Add new tag

All those theres: Sargon Boulus’s Iraq

4 September 2011: Baghdad via San Francisco, for Youssef Rakha, makes more sense than Baghdad

Thanks to a flighty wi-fi connection at the riad where I stayed that time in Marrakesh, I heard Sargon Boulus (1944-2007) reading his poems for the first time. Sargon had died recently in Berlin – this was the closest I would get to meeting him – and, lapping up. the canned sound, I marvelled at his unusual career. He was an Iraqi who spent more or less all of his adult life outside Iraq, a Beatnik with roots in Kirkuk, an Assyrian who reinvented classical Arabic. He translated both Mahmoud Darwish and Howl.

wpid-sargon_boulus2-2011-09-4-12-53.jpg

In Sargon’s time and place there is an overbearing story of nation building, of (spurious) Arab-Muslim identity and of (mercenary) Struggle – against colonialism, against Israel, against capital – and that story left him completely out. More probably, he chose to stand apart from it, as he did from a literary scene that celebrated it more often than it did anything else. Is this what makes him the most important Arab poet for me?

Continue reading

Sartre, my father and me

wpid-n805615472_4135825_32431-2011-08-30-22-38.jpg

When my father’s body gave in at the age of 67, there was no cause of death as such. His health was undoubtedly poorly, he was addicted to a range of pharmaceuticals — but none of the vital organs had stopped functioning. Strangely, my mother and I saw it coming: there were tears on the day, long before we could have known it was happening. And when it did happen, the relief of no longer having to care for a prostrate depressive seemed to justify it. In the next few months there was oblivion. I had felt alienated from his dead body, I saw it wrapped in white cloth, in public, and I thought I was over the fact.

Continue reading

Infinite Requiem: An Old Piece

… of all the Palestine-inspired fare, no gesture in the direction of the ongoing Intifada could have hit the nail on the head with greater precision than the Swiss filmmaker Richard Dino’s Genet à Chatila, a Panorama screening.

The film is a long, audiovisual document of Jean Genet’s experience of the Palestinian revolution in Lebanon and Jordan in the early and mid-1970s, and again in 1982, when the aging Genet, already a well- known supporter of the Palestinian cause and now accompanied to Beirut by Leila Shahid (the Palestinian ambassador to France, then a university student in Paris), witnessed the immediate aftermath of the Chatila massacre just outside Beirut. The Lebanese Phalangist militia, under the direction of the Israeli army, had undertaken a “barbaric feast,” and Genet couldn’t help but revel in it in his way: “A photograph can’t capture the flies,” he states, “nor the thick white smell of death, nor can it show how you have to jump when you go from one body to another.”

Continue reading

المقامة الحاكمية أو المنتحر 20

حدّث راشد جلال السيوطي قال:

أن تفتح كبّوت عربتك بعدما تقف منك على الطريق، فتجد جثَّةً منطويةً في وضع جنيني مكان الموتور، تخيل! ليس هذا ما حصل بالضبط، لكنْ قياسًا إلى أن هذه أول زيارة أعملها للقاهرة من ثلاث سنين، ما حصل كان على نفس درجة الغرابة.

بعد ذلك، بعدما أعرف بالذي مرَّ به صديق عمري مصطفى نايف الشوربجي، وجعله يغادر القاهرة قبل وصولي بأسبوع – أنا لن أعرف حكاية مصطفى لحد ما أرجع لحياتي الطبيعية كطبيب احتياط في مستشفى بيثنال غرين، شرق لندن، حين يبعث لي بالإيميل “پي-دي-إف” مخطوطة ضخمة دوّن فيها انفصاله عن امرأته وما تلاه، مع سطر واحد في شبّاك الرسالة يتساءل إن كنت بعدما أقرأ المرفقات سأظنُّه مجنونًا*، سيتأكد لي أني لم أخترع تلك الليلة على طريق صلاح سالم، تحت ضغط مشروع زواجي أنا، والإكثار من التفكير في أكبر عقبة أمامه. يعني أنا أسكن جوار عملي في بيثنال گرين، ومن وقت انتقلت إلى هناك سنة 2005، قبل سنتين تقريبًا، وأنا أعيش مع زميلة درزية أحبّها وكان زماني تزوجتها لولا أن أهلها مستحيل أن يخلّوها تتزوج غير درزي، فلما طلع لي شبح المنتحر لحمًا ودمًا يقول إنه التجسًد رقم 19 لروح الإمام الحاكم بأمر الله الذي يؤلّهه الدروز، شككت بأني أهلوس نتيجة التفكير في ذلك والقراءة عن تلك الديانة المجهولة،  وأن هذا سبب حرماني من تأسيس أسرة مع حبيبتي. أصلًا ساعات ينتابني الفزع من أن أكون، بعلاقتي مع البنت هذه، فعلًا تعديت على حرمة ما أو قداسة. ومع أن المكتوب في “پي-دي-إف” مصطفى ما كان يمكن أن يخطر لي أثناء وجودي في القاهرة، فطنت بعد مكالمتي الثانية لوالدته – الشخص الوحيد الباقي لمصطفى صلة حقيقية به هناك – إلى أن ما جرى له قد يشبه ما رأيته أنا في الليلة تلك.

“ومن أقرّ أن ليس له في السماء إله معبود، ولا  في الأرض إمام موجود، إلا  مولانا الحاكم جلّ ذكره، كان من الموحدين، الفائزين”.
من نص عهد الدعوة الدرزية لحمزة بن علي المعروف بـ”ميثاق ولي الزمان”.

ليلتها عرفت أن اختفاء سادس وأغرب أئمة بني عبيد الله (الفاطميين) – ذلك الطاغية المتقشّف الذي حرّم على الناس أكل الملوخية، وألزم النساء البيوت، ثم عمل “جينوسايد” صغير في مدينة مصر القديمة (كان يقوم بتصفية كلِّ من تقرَّب إليه) – اختفاء هذا المجنون الملهم لم يكن إلا انتحارًا تلى ظهور الدعوة الدرزية، التي قالت إنه التجسُّد البشري للإله الواحد. أن توقن بأنك أنت الله – هكذا قال لي المنتحر – لا بد أن يؤدي ذلك إلى الانتحار، فكيف يعيش الله بين الناس حتى لو كان إمامهم؟ والانتحار هذا – شرح لي – يتكرّر مرّةً كلَّ خمسين عامًا منذ حدوثه الأول سنة 1021 تكون روح الحاكم حلَّت بشخص عادي له جذور في القاهرة المعزِّيَّة، وبعد أن ينتحر بدوره يتجلى لوريثه، ويكون مرَّ على انتحاره خمسون سنة بالتمام، ليخبر ذلك الوريث أنَّه التالي في الترتيب. تذكَّرْت ساعتها أن أبي وأمي ولدا وعاشا عمرهما كلَّه إلى أن تزوَّجا غير بعيد من جامع الحاكم، ذي المئذنة التي تشبه ذَكَرًا مختونًا منتصبًا يطل وراء حائط مفرود كالملاءة، وأن جدي لأبي كان يدَّعي أنه من نسل شيخ حارة برجوان (ذلك المكان المسمى على اسم أشهر خصيان الحاكم، وأحد ضحاياه) فيقول الرجل العجوز نصف مازح إن تاريخنا في المنطقة يعود لأيام المماليك.. هكذا في أول زيارة بعد غياب ثلاث سنين إلى مسقط رأسي وأحلى أيَّامي – وأنا عاشق درزيَّة – كان علي أن أتخيَّل نفسي أموّت نفسي بسيف الإمام العزيز بالله، أبي الحاكم، بصفتي (ويا خرابي) المنتحر 20.

ثم استطرد راشد السيوطي يتذكر حديث المنتحر:

الذي يموت وحده، لا يعرف، لا يرجف بالمفاجأة أو يعميه البريق. (هذا ما قاله لي المنتحر 19 في طريق الرجوع، لما وقفت العربة، كأن كهرباءها فصلت على طرف الطريق بموازاة القرافة، وكان مكانًا مظلمًا، لكني شددت الفرامل وخرجت أفتح الكبوت فإذا بضوء السماء يتغير لحظيًا، كأن الصبح طلع لمدة ثانية ثم غاب، برقت خلالها حجارة جبل المقطَّم من فوقي كأنها أصبحت فوسفورية، وشيء ككفِّ اليد يخزني في كتفي، لما نظرت حولي لم أجد له أثرًا. حين عدت إلى مقعد القيادة، أحاول أن أدير المحرِّك يائسًا، فإذا إلى جواري شاب مهندم في بدلة كاملة موديل ريترو وفي يده مسبحة… بدأ يتكلَّم على الفور.) الذي يموت دون أن يملك موته في يده، لا تهزّه البهجة الخرافية لمغادرة الحياة. وحده المنتحر هو الخالد الباقي، ومن أين لغيره بفرحة اليقين؟!.. أنا أكلِّمك عن خبرة، صدّقني: أنت لن تموت ككافة الناس. ستُموّت نفسك بنفسك في اللحظة الحاسمة، واللحظة الحاسمة دائمًا فيها الآخرون. أكلِّمك، مع أني لم أدبّر لذلك، لأنّي متُّ بحضور أبي وأختي وخليلي، في الحوش الحاوي قبر أمي أيضًا وراء باب النصر، حيث كانت القاهرة المعزِّيَّة قبل وقت طويل – الآن هنا طبعًا لا شيء اسمه وقت، لكن ليس غير لغتكم للتفاهم – وكانت أختي تظنني أقتلها بالسيف وأبي مريضًا بالداخل، لكني سأناديه حتى يخرج قبل موتي بدقيقة واحدة. كلُّ الأرواح السائحة على روحي، أقول لك، شهدتني أعبر. بحسابكم كان عمري وقتها أربعة وعشرين، ولولا أني جل ذكري من النسل المقدس، ما كنت فطنت لروعة الذهاب مبكرًا، أو علمت أن كلَّ شيء حدث، حدث لكي يؤدي بشكل لا يقلِّل من حتميته أنه غير واضح وغير منطقي، إلى لحظة واحدة فقط من سنة 1958، لحظة ثبّتُّ رأس السيف في النقطة التي حدَّدها لي سلفي بدقَّة، تحت ثديي الأيسر وعلى بعد عقلة إبهام إلى اليمين. كانت يداي حول المقبض وذراعاي ممدودتين، كأن جذعي النحيل في الجلباب الأسود أصبح قوسًا مشدودًا، ومتشبثًا بقدمي الحافيتين في الأرض الرملية، مرّة واحدة، شددت. أنا الكامل الذي يجيء موته منه، الحامل من ساعتها سيف العزيز بالله، اسمع حكايتي.
ومحاكيًا الهمذاني والحريري، قال:

جئت القاهرة في زيارة. وصحبة صديقي الحقيقي مصطفى، نويت أمشي من حارة لحارة. كان هذا ما اتفقت عليه وإياه: أن نشاهد ما بقي في القاهرة من مجد إسلامي وجاه. وأنا لي في إنكلترا سبع سنين، نزعت أثناءها عصب الحنين. “إنه من زمان أول لقاء بدرش، تقولش سلطان راجع إلى العرش”. فراعني أن لا أجده في الديار، وكأن مدينتي زايلها العمار. نقض اتفاقنا ابن القديمة، فأسلمتني الدهشة لأحزان عظيمة. بحنين تخيَّلتنا في غبرة وتراب، وسط قاهرة المعز بين باب وباب. حتى قلت في عقل بالي: ملعون أبو مصطفى، سأستأنس بالكاميرا والسجائر وكفى. وأخذت عربة أبي ذات ليلة ذاهبًا، فما كدت أذهب حتى رجعت تائبًا. فإن ما رأيته في زيارة باب الفتوح، يخيف أبا الهول نفسه لو يبوح. وحتى أكتشف أن مصطفى  هو الآخر معذور، إذ له مع الجنون قبل دوري دور… (لكن شيئًا لا يدفع على حكي الحكاية، إلى أن تتسنى قراءة الپي-دي-إف/الرواية.) من غير ترتيب ولا تمحيص أقول، وقد أصاب أعضائي، من الرهبة، الخمول:
مَنْ بِطَيْفِ الْمَوْتِ يَشْقَى          كَاْنَ فِيْ دَرْبِ الْنُشُـوْرِ
مِنْ دَوَاْعِيْ قَـتْلِ نَفْـسِي        أَنْ أُعَـجِّـلْ بِالْعُبُـورِ

أمضيت خمسة أيام فقط بعد الحدث في القاهرة، ومهجتي بصدمة اللقاء ورهبته حائرة. وانتظمت في جلسات الأقارب على الموائد، مداريًا كلَّ ما ألم بزيارتي من شدائد. طَوال  الوقت لم يلهني شيء ظهر أو خفى، عن مواصلة التفكير في غيبة مصطفى. ومنذ وجدت موبايله مقفولًا ليلة وصولي، ليس سوى والدته أرمي عليها حمولي. كلَّّمتها على الفور في وقت متأخِّر من الليل، فإذا في صوتها إلى البؤس والحيرة ميل. ثم عدت وكلَّمتها بعد ظهور وريث الإمام، وقد بقي على عودتي إلى إنكلترا ثلاثة أيام. فكررتْ علي كيف غادر مصطفى فجأة في إبريل، بعد ثلاثة أسابيع منذ أن وجد إلى بيتها السبيل. وكان رجع يعيش معها بعد انفصاله عن زوجته، ثم سارع بالطلاق تعبيرًا عن نقمته. بعد مغادرته – هكذا روت لي – لم يتَّصل سوى مرّة من بيروت، يطمئنها على حاله، ويؤكد لها أنه لن يموت. وفكَّرت وأنا أسمعها تحكي معي بكَبَد: إحساسها أنها فقدته إلى الأبد. الأمر الذي أكده اختفاؤه المريب، وأنه على “إيميلاتي” ظل لا يجيب.

حتّى عاد مجددًا إلى حديث المنتحر:

لن يهمَّ اسمي أو نسبي. المهم أن جثماني اختفى حال موتي بسيف العزيز. لتعلم أن السيف سيصلك أنت أيضًا، وحال تغرسه في مكانه لا يُعثر لك على أثر. أنا وثمانية عشر منتحرًا قبلي نثبت لك ذلك بالدليل. بوسعك أن تعرف إن سألت، فحدث واحد كلّ خمسين سنة لا يلفت إليه الأنظار الفانية. أنت خائف لأنك لم توقن بعد أنك الخالد الباقي، ولا أنّ كلّ شيء يحدث في تلك الغرفة الضيقة التي تظنُّها حياتك، بما فيه تماثلي أمامك وشكَّك في وجودي وارتباكك من مشهد الجبل في ضوء عينيك – لن يتجلَّى الضوء ثانيةً، حتى تموت، فيصير بصرك القدسي – كلّ شيء يحدث، يحدث لكي يؤدي إلى لحظة واحدة من سنة 2008 (هكذا مضى المنتحر يحدثني فيما كنت، برعب يرجُّ جسدي ويشلُّه تباعًا، لا زلت أنكر وجوده إلى جواري فلا أنظر إليه وأعافر بلهْوَجة مع الكونتاكت حتى يدورَ المحرك. ضحك المنتحر ضحكةً واحدةً قصيرةً ثم مدّ يده، ليريني البقعة التي يجب أن أغرس فيها سيف انتحاري. وشعرت إثر ملامسة إصبعه صدري بدغدغة لم أجرِّب شيئًا مثلها طول حياتي. في الملامسة متعة، دون أن تنطوي على جهد أو غريزة أو تكون معرَّضة للانتهاء، كأنها الأورجازم.) عليك أن تمسك المقبض الذهبي المرصَّع بكلتا يديك، وتكون صوّبت طرف النصل إلى صدرك، تحت ثديك الأيمن مباشرة ولكن على بعد مسافة عقلة إبهامك إلى اليمين. عليك أن تميل كالقوس وتثبّت قدميك في الأرض ثم، مرّة واحدة، تشد. (وما كاد يسحب يده حتى أنشد يقول:

لم أبدأ أفهم حتى اعتقدت أني فهمت
وصرت أرى الأشياء كأنما بعيني بوذا
تلك الرسمة الطفولية الشاخصة بأحجام ضخمة
على الجدران الخارجية للمباني
ترى من كلِّ شيء كلَّ شيء).

لعلهما ظنَّاني مصدومًا فيهما، أختي وخليلي، لأن موقفي بالسيف تلى اكتشافي لهما في ظلام الحوش قبل ليلة واحدة بالتمام، حين دخلت حافيًا وكلوب الگاز في يدي لأجدَ ساقيْ أختي كأنهما مرفوعتان على شيء واطئ تحت جلبابها المنحسر، وكانت ممدَّدة على ظهرها في الأرض، فلا أثر لنصفها الأعلى من بعيد، تتأوه بحرقة كأنها تنتحب. عرفتهما، ساقيها. (هكذا واصل المنتحر بعدما أمرني بابتسامة فاترة أن أدير المحرك، فانطلقت العربة فعلًا وإذا بصلاح سالم كأنه يقول: أنا أسوق بسرعة عالية كي أخرجَ من هذه المنطقة المظلمة ، لكنِّي أظل سائقًا ولا أتقدم سنتمترًا. حين ينتهي من كلامه، دون أن أدري، سيعود صلاح سالم إلى طبيعته، وأعرف أني خرجت فعلًا من البقعة التي التقيته فيها… ودون أن أدري أيضًا سيكون قد اختفى) فلم أتبين ما يسندهما من أسفل حتى اقتربت وانحنيت: كان خليلي يزحف على بطنه كالحيَّة ورأسه مدفون بينهما، كتفاه تحت الفخذين. ولمَّا شهقتُ فرفعها، رأيت فرج أختي الحليق محمرًًّا ومنتفشًا في ضوء الكلوب، ولعاب خليلي يقطر من حوله، وقد علق بجذور الشعر. صرخت فيهما: تزوَّجا، تزوَّجا! ثم استدرت. لقد تزوَّجا فعلًا دون أن يعرف أبي بالواقعة… لكن كان عليهما أن ينتظرا سبع سنين بعد انتحاري المفاجئ. وسيظلُّ في قلبيهما شكٌّ حتى يموتا بأن السبب هو سرُّهما الدفين.

ثم مرتدًًّا إلى بداية حكايته، حدّث قال:

من أول يوم كنت قررت أن أؤجل الأوضاع العائلية التي تنتظرني مع كلّ زيارة، فتحجّجت بأنّي أفضّل الانفراد بأمّي وأبي وإخوتي بعد الفراق. وأمضيت أسبوعًا أتنقل بين بارات الزمالك وقهاوي وسط البلد، أستعمل عربة أبي “الرينو” المركونة معظم الوقت، بعدما كشف عليها الميكانيكي – وكان أداؤها يُعتمد عليه بشهادته وتجربة أسبوع – حتى جاء في بالي أن أذهب وحدي إلى باب الفتوح فحدث ما حدث.
نسكن في مصر الجديدة، في عمارة بنيت أواخر الخمسينات، أيام عاش المنتحر 19 في باب الفتوح، جنبًا إلى جنب مع أبي الذي بلغ الخامسة والسبعين قبل سنة. نعم، هذا ما خطر لي أولًا، حتى تذكّرت حكاية كانت تتردد بتنويعات مختلفة في العائلتين دون أن أتأكَّد من صحِّتها، حكاية كانت أمي تنفيها بغضب كلَّّما فتحت معها الموضوع، وأبي ينفي معرفته بها باقتضاب غريب عليه: أن خالي فتحي، الوحيد بين إخوة أبوي الذي لم أره ولا مرة، لأنه مات شابًّا، والمفروض أنه مات في حادثة سيَّارة، رغم أن الغموض المحيط بموته من النوع الذي يقترن بجرسة أو شيء يخيف، وليس ثم ما ينفي بشكلٍ قاطع أنه انتحر. كان خالي فتحي ضبط أبي وأمِّي معًا في وضع مخلّ وهما بعد شابان لا تربطهما معرفة معلنة، بينما أبي صديقه الروح بالروح. هناك من يقول إنه مات كمدًا بعد أن تأكَّد من خيانة صديقه وفجر أخته الصغرى، وهناك من يقول إنهما تخانقا فقتله أبي وعتَّمت العائلتان على الجريمة لأنهما قريبتان وحريصتان على تجنُّب الفضائح. لم أكن متأكِّدًا من الذكرى مئة في المئة، لكن تهيَّأ لي أيضًا أني سمعت من يقول إن خالي فتحي رجل مبارك وإنه حين مات تبخَّرت جثَّته، فصعدت مباشرة إلى السموات، فقد رفعها الله إليه كما رفع عيسى النبيَّ. ما أكد شكِّي أن جدَّتي لأمي فعلًا ماتت حين كانت أمِّي لا تزال طفلةً صغيرةً، وأن قبرها في الأرض التي كان يملكها جدي بباب الفتوح. (لم أفلح خلال جولتي في الوصول إلى قبر جدتي لأمي.) الصراحة: خفت. وزاد الخوف في قلبي لدرجة أني لم أجرؤ على ذكر أي شيء لأبي أو أمِّي، خلال أيامي الخمسة الأخيرة في القاهرة.

نسكن في مصر الجديدة، أقول، ومن أكثر الأشياء التي كنت أفتقدها في إنكلترا إحساس طريق صلاح سالم الذي لا بدَّ من المرور ولو على جزء منه في أي رحلة أعملها من أو إلى بيتنا بالعربة: أنك فوق جسم الثعبان الذي يسعى على ظهر القاهرة كلِّها – من الشّمال حيث نسكن إلى جزيرة الروضة المحاذية لمصر القديمة في الجنوب – وكأنّه عمود فقري قابل للانخلاع… أنا ركنت بعيدًا على الجانب المقابل من الشارع ناحية مطعم زيزو المشهور بالسجق، ثم عدَّيت بحذر، ومددت الخطى فلم أعد إلا بعد ثلاث ساعات. كنت أتفرَّج على المباني القديمة كأني عشت فيها أيام عزِّها، وأحسست بألفة عنيفة مع مكان لم أعرفه إلا لمامًا.

“ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية، وقصد إلى جبل المقطَّم، ثم لم يُر بعد ذلك قط لا حيًا ولا ميتًا، ولم يعرف مصيره قط، ولم يوجد جثمانه قط، ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة، أيَّة رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه”
“الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية”، محمد عبد الله عنان1983

مرّت الآن ثلاثة أشهر وهناك ابتهاج زائد في علاقتي بحبيبتي. كنت فكّرت فيها طويلًا ويدي تحتك بالجدران التي حلمتْ برؤيتها منذ كانت طفلة في مدينة السويداء، سوريا، وحتى بعدما جاءت إلى مانشستر مع أسرتها في الخامسة عشرة (هي لم تزر مصر أبدًا مع أن حكاية الحاكم طبعًا حاضرة عندها، بالذات نهايته: أنه خرج بحماره يتطلّع في النجوم على المقطَّم ولم يعد، ثم لم يجدوا له أثرًا إلا الجباب السبع التي كان يلبسها، أزرارها لم تفك ومعكوكة بالدم. كانت ملقاة في الخلاء وقيل تحت ماء بركة في حلوان). لكن إلى الآن ما زلت أتجنب أي حديث معها عن زيارتي الأخيرة إلى القاهرة. في البداية ما كان يخطر لي أن طلوع المنتحر ممكن أن يكون أهمَّ عندي من زواجنا، لكن مع الوقت – وبعد أن انتهيت من قراءة پي-دي-إف مصطفى، بالذات – بقيت شبه متأكد أنه صار فعلًا أهم. ما هالني – بعد ذكرى أو اثنتين لأشياء لم تحدث لي أصلًا – أن أجدني مطمئنًا، إن لم أكن متحمسًا، لفكرة قتل نفسي، بالضبط كما تنبأ المنتحر. أول من أمس، في الذكرى السنوية الثانية لقرارنا أن نسكن سويًا من وراء أهلها، جاءتني حبيبتي بهديَّة لم أتوقعها منها بالذات ولم أتوقع أبدًا أن تفرحني إلى هذا الحد. كنت مشغولًا أمام الكمبيوتر حين دخلت الشقة، فرحبت بها دونما أرفع عيني عن الشاشة وإذا بقطعة معدن مستطيل تلمع أمام عيني. هي تسحّبت من وراء ظهري وطوَّقت رأسي بذراعيها وفي يديها ما كاد يغمى علي حين نطقت اسمه: سيف العزيز. ثم وضعته على الطاولة تقول إن أباها مصدق أنه كان ملك العزيز بالله بالفعل، مردفة أن عمره لا يمكن أن يكون أكثر من ألف عام بالقياس على الحالة الجيدة التي هو عليها. كانت عثرت عليه في خزينة أبيها وتوسّلت إليه حتى أعطاه لها، فخبأته في كبوت عربتها حتى يوم عيدنا. ببطء مددت يدي أرفعه من المقبض الذهبي المرصع وبدا جديدًا كأنما صنع أمس. وقرّبت نظري من النصل فظهر لي أنه أمضى من أن يكون صنعه بشر. سرحت قليلًا وبدا وجه حبيبتي ملائكي الجمال حين أفاقتني سائلة: أعجبك؟

http://www.scribd.com/doc/25761835/Youssef-Rakha

Reblog this post [with Zemanta]

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]

Denys Johnson-Davies in Abu Dhabi

An Englishman’s life in translation

The Emirates as Denys Johnson-Davies might have seen them in the early 1950s. Courtesy Al Ittihad newspaper

Youssef Rakha enjoys a cup of coffee with Denys Johnson-Davies, one of Arab literature’s chief liaisons with the English language.

Having coffee with Denys Johnson-Davies does not seem all that remarkable – until you remember that this silver-haired Englishman shared a table with Tawfik al Hakim three decades before you were born. Hakim may not be as familiar to western readers as Naguib Mahfouz, but he was a much bigger deal in his time. Then again, Johnson-Davies was a literary figure in Cairo long before Mahfouz made his name.

Continue reading

Ibrahim Fathi’s Review of Azhar Al-Shams

Azhar al-Shams (Flowers of the Sun),Youssef Rakha, Cairo: Sharqiat Publishing House, 1999. pp143

Summer torments

Azhar al-Shams is Youssef Rakha’s first collection of short stories, yet it constitutes a mature beginning, containing none of the faults characteristic of many young authors’ early works. His thematic framework is robustly formulated, his language elaborately multilayered and evocative, with the interplay between connection and association, and its resulting resonance, effectively portraying “misfits” who relate to the world only through fantasies that both connect and separate them from the flow of “ordinary” life.

Continue reading

Soliman the symbol

Cairo‘s cannabis-smoking literati relied during the 1990s on an African bango supplier named Soliman. When Soliman was finally arrested, confusion reigned, frustrated “owners of the high humour” (as the Arabic expression has it) scouring the lengths and breadths of the city for a suitable alternative. The terminology of the politically committed 1960s — during which hashish was both widely available and affordable — was used to describe the predicament of cannabis deprivation in the apolitical 1990s. It was said, in the most tragic of tones, that “Soliman the symbol has fallen,” the implication being that with his disappearance an entire way of life had vanished, inducing a sense of loss comparable to that felt upon the collapse of the Soviet Union. Soliman had been one of the few remaining expressions of sixties consciousness, and now he too was gone.

Continue reading

Disrupting the Narrative by Sousan Hammad

Arabian nights.
Image via Wikipedia

A man with nomadic tendencies, Youssef Rakha was born in Cairo in 1976. He studied English and philosophy in England, worked in Cairo, lived in Beirut, and, most recently, in Abu Dhabi as a features writer for the English daily, The National. He has interviewed some of the most compelling and contemporary Arab storytellers of our time for the English-language Al-Ahram Weekly – from helmers and novelists to actors and politicians (who, to me, are also storytellers) – laying bare his writings with such meticulousness, voice, and reason that he gives his audience a chance to draw their own conclusions as they observe the idiosyncrasies and prejudices of the speaker.

Youssef is currently finishing his first novel, Kitab At Tughra (Book of the Tugra), which, according to his blog ‘the arabophile’, is an “imaginative evocation of post-2001 Cairo and a meditation on the decline of Muslim civilization.” Here, then, we stroll through the mind of Youssef Rakha exposing, in fragmentation, the man and his machinations.

Continue reading

Cry my beloved poetry

Spring brought poetry from the inaugural round of the Dubai International Poetry Festival (4-10 March) to this week’s issue of Cairo’s most popular literary publication, Akhbar Al Adab, which dedicated its Bustan (Orchard) department to poetry criticism and poets’ testimonies: Youssef Rakha considers a maligned genre

In a video interview about Lost Highway, the American director David Lynch describes his ideal film as an abstract composition, a sort of audiovisual symphony. Then again, Lynch says that a film seldom works for the viewer without the benefit of a compelling narrative. In his own work he would rather do away with the narrative side of film-making, he says, but he endeavours to have enough story-line to keep people watching.


Continue reading

Strangers in the House

A growing body of literature attempts to transcend the antagonistic narrative of Muslim encounters with the West. But these revisionist histories, Youssef Rakha writes, still pit ’us’ against ’them’.

The Enemy at the Gate: Habsburgs, Ottomans and the Battle for Europe
Andrew Wheatcroft
The Bodley Head
Dh108

When Philip Mansel’s delightful portrait of Ottoman Istanbul, Constantinople: City of the World’s Desire, 1453-1924, was published in 1995, the Serbian genocide of Muslim Bosnians had reached a new pinnacle in Srebrenica, the Iraq disarmament crisis was escalating after Saddam’s son-in-law, who ran the country’s weapons development programme, defected to Jordan, and the EU signed a Customs Union with Turkey, which was already a candidate for membership.

Here were three apparently unrelated examples of the interface between East and West, each saying something different about the possibility of a clash or a dialogue or a marriage of civilisations: they were like grandiose Muslim rumblings in the stomach of the post-Christian order.

Continue reading