دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

الريفييرا والدبابات

مارس

هؤلاء ناس يستطيعون أن يقولوا لك بكل صفاقة هناك شمسان في السماء أو لا يوجد سمك في البحر… اسمع: الوطنية هي المواطنية… الوطن مرسوم على جلد كل مواطن – “منصف المرزوقي” لـ”فيصل القاسم” في ديسمبر 2009

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150510629010473.660013.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150474434730473.657482.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150469070440473.655775.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150464841930473.654285.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150463256240473.653652.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150453434945473.650395.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150448478250473.648825.805615472

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. يومان من التراب ثم يهبط، ثم يعود يملأ الجو مرة ثانية. منذ الجمعة 28 يناير، في القاهرة، أي شيء يحترق يستدعي الغاز المسيل للدموع. عندما يهبط التراب، يأتي دخان الحرائق الصغيرة.

لا ترى هذه الحرائق، فقط يأتيك دخانها؛ لوهلة، تحس كأنك استنشقت الغاز. تبدأ الأعراض في التداعي إلى أن تدرك أنه مجرد حريق.

في الأيام التالية على إعلان “تخلي” مبارك عن منصبه (11 فبراير)، زاد عدد النساء في مقاهي شارع شمبليون بطريقة تُفرِح (وأين، منذ 25 يناير، كان السلفيون؟) الشباب يعزفون ويغنّون على الرصيف لأطول وقت ممكن قبل حظر التجول الذي يبدأ مع موعد رجوع سندريلا والذي فرضه المجلس العسكري بعد أن أنشأ صفحة على “الفيسبوك” وبدأ “يهيب” بنا في رسائل نصية قصيرة. يهيب بـ”المواطنين الشرفاء” أن، وأن. لكي تتعطل أو تتوقف الاعتصامات. ويطمئن الناس على الفيسبوك. حتى أن إحدى الرسائل كان نصها: من الجلس الأعلى للقوات المسلحة، انتظرنا ثلاثين عاماً فلا مانع من الانتظار قليلاً فالقادم أفضل.

ماذا والنبي يمكن أن تعني هذه الرسالة؟

*

ليلة ذهبتُ أقابل “شعير” (17 فبراير)، كان شيء رائق في محيط وسط البلد لا يزال. لكن الناس قليلة، تتحرك بخفّة وتحمل أكياساً. أوقفني واحد ليشعل سيجارته من سيجارتي. لا أحد حولنا؛ معه صديق، ولوهلة خطر لي أنه “سيثبّتني” بالسلاح ليأخذ ما معي ويذهب. كيف لو ثبتني تثبيتاً؟ فجأة أفقت على ابتسامته وكانت ابتسامته ساحرة. أنا أيضاً تأثرت بأجواء انتشار الجريمة في غياب الشرطة؟

الحقيقة أن كل شيء أأمن في غياب الشرطة – وخطة أن تولّد السلطات فتناً وجرائم وتنشر شائعات لكي يخاف الناس من الفوضى والأذى والأجانب فيعادوا الثورة ويحتموا بالأمن، كيف “تَخِيل”؟ – حتى التنفس في التراب يا أخي أسهل بلا شرطة.

ثلاث مرات قبل 25 يناير تعرّضتُ للجريمة شخصياً لكنني لم أفكر أبداً في اللجوء إلى الشرطة. ولا أذكر حادثة واحدة رأيتها أو سمعت بها تصدى فيها البوليس لجناية ضد مواطن أو قام لنجدته. الواحد يتجنّب البوليس تماماً كما يفعل مع المجرمين: على الأقل المجرم سيتركك ليهرب؛ الشرطي قد لا يتركك.

قال شعير: الثورة المضادة الآن من خلال الإخوان المسلمين وهذا في حد ذاته يسعدني (لا يقصد الثورة المضادة ولكنْ خوف الناس من حكم الإخوان). قلت له إن التحرش بالبوليس ضرورة وعلينا أن نُسقط مباحث أمن الدولة كما أسقطنا الأمن المركزي. كأنني أسمع أحد الأصدقاء يقاطعني (الآن في رأسي دائماً أصوات الأصدقاء): ششش، اسكت! ألا تعرف أن الثورة المضادة الآن من خلال التحرش بالبوليس؟

*

اليوم (28 فبراير)، شاهدتُ على الفيسبوك فيديو لرجل قصير يؤدّب بضعة شباب في فناء مسكن نائب حزب وطني، كما سيتضح، يُدعى “مختار رشاد”. القصير من خُدّام ذلك النائب، وفي النهاية يظهر مختار باشا شخصياً بهيكله الجسيم ويقول شيئاً لم أفسّره للمذنبين. الخادم يكرر على أسماعهم: لازم تبوسوا رجله عشان تروّحوا. واضح أن المسكن يقع وسط منطقة نائية، ربما زراعية؛ هناك أناس في جلابيب يسدون أحد المنافذ. المذنبون في وجوههم جروح منمنة، تظهر عليهم علامات الفزع والخنوع؛ لأحدهم لحية طويلة على الطريقة السلفية، في ظَهْر قميصِه بقع دم مشعشة بالماء.

يبدأ الفيديو بخروجهم من المكان الذي كانوا يُضرَبون فيه أو بعد ذلك بقليل، والقصير يسوقهم كخراف متخبطة إلى طلمبة مياه وراء سور واطئ ليغسلوا وجوههم ويعودوا من أمامه. لا يبدو مختلفاً عن أي “شرطي شريف” يؤدي وظيفته، ما يبرر الألفاظ النابية والقسوة المتعمدة في الأداء. واحداً واحداً يدير الشباب المذنبين إثر انتصابهم واقفين بصعوبة ويأمرهم بالثبات. وبمطواة صغيرة في يمناه، بعد أن ينزع البنطولن عن المؤخرة جزئياً، يحفر جرحاً عميقاً في إحدى الإليتين. ثم يدفعهم إلى الوقوف في صف وأيديهم وراء ظهورهم في انتظار مجيء الباشا. يتقدمون بخطى عرجاء ومضحكة بعض الشيء.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. أمام مكتبة “الشروق” مساحة مفروشة بشعارات الثورة. ورغم أن المكتوب على اللافتات أكثر تعقيداً وأخف دماً من الهتافات، الهتافات هي التي تتردد في رأسي: “حرية” و”آه” و”يا رب”، “ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ف كل شوارع مصر”، “باااطل”، “ارررحل”، و”يا جمال قل لأبوك المصريين بيكرهوك”، “يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان”، فضلاً عن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان مع اللافتات بعض صور الذين قتلهم الجنود والضباط والمجرمون العاملون لدى الداخلية والحزب الوطني ورجال أو كلاب أو أبالسة أمن الدولة. “إحنا آسفين يا ريس”؟

“آسفين يا ولاد الوسخة”!

وكان مراهق يبيع “ستيكرز” على شكل لوحة سيارة أرقامها 25 وحروفها ي ن ا ي ر. قبل أن أذهب قال لي: مش عايز كارت الشهداء يا باشا؟ لم أنتبه إلا لاحقاً إلى المكتوب أسفل صور الشباب على خلفية ألوان العلم: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة. في شارع قصر النيل أردت أن أمزّق الكارت، أن أنزع عن وجوههم هذه العبارة. لم أستطع أن أخرج الكارتون من غطائه البلاستك.

باتجاه مؤسسة الأهرام الصحفية، في الصباح التالي، كان المرور مستحيلاً. من شباك السيارة سمعت بائع ستيكرز ينادي: خمسة وعشرين يناير بجنيه.

*

الدبابات واقفة في الميادين وأنا أضحك من الذين لم ينزعوا شارات الداخلية عن “الملّاكي”؛ أكثر من مرة فكرت في الصياح: وإنت فاكر النسر ده هينفعك؟ لكن الذين يبروزون طواقي الشرطة في الزجاج الخلفي لسياراتهم، استبدلوها بسترات للجيش على الشبابيك.

ألاحظ أنك اليوم كلما أبديتَ اعتراضاً على سلوك حتى أكثر الناس تورطاً مع الكذب والقتل لحماية الفساد، يقال لك بثقة شديدة ونبرة مجروحة: لا تزايد علي. زايد يزايد مزايدة: الكلمة الأعلى مبيعاً في ربيع هذا العام.

أكثر من زميل في الأهرام يتحدث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الكيان الحاكم، وحيث كان الرئيس مبارك في الأخبار الرسمية يفعل، ويفعل، المشير طنطاوي هو من يفعل الآن. آلاف لم يتعودوا على الحياة بلا أصنام والذي لم يعد يعرف مَن يعرّس عليه يمكنه أن يعرس على المجلس العسكري – أو “الشهداء”.

في المصعد تذكرتُ أن بائع المخبوزات الجائل هو الآخر كان يزعق: رحمة على الشهداء.

*

أكتب الآن من الريفييرا الفرنسية. حيث يجري الناس بمحاذاة الشاطئ للتريض – ولأن الشوارع نظيفة وبها حارة للدراجات… حركتها منظمة، لأن الهواء صاف والصحة حاضرة – كل الكلام مؤقت. كل ما قلتُه أو سأقوله عن الثورة والشعب (الثورة المضادة والبلطجية)، عن الإسلاميين والمثقفين (المتدينين واللا-دينيين) وعن الأشياء المفرحة (“الأحداث المؤسفة”) التي حصلت من ميدان التحرير وإليه بطول ثلاثة أسابيع كانت فعلاً كالأحلام… كل شيء – في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية (19 مارس) – سيصبح مؤقتاً.

لعل فكرة الكتابة كلها هي أن تتفرج على الحياة دون أن تُفْرط في التركيز على نفسك. لكن هناك واجباً أخلاقياً يحتم عليك أيضاً أن تعيش. أن تعيش وأنت تتفرج يعني أن تركز على نفسك. هذا إذن هو تحدي الكتابة: كيف لا تركز على نفسك دون أن تهمل الواجب الأخلاقي القائل بأن لا تكف عن ممارسة الحياة.

ومع ذلك… حيث يجري الناس بدلاً من أن يدخنوا ويحتسون نبيذاً طيباً في المساء، ليس سوى نصف كلام أو لا-كلام أو كلام إلى حين.

*

اليوم (3 مارس)، أقيلت حكومة أحمد شفيق فريق الجيش “الشيك” ووزير الطيران المدني – الفاسد هو الآخر، طبعاً، وإن بدرجة أقل – والذي عيّنه مبارك رئيساً لوزارة جديدة استبدل فيها “حبيب العادلي” بواحد أوسخ يدعى “محمود وجدي” وأبقى على “أحمد أبو الغيط” و”عائشة عبد الهادي”، تلك المرأة “الدون” التي لفتت الأنظار بتقبيل يد “سوزان مبارك” في إحدى المناسبات. إلى آخر لحظة كانت تأتي الأخبار عن أن شفيق يطمئن على صحة مبارك تليفونياً بشكل يومي وقد زاره مرة في شرم الشيخ.

أمس أطلقوا عليه “علاء الأسواني” ومعارضين آخرين في حلقة من برنامج تلفزيوني على المحطة المملوكة لـ”نجيب ساويرس”، رجل الأعمال الأقرب إلى الثورة. علاء الأسواني كالثور الهائج وشفيق فرخة مسلوخة وسط الصياح؛ لن تمر الليلة حتى تُعلَن استقالته لتأتي حكومة “عصام شرف” الصورية؛ والناس الذين يدافعون عن رجال الشرطة وكانوا يدافعون عن مبارك، سيقولون إن شفيق رجل محترم وعيب على الأسواني أن يهزّئه هكذا.

أمس فكرت أن مختار رشاد نفسه لو ظهر على التلفزيون سيكون مثل شفيق مؤدباً وهادئاً وعلى نفس درجة “الشياكة”؛ وسيقول أولئك بنبرة مجروحة إنه رجل محترم وعيب على الأسواني قلة أدبه معه.

*

من حيث أكتب يخطر لي أن “التخلي” مكان “التنحي” مثل “النكسة” مكان “الهزيمة”، وأن هذا ليس غريباً على أعراف البلاد.

*

اليوم (6 مارس) أفقت من كابوس: الأمن المركزي تبدّل بالجيش وديناصور السنين رجع من شرم الشيخ لا ليُحاكَم بل ليَحكُم إلى أن يسلّم السلطة لابنه “جمال”. صحته جيدة. وقيادات الأهرام يقفون على رؤوسهم ليقولوا إن رجوعه شيء جيد وعظيم وليس أفضل منه تأميناً للاستقرار والسلام.

أشباح برتقاليو اللون يفرّقون “المليونية” القائمة في وجه عودة آل مبارك إلى الحكم بالعصي الكهربائية كما فعل الجيش مع المعتصمين ليلة السبت 26 فبراير؛ العصي في الأيادي الفوسفورية كأنها طائرة في الهواء. و”عمر سليمان” رئيس المخابرات السابق ثم نائب مبارك الوفي إثر اندلاع الثورة، بعد أن يشرف على إغلاق معبر رفح المفتوح منذ التنحي، يعلن حملة إبادة العملاء والإرهابيين المسئولين عن “فتنة 25 يناير”.

لم أكن أعرف أن الكابوس سيتحقق.

*

الدبابات واقفة وكثيراً ما تراودني شهوة الإبادة. الإبادة الجماعية حل رائع لأزمة المكان. الذي يخيفني من الحرب الأهلية أنني أجدني مستعداً للقتال.

مِن المحتجين مَن أجبرهم ضباط جيش على الهتاف بحياة مبارك بعد سقوطه بشهر تحت تهديد الضرب وهم على بطونهم في مجلس الوزراء. وبعد شهر ونصف، قوانين ضد البلطجة ستطال المتظاهرين سلمياً (بل وقوانين ضد الاحتجاج والتظاهر سيتم تمريرها أيضاً، فيما يبدو)، والبلطجية المنوطون بتفريق اعتصامات التحرير ما بعد إعلان الحكومة الجديدة – على كلام “فادي” الذي كان هناك – نقلتهم سيارات قوات مسلحة. الشباب يُعتقلون ويُعذّبون ويتعرضون لمحاكمات عسكرية (بل ويُكشف على بكارة المتظاهرات الشابات في معسكر الهايكستب بعد صعقهن بالكهرباء واعتقالهن، هكذا سأعرف بعد أن أغادر. لماذا يكشف على بكارة المتظاهرات؟ ماذا يُفعل بمن يتضح أنها فقدت بكارتها قبل أن تتظاهر؟)

وبدلاً من لحن الوفاء الذي يتفنن “المناضلون” في عزفه تأكيداً لكذبة أن المجلس العسكري هو الثورة أو أن سطوته هي الواقع الوحيد الممكن، أجدني أتساءل لماذا لم يقصفنا الجيش من أول يوم؟ لماذا سمحت قياداته باستمرار العصيان؟

*

ذات ليلة أثناء العودة من ميدان التحرير – هذا أيضاً أريد أن آخذ نفساً عميقاً لأذكره – مررت من جنب كهل “غلبان” يخاطب أحد المارين في خروجه:

ما فيش جواسيس ولا فلوس ولا حاجة م اللي بيقولوا عليها دي خالص. بس ناس طيبين يعني بيوزعوا أكل من عندهم عشان الولاد اللي قاعدين في الميدان بيبقوا جعانين وكده. ما إدونيش غير كباية شاي ولقمة جبنة، وفيه جماعة تانية إدوني حتة حلاوة أهي (وأخرج اللفافة من جيبه ليشهد من يخاطبه)، ده أنا حتى قلت أشيلها للعيال.

وكما أن “المصريين البسطاء”، ملح الأرض (يعني ولاد البلد، يعني الجدعان قوي، يعني الأصالة الريفية) كانوا يسبون معتصمي التحرير ويبصقون في وجوههم لأن الاعتصام عطّل أشغالهم بعض الشيء (سمعتُ بأذني أكثر من سائق وأكثر من عامل بوفيه وأكثر من بائع جائل يقول إن “شباب التحرير” أولاد قحبة وإن مبارك لم يخطئ في غير بخله على الناس: بس هو يدينا فلوس بس ويبقى يكمع بعد كده زي ما هو عايز)، انضم إلى الاعتصام “بلطجية” العشوائيات ممن لم يسعدهم الحظ بنائب حزب وطني مثل مختار رشاد أو مأمور قسم يغدق عليهم مقابل ترويع الأحياء السكنية أو قتل الثوار.

خالتي “فايزة” المستاءة من اضطراب المرور وتعطّل ماكينات الصرف قالت: كنا عايشين في أمان، إيه يعني بيسرق! وأضافت بصوت باك: مش زي أبوهم ده اللي عمالين يشتموه ده؛ عيال قلالات الأدب! والنبي يا أختي صعبان عليَّ قوي. لكن أمي حملت إلى قلالات الأدب هؤلاء أكياس الشاي والسكر وبكت وهي تشاركهم الصراخ.

*

هنا حان وقت الاعتراف بأن حب مصر لا يعنيني. لا القومية من قناعاتي ولا “الوطنية” قيمة في ذاتها. لكنني كما أكره كل ما جاءت به “ثورة يوليو”، لا أحب علم الجمهورية ولا النسر الذي يتوسطه. من 25 يناير إلى 11 فبراير كان العلم رمز نظام مبارك بقدر ما كان راية وطن الثوار. لم أنس لحظة أنه لم يكن موجوداً قبل انقلاب الضباط الأحرار، قبل الزحف العلماني ما بعد الاستعماري، وقبل الاستقلال ذاته الذي جاء بنا إلى هنا. ويوم بدأ العلم في الظهور بكثافة وسط لافتات ميدان التحرير، انتابتني أول شكوك الثورة المضادة.

الدبابات في الميادين – أظنها لا تزال – وأنا، في الريفييرا، بصدد أمور حلمية. لا أقصد كون الحياة هنا بعيدة عن اليقظة المألوفة (وإن كانت فعلاً كذلك): الخضرة والخلاء والمعمار البمبي في ظل شاتو هو بحسب مخيلتي مسكن أحد نبلاء العصور الوسطى؛ لا ينقص سوى سرج مرصع ثم، على رخام الممر، صهلة عاتية. الفيلا التي أسكنها محروماً من التدخين محاطة بالشجر، وهناك طعام بديع ونبيذ طيب؛ خلاف ملعب جولف قيل لي إنه الأقدم على ساحل اللازورد ثم بضع كافيهات، لا أحد أو شيء.

يوم غاص حذائي وأنا أصوّر الأمواج من خلف أقواس الحجر وإلى يميني تلة سوداء كأنها السنم الناتئ لجمل عملاق لم يسعه البحر يوم غرق – كان النبات قد استوطن محجراً ضحلاً في الجانب الأقرب إلي – أو يوم نقّت الشمس لون المياه (“ياسين عدنان” رفيقي الوحيد هنا كتب: كأنه أحمر)، أو حين بدت تدرجات الأخضر في حديقتنا الصغيرة من العمق وهي على أكثر من ارتفاع بحيث شعرتُ، ذات ظهيرة غائمة، بأنني تائه وسط غابة يعلوها طريق – “وحدي في غابة،” هكذا كتب سركون بولص، “والغابة أنا؟” – أو صعوبة التدخين في البرد وحين يتواصل المطر، أو على البحر – “كأنه أخضر” – أو المطر…

*

أكتب الآن من باريس. نهاية هدنتي الفرنسية مع الواقع. وبينما أستكشف امتداد وإيقاع المدينة التي لم تكف عن إلهام الناس، يخطر لي أن السبب في استمرار الواقع – استمراره، أقصد، وليس قبولنا به – هو أنه يمنحنا ما ينافيه دورياً، عن طريق منام أو حدث يشبه المنام، بالوهم أو بطاقة اللحظة، بسوء الفهم، بحب أو خداع الذات؛ ولا يعدو اعترافنا بأنه واقع أو خضوعنا لذلك أن يكون انتظاراً للمنحة الـ(غير) محتملة، باليأس أو بالأمل: انتظاراً لما لا يشبه ما عرفناه.

أكتب ويخطر لي أنه عن طريق صدفة كالمعجزة، دورياً، يتفتت واقعنا من داخله ومعه معرفتنا، يعيد تكوين نفسه أو ينهار تكوينه كما يحدث في فيلم “ذا ميتريكس” فينزاح عن ما يبدو كأنه واقع آخر أو مواز أقرب إلى رغبتنا لكنه على الأرجح لا شيء.

هل لهذا السبب، حتى في أسعد لحظاتنا، تكون التعاسة قريبة إلى هذا الحد؟

المهم أن الواقع يتبدل، هذا ما يخطر لي وأنا أكتب. ينزاح عن شيء رائع ويظهر ملاك (هكذا يفتتح سركون بولص أحد نصوصه وهو ما سرقته عنواناً لمجموعة نصوصي الأخيرة: يظهر ملاك). يظهر ملاك بـ(احتمال) الغرام أو يظهر الله بـ(احتمال) الثورة. وكالحلم أو السموات، نرحب به ونعتنقه. نعتنقه بمعنى أننا لا نتكئ عليه، لأنه لا يمكننا أن نتكئ على شيء مناف للواقع؛ ووقت نسعى إلى ذلك نصير شخصيات تراجيدية تبعث على ضحك البراجماتيين.

*

الآن ومن قلب الثورة المضادة لم يعد هناك مجال للتشكيك في اعتمادنا على متكآت من الواقع غير قادرة على توفير السند الضروري، على عكس الملائكة التي ننتظرها دون أن ندري أو الله. متكآت كالعائلة والعمل والدواء: قرية ظالمة نحملها معنا ونسميها الواقع لكي نعرف من نحن، وربما لو ما حملناها لكُنا فعلاً آخرين.

لكن ليس سواها في غياب المنحة التي تبدينا حقيقيين وخلابين مثل سموات الريفييرا وتلوّح لنا بحدود أوسع وأعمق لما تعلمنا أن نسميه الإمكان.

 أخبار الأدب

Enhanced by Zemanta
vahidettinportrait

الثورة والطغرى

تصاوير

لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.

لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.

أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.

دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير

This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.

Enhanced by Zemanta