حكاية مصر الآن

13426432025_9a543cbc84_b
ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديمقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه. بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية.

Continue reading

في ذكرى ٢٥ يناير: عن الإخوان والسيسي وحروب الجيل الرابع

IMG_9819

ثلاث أساطير صغيرة نجح الإعلام المصري في زرعها لدى قطاعات دماغية عريضة جداً منذ يونيو، وبكفاءة مذهلة في ضوء أن هذا الإعلام مازال يدعي مناصرة ٢٥ يناير (بغض النظر عن رأيك في الواقعة أو رموزها)، لكن الملفت حقيقة أن الرسائل بل والعبارات نفسها تتكرر (“أيدي الببلاوي المرتعشة” مثلاً) على اختلاف القنوات والبرامج والمقدمين، ومما يشعرك بأن العملية ليست بالعفوية المفترض أنها بها أيضاً الظهور المتكرر لنجوم شاشة جدد من الإسلاميين التائبين (الخرباوي ونبيل نعيم مثلاً) والمديح المستمر لحزب النور:

Continue reading

خمس ملاحظات على عودة باسم يوسف

_DSC0004 (2)

(١)
أهم ما يقوم به باسم يوسف هو أنه يبروز قابلية المصريين على السخرية من أنفسهم بلا وعي – وهي صفة لا أظن مجتمعاً آخر يتمتع بها بالشكل نفسه: ذلك التطرف الـBaroque في التعبير عن الآراء السياسية بالذات – الأمر الذي اتضح بشكل غير مسبوق في الإعلام منذ ٢٥ يناير. فكثيراً ما يبدو الأمر، سواء بمساعدة المونتاج الذي يقوم به معدو “البرنامج” أو بدونه، كما لو أن المنحاز لطرف ما إنما يعمل في الحقيقة ضد ذلك الطرف بمنطق المفارقة الساخرة… وهل هناك “إساءة” للسيسي أو تقليل من قدره ومن قدر القوات المسلحة بل والأمة المصرية متمثلة في شخصه أكثر من الاحتفاء الإعلامي بتحول “القائد التاريخي” إلى شيكولاتة تباع بالكيلو؟ وهل هناك “إيحاء جنسي” وذكورية ساقطة أوضح من وصفه المتكرر بكلمة “دكر” من جانب رجال ونساء على حد سواء؟ باسم يوسف أكثر الوقت لا يسخر إلا من مسخرة حاصلة، ولا يتيح له أن يسخر بهذه الطريقة من شخص أو جهة كالتيار الإسلامي مثلاً إلا أنّ سخرية تلك الجهة اللاواعية من نفسها لا تقدّم بوصفها كذلك ولكن، من شدة جهل وتفاهة ولا أخلاقية مقدميها، بوصفها تمجيداً و“تلزيقاً” أو مبالغة مرضية في الانحياز للذات.

Continue reading

الهوية كالزئبق متى أمسكت بها سممتك

2013-08-11 05.03.40

في الطريق إلى عزل محمد مرسي والإنهاء المبكر والمحمود لفيلم هابط عنوانه الإسلاميون في السلطة، طرحت الأطراف المعادية‫ للإسلام السياسي مفهوم الهوية المصرية كقيمة يجب الحفاظ عليها في ‬مواجهة الاحتلال الإخواني؛ وبعيداً عن أي اعتراف ممكن بأن ما يسمح أصلاً بمثل ذلك الاحتلال هو عسكرة الوعي السياسي وأسلمة الوعي الاجتماعي على صعيدين متوازيين ومتداخلين اعتمد كل منهما على الآخر طوال ستين عاماً منذ الاستقلال، قدمت هذه الأطراف وطنية الجيش ووسطية الأزهر باعتبارهما ضمانتي الهوية. لم يكن مطروحاً في هذا السياق الالتفات إلى أن التطرف الإقصائي خارج في الحالتين من شوفينية معادية للغرب الاستعماري على أساس المظلومية سواء اتخذت هذه الشوفينية تصريفاً قومياً عربياً أو أممياً إسلامياً أو قطرياً وطنياً؛ وباختلاف نسب عسكرتها وأسلمتها من تصريف إلى آخر، فكلها توجهات طائفية من حيث افتراضها لغلبة المذهب السني وإصرارها على فرضه، وكلها حريصة على تحجيم العلم والإبداع ودسترة الكبت الجنسي والتعنت الأخلاقي في مواجهة المفاهيم المعاصرة للحرية والتعددية إذ تنفي الهوية الاختيارية للمواطن الفرد والحقوق المدنية المترتبة عليها لصالح هوية جامعة وقسرية.

Continue reading

استبدال جزم الثورة الآن وليس غداً

أو “تشنيف الآذان في الردح لداعمي الإخوان”

wpid-img_2074-2013-07-31-20-44.jpg

بيان “نخبوي” آخر منتشر على “فيسبوك” قال لك إن في المجتمع المصري الآن انقسام بين فصيلين لا حَكَم بينهما إلا “الثورة”.

ومن غير ما يتعرض لحقيقة أن ثورته هذه لم تحترم المواطنة لحظة واحدة منذ قيامها وأنها اعتمدت في قلة احترامها على تفوق أخلاقي مفترض ودفق عاطفي جياش لا فائدة سياسية ولا مصداقية لهما بعد كل ما جرى، اعتبر البيان “مؤيدي الرئيس” أحد فصيلي الانقسام فلم يفرّق بين ناس مسالمة تريد أن تسترد هامش استقرار وحرية أو عقلانية كان موجوداً بالفعل رغم دينصورية النظام الساقط ومشروع التوريث وبين مهاويس معتوهين بأي مقياس، مستعدين لحمل السلاح دفاعاً عن الشريعة الإسلامية كما “الشرعية الديمقراطية”، ولا يُخفون رغبتهم في شطب هذا الهامش كلياً بين يوم وليلة. بين يديك إذن دليل إضافي على أن الطريق إلى أفغانستان مفروش بالنوايا “الثورية”.

وفي هذا السياق يصمم البيان شأنه شأن غالبية المعسكر الثوري على تزييف ما جاء به ٣٠ يونيو ٢٠١٣ من ارتداد صريح عن حراك غير مسئول غلّب الإخوان المسلمين وملحقاتهم فيراه “استمراراً” لـ ٢٥ يناير ٢٠١١، وبنفس أم الوقاحة التي كادت تأتي على الدولة وما فيها قال لك “الآن وليس غداً”…

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

wpid-img_4256-2013-06-4-08-572.jpg

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

wpid-IMG_0838-2012-11-12-21-22.JPG

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة. 
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج. 
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي. 
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر. 
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً

هاني درويش: ميكانيزمات التفليل اليساري

wpid-img_8242-2012-12-14-20-50.jpg

للثورة خيارات أخري

بيان صاغه مجموعة من الناشطين والمسيسين في اللحظة التي تحتدم فيها معركة واسعة المجال ضد سلطة الاسلام السياسي الفاشي واليمين بامتياز

فماذا يقدم هذا البيان من خيارات او منطلقات لنحت موقف مختلف عما يجري في الشارع؟

الحقيقة ان المقدمة الرافضة لمجمل انفراد التيار الاسلامي واستبداده الوحشي تنطلق من نفس المقدمات التي ترفعها “جبهة الانقاذ الوطني” لكن محاولة القفز خارج مركبها ونحت مسار مختلق تبدو جلية

فالنتأمل سويا الفقرة الثالثة التي تقفز قفزا فوق الواقع ونصها كالتالي

“ورغم رفضنا لديكتاتورية جديدة في مصر إلا أننا نرى أن معركتنا لا ينبغي أن تصب أبدا في مصلحة قوى النظام السابق الذين يعارضون الرئاسة الحالية من مواقع معادية للثورة والثوريين. كذلك فإننا نرفض رفضا باتا تدخل المؤسسة العسكرية، في الشؤون السياسية بأي وسيلة من الوسائل.”

السؤال هنا من هي القوي المجيشة للثورة المضادة التي اخترقتنا (اخترقت جبهة الانقاذ في ضمير الكلمة) لتعارض الاخوان من موقع اعادة النظام السابق

 بسؤال بعض موقعي البيان كشفوا عن اسماء هي كالتالي: عمرو موسي ، سامح عاشور، السيد البدوي

ولمراجعة موقع هذه الاسماء او مايمثلنوها من تيارات سياسية لها الفعل الحقيقي في المشهد السياسي سنجد التالي

عمرو موسي ومحاولة تفليله هو ميكانيزم اخترعه منذ البداية الاخوان في لحظة التمهيد للرئاسة، وكانت اللحظة ايضا تراهن علي منافسته لسيئ الذكر ابو الفتوح

المدهش هو استسلامنا لتفليل شخص كان موظفا كبيرا في النظام السابق دون أي سند اقتصادي او اجتماعي آو سياسي مباشر، الا شخصه ودوره في ملفات خارجية لم يكن فيها هو المتحكم الحقيقي، فعمرو موسي لم يعرف عنه فسادا ماليا او ترابطا مصالحيا بشبكة النظام السابق المعروفة والمستقرة

كما لم يعرف عنه ظهير عميق كالمخابرات التي لو شاءت لآنجحته كما تخيل المخيال الثوري البكر في تلك اللحظة

الفلول الحقيقيون مولوا منذ اللحظة الاولي وساندوا بفجاجة احمد شفيق ، يمكن مراجعة تاريخ حملته التمويلية وصفحاته الداعمة، فتفليل عمرو موسي في الوعي الثوري كان موازيا لخدعة تثوير ابو الفتوح ، او افتراض عقلانية لشرائح الطبقة الوسطي الاسلامية ستدفعهم لما يمثله الاخير من كجولة اسلامية

الاخوان بالفعل هندسوا المخيلة الاولي ودفعونا دفعا لتفليل موسي وتحكيم برجماتية ابو الفتوح الافتراضية

المدهش أن الخيازات الجذرية للشعب المصري والتي وجهت صفعة لمنظري الاستقطاب الاولي لم تدفع هؤلاء لمراجعة نفسهم قيد انملة

بقي ابو الفتوح بملايين السلفية الثلاثة ثوريا وعمرو موسي بمليونه فلوليا

من اللحظة التي خرج فيها موسي من السباق السياسي ، هل يملك من يفللونه قرينة علي علاقته بالنظام السابق او فلوله؟

موقف سالف الذكر من الجمعية التأسيسية للدستور مسجل في ورقة من ١٥ نقطة باعتراضاته علي مسودة الدستور ، ومنها تركز السلطات الرئاسية وعدم استقلال السلطات ، وميل الدستور إلي فقدان مدنية الدولة بشكلها لديني والعسكري

لست هنا في مجال الدفاع عن عمرو موسي ، لكن السؤال سيبقي بأي معيار يمكن احتساب حزبه المسمي بالمؤتمر جزءا حقيقيا من حالة الاحتشاد العملية لقوي وتيارات كبري داخل جبهة الانقاذ؟ هل هو في حجم مساهمة التيار الشعبي أو الدستور أو الحزب الديمقراطي أو التحالف؟

هل يمكن تلويث جبهة وطنية واسعة ذات برنامج ديمقراطي مقاوم للاستبداد الديني السياسي بالوجود السياسي لعمرو موسي ؟

المستفز في هذا الموقف فعلا هو تحويل التفليل إلي تهمة لا زمنية ووصمة غير قابلة للتصحيح عبر المسار السياسي المضطرم بتحولات أكثر دراماتيكية لقوي أخري

الملفت أن يتم تبرير بلادة ولا حدية أو قطعية موقف مثل موقف حزب مصر القوية في حين يجري الصاق وصمة الفلولية المعلبة لموسي

الفلولي الحق في اعتبار هذا النوت نوعان:

الاول كل من مارس تدخلا سياسيا بالقرار أو بالعلاقات المباشرة او غير المباشرة لحماية نظام مبارك، هناك من دافع عنه مثلا حتي الرمق الاخير وهو رابض في احضان جماعته كآبو الفتوح حين قبل في تسجيل مصور مع الجزيرة وكان الناس لازالوا في الميدان بتقصير المواجهات عبر أختياز ملك الفلول أحمد شفيق رئيسا للوزراء

هناك من نقل ولاءاته بالازاحة من مبارك إلي مجلسه العسكري إلي اخوانه في دفاع عن موقع التسلط اينما كان ولحساب من كان

في هذا الاطار لعبت شخصيات عدت منتمية للجسد السياسي القديم والذي لايمكن وصمه فقط بالمدنية أو العلمانية بل بالرجعي الخادم للسلطة أدوارا في تبريرالتسلط

هذه الشخصيات لا تعبر عن تيار سياسي واضح، لو تحدثنا عن وفد السلمي والبدوي فلايمكن ان نتحدث عن خيانة تمت للثورة من قبلهم، هم اكسسوار تاريخي للتسلط غير مرتبط بطبقات اجتماعية او جماهير او شرائح مجتمعية، وحتي في اطار تأمل هذا الغثاء السياسي هل يمكن تفليل هؤلاء وترك فلولية الاخوان المتأصلة في كل مفاصل الثورة

دعم مبارك ببيان النصحية يوم ٢٤ يناير

الجري للقاء عمر سليمان والانسحاب من الميدان

الموافقة يوما بيوم علي تراجعات النظام كسقف آعلي

اختراع الاستقطاب يوم ١٢ مارس في تصريح العريان الاول السارق للثورة بوصفها ثورة اسلامية

المساهمة في انتاج التعديلات الدستورية واعادة تسميم خيال الثورة بالشعارات الطائفية

ثم > ثم > ثم

هل يمكن مسح الفلولية الاخوانية الاصيلة عبر الخطاب والممارسة الواضحة وتحميل فشل الثورة أو ضياع خياراتها علي تهاني الجبالي واحمد الزند وسامح عاشور؟

المصيبة الكبري أن دعم هذا التصور يأتي في مفارقة صادمة مع مسحه بفرشاة الخوف من تدخل الجيش

هنا يتحول الكذب إلي صنو عبادة في التحليل السياسي؟ أي جيش هذا الذي يتحدث البيان عن عودته أو عن اشواق سياسية مضمرة نحوه، الجيش الذي صفي الثورة بتحالفه مع الاخوان؟ الجيش المعينة كل قياداته الجديدة علي قسم بالمصحف في مكتب الارشاد؟ الجيش الذي حمي التأسيسية بالحضور ومكاسب مجلس امن قومي وسرية الحسابات وتأبيد عسكرة وزير دفاعه؟ أم الجيش المحتفي بمنحة مرسي في الضبطية القضائية؟

الكذب الفارغ من المضمون هو اعتبار تقبيل بعض متظاهري الاتحادية لضباط علي دبابات الحرس الجمهوري معيارا لشوق الجماهير أو استعداد الجيش للتدخل ضد الاخوان

الكلبية السياسية التي تنبح بإختراع خلاف بين العسكر والاخوان لمصلحة ضرب التحالف السياسي ضد الاخوان الان، لا تتجاوز حدود العقل السياسي بل تتتعدي تصورات جنونه

ان التهويم الفارغ بالعسكر للجري واحتضان الاخوان يبين كيف استطاع الاخوان تنويم قطاع يساري محترم تنويما مغناطيسيا لدرجة تصديق الدعاية الرخيصة التي يصدرها الاخوان عن مؤامرات تحاك ضدهم

مندهشون انتم من حجم الجماهير الكنباوية في مظاهرات الاتحادية، علموهم وارفعوا وعيهم بالقضية من منطقة كره الاخوان إلي منطقة العداء للتسلط، لكن ان تجروا من أمام الجماهير وتتحرروا من عبء مناقشتهم بتسكينهم هم الاخرون مسكن الفلولية لهو جبن اصيل

أن تعيدوا أختراع الاستقطاب لتفتيت حراك جماهيري جبهوي واسع يدخل شهره الاول> فيما آعدائكم يقتلون من الجميع ويبتزون الجميع ويحتقرون الجميع  لهو سلوك طابور خامس منظم ، يكاد ان يصيبه الفزع كلما شاهد جماهيرا، مدمنا وضعه الاقلوي النقاوي الكاذب

اعزائي : لدي اعلان مهم

الثورة بمنطق ٢٥ يناير وحساباتها انتهت

الثورة المشكلة الان هي المسار الطبيعي لاعادة الفرز العنيف في مواقع كل القوي السياسية

النضال والحراك الجماهيري هو جولة لآبطاء الانقضاض السريع الذي يمثله الاسلام السياسي علي ثورتكم التي لم تفهموا منها حرفا واحدا

ثورة لا طبقية . ثورة حقوق مدنية واجتماعية، ثورة حساسيتها الغالبة هي مقاومة الاستبداد

انتظروا عمالكم وفقراءكم المتوهمين في نهاية الطابور

لكن ارحمونا من تضليل الخيارات الاخري

لانها خيارات رخيصة لا تعترف بتاريخ الثورة القريب ، ولا تحمل من اليسارية حتي قيمتها الاهم:تحرر البشر من ربقة الاكاذيب

هاني درويش

مشهد من التماسيح

wpid-603358_10152163736045473_259179277_n-2012-10-25-06-21.jpg

***

ومع أننا ظللنا نتعامل بطريقة عادية… يخطر لي الآن أن مساحة وجودنا المتقلصة تلك – الأماكن التي ضاقت علينا في التسعينيات – هي نفسها أماكن التظاهر التي تحاصرنا فيها قوات الأمن إذا خرجنا، ولا يكفي ألف وخمسمئة شهيد أو أكثر وعام كامل لجعلها تتسع…

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث وأضحك من أن الاحتجاجات مازالت سلمية. أهنّئ نفسي على فتح حاوية “التماسيح” ولا أشعر بالذنب. لا يستهويني الجري في الشوارع واستنشاق الغاز؛ وبالمنطق الانهزامي ذاته الذي أعانني على الحياة في مصر منذ ٢٠٠١ – “ما بعد اليأس”، كما يسميه باولو – لا أظن وجودي ضمن مئة أو ألف أو مليون أعزل معرّض لضرب النار والدهس والاختطاف سيقدّم أو يؤخّر. أحس أنني جريتُ بما يكفي في الشهور السابقة، وأن ما يمكن أن يحقّقه مقتلي لا يساوي فجيعة أختي، حتى لو لم يدم حزنها علي سوى بضعة أيام؛ أحس بضوء قارص يخلّف ألماً حاداً في بطني وأتساءل بجدية جديدة علي في هذا السياق: كل هذا من أجل أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؛ طيب، ماذا بعد أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؟ ضوء قارص وقناعة متزايدة بأن سقوط المجلس لا يعني أن شيئاً إيجابياً سيحدث يساوي فجيعة أخت على أخيها، حتى  لو لم يدم حزنها سوى بضعة أيام.

أفكر في مون وأتذكر أنها لم تبادل نايف عنفه في ليلتهما الأولى معاً. بفرحة قالت لي إنها كانت تُفقدها القدرة على التنفس، أمضت عشرة أيام – وهما لا يلتقيان – وكأنها تحتفل بيديه وعضوه ولسانه حيث تلقتها فجواتها. وبدا أن فجوات جديدة ظهرتْ فيها على الكنبة لتتلقّى لسانه وعضوه ويديه. لم تفطن إلى جدوى إيلامه قبل أسبوع آخر لم يلتقيا خلاله؛ وحين ناولته اللكمة الأولى في وجهه أثناء لقائهما الرابع وهي ترتعش – عيناها على وسطه في أثنائها – أضحكها أن تراه ينتصب على الفور، الضحكة الصفراء القبيحة ذاتها. كان عليه أن يبتدع عذاباً جديداً على سبيل الرد، أمكنها أن تصرخ أخيراً وهو يعرّضها إليه. وأفرحه صراخها.

دام لقاؤهما الثالث، كما ستدوم كل لقاءاتهما، يومين متصلين؛ كان نايف يتعطل عن عمله ليظل معها لو أتت في غير يومي العُطلة الأسبوعية، ثم يصبر على غياب عشرة أيام أو أكثر لا يسألها أين تمضيها وقد افترض أنها مع زوجها… إلى أن بدأت تحكي عن أعمال سكرتاريّة مؤقتة كالعمل الذي تعرّف إليها من خلاله (وغادرتْه خلال أسبوعين لتبدأ عملاً آخر مشابهاً)، موحية بأنها تبيت بحكم هذه الأعمال لوحدها. وللمرة الأولى في حياته، رغم استمرار حضور الأسد، بدأ نايف يتحرق إلى معرفة كل شيء. بدأ يرى مون جزءً من حركة أو مدرسة أو لوثة هي التحدي الأمثل للشاعر السري. وقبل أن يدرك ما يحدث كان هوس تلك اللوثة أو المدرسة أو الحركة قد تمكن منه. بدأ يتحرق إلى السيطرة على وقتها وحركتها؛ بدأ، مع ضيقها بأسئلته، ينتبه إلى كذباتها… كان يعاقبها ويتضرع إليها تباعاً حتى تُعلِمه بمكان وجودها أو تتابع الاتصال أو تمضي معه المزيد من الوقت، لكنها لم تستجب أبداً. “مشكلتك أنك تنسى يا بيبي،” كانت تقول له: “أنا بنت دين كلب متزوجة!”

في ليلتهما الأولى معاً، أقول – عندما عاد نايف ومعه الكوفية وتفاحة الشمع التي سارع بإشعالها على مقبض الكنبة، متمتماً “عارف أنك تحبين الشمع الساخن، لا يمكن أساساً أحرمك من شيء تحبينه” – نظرت إليه غير مصدّقةً فعلاً ثم قاومته – مصدومة – بلا فائدة. بقيت على صمتها بينما هو، بإصرار ومهارة غير متوقعة ولا حتى منه، يربط يديها وراء ظهرها بالكوفية إلى أن يشل ذراعيها تماماً، ثم يشدها من حلمتها إلى حيث الشمعة تتأرجح قليلاً وتبعث رائحة تفاح خافتة – كان يقبّل رقبتها بحنان صادق وهو يفعل، متمتماً “هانت يا بيبي، لحظة وتُحسّين بالشمع” – إلى أن طرحها هناك على بطنها وجلس القرفصاء فوق ظهرها وقدماه على جنبيها بالشمعة في يد والقداحة في الأخرى؛ وحتى حين سقطت أولى القطرات لزجة وثقيلة وموجعة على جلدها (نايف يتابع المشهد مثل معلق رياضي، مهللاً مع كل لسعة حيث الشمع الأحمر يتجمد وينغرس في اللحم على الفور، فيبدو كأنه دم تخثر منذ حين)، كانت تتلوى وتهمهم، تهمهم ولا تصرخ والقطرات تحرق وركها.

أذكر أن رائحة الدخان والفلفل خفتت شيئاً فشيئاً خلال ذلك وقد اختلطت برائحة الشمع، ومع ذلك عادت إلى أنف نايف – بكثافتها الأولى – رائحة الريحان الأخضر.

ليلتها حين قذف نايف أخيراً في حلق مون قبل أن يحرر ذراعيها من كوفيته ويدعها تضمد جسدها وتتحمم – إلى آخر لحظة كانت يده في فرجها تبلّغها ذروتها كما فعل عضوه ثم لسانه – كان مندهشاً من قسوته وحنكة يديه؛ أحس – كما سيقول لي وهو يشكو منها في سياق آخر – أن القوة التي تحركه وهو معها موجودة خارجه، أن مصدرها أكبر من شخصه أو أي شخص سواه: طاقة الدفع ذاتها التي دفعته إلى ترجمة ألن جينزبرج. وخطر له للمرة الأولى أن مون والقصيدة حدان على طريق قوامها الأسد، وأنه سائر على هذه الطريق إلى ذروة ما، بداية أو نهاية.

قلتُ إنني نمت مع مون وأنا لا أصدق أنه حدث حقاً قبل نهاية الحكاية، لا أصدق أنني ملّست على شعرها قصيراً ومعقوصاً بلون الشيكولاتة وجسدها النحيف المكهرب ينتفض بين ذراعي. لكن متعتنا لم يشبها الوجع. ربما أحببتها قليلاً، ربما لم يحركني حيالها إلا ما هو موجود داخلي. بعدما تحولنا من “أولاد ناس” ذلوا إلى تماسيح ظللنا نتعامل على أن ما يُكتَب لا يعنينا، هذا المهم. وبتحولنا إلى نُصُب رخامي بلا تمثال سنة ١٩٩٧، تسلّمنا حقيبة المستقبل.

***

مقتطف من رواية “التماسيح” الصادرة حديثاً عن دار الساقي، بيروت

wpid-297815_10152152527095473_339861911_n-2012-10-25-06-21.jpg

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

بديلاً عن المقال

wpid-421574_10151834277045481_1086410919_n-2012-07-25-09-51.jpg

وبعد صورة “ثور العروبة” التي نشرتها على جداري الخاص على “فيسبوك” بمناسبة الذكرى الستين لـ٢٣ يوليو، أحب أن أوضح أنها كانت مزحة تضمر رأياً أو موقفاً جاداً، وربما لم تدهشني ردود أفعال الأصدقاء الافتراضيين الحادة ممن أزعجهم “تطاولي” على “الرمز الوطني” بقدر ما أحزنني محتوى كلامهم والعواطف “الأخلاقية” المحافظة المبني عليها.

يدخل الواحد للتعليق على صورة استفزته وكأنه مرب يصحح لك مسارك الفكري أو حتى العقائدي، ويحدثك عن الديمقراطية وعدم احتكار الحقيقة بالمنطق الأبوي الشمولي نفسه الذي أورثنا إياه عبد الناصر ولا يبدو أن أكثرنا وعى أنه ورثه، فيشعرك ليس فقط بأنه هو الذي يحتكر الحقيقة وإنما أيضاً بأنك ابنه المارق الذي يستحق التأديب (مهما كانت حجته واهية ومعلوماته غير دقيقة).

الذي أدهشني في الحقيقة هو سوء تقدير مقصدي من وراء مثل هذه المشاكسات، وهو توسيع مجال الارتداد على المسلمات وإن كان في الفضاء الافتراضي وحده، في ظل استمرار مصادرة الفضاء المجتمعي (المواطني) من جانب القوة المادية والمعتقد الغيبي الأحادي المقنن.

فهل من لا يطيق “إهانة الزعيم” يحسب في نفسه القدرة على التصدي لأناس يدسترون ضد “التعرض إلى الذات الإلهية”؟ وهل يختلف في هذا الصدد النقد عن النقض أو “الإدانة”؟

لكن أكثر ما أحزنني – فضلاً عن وقاحة وغباء أناس لا أعرفهم قمت بحذفهم نهائياً – هو اكتشاف مدى التضارب والتناقض أحياناً في رؤية “الثورة” و”التاريخ” و”الصالح العام” وما تعنيه مثل هذه الكلمات لأشخاص يفترض أن خلفياتهم متشابهة، الأمر الذي أشعرني مجدداً بأنني فرد سائح في الفضاء بدلاً من طرف في معادلة إنسانية تسمح بوجودي بين أناس أعرف ما يمكنني أن أتوقعه منهم فأقول عن نفسي إنني مصري – مثلاً – أو كاتب، أو حتى “مع ثورة يناير” بضمير مستريح.

ومع الوضع في الاعتبار أن رؤية كل منا هي انطباعية بالضرورة لأن أحداً من المعنيين ليس مؤرخاً تصدى للموضوع المطروح بجهد ممنهج يتضمن بحثاً كافياً أو “قراءة تاريخية” لها أصول، يبدو لي أن الأجدى من كتابة مقال عن موضوع محسوم بالنسبة إلي هو الالتزام بفكرة أن هذا رأي شخصي.

تعقيباً على “صورة مسيئة” لعبد الناصر على فيسبوك

wpid-7981114_cp_photo-2012-07-25-00-48.jpg

الدرس المستفاد:

بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).

الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.

هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.

أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.

هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.

وفي مذكرة الدفاع:

أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات

ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر

ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…

ملاحظة هامة

من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار

ومن ترانيم المؤمنين

Instagram

This slideshow requires JavaScript.

نكتة ثورة

wpid-i13117_mohammadalipasha4pn-2012-06-5-11-54.jpg

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

بالطبع كانت الفكاهة جانباً من جوانب مقاومة القمع والتشكيك اللذين جوبهت بهما احتجاجات الثورة في مصر طوال تسعة عشر شهراً الآن، وقد كشفت عن ذكاء في التعاطي مع الاستبداد واللامنطق مصحوباً بقدرة على فضح الخرافة. لن أذكر أمثلة على هذا النضال الضاحك؛ الأمثلة لا تعد وهي، في ثورة ربما كان أهم ما فيها هو تسجيلها بالصوت والصورة، على رءوس الأشهاد. لكن الأجدى، بالنظر إلى ما أسفرت عنه احتجاجات متواصلة صار معنى استمرار الثورة فيها هو تكرار الأخطاء القاتلة مع غياب أي شعور بالمسئولية – كانت الأخطاء في أحيان كثيرة قاتلة بالمعنى الحرفي، لكن لعل الفكاهة بتعريفها، كالـ”ثورة” تماماً، غير مسئولة – يظل الأجدى هو السؤال عن معنى التفكه كموقف جذري من الحياة؛ وهل هو مطابق لطموح تغيير العالم الذي انطوت عليه الاحتجاجات أو في صالح ذلك الطموح أصلاً؛ السؤال – أقصد – عن إيجابية النظرة الساخرة إلى العالم في تصريفاتها الثورية. أذكر على سبيل المثال نكتة سمعتها في ميدان التحرير عشية سقوط مبارك: “ارجع يا ريّس إحنا كنا بنهزّر.” أذكر أنها لم تضحكني – فليست كل الفكاهة المصرية مستساغة في كل وقت – لكنني أذكر أيضاً أن ما ألفتني فيها هو مدى استعداد العقلية المصرية لنفي واقعها قبل تقييمه. أي “هزار” هذا الذي أمات (حينذاك) قرابة الألف نفس؟ غير أن الأكثر إيلاماً، بالنظر إلى الوراء، هو أن الثورة في تصريفاتها السياسية باتت “هزاراً” بالفعل: إنها إما مناسبة للموت المجاني كطقس تضحية يحركه شعور روحاني مكبوت داخل المؤسسة الدينية مستندة إلى عجز مهني وقابلية على استعراض الجهل والغباء، أو حجة لتمكين الإسلام السياسي في أقذر صوره (إن كان له صورة نظيفة) من الحكم والتحكم. فعلاً تمادينا في الضحك حتى ضحكنا على أنفسنا؛ ولم يبق لنا من الثورة سوى مناورات سياسية لا تختلف عن مناورات “النظام البائد” مع صدى القهقهات…

هل من إصلاح عماده خفة الدم؟ هل من “هضامة” للنضال؟ ولماذا إذن لا يبقى – على الجانب الآخر من ثورة يُفترض أنها تجاوزت الإصلاح أصلاً – إلا جهامة لولبية؟ يبدو لي أن الفكاهة هي تعبير حقيقي عن الرغبة في الحياة، عن الفرح والشهوة وطاقة التجدد. لكن يبدو لي بالقدر نفسه أن الفكاهة كانت تعويضاً مهيناً عن المعرفة والقدرة عبر ثورة ستضحك ألف مرة قبل أن تعترف مرة واحدة بفشلها.

فاتحة مهملة

wpid-img_2562-2012-06-5-07-50.jpg

هذا كتاب الثورجي التائب “مصطفى نايف” غفر الله له ورفاقه في ميدان التحرير ما تَنازَعَ البلاد جَرّاء احتجاجهم من تَضارُبٍ في الغايات بلا فكرة ناجعة عن الوطن، وإدمان للتظاهر بلا نظر إلى نتائجه، وموتٍ بلا طائل على قارعة الطريق، وشَحْتَفَةٍ كأنها ابتزاز المتسولين أو دلال البغايا، ثم غَلَبةٍ للجنرالات وتجّار الدين؛ وفيه كلامٌ إلى صاحبه المهاجر “راشد جلال” الذي حضر اعتصام الميدان الأول أسبوعاً ثم عاد، مؤرّخٌ بالسابع من يونيو من عام الرئيس الموافق ٢٠١٢، إثر صدور حكم السجن المؤبد على “مبارك” ووزير داخليته “حبيب العادلي” مع تبرئة قيادات الوزارة. حدّث مصطفى والدموع تتأرجح على حز جفنيه؛ قال: سلامٌ لخليصٍ تأخّر كتابُه، وتعثّر جوابُه، وتشتّت ذِكرُه في الأرض من كثرةِ ما توزّع على الدروب إيابُه. وبعد: عَمِلنا أوّلَ أغنية في بداية فبراير من عام الرئيس: الذكرى الأولى لانتصار ثورة ٢٥ يناير. كان تاريخ أولى أغانينا هو الثامن من ذلك الشهر، بعد أسبوع من مذبحة بورسعيد؛ حين قُتل مشجعو النادي الأهلي من المنتظمين في جماعة ألتراس أهلاوي بستاد المدينة الساحلية ضرباً وطعناً وخنقاً أو إلقاء من علٍ على يد مشجعين أو بلطجية أعقاب انتهاء المباراة بين الأهلي والمصري البورسعيدي لصالح المصري. وكان تاريخ آخِر أغانينا – الرابعة، والوحيدة التي لم تشاركنا المزة في تأليفها – هو السادس من مايو، بعد بضعة أيام من مذبحة العباسية؛ حين انفض اعتصام وزارة الدفاع بالقوة أعقاب نحر المعتصمين في الشوارع كخراف الضحية من جانب لطجية أو مواطنين شرفاء. ومع أننا كنا على علم بما يحدث لرفاق سلاحنا من الألتراس والسلفيين الذين التحق بهم الاشتراكيون الثوريون، ومع أننا كنا متأثرين بالأحداث في صوغ كلام أغانينا، لا شك عندي الآن في أننا عملنا الأغاني أساساً لكي نبتعد عن الميادين ونقترب إلى بعضنا كأصدقاء لا يعكّر اختلافنا في الرأي لصفاء مودتنا قضية. منذ عام البرلمان الذي حَصُلَتْ فيه الثورة – ومن قبله بثلاث سنين أو أكثر – ونحن كل يوم مع بعض في الفرع. حتّى لما كان العمل يتوقف رسمياً لأسبوع أو عشرة أيام بسبب الاعتصامات والمظاهرات أو الانفلات الأمني كما صار يسمى، ظللنا نلتقي هناك في موعدنا؛ أحدنا معه نسخة من مفاتيح البوابة، كان يفتح لنا فندخل والآخرون غياب. ربما لأننا نحن الأربعة عُرضة للسأم والوحدة ولا أقول الاكتئاب النفسي: من ساعة ما خَلُص الاعتصامُ الكبير يوم ١١ فبراير ٢٠١١ والحياة فاضيةٌ حوالَينا. فاضية، وفيها خنادق وسِخَة نقفز فوقها من بيوتنا إلى مَحَلّ عملنا الحكومي. اثنان منا ظللنا ننزل المظاهرات، لكن الحكاية لم يعد فيها إشباع حتى لو لم نعترف بذلك. انس المولوتوف وأنواع الخرطوش والغاز الجديدة تلك التي تسطل التنين؛ أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء (في التاسع عشر من نوفمبر والسادس عشر من ديسمبر ٢٠١١)، حتى الرصاص الحي لم يكن يحقّق لنا ذلك الإحساس الفَشِيخ بأننا نأخذ حقنا بدمنا وفجر الحرية الأبيض ينتظرنا في آخِر نفق النظام الأسود سواد البير. منذ أواخر ٢٠١١، الحقيقة، والأشياء تصير رمادية. العيال لازالوا يموتون وعيونهم تُصفّى بالضبط كما كان يحدث قبل تخلي الرئيس عن منصبه وبدء المرحلة الانتقالية وشريط الانتخابات؛ لكن قلوبنا لم تعد تصعد وراء أرواحهم النقية لتحلّق معها في سموات الشهادة. قلوبنا لم تعد متأكدة حتى من نقاء أرواحهم، الصراحة. ولعل في الأمر أمراً رغم ما اعترى ذكرى هذه الفترة من غشاوة: أيام الاعتصام كما رأيتَ كان للاحتجاجِ شكلٌ تعوّدنا عليه؛ كان فيه هتافاتٌ واعتداءات ومستشفيات ميدانية. لكنه اتضح بعدما نجحتِ الثورةُ إثر مغادرتك أن هذا الشكل ليس كافياً لإشباع طموحنا. وبدا أن ما أشبعنا كان معنى أو محتوى، شيئاً يملأ هذه الطقوس والممارسات من الداخل، يمسكها أو يقلفطها. وكان مشروطاً بالهدف الذي نضحّي من أجله كذلك. ربما لأننا لم نطلب إلا شيئاً واحداً يبدو الآن زائفاً بغباء – أن يرحل مبارك – لما تحقّق مطلبنا فإذا بنا نضحي من أجل أهداف حقيقية، أهداف اكتشفنا أنها متعددة وعصيّة لدرجة أننا نسيناها فأصبحنا ننزل بإصرار ونحن لا نعرف الغرض من نزولنا، بقي شكل الاحتجاج مثل قشرة رمانة مفرّغة: بلا بلورات تبرق ولا لسعةِ حلاوة. (هل كان طبيعياً إثر ذلك أن يتحول النشطاء والمعارضون إلى أبواق لما هو أنكر صوتاً مما سُمّي خطأ بالنظام البائد؟) أقول لك إننا وجدنا في قعدة الوكالة إشباعاً أكثر مما كنا نجد في المسيرات البيضان والاعتصامات النونو المعرّضة للفتك، مليونيات الجُمَع الحنجورية إسلامية الطابع… ولما استتب الدوام خوفاً على عجلة الإنتاج – هذا ما كانتِ الناسُ تردّده وراء المجلس العسكري: إنه لا يجب أن تتعطّل العجلة – ظللنا مختبئَين في الحجرة الواقعة جنب مخزن الأسمنت في بدروم الفرع. هناك كنا نلوذ أربعتنا من واقع يثيرنا ويفحمنا قبل فجيعتنا في بُسبُس، نتشرنق بدلاً من أن نستغيث فنتسامر ونتمسخر، نَقْلِش ونتبادل النكات. كنا نقعد حول مكتبٍ بيضاويٍ مقشّر وقد جئنا بالأكل والشرب والدخان أسفل تلفاز صغير مثبّت على الحائط. ولحد الصبح أحياناً ضحك وقباحة فضلاً عن الأخذ والرد في الحاصل للبلد من ساعة ما تخلّى مبارك. صار الزملاء يداومون بانتظام وبعضهم يدخل علينا ليسلّم أثناء النهار، لكن الكل عارف أن الوكالة عطلانة حتى المدير. وذات يوم، من مللنا والتارالالّي الداخل على الدنيا بقوة منذ تخلّي مبارك… ذات يوم بارد من فبراير ٢٠١٢، بدأنا نعمل أغاني.

wpid-img_2563-2012-06-5-07-50.jpg

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.

“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.

الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟

wpid-untitledmosaicstandardqualitypresetcheatersheaven-2012-04-28-07-09.gif

أن نحيا كراماً

wpid-102dbd33-441f-43a0-8945-fbdaf2f30e6a-2012-04-5-06-24.jpg

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨

منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.

ومن ثَمّ فهناك قسم كبير من “جيل الثورة” (وإن لم يعترف بذلك) يدفعه التباس ولائه الطبقي إلى رؤية التأسلم الأصولي المتفشي منذ السبعينيات – والذي أصبح، عكس ما يبدو للمراقب من بعيد، حجر زاوية في النظامين السياسي والاجتماعي بعد التسعينيات – باعتباره النهج الفاعل أو الوحيد لتمكين الطبقة العاملة أو “الناس العاديين” من المشاركة السياسية أو المساهمة في تحريك المجتمع والسعي إلى “حياة كريمة” داخله؛ ويكثر في هذا الصدد تنظير أجيال لم تر مصر قبل التسعينيات لمناقب التأسلم الأصولي سواء أعلى المستوى السياسي (ما عاناه “المناضلون” و”المفكرون” الإسلاميون من سجن وتضييق وتعذيب) أو على المستوى الاجتماعي (كيف ساهم الحجاب في حرية الحركة والعمل لدى المرأة الريفية) أو حتى على المستوى الفكري (إن إحساساً “ملحمياً” يكمن في برامج الصحوة الإسلامية المطروحة يميّز هذه البرامج عن برامج النظام السابق ويعلي من شأن القائمين عليها – والذين لا يؤهلهم سوى مظهرهم وترديدهم للثوابت العقائدية الممجوجة في مكانها وفي غير مكانها – حد عصمتهم أو على الأقل احترامهم، خصوصاً إذا ما كانوا قريبين إلى التربة الطيبة وأهلها الأصلاء)… وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”! إن “مليونيات” تأييد “المرشح السلفي” حازم صلاح أبو إسماعيل والدفاع الأعمى عن جهل وطائفية وقصور “داعية” أو “محام” ليس مؤهلاً لأن يضيف إلى الحياة السياسية سوى مخاطر من قبيل تعطيل السياحة ومفاقمة المشاكل الجنسية والنفسية القائمة بالفعل فضلاً عن قمع الإبداع والتفكير – “بما لا يخالف شرع الله” طبعاً ولا يخالف الرغبة المعلنة لغالبية الشعب المسلم المتدين – إن هذه المليونيات إنما تعبر عن احتياج جمعي إلى زعيم صالح، إلى بطريرق أو إله. ولا يعي هذا الاحتياج ثمن الزعامة المحتملة أو يهتم بأكثر من شعار سيظل صاحبه نفسه غير قادر على تفنيد معانيه أو ترجمتها إلى سياسات يمكنه – حتى هو – أن يعيش بها…

بيد أن انتخابات الرئاسة قصة أخرى – قصة عبثية في غياب دستور يحدد صلاحيات الرئيس ومن ثم قابلية البرامج المعروضة على الناخبين للتطبيق في حال نجاح أصحابها – وليس المقصود بالكلام عن نبرة التعاطف مع نواب يُفترض أنهم “غلابة” دحض المشروع “الإسلامي” الثابتة لاجدواه في اعتقادي سواء أفي الصومال والسودان وأفغانستان أو في السعودية وإيران وباكستان. المقصود هو طرح سؤال صادق عن مكان ذلك المشروع مما حدث على طريق التغيير ودوره الحقيقي أو المنتظر في المستقبل المنظور، وعن مكان التأسلم كاختيار طائفي رخيص ليس فقط لاستبدال موقع طبقي “ضعيف” بموقع شرعي “قوي” ولكن أيضاً لتنحية الأسئلة الأخلاقية الحاضرة والتي لا تكاد تتقاطع أبداً مع أسئلة الشرع التي يطرحها “الإسلام” تحت قبة البرلمان. فمَن يحرّم اختلاط الرجال بالنساء يدافع عن الحق في تزويج الفتيات في عمر اثني عشر عاماً، ومن يجاهد “الزنا” يسمح بتعدد الزوجات بلا حجة “فقهية” تبرره. وقد يبلغ التشدد في فرض فكرة “جزيرية” عن الشرع ارتكاب ما يحرّمه الشرع بالفعل – خلاف أن المنافقين كانوا إخوان الشياطين – حيث يذهب أحدهم مثلاً إلى أن تعلم اللغات الأجنبية محرم (والحديث النبوي الشهير يقول “اطلبوا العلم ولو في الصين”) أو تُرجع إحداهم مسئولية التحرش الجنسي المنتشر كالوباء إلى تبرج النساء اللاتي تتعرضن إليه بشكل يومي (وهو عكس ما يمليه الشرع على الرجل المسلم بأن يغض بصره، دعك من أن يغض لسانه ويديه)… ولا غرو في ربط هذه التوجهات بالانتماء للطبقات الاجتماعية الدنيا، غير أن نصرة الطبقات المعنية بوازع أخلاقي لا يمكن أن تبرر التسامح مع خطابات لا أخلاقية أو سياسات “ثورية” على هذه الدرجة من الرجعية والتناقض. وليس في الكلام “الليبرالي” عن حرية كل شخص في العيش كما يريد أي حجة من أي نوع على هذا الصعيد: إن مكاناً لا يدخله إلا الملتحون لابد أن يشعر فيه الحليق بالغربة ومن السهل أن يتعرض فيه أيضاً للقهر. ولا أظن رباً في الأرض ولا السماء من التفاهة بحيث يقيّم الصلاح والتقوى على أساس شعر الوجه. فهل فيما أحسه الآن نوازع طبقية؟ وهل أصبح التأسلم لدى نظرائي ختم الأصالة “اليساري”؟ أو هل يطرح التأسلم أصلاً رؤية سياسية؟ وإن فعل، فهل هي رؤية تبعث على رفاه و”كرامة” الإنسان؟

wpid-2012-04-0606-21-52am-2012-04-5-06-24.png