا – نستقبل وزيرة الخارجية اﻹسرائيلية عشية القصف في غزة كأنما لنبارك لها على أن الله هداها إلى استعمال الفوسفور اﻷبيض ضد اﻷبرياء من مواطنينا الغزاويين… ولا كلمة – أو أن يشعر مواطنو بلد لم نع أهميته حتى توقفت فيه الحياة بالذل أينما ذهبوا في العالم وقد حدسوا أن بلدهم لابد أن يكون مثلهم: شيئاً رخيصاً بلا قيمة، غير صالح للدخول في مجريات الحضارة اﻹنسانية ومن ثم جدير بالاحتقار .. .
***
عفوي تماماً منذ عيد الشرطة. عفوي وصادق. لم يجف الماء بعد من هذا المكان. لطائرات الجيش “ارحل” ولحظر التجول “مش هنمشي”؛ للجيش نفسه “إيد واحدة” و لعنف اﻷمن ظاهراً أو متخفياً “سلمية”…
رأيت عائلة تقليدية جداً يحمل ثلاثة من أفرادها ثلاث لافتات إذا مررت عليها بالترتيب تقرأ “جيت علشان ولادي”؛ رأيت لافتة مكتوباً عليها: مبارك يتحدى الملل. وسمعت فتيات يهتفن: دم المصري مش رخيص. حين ربّت ُ على كتفه قال لي ممثل “مقاتل ي حرب أكتوبر” كما عر ّفتْه اللافتة التي يحملها مؤيداً للثورة: البركة فيكم. كان يبدو متعباً. وتذكرت أن الناس من غير المتظاهرين كانوا يلقون إلينا زجاجات المياه والفاكهة من نوافذهم ونحن نمر عبر شارع قصر العيني.
شهادة
أكتب اﻵن وقد استعدت ثقتي بعد مجزرة اﻷمس وقبل أن تنتهي الجملة ربما أفقد الثقة من جديد. في ميدان التحرير اﻵن عشرات اﻵلاف من الناس العاديين غير الطامعين في سلطة أو نفوذ. في ميدان التحرير مئات وربما آلاف من البلطجية المتربصين بهم، المحسوبين على نوع آخر من الناس العاديين: ناس يفضلون تقمص دور “رامبو” ل حماية ممتلكاتهم الخاصة على تأمين إمكانية ممارسة حقوقهم المدنية. وفي ميدان التحرير أفراد الجيش ال مصرون أكثر فأكثر على تطبيق حظر التجول والبادي انحيازهم للنظام في الساعات اﻷخيرة. مر أسبوع منذ حضرت معركة الجمعة، وغداً على اﻷرجح سأحضر معركة ثانية. في مثل هذا الوقت من ليلة أمس بدأ ضرب النار على المتظاهرين. أصوات متفرقة وسط صمت الشارع. من أجل كل ما رأيته ومن أجلي: تحيا الثورة. تحيا الثورة. لكنني أكذب لو قلت إنني أعرف أي شيء