.
كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟
الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.
.
ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى ”أزهار الشمس”؟
مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.
.
في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟
لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.
.
.
هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟
.
لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.
.
إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟
من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.
.
يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟
للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.
.
وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟
التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.
.
Tag Archives: ٢٥ يناير
روجيه عوطة يقرأ التماسيح
التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18
***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي.
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة.
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج.
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي.
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر.
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً
هاني درويش: ميكانيزمات التفليل اليساري

للثورة خيارات أخري
بيان صاغه مجموعة من الناشطين والمسيسين في اللحظة التي تحتدم فيها معركة واسعة المجال ضد سلطة الاسلام السياسي الفاشي واليمين بامتياز
فماذا يقدم هذا البيان من خيارات او منطلقات لنحت موقف مختلف عما يجري في الشارع؟
الحقيقة ان المقدمة الرافضة لمجمل انفراد التيار الاسلامي واستبداده الوحشي تنطلق من نفس المقدمات التي ترفعها “جبهة الانقاذ الوطني” لكن محاولة القفز خارج مركبها ونحت مسار مختلق تبدو جلية
فالنتأمل سويا الفقرة الثالثة التي تقفز قفزا فوق الواقع ونصها كالتالي
“ورغم رفضنا لديكتاتورية جديدة في مصر إلا أننا نرى أن معركتنا لا ينبغي أن تصب أبدا في مصلحة قوى النظام السابق الذين يعارضون الرئاسة الحالية من مواقع معادية للثورة والثوريين. كذلك فإننا نرفض رفضا باتا تدخل المؤسسة العسكرية، في الشؤون السياسية بأي وسيلة من الوسائل.”
السؤال هنا من هي القوي المجيشة للثورة المضادة التي اخترقتنا (اخترقت جبهة الانقاذ في ضمير الكلمة) لتعارض الاخوان من موقع اعادة النظام السابق
بسؤال بعض موقعي البيان كشفوا عن اسماء هي كالتالي: عمرو موسي ، سامح عاشور، السيد البدوي
ولمراجعة موقع هذه الاسماء او مايمثلنوها من تيارات سياسية لها الفعل الحقيقي في المشهد السياسي سنجد التالي
عمرو موسي ومحاولة تفليله هو ميكانيزم اخترعه منذ البداية الاخوان في لحظة التمهيد للرئاسة، وكانت اللحظة ايضا تراهن علي منافسته لسيئ الذكر ابو الفتوح
المدهش هو استسلامنا لتفليل شخص كان موظفا كبيرا في النظام السابق دون أي سند اقتصادي او اجتماعي آو سياسي مباشر، الا شخصه ودوره في ملفات خارجية لم يكن فيها هو المتحكم الحقيقي، فعمرو موسي لم يعرف عنه فسادا ماليا او ترابطا مصالحيا بشبكة النظام السابق المعروفة والمستقرة
كما لم يعرف عنه ظهير عميق كالمخابرات التي لو شاءت لآنجحته كما تخيل المخيال الثوري البكر في تلك اللحظة
الفلول الحقيقيون مولوا منذ اللحظة الاولي وساندوا بفجاجة احمد شفيق ، يمكن مراجعة تاريخ حملته التمويلية وصفحاته الداعمة، فتفليل عمرو موسي في الوعي الثوري كان موازيا لخدعة تثوير ابو الفتوح ، او افتراض عقلانية لشرائح الطبقة الوسطي الاسلامية ستدفعهم لما يمثله الاخير من كجولة اسلامية
الاخوان بالفعل هندسوا المخيلة الاولي ودفعونا دفعا لتفليل موسي وتحكيم برجماتية ابو الفتوح الافتراضية
المدهش أن الخيازات الجذرية للشعب المصري والتي وجهت صفعة لمنظري الاستقطاب الاولي لم تدفع هؤلاء لمراجعة نفسهم قيد انملة
بقي ابو الفتوح بملايين السلفية الثلاثة ثوريا وعمرو موسي بمليونه فلوليا
من اللحظة التي خرج فيها موسي من السباق السياسي ، هل يملك من يفللونه قرينة علي علاقته بالنظام السابق او فلوله؟
موقف سالف الذكر من الجمعية التأسيسية للدستور مسجل في ورقة من ١٥ نقطة باعتراضاته علي مسودة الدستور ، ومنها تركز السلطات الرئاسية وعدم استقلال السلطات ، وميل الدستور إلي فقدان مدنية الدولة بشكلها لديني والعسكري
لست هنا في مجال الدفاع عن عمرو موسي ، لكن السؤال سيبقي بأي معيار يمكن احتساب حزبه المسمي بالمؤتمر جزءا حقيقيا من حالة الاحتشاد العملية لقوي وتيارات كبري داخل جبهة الانقاذ؟ هل هو في حجم مساهمة التيار الشعبي أو الدستور أو الحزب الديمقراطي أو التحالف؟
هل يمكن تلويث جبهة وطنية واسعة ذات برنامج ديمقراطي مقاوم للاستبداد الديني السياسي بالوجود السياسي لعمرو موسي ؟
المستفز في هذا الموقف فعلا هو تحويل التفليل إلي تهمة لا زمنية ووصمة غير قابلة للتصحيح عبر المسار السياسي المضطرم بتحولات أكثر دراماتيكية لقوي أخري
الملفت أن يتم تبرير بلادة ولا حدية أو قطعية موقف مثل موقف حزب مصر القوية في حين يجري الصاق وصمة الفلولية المعلبة لموسي
الفلولي الحق في اعتبار هذا النوت نوعان:
الاول كل من مارس تدخلا سياسيا بالقرار أو بالعلاقات المباشرة او غير المباشرة لحماية نظام مبارك، هناك من دافع عنه مثلا حتي الرمق الاخير وهو رابض في احضان جماعته كآبو الفتوح حين قبل في تسجيل مصور مع الجزيرة وكان الناس لازالوا في الميدان بتقصير المواجهات عبر أختياز ملك الفلول أحمد شفيق رئيسا للوزراء
هناك من نقل ولاءاته بالازاحة من مبارك إلي مجلسه العسكري إلي اخوانه في دفاع عن موقع التسلط اينما كان ولحساب من كان
في هذا الاطار لعبت شخصيات عدت منتمية للجسد السياسي القديم والذي لايمكن وصمه فقط بالمدنية أو العلمانية بل بالرجعي الخادم للسلطة أدوارا في تبريرالتسلط
هذه الشخصيات لا تعبر عن تيار سياسي واضح، لو تحدثنا عن وفد السلمي والبدوي فلايمكن ان نتحدث عن خيانة تمت للثورة من قبلهم، هم اكسسوار تاريخي للتسلط غير مرتبط بطبقات اجتماعية او جماهير او شرائح مجتمعية، وحتي في اطار تأمل هذا الغثاء السياسي هل يمكن تفليل هؤلاء وترك فلولية الاخوان المتأصلة في كل مفاصل الثورة
دعم مبارك ببيان النصحية يوم ٢٤ يناير
الجري للقاء عمر سليمان والانسحاب من الميدان
الموافقة يوما بيوم علي تراجعات النظام كسقف آعلي
اختراع الاستقطاب يوم ١٢ مارس في تصريح العريان الاول السارق للثورة بوصفها ثورة اسلامية
المساهمة في انتاج التعديلات الدستورية واعادة تسميم خيال الثورة بالشعارات الطائفية
ثم > ثم > ثم
هل يمكن مسح الفلولية الاخوانية الاصيلة عبر الخطاب والممارسة الواضحة وتحميل فشل الثورة أو ضياع خياراتها علي تهاني الجبالي واحمد الزند وسامح عاشور؟
المصيبة الكبري أن دعم هذا التصور يأتي في مفارقة صادمة مع مسحه بفرشاة الخوف من تدخل الجيش
هنا يتحول الكذب إلي صنو عبادة في التحليل السياسي؟ أي جيش هذا الذي يتحدث البيان عن عودته أو عن اشواق سياسية مضمرة نحوه، الجيش الذي صفي الثورة بتحالفه مع الاخوان؟ الجيش المعينة كل قياداته الجديدة علي قسم بالمصحف في مكتب الارشاد؟ الجيش الذي حمي التأسيسية بالحضور ومكاسب مجلس امن قومي وسرية الحسابات وتأبيد عسكرة وزير دفاعه؟ أم الجيش المحتفي بمنحة مرسي في الضبطية القضائية؟
الكذب الفارغ من المضمون هو اعتبار تقبيل بعض متظاهري الاتحادية لضباط علي دبابات الحرس الجمهوري معيارا لشوق الجماهير أو استعداد الجيش للتدخل ضد الاخوان
الكلبية السياسية التي تنبح بإختراع خلاف بين العسكر والاخوان لمصلحة ضرب التحالف السياسي ضد الاخوان الان، لا تتجاوز حدود العقل السياسي بل تتتعدي تصورات جنونه
ان التهويم الفارغ بالعسكر للجري واحتضان الاخوان يبين كيف استطاع الاخوان تنويم قطاع يساري محترم تنويما مغناطيسيا لدرجة تصديق الدعاية الرخيصة التي يصدرها الاخوان عن مؤامرات تحاك ضدهم
مندهشون انتم من حجم الجماهير الكنباوية في مظاهرات الاتحادية، علموهم وارفعوا وعيهم بالقضية من منطقة كره الاخوان إلي منطقة العداء للتسلط، لكن ان تجروا من أمام الجماهير وتتحرروا من عبء مناقشتهم بتسكينهم هم الاخرون مسكن الفلولية لهو جبن اصيل
أن تعيدوا أختراع الاستقطاب لتفتيت حراك جماهيري جبهوي واسع يدخل شهره الاول> فيما آعدائكم يقتلون من الجميع ويبتزون الجميع ويحتقرون الجميع لهو سلوك طابور خامس منظم ، يكاد ان يصيبه الفزع كلما شاهد جماهيرا، مدمنا وضعه الاقلوي النقاوي الكاذب
اعزائي : لدي اعلان مهم
الثورة بمنطق ٢٥ يناير وحساباتها انتهت
الثورة المشكلة الان هي المسار الطبيعي لاعادة الفرز العنيف في مواقع كل القوي السياسية
النضال والحراك الجماهيري هو جولة لآبطاء الانقضاض السريع الذي يمثله الاسلام السياسي علي ثورتكم التي لم تفهموا منها حرفا واحدا
ثورة لا طبقية . ثورة حقوق مدنية واجتماعية، ثورة حساسيتها الغالبة هي مقاومة الاستبداد
انتظروا عمالكم وفقراءكم المتوهمين في نهاية الطابور
لكن ارحمونا من تضليل الخيارات الاخري
لانها خيارات رخيصة لا تعترف بتاريخ الثورة القريب ، ولا تحمل من اليسارية حتي قيمتها الاهم:تحرر البشر من ربقة الاكاذيب
هاني درويش
مشهد من التماسيح
***
ومع أننا ظللنا نتعامل بطريقة عادية… يخطر لي الآن أن مساحة وجودنا المتقلصة تلك – الأماكن التي ضاقت علينا في التسعينيات – هي نفسها أماكن التظاهر التي تحاصرنا فيها قوات الأمن إذا خرجنا، ولا يكفي ألف وخمسمئة شهيد أو أكثر وعام كامل لجعلها تتسع…
في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث وأضحك من أن الاحتجاجات مازالت سلمية. أهنّئ نفسي على فتح حاوية “التماسيح” ولا أشعر بالذنب. لا يستهويني الجري في الشوارع واستنشاق الغاز؛ وبالمنطق الانهزامي ذاته الذي أعانني على الحياة في مصر منذ ٢٠٠١ – “ما بعد اليأس”، كما يسميه باولو – لا أظن وجودي ضمن مئة أو ألف أو مليون أعزل معرّض لضرب النار والدهس والاختطاف سيقدّم أو يؤخّر. أحس أنني جريتُ بما يكفي في الشهور السابقة، وأن ما يمكن أن يحقّقه مقتلي لا يساوي فجيعة أختي، حتى لو لم يدم حزنها علي سوى بضعة أيام؛ أحس بضوء قارص يخلّف ألماً حاداً في بطني وأتساءل بجدية جديدة علي في هذا السياق: كل هذا من أجل أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؛ طيب، ماذا بعد أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؟ ضوء قارص وقناعة متزايدة بأن سقوط المجلس لا يعني أن شيئاً إيجابياً سيحدث يساوي فجيعة أخت على أخيها، حتى لو لم يدم حزنها سوى بضعة أيام.
أفكر في مون وأتذكر أنها لم تبادل نايف عنفه في ليلتهما الأولى معاً. بفرحة قالت لي إنها كانت تُفقدها القدرة على التنفس، أمضت عشرة أيام – وهما لا يلتقيان – وكأنها تحتفل بيديه وعضوه ولسانه حيث تلقتها فجواتها. وبدا أن فجوات جديدة ظهرتْ فيها على الكنبة لتتلقّى لسانه وعضوه ويديه. لم تفطن إلى جدوى إيلامه قبل أسبوع آخر لم يلتقيا خلاله؛ وحين ناولته اللكمة الأولى في وجهه أثناء لقائهما الرابع وهي ترتعش – عيناها على وسطه في أثنائها – أضحكها أن تراه ينتصب على الفور، الضحكة الصفراء القبيحة ذاتها. كان عليه أن يبتدع عذاباً جديداً على سبيل الرد، أمكنها أن تصرخ أخيراً وهو يعرّضها إليه. وأفرحه صراخها.
دام لقاؤهما الثالث، كما ستدوم كل لقاءاتهما، يومين متصلين؛ كان نايف يتعطل عن عمله ليظل معها لو أتت في غير يومي العُطلة الأسبوعية، ثم يصبر على غياب عشرة أيام أو أكثر لا يسألها أين تمضيها وقد افترض أنها مع زوجها… إلى أن بدأت تحكي عن أعمال سكرتاريّة مؤقتة كالعمل الذي تعرّف إليها من خلاله (وغادرتْه خلال أسبوعين لتبدأ عملاً آخر مشابهاً)، موحية بأنها تبيت بحكم هذه الأعمال لوحدها. وللمرة الأولى في حياته، رغم استمرار حضور الأسد، بدأ نايف يتحرق إلى معرفة كل شيء. بدأ يرى مون جزءً من حركة أو مدرسة أو لوثة هي التحدي الأمثل للشاعر السري. وقبل أن يدرك ما يحدث كان هوس تلك اللوثة أو المدرسة أو الحركة قد تمكن منه. بدأ يتحرق إلى السيطرة على وقتها وحركتها؛ بدأ، مع ضيقها بأسئلته، ينتبه إلى كذباتها… كان يعاقبها ويتضرع إليها تباعاً حتى تُعلِمه بمكان وجودها أو تتابع الاتصال أو تمضي معه المزيد من الوقت، لكنها لم تستجب أبداً. “مشكلتك أنك تنسى يا بيبي،” كانت تقول له: “أنا بنت دين كلب متزوجة!”
في ليلتهما الأولى معاً، أقول – عندما عاد نايف ومعه الكوفية وتفاحة الشمع التي سارع بإشعالها على مقبض الكنبة، متمتماً “عارف أنك تحبين الشمع الساخن، لا يمكن أساساً أحرمك من شيء تحبينه” – نظرت إليه غير مصدّقةً فعلاً ثم قاومته – مصدومة – بلا فائدة. بقيت على صمتها بينما هو، بإصرار ومهارة غير متوقعة ولا حتى منه، يربط يديها وراء ظهرها بالكوفية إلى أن يشل ذراعيها تماماً، ثم يشدها من حلمتها إلى حيث الشمعة تتأرجح قليلاً وتبعث رائحة تفاح خافتة – كان يقبّل رقبتها بحنان صادق وهو يفعل، متمتماً “هانت يا بيبي، لحظة وتُحسّين بالشمع” – إلى أن طرحها هناك على بطنها وجلس القرفصاء فوق ظهرها وقدماه على جنبيها بالشمعة في يد والقداحة في الأخرى؛ وحتى حين سقطت أولى القطرات لزجة وثقيلة وموجعة على جلدها (نايف يتابع المشهد مثل معلق رياضي، مهللاً مع كل لسعة حيث الشمع الأحمر يتجمد وينغرس في اللحم على الفور، فيبدو كأنه دم تخثر منذ حين)، كانت تتلوى وتهمهم، تهمهم ولا تصرخ والقطرات تحرق وركها.
أذكر أن رائحة الدخان والفلفل خفتت شيئاً فشيئاً خلال ذلك وقد اختلطت برائحة الشمع، ومع ذلك عادت إلى أنف نايف – بكثافتها الأولى – رائحة الريحان الأخضر.
ليلتها حين قذف نايف أخيراً في حلق مون قبل أن يحرر ذراعيها من كوفيته ويدعها تضمد جسدها وتتحمم – إلى آخر لحظة كانت يده في فرجها تبلّغها ذروتها كما فعل عضوه ثم لسانه – كان مندهشاً من قسوته وحنكة يديه؛ أحس – كما سيقول لي وهو يشكو منها في سياق آخر – أن القوة التي تحركه وهو معها موجودة خارجه، أن مصدرها أكبر من شخصه أو أي شخص سواه: طاقة الدفع ذاتها التي دفعته إلى ترجمة ألن جينزبرج. وخطر له للمرة الأولى أن مون والقصيدة حدان على طريق قوامها الأسد، وأنه سائر على هذه الطريق إلى ذروة ما، بداية أو نهاية.
قلتُ إنني نمت مع مون وأنا لا أصدق أنه حدث حقاً قبل نهاية الحكاية، لا أصدق أنني ملّست على شعرها قصيراً ومعقوصاً بلون الشيكولاتة وجسدها النحيف المكهرب ينتفض بين ذراعي. لكن متعتنا لم يشبها الوجع. ربما أحببتها قليلاً، ربما لم يحركني حيالها إلا ما هو موجود داخلي. بعدما تحولنا من “أولاد ناس” ذلوا إلى تماسيح ظللنا نتعامل على أن ما يُكتَب لا يعنينا، هذا المهم. وبتحولنا إلى نُصُب رخامي بلا تمثال سنة ١٩٩٧، تسلّمنا حقيبة المستقبل.
***
مقتطف من رواية “التماسيح” الصادرة حديثاً عن دار الساقي، بيروت

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى
“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا
ياسر عبد اللطيف

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.
“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.
ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001.“ تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.
يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.
ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.
ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.
وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.
وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.
وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.
وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت
ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.
تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..
ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.
ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.
ياسر عبد اللطيف

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ
الكاتب: يوسف رخا
الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011
بديلاً عن المقال

وبعد صورة “ثور العروبة” التي نشرتها على جداري الخاص على “فيسبوك” بمناسبة الذكرى الستين لـ٢٣ يوليو، أحب أن أوضح أنها كانت مزحة تضمر رأياً أو موقفاً جاداً، وربما لم تدهشني ردود أفعال الأصدقاء الافتراضيين الحادة ممن أزعجهم “تطاولي” على “الرمز الوطني” بقدر ما أحزنني محتوى كلامهم والعواطف “الأخلاقية” المحافظة المبني عليها.
يدخل الواحد للتعليق على صورة استفزته وكأنه مرب يصحح لك مسارك الفكري أو حتى العقائدي، ويحدثك عن الديمقراطية وعدم احتكار الحقيقة بالمنطق الأبوي الشمولي نفسه الذي أورثنا إياه عبد الناصر ولا يبدو أن أكثرنا وعى أنه ورثه، فيشعرك ليس فقط بأنه هو الذي يحتكر الحقيقة وإنما أيضاً بأنك ابنه المارق الذي يستحق التأديب (مهما كانت حجته واهية ومعلوماته غير دقيقة).
الذي أدهشني في الحقيقة هو سوء تقدير مقصدي من وراء مثل هذه المشاكسات، وهو توسيع مجال الارتداد على المسلمات وإن كان في الفضاء الافتراضي وحده، في ظل استمرار مصادرة الفضاء المجتمعي (المواطني) من جانب القوة المادية والمعتقد الغيبي الأحادي المقنن.
فهل من لا يطيق “إهانة الزعيم” يحسب في نفسه القدرة على التصدي لأناس يدسترون ضد “التعرض إلى الذات الإلهية”؟ وهل يختلف في هذا الصدد النقد عن النقض أو “الإدانة”؟
لكن أكثر ما أحزنني – فضلاً عن وقاحة وغباء أناس لا أعرفهم قمت بحذفهم نهائياً – هو اكتشاف مدى التضارب والتناقض أحياناً في رؤية “الثورة” و”التاريخ” و”الصالح العام” وما تعنيه مثل هذه الكلمات لأشخاص يفترض أن خلفياتهم متشابهة، الأمر الذي أشعرني مجدداً بأنني فرد سائح في الفضاء بدلاً من طرف في معادلة إنسانية تسمح بوجودي بين أناس أعرف ما يمكنني أن أتوقعه منهم فأقول عن نفسي إنني مصري – مثلاً – أو كاتب، أو حتى “مع ثورة يناير” بضمير مستريح.
ومع الوضع في الاعتبار أن رؤية كل منا هي انطباعية بالضرورة لأن أحداً من المعنيين ليس مؤرخاً تصدى للموضوع المطروح بجهد ممنهج يتضمن بحثاً كافياً أو “قراءة تاريخية” لها أصول، يبدو لي أن الأجدى من كتابة مقال عن موضوع محسوم بالنسبة إلي هو الالتزام بفكرة أن هذا رأي شخصي.
تعقيباً على “صورة مسيئة” لعبد الناصر على فيسبوك

الدرس المستفاد:
بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).
الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.
هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.
أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.
هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.
وفي مذكرة الدفاع:
أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات
ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر
ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…
ملاحظة هامة
من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار
ومن ترانيم المؤمنين
نكتة ثورة

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.
بالطبع كانت الفكاهة جانباً من جوانب مقاومة القمع والتشكيك اللذين جوبهت بهما احتجاجات الثورة في مصر طوال تسعة عشر شهراً الآن، وقد كشفت عن ذكاء في التعاطي مع الاستبداد واللامنطق مصحوباً بقدرة على فضح الخرافة. لن أذكر أمثلة على هذا النضال الضاحك؛ الأمثلة لا تعد وهي، في ثورة ربما كان أهم ما فيها هو تسجيلها بالصوت والصورة، على رءوس الأشهاد. لكن الأجدى، بالنظر إلى ما أسفرت عنه احتجاجات متواصلة صار معنى استمرار الثورة فيها هو تكرار الأخطاء القاتلة مع غياب أي شعور بالمسئولية – كانت الأخطاء في أحيان كثيرة قاتلة بالمعنى الحرفي، لكن لعل الفكاهة بتعريفها، كالـ”ثورة” تماماً، غير مسئولة – يظل الأجدى هو السؤال عن معنى التفكه كموقف جذري من الحياة؛ وهل هو مطابق لطموح تغيير العالم الذي انطوت عليه الاحتجاجات أو في صالح ذلك الطموح أصلاً؛ السؤال – أقصد – عن إيجابية النظرة الساخرة إلى العالم في تصريفاتها الثورية. أذكر على سبيل المثال نكتة سمعتها في ميدان التحرير عشية سقوط مبارك: “ارجع يا ريّس إحنا كنا بنهزّر.” أذكر أنها لم تضحكني – فليست كل الفكاهة المصرية مستساغة في كل وقت – لكنني أذكر أيضاً أن ما ألفتني فيها هو مدى استعداد العقلية المصرية لنفي واقعها قبل تقييمه. أي “هزار” هذا الذي أمات (حينذاك) قرابة الألف نفس؟ غير أن الأكثر إيلاماً، بالنظر إلى الوراء، هو أن الثورة في تصريفاتها السياسية باتت “هزاراً” بالفعل: إنها إما مناسبة للموت المجاني كطقس تضحية يحركه شعور روحاني مكبوت داخل المؤسسة الدينية مستندة إلى عجز مهني وقابلية على استعراض الجهل والغباء، أو حجة لتمكين الإسلام السياسي في أقذر صوره (إن كان له صورة نظيفة) من الحكم والتحكم. فعلاً تمادينا في الضحك حتى ضحكنا على أنفسنا؛ ولم يبق لنا من الثورة سوى مناورات سياسية لا تختلف عن مناورات “النظام البائد” مع صدى القهقهات…
هل من إصلاح عماده خفة الدم؟ هل من “هضامة” للنضال؟ ولماذا إذن لا يبقى – على الجانب الآخر من ثورة يُفترض أنها تجاوزت الإصلاح أصلاً – إلا جهامة لولبية؟ يبدو لي أن الفكاهة هي تعبير حقيقي عن الرغبة في الحياة، عن الفرح والشهوة وطاقة التجدد. لكن يبدو لي بالقدر نفسه أن الفكاهة كانت تعويضاً مهيناً عن المعرفة والقدرة عبر ثورة ستضحك ألف مرة قبل أن تعترف مرة واحدة بفشلها.
فاتحة مهملة

هذا كتاب الثورجي التائب “مصطفى نايف” غفر الله له ورفاقه في ميدان التحرير ما تَنازَعَ البلاد جَرّاء احتجاجهم من تَضارُبٍ في الغايات بلا فكرة ناجعة عن الوطن، وإدمان للتظاهر بلا نظر إلى نتائجه، وموتٍ بلا طائل على قارعة الطريق، وشَحْتَفَةٍ كأنها ابتزاز المتسولين أو دلال البغايا، ثم غَلَبةٍ للجنرالات وتجّار الدين؛ وفيه كلامٌ إلى صاحبه المهاجر “راشد جلال” الذي حضر اعتصام الميدان الأول أسبوعاً ثم عاد، مؤرّخٌ بالسابع من يونيو من عام الرئيس الموافق ٢٠١٢، إثر صدور حكم السجن المؤبد على “مبارك” ووزير داخليته “حبيب العادلي” مع تبرئة قيادات الوزارة. حدّث مصطفى والدموع تتأرجح على حز جفنيه؛ قال: سلامٌ لخليصٍ تأخّر كتابُه، وتعثّر جوابُه، وتشتّت ذِكرُه في الأرض من كثرةِ ما توزّع على الدروب إيابُه. وبعد: عَمِلنا أوّلَ أغنية في بداية فبراير من عام الرئيس: الذكرى الأولى لانتصار ثورة ٢٥ يناير. كان تاريخ أولى أغانينا هو الثامن من ذلك الشهر، بعد أسبوع من مذبحة بورسعيد؛ حين قُتل مشجعو النادي الأهلي من المنتظمين في جماعة ألتراس أهلاوي بستاد المدينة الساحلية ضرباً وطعناً وخنقاً أو إلقاء من علٍ على يد مشجعين أو بلطجية أعقاب انتهاء المباراة بين الأهلي والمصري البورسعيدي لصالح المصري. وكان تاريخ آخِر أغانينا – الرابعة، والوحيدة التي لم تشاركنا المزة في تأليفها – هو السادس من مايو، بعد بضعة أيام من مذبحة العباسية؛ حين انفض اعتصام وزارة الدفاع بالقوة أعقاب نحر المعتصمين في الشوارع كخراف الضحية من جانب لطجية أو مواطنين شرفاء. ومع أننا كنا على علم بما يحدث لرفاق سلاحنا من الألتراس والسلفيين الذين التحق بهم الاشتراكيون الثوريون، ومع أننا كنا متأثرين بالأحداث في صوغ كلام أغانينا، لا شك عندي الآن في أننا عملنا الأغاني أساساً لكي نبتعد عن الميادين ونقترب إلى بعضنا كأصدقاء لا يعكّر اختلافنا في الرأي لصفاء مودتنا قضية. منذ عام البرلمان الذي حَصُلَتْ فيه الثورة – ومن قبله بثلاث سنين أو أكثر – ونحن كل يوم مع بعض في الفرع. حتّى لما كان العمل يتوقف رسمياً لأسبوع أو عشرة أيام بسبب الاعتصامات والمظاهرات أو الانفلات الأمني كما صار يسمى، ظللنا نلتقي هناك في موعدنا؛ أحدنا معه نسخة من مفاتيح البوابة، كان يفتح لنا فندخل والآخرون غياب. ربما لأننا نحن الأربعة عُرضة للسأم والوحدة ولا أقول الاكتئاب النفسي: من ساعة ما خَلُص الاعتصامُ الكبير يوم ١١ فبراير ٢٠١١ والحياة فاضيةٌ حوالَينا. فاضية، وفيها خنادق وسِخَة نقفز فوقها من بيوتنا إلى مَحَلّ عملنا الحكومي. اثنان منا ظللنا ننزل المظاهرات، لكن الحكاية لم يعد فيها إشباع حتى لو لم نعترف بذلك. انس المولوتوف وأنواع الخرطوش والغاز الجديدة تلك التي تسطل التنين؛ أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء (في التاسع عشر من نوفمبر والسادس عشر من ديسمبر ٢٠١١)، حتى الرصاص الحي لم يكن يحقّق لنا ذلك الإحساس الفَشِيخ بأننا نأخذ حقنا بدمنا وفجر الحرية الأبيض ينتظرنا في آخِر نفق النظام الأسود سواد البير. منذ أواخر ٢٠١١، الحقيقة، والأشياء تصير رمادية. العيال لازالوا يموتون وعيونهم تُصفّى بالضبط كما كان يحدث قبل تخلي الرئيس عن منصبه وبدء المرحلة الانتقالية وشريط الانتخابات؛ لكن قلوبنا لم تعد تصعد وراء أرواحهم النقية لتحلّق معها في سموات الشهادة. قلوبنا لم تعد متأكدة حتى من نقاء أرواحهم، الصراحة. ولعل في الأمر أمراً رغم ما اعترى ذكرى هذه الفترة من غشاوة: أيام الاعتصام كما رأيتَ كان للاحتجاجِ شكلٌ تعوّدنا عليه؛ كان فيه هتافاتٌ واعتداءات ومستشفيات ميدانية. لكنه اتضح بعدما نجحتِ الثورةُ إثر مغادرتك أن هذا الشكل ليس كافياً لإشباع طموحنا. وبدا أن ما أشبعنا كان معنى أو محتوى، شيئاً يملأ هذه الطقوس والممارسات من الداخل، يمسكها أو يقلفطها. وكان مشروطاً بالهدف الذي نضحّي من أجله كذلك. ربما لأننا لم نطلب إلا شيئاً واحداً يبدو الآن زائفاً بغباء – أن يرحل مبارك – لما تحقّق مطلبنا فإذا بنا نضحي من أجل أهداف حقيقية، أهداف اكتشفنا أنها متعددة وعصيّة لدرجة أننا نسيناها فأصبحنا ننزل بإصرار ونحن لا نعرف الغرض من نزولنا، بقي شكل الاحتجاج مثل قشرة رمانة مفرّغة: بلا بلورات تبرق ولا لسعةِ حلاوة. (هل كان طبيعياً إثر ذلك أن يتحول النشطاء والمعارضون إلى أبواق لما هو أنكر صوتاً مما سُمّي خطأ بالنظام البائد؟) أقول لك إننا وجدنا في قعدة الوكالة إشباعاً أكثر مما كنا نجد في المسيرات البيضان والاعتصامات النونو المعرّضة للفتك، مليونيات الجُمَع الحنجورية إسلامية الطابع… ولما استتب الدوام خوفاً على عجلة الإنتاج – هذا ما كانتِ الناسُ تردّده وراء المجلس العسكري: إنه لا يجب أن تتعطّل العجلة – ظللنا مختبئَين في الحجرة الواقعة جنب مخزن الأسمنت في بدروم الفرع. هناك كنا نلوذ أربعتنا من واقع يثيرنا ويفحمنا قبل فجيعتنا في بُسبُس، نتشرنق بدلاً من أن نستغيث فنتسامر ونتمسخر، نَقْلِش ونتبادل النكات. كنا نقعد حول مكتبٍ بيضاويٍ مقشّر وقد جئنا بالأكل والشرب والدخان أسفل تلفاز صغير مثبّت على الحائط. ولحد الصبح أحياناً ضحك وقباحة فضلاً عن الأخذ والرد في الحاصل للبلد من ساعة ما تخلّى مبارك. صار الزملاء يداومون بانتظام وبعضهم يدخل علينا ليسلّم أثناء النهار، لكن الكل عارف أن الوكالة عطلانة حتى المدير. وذات يوم، من مللنا والتارالالّي الداخل على الدنيا بقوة منذ تخلّي مبارك… ذات يوم بارد من فبراير ٢٠١٢، بدأنا نعمل أغاني.

حوار عبد المنعم الشنتوف
يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…
1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟
أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.
2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟
كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…
3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟
أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.
4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟
لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.
5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟
لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.
6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟
فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟
7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟
كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟
8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟
ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.
سواء كنت متعاطف أو لأ

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:
(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.
(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).
وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.
“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.
الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟

أن نحيا كراماً

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨
منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.
ومن ثَمّ فهناك قسم كبير من “جيل الثورة” (وإن لم يعترف بذلك) يدفعه التباس ولائه الطبقي إلى رؤية التأسلم الأصولي المتفشي منذ السبعينيات – والذي أصبح، عكس ما يبدو للمراقب من بعيد، حجر زاوية في النظامين السياسي والاجتماعي بعد التسعينيات – باعتباره النهج الفاعل أو الوحيد لتمكين الطبقة العاملة أو “الناس العاديين” من المشاركة السياسية أو المساهمة في تحريك المجتمع والسعي إلى “حياة كريمة” داخله؛ ويكثر في هذا الصدد تنظير أجيال لم تر مصر قبل التسعينيات لمناقب التأسلم الأصولي سواء أعلى المستوى السياسي (ما عاناه “المناضلون” و”المفكرون” الإسلاميون من سجن وتضييق وتعذيب) أو على المستوى الاجتماعي (كيف ساهم الحجاب في حرية الحركة والعمل لدى المرأة الريفية) أو حتى على المستوى الفكري (إن إحساساً “ملحمياً” يكمن في برامج الصحوة الإسلامية المطروحة يميّز هذه البرامج عن برامج النظام السابق ويعلي من شأن القائمين عليها – والذين لا يؤهلهم سوى مظهرهم وترديدهم للثوابت العقائدية الممجوجة في مكانها وفي غير مكانها – حد عصمتهم أو على الأقل احترامهم، خصوصاً إذا ما كانوا قريبين إلى التربة الطيبة وأهلها الأصلاء)… وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”! إن “مليونيات” تأييد “المرشح السلفي” حازم صلاح أبو إسماعيل والدفاع الأعمى عن جهل وطائفية وقصور “داعية” أو “محام” ليس مؤهلاً لأن يضيف إلى الحياة السياسية سوى مخاطر من قبيل تعطيل السياحة ومفاقمة المشاكل الجنسية والنفسية القائمة بالفعل فضلاً عن قمع الإبداع والتفكير – “بما لا يخالف شرع الله” طبعاً ولا يخالف الرغبة المعلنة لغالبية الشعب المسلم المتدين – إن هذه المليونيات إنما تعبر عن احتياج جمعي إلى زعيم صالح، إلى بطريرق أو إله. ولا يعي هذا الاحتياج ثمن الزعامة المحتملة أو يهتم بأكثر من شعار سيظل صاحبه نفسه غير قادر على تفنيد معانيه أو ترجمتها إلى سياسات يمكنه – حتى هو – أن يعيش بها…
بيد أن انتخابات الرئاسة قصة أخرى – قصة عبثية في غياب دستور يحدد صلاحيات الرئيس ومن ثم قابلية البرامج المعروضة على الناخبين للتطبيق في حال نجاح أصحابها – وليس المقصود بالكلام عن نبرة التعاطف مع نواب يُفترض أنهم “غلابة” دحض المشروع “الإسلامي” الثابتة لاجدواه في اعتقادي سواء أفي الصومال والسودان وأفغانستان أو في السعودية وإيران وباكستان. المقصود هو طرح سؤال صادق عن مكان ذلك المشروع مما حدث على طريق التغيير ودوره الحقيقي أو المنتظر في المستقبل المنظور، وعن مكان التأسلم كاختيار طائفي رخيص ليس فقط لاستبدال موقع طبقي “ضعيف” بموقع شرعي “قوي” ولكن أيضاً لتنحية الأسئلة الأخلاقية الحاضرة والتي لا تكاد تتقاطع أبداً مع أسئلة الشرع التي يطرحها “الإسلام” تحت قبة البرلمان. فمَن يحرّم اختلاط الرجال بالنساء يدافع عن الحق في تزويج الفتيات في عمر اثني عشر عاماً، ومن يجاهد “الزنا” يسمح بتعدد الزوجات بلا حجة “فقهية” تبرره. وقد يبلغ التشدد في فرض فكرة “جزيرية” عن الشرع ارتكاب ما يحرّمه الشرع بالفعل – خلاف أن المنافقين كانوا إخوان الشياطين – حيث يذهب أحدهم مثلاً إلى أن تعلم اللغات الأجنبية محرم (والحديث النبوي الشهير يقول “اطلبوا العلم ولو في الصين”) أو تُرجع إحداهم مسئولية التحرش الجنسي المنتشر كالوباء إلى تبرج النساء اللاتي تتعرضن إليه بشكل يومي (وهو عكس ما يمليه الشرع على الرجل المسلم بأن يغض بصره، دعك من أن يغض لسانه ويديه)… ولا غرو في ربط هذه التوجهات بالانتماء للطبقات الاجتماعية الدنيا، غير أن نصرة الطبقات المعنية بوازع أخلاقي لا يمكن أن تبرر التسامح مع خطابات لا أخلاقية أو سياسات “ثورية” على هذه الدرجة من الرجعية والتناقض. وليس في الكلام “الليبرالي” عن حرية كل شخص في العيش كما يريد أي حجة من أي نوع على هذا الصعيد: إن مكاناً لا يدخله إلا الملتحون لابد أن يشعر فيه الحليق بالغربة ومن السهل أن يتعرض فيه أيضاً للقهر. ولا أظن رباً في الأرض ولا السماء من التفاهة بحيث يقيّم الصلاح والتقوى على أساس شعر الوجه. فهل فيما أحسه الآن نوازع طبقية؟ وهل أصبح التأسلم لدى نظرائي ختم الأصالة “اليساري”؟ أو هل يطرح التأسلم أصلاً رؤية سياسية؟ وإن فعل، فهل هي رؤية تبعث على رفاه و”كرامة” الإنسان؟
![]()
GREEN-أسئلة الثورة
بالنسبة للي بيقولوا البلد حتنضف رغم أنف مش عارف مين، طيب هي لو البلد نضفت حيفضل إيه؟ بجد يعني: هل اللي بيحبوا “الوطنية” و”الإسلام” مستعدين يواجهوا حقيقة إن الحاجتين دول ما ينفعش ينفصلوا عن وساخة البلد؟ أو إنهم هما شخصياً – المثقفين، المناضلين، الدعاة، الناشطين وغيرهم من أصحاب الحناجر – أكل عيشهم أصلاً في استمرار الوساخة؟ هل فيه أي احتمال إننا بدل ما نبقى بنتكلم عن زعيم دكر ودين عظيم ووطن اللهم صلي ع النبي، نبتدي نتكلم عن حقوق وحريات وإنجازات ليها معايير موضوعية؟ ولا إحنا فعلاً محتاجين الوساخة عشان نحس إننا نضاف كأفراد بس الظروف هي اللي مش مساعدانا؟
مين سلم الحكم للمجلس العسكري بناء على قرار مبارك؟
مين انتخب ولسه مستعد ينتخب إخوان وسلفيين؟
مين رافع صورة الزعيم أو خياله على هيئة ناس كان بيمولها صدام والقذافي أو ناس عبيطة/بتستعبط بتكلمه عن حقوق العمال والفلاحين في بلد لا فيها صناعة ولا زراعة وفي عصر ما بعد العولمة الرأسمالية؟
مين عنده الشجاعة/البجاحة إنه يتحمل مسئولية الحكم “الإسلامي” نتيجة رفضه للمجلس العسكري؟
مين اللي وثني وكافر في عقايده: “اللي عارفين ربنا” ولا “العلمانيين”؟
بالنسبة إلى مَن يقولون إنهم مثقفون في مصر؟

2011-12-31
الثقافة والثورة
سأكون صريحاً ومختصراً في هذا الشأن:
أولاً، اقتراحي أن يتخلى الخطاب كلياً عن كلمة “مثقف” ويعيّن ألفاظاً أوضح وأدق للمقصود بالجماعة البشرية المعنية. ثانياً، دعنا من الاعتبارات الأخلاقية. ثالثاً – وهو الأهم – عندي سؤال عن شرطية العلاقة بين الفنون والآداب من ناحية والاضطلاع بالشأن العام أو “النضال” من ناحية أخرى. في ظل الاستبداد درجنا على افتراض أن جانبين من جوانب الوعي – الفردي والجمالي في مقابل الجماعي والنفعي، إن أردتَ – هما وجها عملة؛ وكذلك حدث مع الانتماء العقائدي، للمفارقة: أصبح جانب من الوعي لا يمكن (في هذا العصر) إلا أن يكون شخصياً – الخبرة الروحانية أو القناعة الدينية أو الالتزام بطقوس مقننة للعبادة – هو شرط أي تحرك اجتماعي؛ الأمر الذي نقضته على الأرض احتجاجات “ليبرالية” (أي لسيت للوهلة الأولى مناهضة لنظام مبارك) أدت إلى أول خطوة حقيقية على طريق تغيير ذلك النظام، تماماً كما نقضت عقوداً من “العمل السياسي” المسمى يسارياً (والمناهض، من ثم، للنظام ذاته) والذي ظل منبطحاً نتيجة اعتماده على جماعات مشغولة أو يجب أن تكون مشغولة أساساً بالفنون والآداب، ومن ثَمّ معزولة عن “أغلبية” لا يعنيها من ذلك سوى نشاطات ترفيهية تجارية تقاطعت، في شعبويتها، مع “معارضة” تساهم في تكريس الوضع القائم أكثر مما تُشْكِل عليه. هناك مفارقة أعمق إذن: إن فرضية اقتران الثقافة بالسياسة لا تعكس “المثقفين” أنفسهم بقدر ما تعكس النظرة إليهم داخل مجتمعات مخلية من عظام القدرة على الفعل، ويلعب “المثقفون” فيها، بالتالي – كما سيلعب المتأسلمون من بعدهم – دوراً زائفاً ومعزولاً عن حقيقتهم الفردية (أو العقائدية، في حالة الإسلاميين). إنها مجتمعات، كأكثر مجتمعات العالم المعاصر، ربما – باستثناء الربح المادي – لا نية لها بالمعنى الفلسفي للنية؛ وهو ما يفسّر أن مبادرة التحرك بتلك المجتمعات نحو المستقبل المنظور – وبغض النظر عن رأيك في طبيعة ذلك المستقبل أو جدواه أو علاقته بالهوية – مبادرة التحرك نحو المستقبل لم تأت إلا عبر جماعة (وإن كانت متعلمة ومعاصرة ومتعددة اللغات نتيجة أنها “مستريحة” مادياً) ليست “ثقافية” أو “يسارية” بالمعنى التقليدي، ولا “إسلامية”.
وانطلاقاً من قول إن المثقفين ضمير الأمة، ما هو مكان ذلك الضمير مما حدث ويحدث بعد التعليق عليه أو (كما يقول صديقي الشاعر مهاب نصر، متسائلاً عن “ما فعله الكتاب بثورة يناير”) “استثماره في صور شخصية شاعرية”، إثر المشاركة فيه بقدر سيظل محدوداً لأن الكتاب والفنانين و”الليبراليين” عموماً ليسوا انتحاريين ولا مسلحين ولا مدربين على مقاومة جرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة ووزارة الداخلية يومياً في وسط القاهرة؟ أولاً، يجب السؤال عن معنى الأمة المعنية: هل هي أمة الغالبية الساحقة من عموم الناس المتذمرين من احتجاجات واعتصامات يرونها تعطّل مصالحهم، المتنكرين لضحايا التعذيب والشهداء، المناصرين للسلفيين والإخوان المسلمين ممن صعدوا على أكتاف هؤلاء “ديمقراطياً” بينما هم ضد الثورة فكراً على الدوام وفعلاً أكثر الوقت؟ ثانياً، مَن يمكن أن يمثّل ضمير مثل تلك الأمة بتعريفها؛ أليس ذلك الضمير أقرب في الواقع إلى اللاهثين كالكلاب وراء عظمة مقاعد برلمان يقام تحت الحكم العسكري في ظل قانون الطوارئ؟ أليس أقرب إلى حقد وسادية الساعين إلى كسر نفوس المتظاهرات ورقابهن أكثر حتى من قمع المتظاهرين الذكور بدعوى حفظ الاستقرار والذود عن “الدولة”؟ ثالثاً، كيف نعرف”المثقف” بعيداً عن وظيفته المرجح أن تكون رهن “الدولة” ذاتها التي تحتكرها مؤسسة عسكرية قادرة على قتل المواطنين في الشوارع ثم تحميل خطيئتها على “طرف ثالث” لم يتكمن أحد من تعريفه وهي تمشي في جنازات القتلى؟ اقتراحي أن نعترف بأنه إن وجد وعي “ثقافي” يتقاطع مع الثورة، فإن ذلك الوعي لا يمثل الأمة ولا ضميرها. علينا أن نعترف بأن “ضمير الأمة” متمثلاً في الأديب والفنان (مهما استاء مثل هذا الضمير مما يحدث أخلاقياً ومهما شارك مادياً أو معنوياً في ثورة بادر بها جمهوره المحدود جداً من الناشطين على الإنترنت) لن يكون سوى متفرج. وعلى نقيض الكثيرين من أندادي وسواهم من داخل معسكر الثورة، أصبحت أرى اعتراف “المثقف” بأنه متفرج هو أنزه وأصدق ما يمكن أن يقوم به، بغض النظر عن مشاركته في الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى عن موقفه من دولة باتت تجسداً للثورة المضادة
.
الثقافة والإسلام السياسي
ومن قبل، حين دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم في أنحاء الرقعة العربية، كما قيل لي، ديمقراطياً – وجدتُ عندي كلمتين أقولهما كذلك:
إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟ المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟ الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟
***
تعويذتان ضد التأسلم
(١)
أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه البنات
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال
(٢)
نحن أبناء أباليسكم
يا من تكتفون بأسماء الأسماء
سنظل نذكّركم
بأن المئذنة قضيب والقبة نهد
والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين
يا من تكتفون بطقوس الطقوس
نحن ملائكة متخفون
وقد حلفنا أن نلفظكم
عند أول إشارة مرور
في الطريق إلى الجنة
جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً
![]()
دار الإفتاء الموازية: فتوى ديانميتية أخرى لفضيلة الشيخ السكندري

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا
تفقهون تسبيحهم
قال العلامة أبو النصر السكندري أعزه الله:
يقول عز من قائل في سورة النحل ” وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”. وفي هذه الآية فوائد جمة، وخلاصات علم الأولين. بها نستفتح، وعلى الله التوكل.
ان مسلمي هذا الزمان قد قلبوا آية الدين التي هي توحيد ووحدة، فالاله الواحد هو الروح المودعة في كل انسان، وهو المشترك بين الخلائق من آمن منهم ومن لم يؤمن. ومعنى الايمان الوعي بما قسمه الله له من هذه الروح في نفسه. فالمخلوقات واعية أو غير واعية هي منتسبة اليه، وهو وحدتها الكبرى. فيامان المرء وعدمه لا يخرجه من دائرة الكرامة الالهية الا لمن جحد مخلوقات الله، واتخذ من نفسه حكما على ما لا يعلم، وانتقص من حكمة الله في خلقه.
وبما أنه ليس في الكون ما هو خارج عن خلق الله وابداعه، فان خلائق الله ومخلوقاته مكرمة بالأصل.
وفيها جميعا ما في الله من صفات ولكن بقدر مقسوم، ففي الناس العادل والعالم والجميل، والصبور والباطش، والكريم، والوهاب والحييّ،.. الى آخر ما كان معلوما من الصفات وما خفي.
ومعنى أن من الصفات ما خفي، أن صفات الله غير نافدة، وهي ليست على وجه أو صورة واحدة. هذه الصفات، هي لله ليست أغيارا، بل متحصلة بالهوية، فهو عين صفاته جميعا وأبدا. أما خلقه الذين قدر لهم الموت والحياة وأن يعيشوا في دائرة الزمان، فهم يتحصلون هذه الصفات عبر خبراتهم وتجاربهم، لذلك يقع لهم التناقض فيها، لا عن عمد غالبا، بل عن قصور علم مصدره وجودهم الزماني المتغير، فمكا كان في وقت ما كرما، قد يصير في غيره سفاهة، وما كان يعد يوما علما، قد يتكشف في زمان بعده عن أوهام وأساطير.
ولا يحاسب الله الناس على ما تحصلوا من صفات وما فاتهم، وانما على نية التوحيد والكمال، أي بقدر سعيهم الى الصفة الموحدة بين الناس في كل عصر، والتي ترقى بهم الى نموذج النظام الالهي.
ولذا كان في آيات سورة الكهف درس بالغ وحكمة ناصعة لموسى في عدم الأخذ بظوار الأمور وقشورها، والحكم وفق ما سبق له علمه، وما استقر في قناعته فحسب، فأدبه الله على التسرع في الحكم، وعلى التعلق بالظواهر، دون ادراك الغاية التي هي منفعة الخلق، وسلامهم.
وفي تصدير الأولين لحديث “انما الأعمال بالنيات” حكمة فاتت حتى على واضعي كتب الفقه التي تصدرها هذا الحديث.
وليس المقصود بالنيات هنا هو أن يقتل الانسان بزعم حسن النية، ذلك أن سلامة القصد تعني أصلا الرغبة في حفظ الحياة، فسليم النية هو الباحث أبدا عن فعل يوحد ولا يفرق، يقيم العدل في ميزان الكائنات.
لكن فقهاء الزمان الأول عفا الله عنا وعنهم، أعرضوا عن البحث في صفات الله التي على الخلائق أن يتحلوا بها، وتعلقوا بظاهر بعضها من حركات وسكنات، فأصبح الجزء شاهدا على الكل، والحاضر نافيا للغائب من هذه الصفات، وافترضوا الكمال في تحصيل هذه الحركات والسكنات جملة في الفرد الواحد، وغاب عنهم مراد الله من تنوع الخلق، وهو استكمال الصفات، الذي هو عمل دائم وبحث عن الأفضل. فصار فقههم علما عقيما، لأنه ناقض حياة البشر على الكيفية التي خلقهم الله عليها.
وتعلقوا بهذا حرام وهذا حلال فصاروا شيعا، ينكفئوون على خدع الظواهر، مجادلين في ظاهر تلك الصفة أو غيرها، هل نضع أيدينا في الصلاة على الصدر، ماذا يفعل من نسي غسل ذراعه أثناء الوضوء، كم عدة المرأة بعد وفاة زوجها.
وحتى يتحصلوا هذه الظواهر ولا أقول الصفات ذهبوا الى الصحابة والرسول، واقتدوا بحركاتهم وسكناتهم، واعتبروها عين الصفات فاشركوا بالله، عن غير علم، وجعلوا خلقه قيمين عليها ومختزلين لها، وهم صنعته، فكيف يشهد المصنوع على الصانع؟
صنعوا من الناس ومن صفاتهم أوثانا عبدوها، فتوقفت عقولهم عن البحث في الكون الواسع، وانكفأت على “حدثنا، وأخبرنا”. فصار دينهم حجابا للدين، وعبادتهم مسخا لمقاصد الله من العبادة.
وفي الآية التي صدرنا بها كلامنا، ما يعلمنا أن الانسان ليس وحده في الكون، وليست كل العبادات على صورة واحدة، فكل مخلوق وكائن يقوم بوظيفته انما هو المسبح الحق، المستعيد بعمله الصغير معنى الخلق الأكبر وغاية الحياة.
وليس معنى ألا نفقه ما يتعبد به هذا أو ذاك، أنه خارج عن النظام، بل نحتكم الى فائدة ما يصنع، ومراده ونيته فيه، مادام محققا للسعادة التي ينتفي عندها الشر، الذي هو تناقض المرء مع ذاته، والذي لا ينتهي بحذف غريزته التي أودعها الله ولا فضائله الروحية التي هي من قبسه، بل يبح هذا هو عين ذاك. وهو معنى اباحة الله للخمر وغيرها في الجنة، ألا تصبح المتعة اثما، ولا السعادة منقوصة بحدود الشكل والله أعلى وأعلم.
فتوى أخرى للشيخ أبو النصر
الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

********************************************************
شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو
********************************************************
٢٥ يناير
ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…
يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.
***
أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.
وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…
***
في لحظة الساعة ١٢ وربع بعد نص الليل: السرينة بتاعت المدرعات؛ سرينة مرعبة كده بنت كلب. لسه بأترعب منها جداً. والله العظيم أول ما بأشوف المدرعة، إلى الآن، ذهني بيستدعي الصوت بتاعها على طول. بقى شكلها بالنسبالى مقلق جداً؛ يمكن كانت أول مرة أسمع صوت السرينة وأنا قريب منها؛ يعني فعلاً رعب. وتعرف بقى إن السرينة إيذان بالضرب، زى زمارة المترو تيت تيت يت المترو قرب وخلي بالك. ضربوا كمية من القنابل مهولة، ما كنش المقصود منها أنا إنها تفرق المتظاهرين قد إن هى فعلاً تخنقهم لإن القنابل كانت بتنضرب من كل حتة ومن كل المداخل اللي في الميدان، منين ما تجري تلاقي دخان. وصلت بعد الجري أنا وواحد صاحبي شارع شمبليون، وكان في ناس بتجري كتير.
أول ما وصلنا شملبيون قعدنا نهتف يسقط يسقط حسني مبارك. التليفون بيرن بأطلعه لقيت أمى بتكلمني من البلد، قمت معيط حتى قبل ما أرد وقمت رادد عليها: ادعيلنا إن ربنا ينصرنا على الظلمة واقفلي دلوقت لحسن الأمن بيجري ورانا… بعد خلع مبارك، كان في فيلم عاملاه البي بي سي، اللي عامله خالد عز العرب، اسمه يوميات ثورة، فكان من ضمن الفيلم بقى دكتورة منى مينا – اللي هى الطبيبه والناشطه المعروفه، وكان ابنها من المصابين في معركة الجمل، وكان خالد عز العرب بيسألها مخفتيش على ابنك. قالت له خفت طبعاً بس مش حيكون أعز من اللي راحوا لإنه كان بيموت على إيدينا شباب كتير في المستشفى الميداني. كنت أنا قاعد في القاهرة ساعتها، فطلعت في دماغي إني أكلم أمي وأسألها سؤال حالاً: لو كنت اتقتلت، كنتي حتشتمي في الثورة والثوار؟ كلمتها كتير ما ردتش عليا، أبويا اللي في الآخر رد وقال لي إنها مش موجودة، وإنها بتزور جدي في البلد وسألني عاوز حاجة؟ قلت له لأ، رجعت آخر الأسبوع البلد فوأنا قاعد معاها لوحدنا سألتها – وكان ده بعد فترة طويلة، تقريباً في مارس – قالت لي أشتم في الثوار ولا الثورة ليه، إنت مش أعز من اللي ماتوا. فكانت نفس الجملة اللي الست قالتها في الفيلم. الجملة دي خلتني أعيط.
المهم… فضلنا نجري في شمبليون مجموعة مننا كملت على الإسعاف ورمسيس وقامت داخلة شبرا، إحنا كملنا لحد ٢٦ يوليو على بولاق على روض الفرج على الساحل على شبرا. وفي شبرا قابلونا برضه باستقبال حافل. قمنا إحنا كملنا في شارع شبرا وقمنا داخلين في حواري، كان ورانا عيلين على موتوسكيل وعرفنا إن العيال دي تبع الداخلية وبيبلغوهم لدرجة لقينا مدرعة داخلة ورانا في الشارع وعساكر أمن مركزي وكانت فعلاً قاصدة تدهس اللي بيتظاهروا، كانت جاية بأقصى سرعتها والناس واقفة قدامها. أقسم بالله أنا وواحد صاحبى نطينا من قدماها فرق ثواني، كانت فعلاً حتشيلنا وده حصل مع ناس كتير.
٢٨ يناير
رجعت البيت يوميها الفجر. ما روحتش ع البيت قعدت عند ناس إصحابي في مدينة نصر لإني فعلاً ما كنتش قادر أروح. أنا وواحد صاحبي كان شوية وحأخليه يشليني، رجلي خشبت تماماً. ومانزلتش الأربع ٢٦ ولا الخميس ٢٧ ولا الجمعة من الصبح، نزلت الجمعة من المغرب. طبعاً كنت متضايق وكلمتهم قلتهلم الوقت اللي حأقدر أنزل فيه حأكلمكم. أنا ما كنتش نمت، وما كنتش عارف أنام خالص. يوم 27 بالليل جه واحد صاحبنا طول الليل قاعد يرعب فينا ويقلقنا ويخوفنا. الواحد ما كانش مرعوب ولا قلقان من إنه ينضرب بالنار ولا بتاع، بس فكرة إن بقى في حاجة في دماغك قاعدة تزن طول الليل إن الأمن حيعمل كذا وده مع صوت السرينة خلى الواحد فعلاً مايعرفش ينام. فأروح الجمعة وأنا رجلي واجعاني وما نمتش كنت متأكد إني في أقرب لحظة من الجري كان حينقبض عليا يعني أنا كان عندي إني أموت ولا ينقبض عليا.
ما كنتش أعرف إن يوم الجمعة حيبقى يوم حرب كده، قال وأنا بأقولهم حأكلمكم كإننا نازلين في نزهة، حأكلكم أعرف انتو فين وأجيلكو.
***
نمت طول النهار والمغرب قمت ما لقيتش أى حاجة، ما لقيتش إنترنت ولا شبكة محمول، فقررت إني أنزل ورجلي تولع بجاز بقى. شنطتي كانت جاهزة فيها قزازة الخل، فيها قزازاة الميه المخلوطة بحبوب المضاد للحموضة والكمامة بقى. آه مجهز نفسي. أنا ساكن في المقطم وفي جنبي شارع تجارى في محلات ملابس وجزم وبتاع. نزلت ناحية الشارع ده لقيت الناس عمالة تصرخ وتجرى. في إيه يا جدعان، قال لك دول بيضربوا قنابل. الأمن إيه اللي يخليه يضرب قنابل هنا؟ خرجت على الشارع برة، قسم شرطة المقطم وحي المقطم جنب بعض. لقيت الشباب بيحدف طوب على الأمن والأمن بيضرب عليهم. بأسأل حد من الواقفين قال دحنا قاعدين ع القهوة لا بينا ولا علينا. عرفت ساعتها إن حظر التجول كان اتفرض ودول جايين بقى يقوّموا الناس من ع القهاوي ويلطشوا في الخلق فحصل اشتباكات.
حسيت إن ربنا كان مقعدني لإن الناس دي مالهاش خبرة مع المظاهرات. فعرفتهم إزاى يتعاملوا مع القنابل إزاي يلقطوها ويحدفوها على الأمن وإزاى يرموا عليها تراب يخلوها تنطفي والدخان مايطلعش كتير، إزاي يجيبوا كوكا كولا ويحطوا على وشهم. كان في ناس حطت ميه فكنت بأجري عليهم أفهمهم إن ما ينفعش. وطبعاً الستات واقفة في البلكونات ييجي علينا الدخان وإحنا نرد عليهم بالطوب تقوم الستات تزغرد. الناس حست بكرامتها ويا إحنا يا إنتم بقى… لحد ما نفذت منهم الذخيرة قاموا انسحبوا بالتشكيلات بتاعتهم. طبعاً في عربيات ملاكي ولعت من القنابل اللي وقعت عليها.
بس… لما مشيوا قام شباب المقطم داخلين القسم مولعين فيه؛ أنا الصراحة ما ولعتش في حاجة، أنا كنت قريب جداً من التوليع وقعدت أكسر مع الناس اللي بيكسروا. كنت سعيد جداً إن القسم مولع، وقعدوا يحكولى بقى – أنا طبعاً مش من المقطم أصلاً فمش عارف -عن أمين شرطة مطلع عينين أهاليهم. ولعوا في قسم الشرطة وولعوا في الحي وجابوا كل حاجة يعني ما فيش حاجه فضلت في قسم الشرطة لدرجة إن الناس طالعة من جوة بقاعدة التواليت بتاعت الحمامات. خلعوا كل حاجة: التكييف، السلاح، حتى الخزنة بتاعت الأحراز كسروها ووزعوا اللي فيها، كانوا بيوزعوا الحشيش كده على بعض عيني عينك – أي والله – وواحد طالع بآلي عمال يرقص بيه وكلبشات… ما فيش واحد فيهم مد إيديه على محل – اللي بيقولوا عليهم بلطجية – ما فيش حد قرب من حاجة غير قسم الشرطة والحي.
وأنا فضلت قاعد في المقطم في قهوة قلت آكل حاجة كده وأنزل على التحرير. قالوا حسني مبارك حيخطب ففضلت قاعد مستني بقى المحروس. طلع سرور قلت يبقى شكله خلع هو كمان وسلم نمر. وقعدت أشتم وأنا في القهوة وما حدش متضايق مني، الناس كلها مستائة تماماً من الحكومة…
***
طبعاً طول الطريق للتحرير مش مصدق البلد فاضية إزاي. ما حدش اعترض طريقنا والسواق قد إيه مبسوط إن ما فيش عسكري مرور ما فيش حد بيبلطج عليه ويقول له فين رخصك. وكان الإحساس العام إن كده أحسن، يغوروا في داهية وإحنا حنحمي البلد. نزلت على السيدة عيشة ومن السيدة عيشة كان السواق بينده على رمسيس ووصلت رمسيس مش مصدق بقى اللي شايفه قدامي وعربيات الأمن مولعة. وكنت متضايق جداً إني ما شاركتش في الاشتباكات دي، بس كنت مبسوط برضه بوجودي في المقطم إني عرّفت الناس إزاي يتعاملوا مع القنابل وهما ما لهمش علاقة بالموضوع ده خالص. ومقابلني بقى شباب طالعين من التحرير مروحين بعد معركة الصبح اللي لابسله خوذة واللي شايله عصاية بتاعه واحد أمن مركزي… اللي هو الواحد ماشي بمنتهى السعادة. دخلت الميدان كانت الدبابات بتتنقل وسط الميدان، بتتحرك من مكان للتاني. بعد مبارك ما غار وتنحى أو اتخلع بقيت بأقول لزمايلي الواقعة الطريفة دي: إن الناس بتدخل راكبة ميكروباص وأنا داخل راكب دبابة.
بعد المتحف المصرى كانت دبابات الجيش بتتحرك، بعد ما الناس ولعت في الدبابات بتاعت الحرس الجمهوري، ولعوا ف دبابتين ومدرعة وعربية جيب. أنا بعد ما الجيش كان نزل، الكلام ده على الساعة ١٢ بالليل بعد خطاب مبارك أول واحد بعد جمعة الغضب، ركبت على دبابة منهم لحد مدخل القصر العيني لإن الشرطة كانت متمترسة كده ومتمركزة قرب مجلس الشعب. وإحنا واقفين على الدبابات قعدنا نهتف ونقول حكومة وسخة يا ولاد الوسخة قاموا ضاربين علينا تاني قنابل مسيلة للدموع. الساعة مثلاً واحدة، وإحنا فوق الدبابات بتاعت الجيش! طبعاً عساكر الجيش قاموا داخلين جوة الدبابات وسابونا، ناس أصيبت فعلاً ساعتها لما ضربوا علينا خرطوش…
وفضلت في الميدان من يوم الجمعة ده.
***
مارس
***
الاعتصام
الصبح يوم السبت على الساعة ١١ كده، رحنا لظباط الجيش: إنتم سايبينهم يضربوا فينا؟ الغريبه بقى إني وأنا بأكلم ظابط الجيش اللي هو تقريباً كان مقدم عيطت وأنا بأقول له إنتم سايبنهم يضربوا فينا، قام معيط هو كمان، وطلع شاور لظابط زيه وقاموا محركين الدبابتين. قال لنا ابعدوا وخليكوا جوة الميدان وما حدش حيقرب منكم وبطلوا تستفزوهم. وفضلنا بقى جوة ومن هنا تقريباً جت فكرة إن الناس جوة الميدان، وتحس ناس جايالك بالآلاف فتحس بالنشوى كده، ناس جايالك من بولاق ناس جايالك من إمبابة، وجت عربية نص نقل في وسط الميدان ونزل منها راجل شايل كام شنطة فينو على علبتين جبنه رومى وخدوا بقى يا شباب وزوعوا على بعضكم.
من يوم الحد تقريباً بدأت فكرة الخيم في الميدان على خفيف. زادت جامد طبعاً في الأسبوع التاني، يعني أنا وإصحابي كنا نقعد في الميدان يومين ونص ونرجع البيت نتشطف ونغير وننام ونرجع تاني.
***
ما كنتش موجود يوم موقعة الجمل، اللي هي الأربع ٢ فبراير، يوم التلات بالليل سمعت من كذا واحد إن في ناس حتهجم على الميدان، بلطجية تبع الحزب الوطني وتبع مبارك. وبعدها جاتلى دكتورة هبة روؤف وقالتلي أنا مش عاوزة أخسر ولادي. كان وقتها معايا أخويا، أخويا أصغر مني بسنتين وهو طبيب وكنت خايف عليه جداً وكنت بأفكر إني حأفضل مشغول بيه أكتر من إننا مشغولين بالميدان، يعني كنت حأقول لأمي إيه، حأقول لها وديت ابنك فين. وصممت إنه لازم يقوم يروح البلد: وجودك هنا ما لوش أى معني؛ واحد يبقى في البيت وواحد يبقى هنا. أنا مقيم في القاهرة لكن هو لأ. وإحنا خارجين عند بوابة عبد المنعم رياض، لقيت شوية عيال جايين يقولو يلّا يا ولاد الوسخة، إنتم بتقولوا لمبارك لأ، وبدأت ناس ترد عليهم وتشتمهم وإحنا كنا بنسلك: ابعد عنهم ما حدش يرد. روحت بعدها، ونمت لما صحيت عرفت إن الدنيا اتقلبت في الميدان.
***
يوم الجمعه ٤ فبراير عند مديرية أمن القاهرة كده، راكبين الميكروباص ورايحين على رمسيس قاموا وقفونا في لجنة شعبية. كان معايا شنطتين واحدة فيها هدوم والتانية فيها الورق بتاعي واللابتوب ومرتبين شهر، كام ألف يعني، وكنت قلقان عشان ما كانش في حد في الشقة قلت أوديها عند دكتورة هبة وهى بيتها في الميدان. واحد من الشباب في اللجنة فتح شنطتي لقى فيها مقالة للمخزنجى عن تاريخ قناة السويس في مجلة العربي كنت طابعه من النت. وجاي بيشد الورق قلت له مش من حقك تبص على الورق، فقال لي لا حأبص على الورق انتو حتخربوا البلد، انزل!
مش جدعنة الواحد يقول مش نازل وقدامك واحد شايلك كازلك طولك، فنزلت أنا وصاحبي قام شادد الورق فواحد منهم حمار لقى مكتوب الخديوي إسماعيل وافتتاح قناة السويس قال بس أهو إنتم عاوزين تخربوا البلد أهو، دي أسرار دولة! قلت له ده مقال منشور في مجلة كويتية، فقالى لا إنت تروح للباشا، فرحت معاه وأنا مستفز من المعاملة البشعة دي قلت له إنت شفت الورق؟ قال لي آه، قلت له وفهمت منه إيه؟قال لي ما لكش دعوة. قلت له ما إنت آخرك دبلون شكلك كده، وأنا مستني يضربني بأي حاجة. وبدأنا نقرب على مديرية الأمن، قلتلهم أنا مش حأتكلم إلا مع ظابط جيش.
قابلت واحد منهم قال لي إيه المشكلة، وطلعوا اللابتوب وقعدوا يبصوا على الورق وعلى الصور، وكان معاهم شوية عساكر جيش في قمة السفالة والوساخة. ظابط الجيش عمال يقول لهم شوفوا فلان وشوفوا علان. وبيتعامل معانا زي الداخلية اللي هو يسيبوك شوية ويرجعولك شوية. لكن الكلام كان بأدب: اتفضل حضرتك، ده الموبيل بتاع حضرتك؟ ده اللاب بتاع حضرتك؟ وبعدين لقى صور ليا من يوم ٢٥ يناير ومنهم صورة فيها دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك فقال لي إيه ده، قلت له دي صورة ليا في الميدان، قال متصور جنب دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك؟ قلت له والله دي دبابتكم مش دبابتي، وبعدين ما هي الدبابات كلها كده في الميدان وكل الناس اتصورت جنبها عشان ده كان حدث.
الكلام ده كله كان مقعدنا قدام المديرية ما دخلناش جوة، وبعدين بدأ تون الصوت يتغير وبدأ يزعق، ويقول لنا أنا بأكلمكو بأدب وعمال أقول لكم إنتو طلبة جامعة وناس مثقفة حتعملولي فيها هبل، يعني إيه مالكمش دعوة باللي حصل في الميدان؟ إنتو خربتوا البلد عاجبكم اللي بيحصل في البلد ده، كل واحد فيكم شايلى شنطه فيها هدوم… وجه واحد لابس لبس قوات خاصة، وهو شكله عيل أصغر مني ببتاع سنتين كده ولابس دبورتين، وظابط الجيش بيقول له يا باشا البهوات من بتوع التحرير فوقتها استغربت إزاي واحد برتبة أعلى يكلم ظابط باللهجة دي، وقلت الجيش باعنا لبتوع الداخلية ولمبارك.
وبعدها رحنا لواحد لابس ملكى وبيقولوا له يا باشا خمنت بقى إن ده مخابرات أو أمن دولة، فضلوا مقعدينا بتاع ساعة إلا ربع كده ويزعق شوية ويتكلم شوية ولما عرفوا إننا مش من القاهرة أنا وصاحبي قالولنا روحوا على بيوتكم. أخدنها مشي بقى، وكل شوية يطلعلنا بتوع لجنه شعبية وعاوزين يفتحوا الشنط، ويفضلوا يقولولنا معلش بقى يا باشا أصل بتوع الجيش بيراقبونا، عشان بيقولولنا في بلطجية بينزلوا. وأنا كل ما ألاقي لجنة شعبية أو عسركي أبقى مرعوب إن حد يفتح الشنطة، وكان وقتها التلفزيون بيتكلم على اللي معاهم لابتوب وبيبعتوا أسرار الدولة برة وأنا معايا فلوس ويو إيس بي مودم كمان فحبقى بقى قبضت وبأبعت أسرار دولة. وبعدين لقيت عند جامع الفتح مجموعة من بوتع مبارك، فقررت إني أروح البلد…
***
في الأسبوع الأولاني كنا بننام في الأرض جنب كنتاكي، كنا كل يوم بنشوف ناس متشالة وميتة جاية من عند المديرية، وكان عندي بارانويا طول الأيام دي، عندي هاجس إن في قناصة فوق المجمع ورغم إني كنت بعيد عن الهدف إلا إنه كان عندي بارانويا إنه حيموتني عشان يعمل بلبلة في الميدان، رغم إن عنده أهداف قريبة جداً، بس عموماً ما هي الناس عمالة تموت يعني وبعدين، وبعد ما روحت البلد رجعت تاني على الميدان.
ولما كنت في البلد الجيران والناس اللي في الشارع لما شافتني في المسجد – كانت صلاة مغرب أو عشا – اتلموا عليا وسألوني عن التحرير والناس اللي هناك وناس معترضة على اللي بيجرى وناس موافقة، وناس تقول خلاص مهو حيعملكم اللي انتو عاوزينه بس الغالبيه العظمى كانت مبسوطة باللي بيحصل، وكل الناس بتسأل صحيح حيمشي، صحيح حتفضلوا قاعدين في الميدان لحد ما يمشي، فكنت مبسوط جداً باللي بيحصل.
لما رجعت بقى كان شكل الميدان اتغير عن ما سبته، كان أكثر تنظيماً، كنت متضايق من وجود بياعين بس رجعت قلت على الأقل يعملوا للناس شاي، بتوع الإعاشة ممكن يجيبوا أكل لكن شاي لأ.
***
مبارك خطب جمعة، تلات، خميس. بعد خطاب يوم التلات بقى اللي قعد يقول فيه أبنائى بتوع التحرير ونفر من بني وطني والكلام الفاضي ده أمي بتتصل بيا في التليفون، أمى اللي هى عارفة كل المصايب اللي بتحصل في البلد – ولما كان حد بيكلمها أو يقول لها إنتي اللي بتشجعيه على كده تقول له ما بيعملش حاجه غلط وشباب كتير معاه مش هو لوحده، غير أبويا اللي اتصل بيا وشتمني عشان لسه في الميدان – فبعد الخطاب بأقول لك أمى اتأثرت بكلامه وقالت لي والله صعب عليا. قمت قلت لها وما صعبش عليكي خمسمية واحد ماتوا، فسكتت كده وزي ما تكون حست إنه آه صحيح…
في خطاب يوم الخميس، كانت الناس مسورقة بقى ومنهارة لما عرفت إنه لسه ما تنحاش. وبتوع مستشفيات الميدان بقوا يزعقوا. وكان المشهد العظيم بتاع رفع الجزم بعد الخطاب ما خلص على طول، كان الرد المثالي فعلاً. ما كنش عندي أمل إنه حيمشى ابن الجزمة، واحد من إصحابي شافني كده مكسور قام زعق فيا وقال لي إحنا مش حنمشي لحد ما يمشي. الناس كانت جت كتير بقى يوم الخميس بالليل على أساس التسريبات اللي سمعوها من البدراوي على إنه حيتنحى عايزين يسمعوا الخبر في الميدان. كل دول بقى فضلوا وشعارت بكره العصر حنروح له القصر وناس ترد من دلوقتي من دلوقتي، وفي ناس اتحركت فعلاً ناحية مصر الجديدة… أنا فضلت، وبدأ يتسرب إن في خطاب مهم حيطلع لكن الناس مابقتش مهتمة ما هم كل شوية يقولوا في خطاب وبعدين يطلع ابن الجزمة يدينا خازوق… لغاية ما طلع غير المأسوف عليه عمر سليمان وقال لك يتخلى عن منصبه، كانت بقى احتفلات هستيرية. أنا بلا وعي سجدت على الأرض. وأرقص بقى زى الأهبل وأطلع أجرى وكان في بالي صورة الراجل بتاع تونس اللي طلع في الجزيرة يقول هرمنا، فكان في راجل كبير في السن أخدنا واحد واحد حضنا.
وعيطت بطريقة هستيرية.
***
ديسمبر
***
الاعتصام الثاني
أنا لما فكرت أشارك في الاعتصام بتاع ٨ يوليو، كانت فكرتي إنه وسيلة ضغط على المجلس العسكري: إن الناس تبتدي تحس تاني إن البلد حتقف لإن في مطالب للثورا وأهالي الشهدا، لكن في الاعتصام ده ما كانش الهدف واضح، يعني كل واحد كان عنده مطالب غير التاني. إمبارح مثلاً سألت نفسى أنا موجود هنا عشان إيه؟ اللي بتيقال إننا مش حنسيب الشارع غير لما نشوف فعلاً محاكمات علنية لمبارك والعادلى، وبشكل ما ده مهم، لكن لو حتفكر في رد فعل الناس اللي مش في الميدان وإنكم موقفين حال البلد، طب ما هو لو حال البلد ما كانش وقف في الـ ١٨ يوم الأولانيين ما كنش مبارك اتنحى، بس أنا شايف إن الخطوات التصعيدية لازم تبقى موزونة زى الدهب، لإن الناس اللي برة كل همهم لقمة العيش. يمكن أيام حسني مبارك كانوا عارفين إنه حرامي، لكن مهما كانت لقمة العيش صعبة لكن دول قبل مايطلعوا عشان مبارك طلعوا عشان أمين الشرطة الحرامي اللي مطلع عينهم، وبالمرة يجي حسني.
أنا من الأول طالع عشان كرامتى، ما كنتش حاسس إني بني آدم. صحيح ما عنديش مشكلة اقتصادية ومش طالع عشان الفقرا لإن الفقير يقدر يطلع بنفسه أنا مش طالع عشان حد بالنيابة. يعني كان بالأساس ضد الداخلية، عشان إقالة العادلي وعشان ما يجيش حتة ظابط ما يساويش تلاتة مليم يوقفني ويقول لي بطاقتك. وده كان واضح قوي مع الإهانة النفسية اللي اتعرضتلها مع ظابط الجيش وإزاي حسيت إني لازم أكذب وأقول إني مش رايح التحرير لما صوته علي عليا وأنا قدام الداخلية وممكن أتاخد في لحظة وما يتعرفش إني اتاخدت لإني مش وسط إصحابي. طيب لو مد إيده عليا فكس أمه بقى حأمد إيدي عليه: قدرت وقتها إن واحد يبقى في القسم ويتهان… ده أعتقد كان هو الهدف يعني.
الهدف نفسه ما اتحققش لكن الناس ما عادتش هي هي، مش قابلة إن الداخلية تعمل فيها كده. لكن كل بلطجة الداخلية دي معناها إيه؟ وإن يطلع ظابط عرص يشتمنا من على المدرعات ويقول لنا يا متناكين يا ولاد المتناكة، وخول تاني عمال يرقص بالسيوف وبلطجي في وسطهم. إحنا كنا بنقول حننزل من يوم يوليو طب لا بقى إحنا حننزل من يوم ١!
***
مش حأكدب عليك: أنا مش راضي إن العسكر يمسكوا البلد، بس من ناحية تانية بأقول أهي مرحلة وحتعدي. كنت مفكر إن الناس اللي خرّجت مبارك مش حتسكت على أي حد مش عاجبها، بس موضوع الاستفتاء على التعديلات الدستورية ده بيّنلي حاجات كتير قوي، ناس كتير قوي كنت بأحترمها وقعت من نظري حتى من اللي كانوا بيبشروا بالثورة بالذات من اللي كانوا محسوبين على الفكر الإسلامي. محمد سليم العوا مثلاً: بقى هو المتحدث باسم المجلس العسكري يعني، وفهمى هويدي – أنا مرة كتبت على الفيسبوك كده يعني، عملت لينك لإحدي مقالات هويدي : عندما تأكل الأيديلوجيا دماغ أحدهم – اللي هو فعلاً أيدلوجيتي ومن بعدي الطوفان، مش اللي هو مصلحة البلد إيه.
لقيت مثلاً إن التيار الجهادي والتكفيري بيُحتفى بيهم، يعني ألاقي عبود الزمر طالع مع منى الشاذلى وهى بتعامله باحترام شديد وتقول السجين السياسي الذى قضى أطول فترة سجن في تاريخ مبارك، اللي هو بروح أمك مين ده اللي سجين سياسي! ده قاتل. قضى عقوبته وما خرجهوش ممكن، لكن بطل بمناسبة إيه؟ وبعدين يطلع معتز عبد الفتاح بعد ما بقى مستشار رئيس الوزرا يقول لك إن السلفيين هما حماة العقيدة، اللي هما نفسهم كانوا بيقولوا إن الخروج على الحاكم حرام، وفلقونا بمدرسة إسكندرية ومش مدرسة إسكندرية، أهم بتوع مدرسة إسكندرية دول هما اللي دايرين دلوقتي يقنعوا أهالي الشهدا إنهم يقبلوا الدية. اللي هو كلام مخالف للشرع أصلاً لإن اللي قتلوا المتظاهرين دول ينطبق عليهم مبدأ الحرابة. فبقيت شايف إن الإسلاميين واخدين حيز أكبر من حجمهم وإن العسكر سايبلهم الحيز ده عشان يخبطوا في الناس اللي بتتكلم عن دوله مدنية… يعني فعلاً هي نقطة الاستفتاء دي اللي خلت المجلس العسكري يركب أو يلاقي حد يدافع عنه.
نعم للتعديلات الدستورية اللي فرضها المجلس العسكري، يعني أنا بأفكر إن الناس دي يعني هى لا عاملة صفقات مع المجلس ولا حاجة بس يا إنت اقتنعت باللي بيقوله المجلس يا إنت حمار فعلاً. أنا مش عاوز أصدق إنك حمار، طيب يبقى هما أقنعوك بإيه بقى؟ يعني لو إنت عاوز تبني البلد من أول جديد ماتفورها بقى الأول…
فاللي قال لا هو فعلاً اللي كان بيفكر في مصلحة البلد.
***
رقم ١ أنا شايف إن وجود الناس في الشارع فعلاً عمل ضغط. رقم ٢ أظن إن إصرار الناس إن المجلس العسكري ما ينفردش بالقرار مهم جداً. رقم ٣ المعركة الحقيقية مش بين مدنية أو لادينية ودينية، المعركة بين مدنية وعسكرية. البلد دي عمرها ما كانت دينية، ولا عمرها كانت تبع فصيل ديني معين.
نظام يوليو سقط بعد ٦٧ لكن ده ما حصلش يعني السادات ومبارك كانوا تجلى مختلف ليوليو اللي ما سقطتش فعلاً إلا بعد ٢٥ يناير. يعني كلكم غوروا في داهية، إحنا عاوزين حكم مدني بجد، مش عاوزين أى سلطة أبوية خالص، وده اللي مخليني متمسك بشوية الأمل، إن ما حدش عاوز العسكر تمسك البلد فشفيق مش حيجي، عنان مش حيجي حتى لو لمعوه زى ما بيحصل.
لو حد من دول جه، انا شخصياً عندي استعداد أولع في البلد وده بجد مش هزار، يعني يا أموت يا الواحد بقى يغور ويسيب البلد ويعيش بكرامته أو بجزء من كرامته في حتة تانية، مش يجيبوا ناس ما لهمش أي تلاتة لازمة يروحوا يصوتوا لأحمد شفيق مثلاً. أنا شخصياً عندي استعداد أروح أولّع في الناس دي.
- تم تسجيل هذه الشهادة في شهر ٧ سنة ٢٠١١
* محمود عاطف مواليد مركز بسيون، غربية سنة ١٩٨٣. طالب هندسة في جامعة الأزهر، شاعر وخطاط.
مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة
مثلما تكون مقاسات البنطلونات الجاهزة واحدة في كل مكان وفق نظام أو اثنين للقياس، نعيش كمجتمعات في عالم معياري لديه شروط واحدة للجودة، وبالتالي شروط واحدة للانتاج والمعرفة وحتى للقيم الجمالية.
لا يعني هذا أنه لا توجد اختلافات مطلقا بين مجتمع وآخر، بل إن هذه الاختلافات لابد أن تصب في النهاية في الماكينة القياسية ذاتها.
يمكن مثلا دعم وتكريس ثقافة دينية أو عقيدة محلية في مجتمع، مثلما يفعل الأميركان في الدفاع عن اتباع الدلاي لاما، أو ابداء الاحترام الزائف للاسلام التقليدي والأصولي، ولكن بشرط التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية والجات وما شابهها، واعتبار النظام الرأسمالي حقيقة أعلى من الله نفسه.
مثال:
يمكنك بالطبع أن تفتح محل ترزي “شُكُك” على ناصية حارة، ولكنك ستكون وضعت نفسك في الحال على عتبة في هذا السلم القياسي، بناء عليه تتحدد مكانتك من العالم، كما تتحدد مكانة دكانة “ترزي”، من “ايف سان لورن” أو بوتيك “نرجس” من مجموعة “دبنهامز”. وهذا تقريبا موقع المجتمع المصري من المجتمعات “القياسية”. بل هكذا كان، وهو اليوم أقل بكثير.
يعني هذا أنك لا تستطيع في هذا العالم أن تعيش وفق صيغة محلية، ولا أن تقول: “نحن وهم”، الا بشكل مجازي لارضاء ذات جريحة، لها موقع متدن في السلم، لأن هذا يوفر لها الشعور الزائف بالندية، بينما هي منخرطة تماما داخل التركيبة الكبرى (هذا حال الاخوان مثلا).
وهناك حل آخر وهو أن تكرس أكثر طريقة “الترزي” المحلية، باعتبارها شكلا يكسر رتابة وملل الانتاج القياسي. وبالتالي تسوق نفسك لسكان أول درجة في السلم على أنك “شيء مختلف”،”حاجة اكزوتيك”، ولا يحدث هذا في بيع طاقية شبيكة أو سبحة أو مبخرة تمثل الاصالة من خان الخليلي فقط، بل يحدث أيضا على مستوى الافكار. فسكان الدور الأعلى يحتاجون من اجل كسر الملل، وتشتيت الانتباه، الى مخدة “هاند ميد”، كما يحتاجون بن لادن والاخوان المسلمين والريس متقال. انهم بالنسبة اليهم متحف مثير للتأسي والشجن، وهو في نفس الوقت دليل على تجاوزهم لهذه المراحل من الطفولة الانسانية، أعني أنه اشارة طبقية حاسمة ولذلك ليس لديهم مانع في الانفاق ببذخ من أجل ابقائهم.
ومن هذا الباب تأتي تهنئة الولايات المتحدة أخيرا بعد انتخابات المغرب، واستعدادها للتعاون مع الاخوان المسلمين: أي كمسخة حضارية. وهو ما يعني أن يدخلوا العالم القياسي لكن من الباب الخلفي كبائعين متجولين للحجاب وكتب الأدعية وتغيير العملة، وعطور الزيت الرخيصة، أو كفرجة خفيفة الدم لحيوان حضاري في قفص.
حيرة
هناك بالطبع مجتمعات حائرة، وهي حائرة لأنها في غيبوبة مَن صُفع من جهات متعددة، ففي رأسه طنين، وهو يسأل دائما:من أنا؟ رغم ان هذا السؤال لا صلة له بالصفعات التي تلقاها، بل هي تتصل بموقعه الذي هيأ صدغه لكل عابر. وهو ما يسمونه خطأ بأزمة الهوية.
والهوية رغم أنها بمعناها المستخدم الآن في النطاق العربي والاسلامي هي تعبير غربي حديث نسبيا أصلا، الا أن العرب والمسلمين لا يمانعون قط في تلقفها كنعمة، وكسؤال خاطئ، يساعدهم على استناج ما أرادوا أن يستنتجوه من قبل.. وهو أنهم مختلفون. بغض النظر عن مضمون هذا الاختلاف الذي يتطلب سنوات طويلة من البحث في كافة الأفكار والعقائد الانسانية لمقارنتها بهذا “المختلف” وبيان نوع اختلافه، ومدى ايجابية هذا الاختلاف. ذلك لأن الاختلاف لا يضمن بذاته أنك على حق ولا يقول لك ماذا عليك أن تفعل باختلافك، ولكنه يتجاوب مع حاجة نفسية في التميز الأعمى تمر به كل طفولة.
لا تعود الحيرة الحقيقية لهذه المجتمعات في مشكلة الهوية رغم أنها تصرخ بعنف في آذاننا “لابد ندافع عن هويتنا.. ان هويتنا تتعرض لهجمة شرسة”، وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن المجتمعات التي تروج فيها هذه الدعوات وتلقى اقبالا شعبيا بالذات، هي مجتمعات فشلت فشلا ذريعا في أن تكون “قياسية” قادرة على انتاج ادوات وسلع ومعارف قابلة للرواج، تضعها على درجة المبادلة الندية.
يتصور أبناء هذه المجتمعات بقشور المعارف التي حصلوها في مدارس وجامعات منحطة ومتخلفة الى أبعد حد، أن بمستطاعهم الحكم على الأشياء، لكنهم لا يستطيعون انتاج شيء الا الاحكام. لا قدرة على البحث أو التحليل ولا حتى على القراءة نفسها، ناهيك عن القراءة المدققة.
والنخبة الثقافية والدينية والسياسية تواطأت على هذه المجتمعات لتقول لها: أنتم أصحاب حضارة.. أنتم كنتم وكنتم، وما عليكم الا الرجوع الى الخلف حتى تعيدوا مجدكم. وما ان يعودوا حتى يصيروا مسخة حقا. يفقدون تماما أدوات القياس لعصرهم، ولتطور المعارف والعلاقات الانسانية التي تراكمت فيه. لكن هذا الاختزال للمشكلة يفيدهم كثيرا لأنه لايبرر لهم جهلهم فقط، بل يجعل من الجهل معرفة قائمة بذاتها، بمجرد تغيير اسمه الى: الأصالة.
فما عليك الا أن تقرأ الأربعين النووية، أو تحضر خطبة مع الاخوة في “عصر الاسلام” حتى يكون بامكانك أن تدير جماعة صغيرة تصبح أميرا عليها. ويمكنك أن تخرج في مظاهرة لتشتم أميركا واسرائيل، وتطلب فتح باب الجهاد مع أنه ليس للجهاد باب، وهو ليس عرضة للاكتتاب العام كما أيام الخلافة الأولى، ويمكنك أن تدافع عن مسلمي كوسوفو، مع الجهل التام بأنهم ربما يعيشون وفق قيم غربية، أو تأييدا لمجاهدي أفغانستان الذين مزق بعضهم بعضا بمجرد الوصول الى الحكم وأهم ما فعلوه كان تحطيم الأصنام كأنهم في فيلم تسجيلي عن الجاهليىة الأولى.
ثانيا: أن الهوية فكرة كالسراب، ورغم أن السؤال عنها هدفه ايجاد خيط جامع، الا أنها لا تلبث أن تتحول الى “شلة” صوف منداة، لا تعرف من اين تبدأ.
الهوية الاسلامية، هل تعني السنية فقط؟ والسنية هل يمثلها السلفيون أو الاخوان أم الصوفية، أم المسلم التقليدي غير المتحزب؟ هي اسلام عمر وأبي بكر، أم اسلام الأمين والمأمون؟ أم اسلام الملك فاروق الذي أراد الاخوان الضحك عليه وتنصيبه “خلفة للمسلمين”؟.
وهل هوية مصر اسلامية أم مسيحية أم فرعونية، عربية أم افريقية أم بحر متوسطية،
الهوية كفكرة عن الماضي حفرة، والباحث عنها يتعثر فيها فيبدو كمن يتحرك، وهو لم ولن يتحرك، انه مثل “عم أيوب” في مسرحية “الجوكر” يمشي داخل “الجزمة الأول..”، والى الأبد.
ثالثا: تجعل الهوية مشكلة المجتمع وكأنها مشكلة أخلاقية، وأسوأ تصور زائف عن مجتمع هو أن تجعله في صورة شخص يجلس أمام مرآة ويسأل من أنا، لأن كلمة مجتمع هي مجرد صيغة لأشكال انسانية بالغة التنوع متضاربة المصالح أحيانا. وهو ما يجعل “الهوية” شعار فضفاض، ملاءة تختبئ تحتها الاختلافات الفعلية، ناهيك عن أنها تمنعك من ابصار وحل هذا التضارب.
رابعا: يتذرع أنصار “الهوية هي الحل” بمواجهة لهويات نجحت في تعبئة ذاتها، ناسين أن الهوية كانت وسيلة دعاية وتعبئة فقط، تتجاوزها المجتمعات الرأسمالية حالما تتضارب مع هذا المنطق أي المنطق الرأسمالي. وان منطق الدولة من أجل تعبئة كل القوى البشرية في المجتمع، وضع فكرة الهوية بين اصبعين، اصبع التلاعب السياسي بها، واصبع يحجمها في صورة ثقافة شعبية اختيارية، لمجتمع يضع هذه الثقافة خارج أبواب البرلمان، والشركة والجامعة. وليس لديه مانع أن تكون احتفالا فقط بالمزازيك في الشوارع.
ليس لدوى فكرة “الهوية هي الحل”، وهذا هو المنطلق الفعلي الخفي لفكرة “الاسلام هو الحل”، أن تفعل في مجتمع غائب عن الواقع الا أن تزيده غيبوبة، معطلة كل وسائله في البحث عن أسبابها. انها عمى وليست بصيرة.
المجتمع الصايع
تحت بيتنا مباشرة كان دكان لتصليح الأحذية يملكه خواجا، ثم حلت مكانه ورشة لصناعة مكملات الأقباس الكهربائية، انقسمت الورشة لخلاف بين أصحابها الثلاثة، ثم أغلقت وفتح مكانها محل نجار، لكنه كان فاشلا تراكمت عليه الديون، فاشتراه نجار آخر لا يقل عنه رداءة. هذه القصة عادية جدا، يفشل الخياط فيتحول الى بوتيك، يحتفظ على طاولة صغيرة بكتالوجات أزياء قديمة، ويفشل البوتيك فيقرر أن يحوله الى سنتر كومبيوتر، وتتكاثر ال”سنترات” فيحوله الى مكتب اتصالات، ثم الى محل لبيع الموبايلات.
هذه مسألة لا تتصل بالتطور، بل في الفشل في ملاحقته، وهي أخطر من ذلك تعني انعدام وجود أي خبرة مهنية متراكمة، ومعها اقتصاد “انت مسؤول عن نفسك”، الذي يعني ببساطة اقتصاد فردي اجتهادي، تفوته الخبرة المعقدة والمركبة لاقتصاد عالمي يحتل هو موقعا فيه كموقع الذبابة من خيط عنكبوت هائل لا يرى أوله ولا آخره، بل يبتعله ويرمي عظامه كنفاية.
لايهتم هذا الاقتصاد بأي تعليم ولذلك انتشرت من أكثر من 20 عاما دعوى حكومية واعلامية، سرعان ما أمّن عليها الناس بغباء، أن على الشاب ألا يتقيد بالشهادة، تقول الام “يا ابني اتلحلح..” و”اتحلح” هذه تعني ضياع كل جهوده على مدار 16 عاما من التحصيل المفترض ليقوم بتصبيع الكفتة، أو يهتف من نافذة الميكروباس “بولاق بولاق بولاق”. كأن هذه الشهادة ليست حصيلة تعليم أنفقت عليه الدولة والأسر من أجل تنمية مهارة أو خبرة معينة، واعتبر المجتمع المصري ذلك بأريحيته المعهودة، شطارة وفهلوة. لأن “الايد البطالة نجسة” لكن اليد التي تسرق وتنهب ليست بطالة طبعا، والله يغفر للجميع.
بنفس الطريقة المضطربة، تغير اقتصاد البلد، ليصبح في يد طغمة احتكارية لا تنتج ولكن تبيع، وتُسمسِر في البيع، محروسة بالفساد الاداري والقوة العسكرية وجماعات البلطجة. وهذا كان يعني:
أولا: عدم الاهتمام بتعبئة المجتمع في صيغة عقلانية منظمة من أجل انتاج منظم، لأنه غير مطلوب أصلا.
ثانيا: مطلوب على العكس تغييب هذا المجتمع باشعاره أولا أن المسؤولية الاقتصادية تقع على كاهل كل فرد فيه على حدة، وباغراقه في صيغ جماعية ثقافية لا تهش ولا تنش وليس لها أي أثر على احتكارات نخبته، وسلطتها المزدوجة المدعومة بالجهل. وهل هناك أهم من الجماعات الدينية في القيام بذلك.
من المعلوم أن الاخوان حتى حينما شكلوا كتلة سياسية في مجلس الشعب، لم يقفوا أمام الخصخصة، فاسلامهم يحب الفهلوة والشطارة، ولم يدافعوا عن آلاف الأسر المشردة، بل كانوا يتذكرونهم في الانتخابات بأكياس اللحم أو الحلوى. ولم يقدموا أي مشروع بديل لاعادة هيكلة الاقتصاد بشكل واضح يؤمن للمجتمع دورا في التبادل العالمي العادل، ولأفراده صيغة كريمة في العيش، فالآخرة خير وأبقى. والله خلق الناس درجات.
ثالثا: تسفيه الأسلوب العقلاني المنظم، خاصة في الحوار اليومي والنقاش السياسي والفكري وحتى الديني، وهو ما ساهم فيه المثقفون أنفسهم، بدعوى البساطة ومضاهاة الخطاب الشعبي، و”خليك عادي”، وغلبة لغة المصاطب و”الشلت”.
وربما لم تشهد مصر قبل عهد مبارك هذا المستوى السفيه من الحوار والخطاب السياسي بالذات الذي جر معه كل الخطابات الأخرى. فالانفراد الكامل والآمن بالسلطة والمال معا، جعل النخبة المصرية في غير حاجة الى أي تبرير وبالتالي ظهر الوزراء الذين يضربون بالشلاليت، والذين يحلفون برحمة أمهاتهم، وظهر رئيس الجمهورية كزعيم للبلاطجة لا يهمه حتى أن يكون كلامه مفهوما.
ثالثا: تكريس الفصل المقصود بين السياسة والاقتصاد، بما يحول القضايا السياسية الى قضايا أخلاقية وليست قضايا مصالح، وهو ما يوقع الناس في الازدواج بين ولائهم الفعلي “غير المرئي” لاقتصاد عالمي هو المحرك الأساسي للسياسات، وبين العداء السياسي للدول التي تحرك هذا الاقتصاد على أساس اختلاف عقائدي ليس هو موضوع النزاع أصلا، ومن ثم يعيشون وفق استعارات سياسية لا واقع لها، فيهتف الاخواني ضد اسرائيل “خيبر خيبر يا يهود.. الاسلام راح يعود” في مسخرة تاريخية تصلح أن تكون عبرة.
وتصبح مشكلة السياسة مشكلة أخلاقية، يسأل كل واحد نفسه عنها، كأنه هو الدولة “احنا مشكلتنا اننا..” وكأن الدولة ليست كيانا مركبا معقدا يحتاج لآلاف الخبرات التي تطرح هذه السؤال وتجيب عنه، لا أن يتحمله ويجيب عنه شخص يجلس على مقهى ويسحب نفس السيجارة ويقول لك “تعرف لو احنا..”.. وهو لا يعرف الى من بالضبط تشير كلمة “احنا” هذه. ولاكم يمكن أن يؤلف عنها من كتب!
رابعا: أكثر الظواهر لفتا للانتباه هي اللغة نفسها، “فحت.. فشيخ” وأخاواتهما، ليست مجرد مفردات بل تعبير عن كلمات لا يهم أن تؤدي معنى محددا، وأحيانا يكون المعنى الأصلي مستوفى في كلمة أخرى معروفة ويمكن استخدامها، لكن استخدام كلمة مجهولة لتقول نفس معناها لا يعني رغبة في التواصل والافهام، بل رغبة شلة أوجماعة في شيء يميزها، دون أن يكون لازما لها في الوقت نفسه. ولا مضيفا لخبرة مختلفة، ولا مركما على لغة تتطور، بل تمزق خيوط معانيها ومفرداتها كمن يمزق عفش بيته، ثم ينام على الأرض مع برودة الصمت. لأنه عاجز عن التعبير عن أي شيء خاص فعلا.
أهم ما كنت تتعلمه حين تنضم الى جماعة دينية هو أن تلوي حنكك بـ”ان شاء الله الأخ فلان، ويا أخي اني أحبك في الله، وسبحان الله وماشاء الله” الاختلاف هو الاهم، هو ما يرسم الصيغة لجماعة وهمية تتوحد في لغة كلغة أهل الحرف والصنايع، هي بطاقة الانتساب. مثلها تماما مثل “اخبارك يا مان..”، ليتخلق مجتمع يتواجد على أرض كلمات توحده وهميا، لكنها تبقي على حقيقة اختلافه أسيرة الغموض. ولهذا يشعر الناس فجأة باختناق غير مفهوم. ويمرون بلحظات اكتئاب غامضة، لأنهم يشعرون ضمنيا بأنهم صنعوا قناعا لشخصايتهم غير قادرين في الوقت نفسه على انتزاعه الا بانتزاع وجوههم نفسها.. لقد صاروا مسوخا.
الله يحل المشكلة
يتدخل الله هنا على هيئة معجزة، فمن يعرف الله؟ لا أنا ولا أنت، لكن يمكننا الحديث باسمه دائما وبجرأة تفوق جرأة الأنبياء.. الله كلمة مخيفة لأنها واسعة وبلا حدود، من ثم يمكن لكل منا أن يرفعها في وجه الآخر حين يريد له أن يصمت، وترفعها الجماعة المقهورة في وجه السلطة كأسلوب ناجح في المنازعة السياسية، كلمة تقول كل شيء، والكلمات التي تقول كل شيء لا تقول شيئا على الاطلاق، خاصة اذا ظللت حريصا وبمكر على عموميتها، لذلك تخرج دائما بزعيق وصراخ أو بنهنهة وبكاء مسعور. لتلقي في روعك بعقدة ذنب مبهمة من شيء لا تفهمه. ولكنك تستجيب تلقائيا لنداء الغريزة المنحطة في الخوف من المجهول.
في كل حضارة متطورة حتى لو كانت دينية، كانت هناك محاولة لاشتقاق العالم والانسان وعلاقاته من فكرة “الله”، ولم يكن ما سمي بعلوم الدين والتفاسير وعلم الأصول “التوحيد”، و”أصول الفقه” وغيرها والاجتهاد الدائم فيها، الا مضاهاة لعلم عام يربط الأصل بموضوعه، الفكرة بالحياة التجريبية، بغض النظر عن دقة البحث في الاثنين. لكن هذا أنتج قدرا هائلا من المؤلفات والصيغ الثقافية.
لم تفعل الحركات الأصولية ذلك، ولم تكتف فقط بهذا الميراث بل اختزلته الى رؤوس أقلام كارشادات المدارس مضيعة روحه الأصلية.
هكذا صار هناك انفصال كبير.. الله في ناحية.. والحياة المتطورة في أخرى، ولا يستطيع أحدهما أن يتصل بالآخر, وهو ما يربي عقدة ذنب يلعب عليها الأصولي فيصرخ في أذنك “عد الى الله” فتبكي. لأن “الله” على طريقته لا يفسر لك لماذا أنت مضطر الى نفاق رؤسائك، ولا لماذا لا تجد عملا، مع انك حاصل على شهادة، ولا لماذا لم تتمكن من اختراع ساعة تؤذن عند مواقيت الصلاة، بينما صنعها أبناء بوذا وكونفوشيوس، واذا كان هذا يمكن تشخيصه عند أطباء الدين بأن لديك ضعف ايمان، فهل الكافر مؤمن؟ واذا كان ايمان الكافر يجعله أكثر التزاما بافكاره ومبادئه فما الفرق بينه وبين الايمان وما قيمته؟ هنا يصرخ فيك مجددا: انت ح تكفر واللا ايه؟!
لا يحل الله المشكله، بل يتحول الهتاف باسمه الى سنجة أو سكين تشبه سكين الصايع التي يتباهى بها مهددا أبناء “الجيهة”. ويا لها من سنجة!
المجتمع الصايع مجددا
من هو الصايع، لا أقصد الدلالة القاموسية، بل ما يفهمه الناس منها؟ لأنها لو قيلت في فيلم لحسين رياض فستعني النبذ والتشرد والاحتقار والخروج الكامل من الهيئة الاجتماعية، لكننا كنا نرددها منذ الثمانينات “يا صايع” بعيون تلمع بالاعجاب، أما في أفلام مخرجي السبعينات ومن تلاهم من هوامش اليسار ودوائر الثقافة النخبوية، فصنعوا منه ايقونة. كانوا حمقى بكل تأكيد، بل برجوازيين أيضا يساومون السلطة على ادراكهم لحقيقة البسطاء، ويشعرون بالنبل نفسه الذي يضفونه على شخصياتهم، وهو ما يدعم برجوازيتهم بدرع واق قوي. كان الصايع في الحقيقة بائسا ومجرما ولايحتمل البطولة التي تلقي عليه مسؤولية أكبر من حدود معرفته المضطربة، كان كتلة من المتناقضات التي تنتهي عادة نهاية مأساوية أو اجرامية. وأحيانا ينزوي عند كبر السن ضعيفا منسيا.
لا نبل أبدا بلا معرفة، ولذلك كان نبل الصايع، اذا كان نبيلا، نابعا من تبنيه مبادئ اجتماعية ملتبسة يخونها المجتمع نفسه، وهي نفسها كمبادئ أخلاقية تبدو وكأنه مطلقة لا تفسر له لماذا تتم خيانتها الا اذا كان العالم، مقسوما بين ملائكة وشياطين، ولا تقول له أنها هي نفسها “أي المبادئ” مشكلة. ولذلك لا يطور صايع الأفلام معرفة جديدة، لا به ولا بالمجتمع، انه مثل أحمد عدوية، يظل مشغولا بالناس اللي فوق واللي تحت، يمدح أم عبده، ويهاجم ابن البرجوازي دون أن يرى الأرض الواحدة التي يقفان عليها، لذا يأتي صوته حتى في عز السعادة مجروحا، كما لو بأثر ضربة مطواة، أو بركلة اهانة قديمة يصعب نسيانها.
الصياعة والسلطة والمعرفة الشائعة البدائية قدر دائر وأقنعة تتبدل على أبناء مجتمع صايع، فشل في تحويل خبرته الى معرفة تطور بدورها هذه الخبرة، وفشل في ايجاد لغة للحوار بين أبنائه، ناهيك عن الحوار مع الآخر (وكم هي كلمة كم يتم ابتذالها!)، وفشل في ايجاد لغة لفهم قانون الاشياء، فشل في الانتماء لمهنة أو لصيغة في الحياة، فهو صايع، مضطرب الولاء، يصرخ في المظاهرة أمام الرصاص، ويبع صوته بكيس أرز أمام لجنة الانتخاب.
الدولة الصايعة
أيام عبد الناصر كانت الدولة (الممثلة فيه طبعا) تتعامل معاملة البلطجي: ح نرمي اسرائيل في البحر، تماما كما يكشر الصايع عن انيابه: ح أعورك.
ولم يكن هذا يمنع من تحولها الى دولة “..هوه اللي ضربني”، كما أمكنها بسهولة أن تصبح دولة “الصلح خير”. ومع عهد مبارك حيث انكشف تماما اقتصاد البلاد والعباد
أقر الصايع داخل النظام العالمي بأنه مجرد صايع، يمكن استئجاره لتخليص خناقة هنا، أو افتعال أخرى هناك. لعبت الدولة كعميل وهو تعبير مهذب، لأنه عميل صايع بلا عقل، يحصل فقط على يوميته التي يوزعها على عصابة الأربعين. لم يجد مبارك في ذلك أي غضاضة، لا هو ولا أبناء النخبة السياسية والاقتصادية التي رافقت تاريخه، ولهذا كان من مصلحتهم افشال أي روح عقلانية متمثلة في قانون أو نظام، كانوا يؤكدون بالفعل والممارسة ويسربون احساسا بالقوة البدائية لحياة الصيع، ولفنون الصيع، التي هي فنون الفرح والحزن الصاخب لشخص عائد من خناقة، للداعية المخنث، للمطاعم المقامة على نواصي الشوارع حيث ترقد بجوارهم صناديق القمامة، وسياراتهم أيضا، للراقصات السمينات الأقرب الى المومسات، للثقل البدائي للجنس باعتباره مادة توزن.
دولة الصيع، التي هي دولة الوكيل المعتمد لتصدير المخبرين، وصناع الدسائس، يدافع عنها العالم الرأسمالي كله الآن، واتباعه في الدول العربية، لكي تستمر مع قليل من الأصباغ العقائدية: دولة صيع لمجتمع صايع.
عقل العويط: انتفاضة داخل الانتفاضة

أكثر ما يحزّ في نفوسنا أن يكون الذين ينادون بالثورات العربية، طلباً للخروج الى عهود الحرية والديموقراطية والأنسنة في العالم العربي، والذين ينخرطون فيها، استشهاداً، أو نزولاً الى الشارع، أو “تحريضاً” ثقافياً خلاّقاً، منذ استشهاد البوعزيزي التونسي، هم أشدّ الناس حرجاً وقلقاً مما يمكن أن تؤول إليه بعض هذه الثورات. في ضوء ما يجري في مصر خصوصاً، من محاولات الاستيلاء الديكتاتوري الوقح على الثورة، عسكرياً وإسلاموياً، هنا دعوة الى الانتفاض على الانتفاضة.
ثمة “مصلحة خبيثة عظمى” في كل بلد عربي ثائر، أو في طريقه الى الثورة، لإجهاض الحراك الثوري، أو تثميره في غير الوجهة التغييرية التي يتوق إليها. يكفي أن نرى كيف تطلّ الخديعة الخبيثة برأسيها العسكريتاري والديني الإخواني – السلفي، في مصر خصوصاً، كما في تونس وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، كي نضع أيدينا على قلوبنا، وندعو الى اليقظة الثقافية. في سياق هذه “العلامة” المخيفة، لا يسعني إلاّ أن أوجّه أنظاري نحو مصر المتنوّرة المدنية تحديداً، لأسألها كمواطن عربي، أن تواصل ثورتها السلمية بكل قوة وإلحاح وتصعيد، ضدّ ديكتاتورية العسكر وديكتاتورية الاتجاهات الدينية الظلامية على السواء، وأن تضع حداً تاريخياً فاصلاً لحكم المجلس العسكري المتواصل منذ ستين عاماً، وأن تمتشق دورها التاريخي، الذي وحده ينقذ مما قد يكون يحضَّر لمنطقتنا العربية.
لماذا مصر تحديداً، وخصوصاً؟ لأننا، كعرب، محتاجون إلى هذه المصر الطليعية. محتاجون إليها دائماً وأبداً. محتاجون إلى مصر تنويرية، متمردة، منتفضة، مدنية، متنوعة، ساهرة على الثورات والأحلام، تستوعب كل التناقضات، وتكون رائدة الخيارات الثقافية والديموقراطية المتقدمة في عالمنا العربي. محتاجون إليكِ يا مصر، أكثر من أي وقت مضى. محتاجون مجدداً إلى ميدان تحريركِ، والى مثقفيكِ وشبابكِ التنويريين، المتألقين، الخلاّقين، القادرين على جرف الانزياحات المريبة، العسكريتارية والدينية – السلفية، وامتصاصها.
بدون مصر هذه، بدون شباب ميدان التحرير، بدون عزائمهم الهائلة، واستماتاتهم، ستأكلنا المطامع الظلامية الدفينة، النائمة، المستيقظة. وستأكلنا الديكتاتوريات والسلفيات اللابسة لبوسها الجديد أو المقنّع.
نخاطب مصر لأنها أمّنا جميعاً. ولأنها بيتنا الكبير.
ليس لدولة إقليمية سواها، عربية أم غير عربية، أن تحلّ محلّ مصر. عبثاً تحاول تركيا العلمانية و/أو الإسلامية. عبثاً تحاول إيران الملالي. عبثاً تحاول دول عربية أخرى، صغيرة أم كبيرة، إمارات أم ممالك، أم حتى جمهوريات.
عبثاً يحاول الغرب الأميركي – الأطلسي قهرنا بتصنيع صورة لمصر تخالف حقيقتها ودورها. عبثاً يصنع لنا الغرب بقوة التزوير والتشويه والفرض، مصراً باردة، حيادية، مدجّنة، ومنزوعة الأظفار.
لا أحد يحلّ محلّ مصر الحرّة والرائدة. هذا هو سرّنا الاستراتيجي العربي، السياسي والمجتمعي والثقافي والحضاري. لهذا السبب نناديها. ننادي شبابها، ثوّارها، ومثقفيها، ونستحثّهم على مواصلة الكفاح المدني، وعلى السهر والنضال، لعدم تفويت الفرصة التاريخية.
هاكم المشهد المصري: مماطلات العسكر ومطامعهم وحساباتهم واضحة ووقحة. الرغبات الإخوانية، الإسلاموية والسلفية، جامحة ومفترسة. هذه وتلك، أي المماطلات والرغبات، لا تحتملان الجدال والتأويل. في المقابل، ثمة حكومة مستقيلة، مسحوبة الروح، فاقدة الشرعية، معدومة البطولة، لم تستطع أن تقف على رجليها، ولا أن تؤسس لمرحلة التغيير الديموقراطية الجديدة، لأن العسكر يريدون أن يحكموا هم، وأن تكون هي، أو بديلتها المحتملة، محض واجهة مدنية لاستمرار الوضع القائم منذ عقود.
بسببٍ من ذلك، أكتب هذا المقال، مستنجداً بشباب ميدان التحرير، وبمثقفيه، بقواهم المدنية الحيّة والديناميكية، داعياً إياهم للانتفاض على الانتفاضة، للثورة على الثورة، وللعودة الى مقارعة “المستحيل” الديموقراطي الذي يجب أن يظل ممكناً. بل الذي يجب أن يتحوّل أمراً واقعاً.
مع الثورات والانتفاضات الجارية، قد يكون العالم العربي على قاب قوسين من إسدال الستار الفعلي على خمسين عاماً من الديكتاتوريات. لكن من أجل أن ينفتح أيّ مسرح، يكون بديلاً من هذه الديكتاتوريات؟ هذا ما يجب أن يضعه الثوّار والمتنوّرون والمدنيون والديموقراطيون على الطاولة، وهذا ما ننبّه إليه، فندعو مصر أولاً، وجميع التائقين الى التغيير تالياً، الى محاذرة الوقوع في الخديعة السلفية، الدينية والعسكرية، المبطّنة حيناً والعلنية أحياناً. وإذا كانت هذه الخديعة السلفية الدينية تحاول أن تطل برأسها اللئيم في ليبيا وتونس، فإنها ستؤذي، ولا بدّ، الثورتين الوليدتين هناك. إلاّ أن احتمالات نجاح الخديعة المزدوجة الرأس في مصر أو عدم نجاحها، هي التي إما ستقصم ظهر الحرية وإما ستجعله مستقيماً، وتحسم مستقبل القضية العربية سلباً أو إيجاباً.
أيها الثوّار الديموقراطيون في القاهرة وطرابلس وتونس ودمشق وصنعاء وبغداد وعمان والرياض والكويت والرباط والجزائر وعواصم النفط الخليجي، أنتَ خصوصاً يا شباب ميدان التحرير، لا تترك الوديعة الديموقراطية تفلت من بين يديك. ففي هذا المعنى، وديعتكَ وديعتنا جميعاً، ونحن كلّنا مصر، ونحن كلّنا أنت. فوزكَ فوزنا. سقوطكَ سقوطنا. فلا تتركنا نسقط في هذا الفم الجهنمي المخيف. واصلْ عودتك الى الشارع الديموقراطي، واصلْ عودتك الى الوضوح، على قول سمير قصير، وانتفض على الانتفاضة من داخل الانتفاضة، واسحب البساط من تحت أرجل الخديعة العسكرية والإسلاموية. فبعد قليل قد “نُعاد” جميعنا الى بطون الديكتاتوريات الجديدة القديمة، إن لم تنتزع المستقبل بأيديك، بأظفارك، بالأسنان، وبالأجساد القوية التي تفوح من مسامها دساتير الحرية والديموقراطية والدولة المدنية.
هذه “التباشير” العسكريتارية – الدينية التي تهلّ أهلّتها في أكثر من مكان عربي ثائر، يجب أن تجبهها، على الفور، وتمتصها، ثقافة مدنية طليعية، ديموقراطية في الضرورة، يحملها في عيونهم وعقولهم وإراداتهم التطبيقية، شبّان أشاوس، أحرار وديموقراطيون في الضرورة، وعلمانيون إذا شاؤوا، من أجل أن تظل الانتفاضات انتفاضات والثورات ثورات، لا أن تزهق فتنضمّ الى كنوز الحرية والديموقراطية المنهوبة منذ عقود في هذا العالم العربي الكئيب. بعد أيام، اذا ذهب المصريون الى صناديق الاقتراع، فلتربح مصر المدنية المتنورة، رهانها الديموقراطي هذا، ولينكفئ العسكر الى ثكنهم، والإسلامويون والسلفيون والدينيون جميعاً الى دور عباداتهم، مرةً واحدة، والآن. هكذا تربح مصر ذاتها، وتستعيد روحها. بل أرواحنا جميعاً.
عقل العويط








