٢٥ يناير

حكاية مصر الآن

13426432025_9a543cbc84_b

.

ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديمقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه. بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية.

Continue reading

في ذكرى ٢٥ يناير: عن الإخوان والسيسي وحروب الجيل الرابع

IMG_9819

ثلاث أساطير صغيرة نجح الإعلام المصري في زرعها لدى قطاعات دماغية عريضة جداً منذ يونيو، وبكفاءة مذهلة في ضوء أن هذا الإعلام مازال يدعي مناصرة ٢٥ يناير (بغض النظر عن رأيك في الواقعة أو رموزها)، لكن الملفت حقيقة أن الرسائل بل والعبارات نفسها تتكرر (“أيدي الببلاوي المرتعشة” مثلاً) على اختلاف القنوات والبرامج والمقدمين، ومما يشعرك بأن العملية ليست بالعفوية المفترض أنها بها أيضاً الظهور المتكرر لنجوم شاشة جدد من الإسلاميين التائبين (الخرباوي ونبيل نعيم مثلاً) والمديح المستمر لحزب النور:

Continue reading

خمس ملاحظات على عودة باسم يوسف

_DSC0004 (2)

(١)
أهم ما يقوم به باسم يوسف هو أنه يبروز قابلية المصريين على السخرية من أنفسهم بلا وعي – وهي صفة لا أظن مجتمعاً آخر يتمتع بها بالشكل نفسه: ذلك التطرف الـBaroque في التعبير عن الآراء السياسية بالذات – الأمر الذي اتضح بشكل غير مسبوق في الإعلام منذ ٢٥ يناير. فكثيراً ما يبدو الأمر، سواء بمساعدة المونتاج الذي يقوم به معدو “البرنامج” أو بدونه، كما لو أن المنحاز لطرف ما إنما يعمل في الحقيقة ضد ذلك الطرف بمنطق المفارقة الساخرة… وهل هناك “إساءة” للسيسي أو تقليل من قدره ومن قدر القوات المسلحة بل والأمة المصرية متمثلة في شخصه أكثر من الاحتفاء الإعلامي بتحول “القائد التاريخي” إلى شيكولاتة تباع بالكيلو؟ وهل هناك “إيحاء جنسي” وذكورية ساقطة أوضح من وصفه المتكرر بكلمة “دكر” من جانب رجال ونساء على حد سواء؟ باسم يوسف أكثر الوقت لا يسخر إلا من مسخرة حاصلة، ولا يتيح له أن يسخر بهذه الطريقة من شخص أو جهة كالتيار الإسلامي مثلاً إلا أنّ سخرية تلك الجهة اللاواعية من نفسها لا تقدّم بوصفها كذلك ولكن، من شدة جهل وتفاهة ولا أخلاقية مقدميها، بوصفها تمجيداً و“تلزيقاً” أو مبالغة مرضية في الانحياز للذات.

Continue reading

الهوية كالزئبق متى أمسكت بها سممتك

2013-08-11 05.03.40

في الطريق إلى عزل محمد مرسي والإنهاء المبكر والمحمود لفيلم هابط عنوانه الإسلاميون في السلطة، طرحت الأطراف المعادية‫ للإسلام السياسي مفهوم الهوية المصرية كقيمة يجب الحفاظ عليها في ‬مواجهة الاحتلال الإخواني؛ وبعيداً عن أي اعتراف ممكن بأن ما يسمح أصلاً بمثل ذلك الاحتلال هو عسكرة الوعي السياسي وأسلمة الوعي الاجتماعي على صعيدين متوازيين ومتداخلين اعتمد كل منهما على الآخر طوال ستين عاماً منذ الاستقلال، قدمت هذه الأطراف وطنية الجيش ووسطية الأزهر باعتبارهما ضمانتي الهوية. لم يكن مطروحاً في هذا السياق الالتفات إلى أن التطرف الإقصائي خارج في الحالتين من شوفينية معادية للغرب الاستعماري على أساس المظلومية سواء اتخذت هذه الشوفينية تصريفاً قومياً عربياً أو أممياً إسلامياً أو قطرياً وطنياً؛ وباختلاف نسب عسكرتها وأسلمتها من تصريف إلى آخر، فكلها توجهات طائفية من حيث افتراضها لغلبة المذهب السني وإصرارها على فرضه، وكلها حريصة على تحجيم العلم والإبداع ودسترة الكبت الجنسي والتعنت الأخلاقي في مواجهة المفاهيم المعاصرة للحرية والتعددية إذ تنفي الهوية الاختيارية للمواطن الفرد والحقوق المدنية المترتبة عليها لصالح هوية جامعة وقسرية.

Continue reading

استبدال جزم الثورة الآن وليس غداً

أو “تشنيف الآذان في الردح لداعمي الإخوان”

بيان “نخبوي” آخر منتشر على “فيسبوك” قال لك إن في المجتمع المصري الآن انقساماً بين فصيلين لا حَكَم بينهما إلا “الثورة”.

ومن غير ما يتعرض لحقيقة أن ثورته هذه لم تحترم المواطنة لحظة واحدة منذ قيامها وأنها اعتمدت في قلة احترامها على تفوق أخلاقي مفترض ودفق عاطفي جياش لا فائدة سياسية ولا مصداقية لهما بعد كل ما جرى، اعتبر البيان “مؤيدي الرئيس” أحد فصيلي الانقسام فلم يفرّق بين ناس مسالمة تريد أن تسترد هامش استقرار وحرية أو عقلانية كان موجوداً بالفعل رغم دينصورية النظام الساقط ومشروع التوريث وبين مهاويس معتوهين بأي مقياس، مستعدين لحمل السلاح دفاعاً عن الشريعة الإسلامية كما “الشرعية الديمقراطية”، ولا يُخفون رغبتهم في شطب هذا الهامش كلياً بين يوم وليلة. بين يديك إذن دليل إضافي على أن الطريق إلى أفغانستان مفروش بالنوايا “الثورية”.

وفي هذا السياق يصمم البيان شأنه شأن غالبية المعسكر الثوري على تزييف ما جاء به ٣٠ يونيو ٢٠١٣ من ارتداد صريح عن حراك غير مسئول غلّب الإخوان المسلمين وملحقاتهم فيراه “استمراراً” لـ ٢٥ يناير ٢٠١١، وبنفس أم الوقاحة التي كادت تأتي على الدولة وما فيها قال لك “الآن وليس غداً”…

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

wpid-IMG_0838-2012-11-12-21-22.JPG

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة. 
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج. 
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي. 
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر. 
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

بديلاً عن المقال

wpid-421574_10151834277045481_1086410919_n-2012-07-25-09-51.jpg

وبعد صورة “ثور العروبة” التي نشرتها على جداري الخاص على “فيسبوك” بمناسبة الذكرى الستين لـ٢٣ يوليو، أحب أن أوضح أنها كانت مزحة تضمر رأياً أو موقفاً جاداً، وربما لم تدهشني ردود أفعال الأصدقاء الافتراضيين الحادة ممن أزعجهم “تطاولي” على “الرمز الوطني” بقدر ما أحزنني محتوى كلامهم والعواطف “الأخلاقية” المحافظة المبني عليها.

يدخل الواحد للتعليق على صورة استفزته وكأنه مرب يصحح لك مسارك الفكري أو حتى العقائدي، ويحدثك عن الديمقراطية وعدم احتكار الحقيقة بالمنطق الأبوي الشمولي نفسه الذي أورثنا إياه عبد الناصر ولا يبدو أن أكثرنا وعى أنه ورثه، فيشعرك ليس فقط بأنه هو الذي يحتكر الحقيقة وإنما أيضاً بأنك ابنه المارق الذي يستحق التأديب (مهما كانت حجته واهية ومعلوماته غير دقيقة).

Continue reading

نكتة ثورة

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

Continue reading

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

Continue reading

أن نحيا كراماً

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨

منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.

Continue reading

الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-12-18-03-24.jpg

********************************************************

شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو

********************************************************

٢٥ يناير

ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…

يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.

***

أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.

وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…

Continue reading

مسيل للدموع: فيديو

كان يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجين

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

ليلة الجمعة، 28 يناير

***

(صوت: هبة النحاس)

لتحميل يظهر ملاك

قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

مهاب نصر: أدب الاعتراف ثورة لم تكتمل

This slideshow requires JavaScript.

في استجداء لحالة من الاعتراف الإعلامي يسأل مقدم البرنامج الفنان أو الفنانة «س»: ما هي عيوبك، متطلعا بابتسامة حانية، بعين على الضيف وأخرى على الكاميرا: يجيب الفنان أو الفنانة: الحقيقة عيبي الوحيد هو الصراحة.. عيبي الوحيد أنني وفيّ للصداقات..إلخ، وهي صيغة يعرفها البلاغيون بالـ «مدح في صيغة الذم»؛ أي أن الفنان بدلا من أن يدخل بجدية في حالة الاعتراف، بعد ان اتخذ هيأته وطقسه، يفرغ الاعتراف من مضمونه، ويحوله إلى تملق عكسي للذات.

يفعل الأدب الاعترافي في المحيط العربي شيئا شبيها، حينما يقدم لنا روايات على هيئة سير ذاتية، أو اجتماعية ذات نكهة فضائحية؛ لأنه يستخدم بالذات نوع الفضائح المتوقع لدى جمهوره.

يكتب الشاعر أنه ضائع، أو منتهك للـ«محرمات» التي يعرفها أصدقاؤه سلفا، أو أنه بسيط وعادي، فظ ومتناقض، مسحوق وقاس، وفق جدول رومانسي يتخذ سمة ما بعد حداثية زائفة، ويكتب الروائي عن الجنس والفساد والسلطة والدين، ما يتداول على المقهى الثقافي نفسه الذي يشكل المسودة الحقيقية لروايته، ويخرج لنا السينمائي صورة البطولة الشعبية الفولكلورية للـ«صايع» أو الـ«هلفوت» البريء باعتباره شخصا يُسقط عَرَضا سروال مجتمع الأقوياء فتظهر عورة الاثنين معا.

كذا تخرج عناوين الصحف المعارضة لتجذب هذا السروال إلى القدمين.

لكن لاشيء يحدث رغم ذلك، لأن السروال الذي كان في حاجة إلى الإسقاط ربما كان سروال المجتمع كله بشعرائه وروائييه ومخرجيه كما ببسطائه وأقويائه.

يضحي الاعتراف الزائف بجزء من فضيحة معروفة سلفا أو متوقعة، مبددا طاقة الاعتراف الحقيقية التي هي مواجهة بالذات مع ما لا يرى، ليس مع ما لم يُقَل، بل ما لم يفكر فيه، ليس من أجل الفضيحة وتكسير العظم والسعادة الطفولية بالتمثيل بالحياة كجثة، ليس للعيش داخل نسيج الحالة الاعترافية والتلذذ بها كمقر بديل عن الحقيقة، بل لتجاوز التناقض الذي تمثله.

أكاد أشعر أن الأدب الأوروبي الحديث نشأ أساسا في حضن الاعتراف، ولكنه خرج من ذلك بانجاز يضاهي الانجاز الفلسفي ويفوقه أحيانا. وليس هذا مجال التحقيق في مصادر «الاعترافية» العربية، ولكن في طبيعتها المعقدة والخجولة بل المصطنعة والمجانية.

لكن لهذا الموضوع صلة ما بالثورات العربية الآن، ثورات بلا عمق، زلزال لم يصب إلا قشرة الأرض، بينما ما نحتاجه ليس أقل من بركان. لقد أسهمت الحالة الاعترافية الفضائحية في تحطيم مقدسات، في تمزيق المركز، لدرجة أن هذه الثورات ربما كانت شكلا من أشكال التحلل أكثر مما هي الشكل الايجابي لتقديم بديل للحياة، ثورة تعيش باكتشاف أعدائها، وبوضعهم وراء قضبان الاعتراف، لكنها هي نفسها لا تعترف. وهذا هو مكمن ضعفها.

فالاعتراف الزائف علّمها تملق الذات، وطهارتها الثورية، علمها أن الخطأ دائما هناك، وأن محصلته هي الفضيحة وليس اعادة الاكتشاف.

تحمل الكتاب والمثقفون عقودا طويلة مهمة الاعتراف نيابة عن مجتمع يحترم التظاهر، ويدافع عن القيم التي ينتهكها هو بالذات، ولا يحترم الخطأ ولا يفهمه، ولم ينتبهوا إلى أنهم اتخذوا هيئة النقيض الزائف لهذا المجتمع.

وحين خلت الساحة فعلا للجميع من تشبهوا بالاعتراف ومن استنكفوا عنه، وجدوا أنفسهم في ساحة خالية، يضربون كفا بكف: ماذا يحدث؟ يا إلهي! انهم يسرقون الثورة. وغدا سيقولون بتهكم: هل وقعت الثورة فعلا؟! ليفتحوا دفتر اعتراف آخر.

لماذا لم يعترف الكتاب بنقص مواردهم الثقافية؟ ولا الثوار بأنهم في حاجة الى امتلاك رؤية واضحة عن مجتمعاتهم، ولا المجتمع بضعف تأهيله العلمي والمهني والثقافي وحتى الأخلاقي. نحن «تمام» الآخرون هم المشكلة.

وغدا ربما نكتشف أننا لم نضيع ثورة فقط، بل اضعنا لحظة استثنائية للاعتراف النبيل.

مهاب نصر في القبس