١١ سبتمبر

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

رسالة المنفِي

إلى محمد أبو الليل راشد في غربته*

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.

الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.

وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.

في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،

عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.

نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد

أنها لا تشتري البقاء.

؎

ساعتها تبدو الأبدية نفسها رخيصة.

نتذكر عهود الأبالسة وأن كل مياه الأرض لا تكفي

لابتلاع حبة دواء. أكتب لك بعد أن حفرتُ فتحةً في بطني

وألقيتُ أمعائي في النيل. هل كنتَ تعلم

أنني سأفقد ما لم أحصل عليه؟

حقول الأسفلت التي ذرعناها معاً

نتراشق الاكتشافات والأسرار، ويوم احترقتْ العجلة

على أعلى نقطة في الكوبري

ونحن غائبان في الحشيش والموسيقى

فوق المدينة التي بدت مثل زاوية صلاة

أسفل عمارة الدنيا ما بعد ١١ سبتمبر –

؎

أنت صمّمتَ على إكمال المهمة

حالما استبدلنا الكاوتش المدخّن،

وكانت أقراص السعادة في تفاحة حمراء من البلاستك،

قسمناها نصفين لنبتلع الأقراص على قارعة الطريق:

هل تذكر وقت كانت السعادة أقراصاً

يمكننا التقاطها من نصف تفاحة بلاستك؟ –

؎

ويوم خلعنا ملابسنا في صحراء صغيرة داخل شقة

يعاد تبليطها فوق الميدان،

ويوم انقلبت أعصاب ذراعك أوتار معدن

يمكنني أن أعزف عليها بصوتي،

والهلوسات التي جعلناها شبابيك، ومشاجراتنا

حول النقود وسيناء، والحورية التي جلست بيننا

حتى مالت برأسها على كتفك وأنا راضٍ تماماً

؎

إلى أن – ذات يوم – مات كل شيء.

قُدنا السيارة إلى الشاطئ أو غابة النخيل

لنتأكد أنه لا يحيا.

؎

أنت واصلت البحث عن مزاج مثالي

بينما تكتشف الفلسفة والكآبة، وأنا اختبأت في بيت أمي

لأكتب رواية. وحين تزوج أحدنا وأنجب الآخر،

لم يكن سوانا لنخبرنا بحقيقة ما يصير.

ظل لكل حدث حديث من الطول والتعقيد

بحيث قلتَ إنك مللتَ الكلام،

إن شيئاً في الكلام لا يؤثّر. وفي هذه القصة الأخيرة،

وحدك فهمت أنني لم أكن مخدوعاً

بقدر ما أردت أن أصدّق،

وأن ما جادت به الدنيا مجرد مشبك

لأسمال بللها لقاء عابر ستجف آجلاً أو عاجلاً

لأعود أرتديها كما خلعتها وارتديتها

ألف مرة أمامك.

؎

كنت تعلم أنني لست سوى أحد أعراض مرض

لا يشبه أمراضنا كثيراً

وأنّ وعد الخلاص خطاب موجه

واللحم والدم محسنات بديعية.

سيتسنى الوقت لنتجادل

فيما لو كان الفيلم هابطاً وإلى أي حد،

لكنك لم تخبرني بأكثر من أن الواقع المشترك

لا يكون براقاً وبأنني لن أقوى على الانتظار.

أكتب لك، كما يقول روبيرتو بولانيو، بدلاً من الانتظار

ولأن قلقك لم يكن في محله. الوحشة أفسدت كل شيء

لكن البدائل حاضرة طالما الأبدية على الرف

ومن رحمة النوائب أننا لا نحزن إلا على أنفسنا.

؎

كنتَ تقول: أحبها وأحتقرها. الآن أستدعي ضحكاتك

وأنا أتهادى إلى الحمام. قطرات الماء البارد

قد تجلو هذه القورة. أفرغ المنافض في أوعية القمامة.

أصنع القهوة وأشربها.

وكل هذا الذي جرى لي وقتلناه نقاشاً

طوال عام عامر بالشِعر والبكاء:

مجرد وهم آخر أكرهه لأفقده

وحين أفقده أكف عن كرهه لأنه لم يكن هناك.

؎

في الحلم كان كما لم أعد أشتاق إليه: رائعاً ومهلكاً

مثل أورجازم سماوي. خبّرني عنك ولا تقلق علي.

الحسرة للـجدعان“.

* بوحي قصيدة للشاعر الأمريكي إيزرا باوند (١٩٧٢١٨٨٥) عن نص صيني قديم:

Exile’s Letter by Ezra Pound‪,‬ based on Li Po

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

القسم الثاني من كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

Akko/Acre - Holy Graffiti
Image by Magh via Flickr

الحمد لله

هذا كتاب الطُغرى المسمى «غرائب التاريخ في مدينة المريخ»، نسبة إلى الكوكب القاهر (المريخ) الذي أُخذ عنه اسم قاهرة المعز، حيث بُني سورها في طالعه عن طريق الخطأ. وفيه أخبار طلاق وارتحال الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من ٣0 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى الطبيب النفسي راشد جلال السيوطي المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001، ومعتمداً الحرف الأعجمي للدلالة على الأصوات غير العربية.* لقد ضمّن الشوربجي نصه المكتوب بلغة مضطربة بين العامية والفصحى عبارات منسوبة لأصولها بين الفصول، كما أضاف رسوماً من أعماله وصورة فوتوغرافية واحدة مؤرخة ١٩١٦، تبَبَّن أنها ترجع إلى قصر دولما باهتشه (طولما باغچه) في حي بشكتاش بإستانبول. كتاب الطغرى عبارة عن حدوتة مكتوبة على تسعة أقسام هي تسع رحلات وتسعة أحداث. في كل قسم، يعني، رحلة يقوم بها مصطفى داخل حدود المدينة التي أعاد تسمية أحيائها وضواحيها (كما سيرد مفصلاً في القسم الثاني) بحيث أصبح:

حي المعادي درب الكلب

والمنطقة الواقعة غرب النيل بما فيها الدقي والمهندسين والعجوزة والجامعة جسر المنام

ومنطقة الجزيرة بما فيها حي الزمالك بحر اليابان

ووسط البلد بما فيها الإسعاف حيث مقر الجريدة التي يعمل بها مصطفى باب الدنيا

وسوپرماركت كارفور الواقع على أول طريق مصر-إسكندرية الصحراوي خان السر

وقرى الجيزة ما وراء حي الهرم بما في ذلك سوق جمال برقاش مينا الرمل

وحي الهضبة الوسطى بتل المقطم كوم شجر

وميناء القاهرة الجوي كما يسمى رسمياً المطار حوش طيارة.

وكل رحلة من الرحلات التسع ترتبط بحدث من أحداث الحدوتة:

screen-capture.png

وإذ آثرنا التنويع يأتي الكتاب، في القسم الأول والثاني والرابع والخامس والسابع، على لسان مصطفى. أما في القسم الثالث والسادس والثامن والتاسع، فيأتي على لسان راوٍ مجهول. كما أن هناك ملاحظتين لابد من ذكرها في الأول حتى لا يتوه أي قارئ يقع في يده الكتاب (بالذات لو كان القارئ هذا من غير المصريين، أو من الذين – مثل أكثرنا – لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الإسلام) .

أول ملاحظة تخص عنوان الكتاب:

الطغرى، أو الطغراء (والغين، على فكرة، لا تنطق في الأصل التركي للكلمة) هي عبارة عن تكوين خطي مميز اشتهر باعتباره ختم سلطان الدولة العثمانية، الذي يكتب به اسمه على المراسيم والفرمانات والمسكوكات. وكان يوضع على سبيل التوقيع الرسمي أعلى الرق أو الصك وليس أسفله، حتى لو كانت الوثيقة مكتوبة باليونانية. معروف أن العثمانيين كان عندهم فن الخط العربي شيئاً مذهلاً، والطغرى أبدع ما توصلوا إليه كاختزال بصري لاسم «ظل الله على الأرض» كما كان يدعى السلطان. مصطفى اهتم بها كثيراً أثناء احتكاكه بالتاريخ العثماني المترتب على الحدث الرئيسي في الحدوتة، واختلط رسمها في رأسه بخريطة لمدينة القاهرة كان يحاول أن يرسمها منذ انفصل عن امرأته.

الملاحظة الثانية:

لا نعتقد أن أحداً ممكن يفهم أحداث هذه الحدوتة من غير ما يعرف بعض الوقائع التاريخية عن العثمانيين. قد يقول مصطفى إن كل شيء موجود في نص الكتاب، وهذا صحيح. لكن الوقائع التاريخية مخلوطة بسيرته وخواطره فضلاًَ عن تطور الأحداث بدرجة تخلي متابعتها مستحيلة. ورغم أنه يؤكد أنه هو نفسه ما كان يعرف هذه الوقائع قبل ثلاثة أيام مضّاها يبحث ويقرأ ويتجول في مواقع الإنترنت (في القسم الخامس) نعتقد أنه يكون أحسن لو سردنا الحكاية وأهم تواريخها هنا باختصار:

بدأت الدولة العثمانية في منتصف القرن الثالث عشر كإقطاع يحكمه غازٍ اسمه عثمان ابن أرطغرل (والغازي لقب يعني المقاتل في سبيل الله) كانت أرضه متاخمة للأناضول حيث الأصول المباشرة لقبائل التركمان الموالية لسلاجقة قونية. واتخذ أورخان ابن عثمان (توفي سنة ١٣٥١) لقب السلطان بعد انتصاراته العسكرية وتوسع أراضيه في الأناضول والمنطقة الأوروبية المسماة روميليا نسبة إلى روما الشرقية أو بيزنطة،التي تمكن السلطان محمد الثاني سنة ١٤٥٣ من الاستيلاء على عاصمتها القسطنطينية أو إستانبول – ما حلم به المسلمون منذ أيام الرسول عليه السلام – فلُقّب بالفاتح نتيجة لذلك. كان نفوذ العثمانيين قد اتسع بفضل القوة العسكرية للانكشارية، وهو الجيش الذي كونوه من أبناء مزارعي البلقان ممن جُنّدوا واستُعبدوا باسم السلطان وديوانه المعروف بالباب العالي (طپ قپو، باللسان التركي، وهو أيضاً اسم القصر الذي بناه محمد الفاتح في إستانبول)؛ وكان الاستعباد يتم على سبيل الخراج أو الجزية. إلا أن أنظار الدولة لم تتجه إلى الشرق حتى القرن السادس عشر، حيث انتصر السلطان سليم الأول (1465-1520) على دولة المماليك في مصر والشام سنة ١٥١٧، وكان من عواقب ذلك سيطرة الدولة العثمانية على الأراضي المقدسة والقاهرة، مقر الخلافة السنية منذ استقدم الظاهر بيبرس الخليفة القاسم أحمد – أول من عاش في كنف المماليك من بني العباس – سنة ١٢٦١. وكان ذلك بعد أن قضى صلاح الدين الأيوبي (1138-1193) على الدولة الفاطمية (وهم شيعة إسماعيلية) وأعاد شارات الخلافة العباسية السوداء إلى البلاد، جاعلاً خطبة الجمعة باسم الخليفة. أقدم سليم عشية الفتح على ما لم يسبقه إليه حاكم تركي آخر بإعلان نفسه خليفة رسول الله وإمام المسلمين عن طريق إجبار العباسي العائش وقتئذ في كنف الأشرف قنصوه الغوري (١٤٤٦-١٥١٦) على تسليمه الراية وإعطائه الحق على الملأ، كما أعدم ابن أخي الغوري طومان باي الذي قاد حرب شوارع ضده بضع أسابيع. وظل العالم الإسلامي يبايع السلطان العثماني بالخلافة حتى انهيار الدولة سنة ١٩٢٢ ورحيل عبد المجيد ابن عبد العزيز (١٨٦٨-١٩٤٤) الذي لقبه مصطفى كمال خليفة صورياً في أعقاب إعلان الجمهورية التركية ثم سارع إلى التخلص منه. وكان عبد المجيد ابن عم آخر ثلاثة سلاطين: محمد وحيد الدين ابن عبد المجيد (١٨٦١-١٩٢٢)، ومحمد رشاد ابن عبد المجيد (١٨٤٤-١٩١٨)، وعبد الحميد ابن عبد المجيد (١٨٤٢-١٩١٨).

هذا

وخير ما نبتدئ به، بعد الصلاة على النبي، اقتباس من شمس الدين الذهبي (عن ابن إياس*) يروي سر تسمية المدينة التي شيدها جوهر الصقلي شمال شرق مصر القديمة (فسطاط عمرو) سنة ٩٦٩، وذلك استعداداً لمجيء الإمام الفاطمي المعز لدين الله من مقر الخلافة الإسماعيلية في القيروان:

«لما أراد جوهر القائد أن يبني سور القاهرة اختط أساس المدينة وجمع أرباب الفَلَك وأمرهم بأن يختاروا له مطلعاً سعيداً حتى يضع فيه أساس المدينة فجعل على كل جهة من أساس المدينة قوائم من خشب، وبين كل قائمة منها حبلاً وفيه أجراس من نحاس، ثم وقفت الفلكية ينتظرون دخول الساعة الجيدة والطالع السعيد حتى يضعوا فيه الأساس. وكان لهم إشارة مع البنائين إذا حركوا تلك الأجراس يلقون ما بأيديهم من الحجارة إذا سمعوا حس الأجراس. فبينما هم واقفون لانتظار الساعة السعيدة، وإذا بغراب وقع على تلك الحبال فتحركت تلك الأجراس فظن البناءون أن الفلكية قد حركوا لهم الحبال التي فيها الأجراس. فألقوا ما بأيديهم من الحجارة في أساس السور، فصاح عليهم الفلكية: “لا لا، القاهر في الطالع، يعنون المريخ، واسمه عندهم القاهر، فقضي الأمر.»

قال مصطفى نايف الشوربجي:

هكذا تبدأ الحدوتة اللي غرضي أحكيها لك يا راشد:

بخروجي من بيت الزوجية قبل مولد النبي بيوم.

أنا ودعت امرأتي مساء الجمعة.

الخميس، كانت يلدز اتهمتني بإخفاء معلومالت سعياً إلى تعاطف لا أستأهله.

السبت مر المولد بلا أي احتفال في البيت. لا حلاوة ولا ابتهالات. أنا فاكر أني مضيت ساعة أو زيادة – وأمي تقرأ قرآناً على الكنبة – أفكر في شراء عروسة مولد لأحطها قدامي وأتفل في وجهها، أطعنها بالسكين، أدلق عليها سبرتو وأوّلع كنت أخمن أيضاً أن يلدز لها فترة تنشر دعوتها. وفعلاً وقتما رجعت المكتب يوم الأحد (لأول مرة منذ عام، سقت إلى ميدان الإسعاف من الدقي وأنا متأكد أني سأعود إلى الدقي آخر اليوم، وفي بداية اليوم التالي أرجع أسوق من الدقي إلى الإسعاف) لاحظت في كلام بقية العوانس اتهام مضمر، الأمر الذي أحزنني دونما يُيَسِّر الدفاع. كيف أشرح؟ لحد الوقت، الكرامة تأخذني كلما تفكرت. أنفر من يلدز. ثقتها الفارغة وارتكانها إلى الكليشيهات. كأنها رئيس الجماعة الوطنية للأخلاق الحميدة. هي واعية ومحقة وتعرف كل شيء. والواقع أنها تتخبط مثلنا جميعاً. زيادة عنا، حتى، تتخبط. لكنها تسحبك من ذراعك وتقعد معك تعطيك محاضرة. تنشر دعوتها بلا أي اعتبار لإرادتك. إذا واجهتها بالحقيقة تنهار. وأنت تعرف أن دوافعها غير ما تقول. الظاهر ثقة وثقافة، فعل الخير وشد الأذن. فماذا عن الحقد والجبن وخداع الذات؟ تحديداً، خداع الذات. الكرامة تأخذني فتتحول خيباتها من سبب للحنان إلى طاقة ضغينة. بأي حق تحكم على دوافعي؟ مثلاً في اكتئابها تحس أنها لقمة ممضوغة: أفكر أنها فعلاً لقمة ممضوغة ويجب أن تحس بذلك. وأود لو أن كل النسوان لسن مثل يلدز. يوم الأحد ما كدت أنصب العدة على مكتبي حتى رجعت تسألني:

«هل قلت لامرأتك شيئاً عن ما كان حصل معي؟»

لا أعرف إن كنت أريده أن يحصل مرة ثانية. لن أتكلم عنه حتى لا تكون الشخبطة انتقاماً. فقط أود لو أن كل النسوان لسن نحيفات ومعقدات مثل يلدز. حتى شهوتها بر وتقوى، أو يعني كشف حساب. مستعدة أن تخاطر بأي شيء من أجل وهم أنها على حقا، وهي ليست على حقا. قادرة أن تخصي واحداً وتقتل الثاني دونما يطرأ على خاطرها شك أنها تؤذي أو تضر. هي قديسة ومضحية وكل تصرفاتها مبررة. بضان، فكرت. والأبضن أنها غير واعية بشيء. اسمعها ثم تابع تصرفاتها ستعرف: عزلة كاملة بين مخها والحياة. كل الأوضاع المحتملة وتصلي، بنت الكلب. الدين والدراما. امرأتي كمان: ما كان يخطر ببالي، قبل زواجنا، أن في بطنها كل هذه المسرحيات. مليت العقائد وأسئلة الهوية. في اليوم التالي – الإثنين – يلدز نفسها لن تكون في المكتب، وحين أسأل عنها – على سبيل التعامل وكأننا لازلنا أصدقاء – سيقولون إنها أخذت إجازة ثلاثة أسابيع لأن الشغل أتعبها. فأستريح. إجازة طويلة هكذا من غير ما تقول لي رغم أننا تقابلنا البارح؟ على الأقل لن أشوفها في الفترة الحرجة هذه. ورغم فضولي لم أسأل إن كانت ستمضي إجازتها في مصر أو تسافر، لكن فهمت من كلام الزملاء أنها مفلسة ومكتئبة فافترضت أنها ستكون في مصر. عارف أنها لن تتصل بي، مع ذلك. إذن لا خوف.

واستغربت كم أنا مستريح لفكرة أن لا أراها.

خبر بادرة إدراك مصطفى لمهمته التاريخية

ذاك الأحد، أول يوم على رجوعي الدقي، كان عندي إحساس غريب وأنا طالع م الگراج. إحساس سألاحظ تكرره بعدين وأعيد تفسيره أكثر من مرة. يعني خلاف الفرحة بالخطر تساوي نهاية زواج، كأن شيئاً أبعد وأوسع يحصل في نفس الوقت. شيء لا يتكرر إلا مرة أو مرتين كل ألف عام. كنت أقول: الدنيا انهدمت من حوالي. دلوقت كأن وقفتي على أطلالها نظرة أخيرة يلقيها الجنرال المهزوم على مدينته بعدما احتلتها جيوش الغزاة… وقفتي بالوجه الباكي من غير دموع، ذاك الذي رسمته ليلة ما نمت في الدقي ونصف حاجتي في العربة والجنين متشرد في بطن امرأتي وهي تشد شعرها الذي تعلمت أن أتجنبه تماماً بعدما جئت أملس عليه أكثر من مرة فزعقت لي – تصدق أنها كانت تتخانق معي لو خبطت فيها بالغلط ونحن نائمان؟ – ثم عفش البيت ينزل سلالم العمارة من ورائنا وكل الخانات التي كانت امتلأت – الحب، العائلة، السكن – دوائر فارغة في التراب… وكأن وقفتي هذه أو نظرة الجنرال الأخيرة علامة انتهاء زمن بأسره – زمن كانت المدينة التي هي الدنيا يحكمها أهلها – وبداية زمن ثانٍ من الذل والغياب. راشد: هذا الزمن الجديد فيه مكان أوسع للمتطرفين دينياً والرائحين مع أمريكا أو ضدها. هؤلاء أمثال صديقي السني أمجد صلاح عبد الجليل من ناحية، وصديقي القبطي المتعصب ميشيل سمير فستق من ناحية أخرى، ثم زميلاتي اللائي هن – على أحدث صيحة – محجبات. أرباب النيوليبرالية، يعني. فاكر لما كنا نقول إن هؤلاء الناس عائشون في سوپرماركت لانهائي، ونضحك بمرح حقيقي حين يخطر لنا أنهم فعلاً يرون في التسوق غاية كافية للحياة؟ يعني ما جاءت في بالي، في هذه المرحلة، حكاية النظام العالمي والواي أوڤ لايف اللي يروج له الأمريكان. ما جاء في بالي لا الخصخصة ولا وقائع 11 سبتمبر 2001 ولا بطاقات الائتمان. ومع ذلك، اقترن انهدام الدنيا من حولي – الشك المفاجئ في وجود تنظيم سري يفسد علي حياتي – بإحساس أن العالم الذي جئت إليه كله ينتهي وأن عالماً جديداً يحل محله ليس فيه سگاير ولا لغة عربية.

مجرد لحظة، وأنا أدير وجهي لكوبري الدقي بعدما خرجت من الگراج وألاحظ عربة همر تكاد تجهز على الـ128 التي أمامها… كان علي أن أتفادى ولداً صغيراً يقطع الشارع جرياً وعلى كتفه شنتة مكتوب عليها «سپايدرمان».

فصل هو خط سير الرحلة اليومية ذهاباً وإياباً

لكن أغرب حاجة أني بقيت أستمتع بطريق الرحلة اليومية رغم الزحام الجنوني والحر المتصاعد كل يوم، الشيء الذي ما كان يحصل أبداً أيام المعادي. متعة السواقة م الدقي للإسعاف وبالعكس هي الثانية جزء من برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واعٍ على سبيل احتواء نوازعي التدميرية؟ احتمال. ومع ذلك، ما إن أطلع المكتب حتى يرجع لي الغيظ. مَن هؤلاء؟ لوهلة، وأنا قاعد في المكتب يوم الإثنين، ستبدو الدنيا التي أنا بصدد بنائها عبارة عن دائرة أو دورة تبدأ بمحطة بنزين وتنتهي بجمع من الناس محشورين في بعضهم، في وسطها عجلة عربة وهي تدور وتدور عكس اتجاه عقارب الساعة. وسأخرج الدفتر فجأة، وسط حديث طويل مع شاهين أُگُواوا زميلنا السمين الذي أحكي لك عنه – ابن المثال الأفريقي الشهير، صديق يوسف السباعي الذي مات بعد مقتله بأيام – وأعمل رسمة صغيرة بسذاجة فنية تقريباً متعمدة.

dailytrip.JPG

فتكون بمثابة اختزال بصري لدنياي – الرحلة اليومية التي أقوم بها، ذهاباً وعودة: أطلع م الگراج عند منزل كوبري الدقي تقريباً – لصق البنزينة وميدان الدقي في ظهرك على اليمين – لكن لابد من الوصول إلى آخر شارع الدقي على شان اليوتِرن. على بوابة جنينة الأورمان ظهرت لافتة عملاقة تبشر بمهرجان زهور الربيع. أبطئ أكثر مما ينبغي لأسترجع المشهد: تراب مقيم في الهواء وسماء صفراء وأخبار الحرب في المنطقة، ثم برنامج الإصلاح الاقتصادي. (ماذا يذكرني، كلما رأيت لافتة مهرجان الزهور، ببرنامج الإصلاح الاقتصادي؟) من الأورمان إلى مطلع كوبري أكتوبر خط مستقيم. الميكروباسات تتقاتل وأطفال المدارس بالدستة في المقاعد الخلفية للتاكسيات. إعلانات ملابس كونكريت بطول الرصيف الوسطاني عبارة عن صبيان وبنات لم يبلغوا في أوضاع موحية. وبعد كده، عندك الذين ينتظرون مواصلة على مطلع الكوبري: لأي شيء الناس كلها مكشرة؟ لا أعرف كيف أصف الدقي لأنه مألوف أكثر بكثير من أي مكان آخر، لكن ممكن أكلمك عن الحَفْر الجداري في سور الكوبري أو الرائحة المنبعثة من تجويف مَنْزَله حيث يتبول ويتبرز المتشردون. ممكن أكلمك عن لون الأسفلت في الضوء البرتقالي بعد المطر، ولمعان أغطية البالوعات في وسطه، أو ثلاثة أجيال من الأقباط السذج يسكنون الگراج الذي أطلع منه كل يوم.

أخبرك عن سوء سمعة الشقق المفروشة حول مسرح نجم، أو عن وقت – كما قال لي أبي الميت – ما كان فيه حي يدعى المهندسين. الدقي عبارة عن بضعة شوارع تتخلل الغيطان الممتدة شمال الجامعة وغرب النيل. سكنا على حافة بقايا قرية اسمها داير الناحية، وفضل أبي – في وصف الجيوب الشعبية الباقية هناك رغم سواد الأسمنت والاستهلاكية في محيط الميدان وهيئة المساحة – يستبدل عبارة الدقي البلدي بالدقي القديم. السور الواطئ الذي ينتهي عند عمارتنا – إذن – تقاطع عالمين أحدهما قَدَر الضواحي حيث جلبة الطبقية والوجبات السريعة. هناك يظل الجسد البشري محروماً من حقه في اقتسام المساحة المتاحة مع العربات. العالم الثاني يشبه قرى الدلتا حيث الجيرة والفقر والتفاعل الريفي. وأكون مريت بالگراج فيبدو مختلفاً تماماً عن المكان الذي أطلع منه كل صباح من الأورمان إلى المطلع خط مستقيم: كوبري أكتوبر عالم منفصل لا يخلو، في أغرب الأماكن، من مشاة. وبغض النظر عن الحبّيبة المتعانقين على النيل – كل الصبايا محجبات، حتى وهن في أوضاع مخلّة بمقاييس الحجاب – والأعراس الصاخبة وقتما يتزوجون (في نفس أماكن العناق ولكن في آخر الليل والدنيا أهدأ: خلال شهر يكفون نهائياً عن العناق)، والخارجين م الأتوبيسات إلى أشغالهم، والهائمين على وجوههم مثل كلاب الشوارع البناء ذاته يتنفس، بغض النظر في نموه المطرد منذ عودتي من إنگلترا، كائن يمرض ويصح. يشيخ. وقت يرتعش أديمه في مرور النقل الثقيل، كأن شخصاً تعرفه يتأوه. فأنت وقتما تأخذ كوبري أكتوبر يومياً – وأحياناً إلى مصر الجديدة أو مدينة نصر – تصير تعمل له حساباً. لا تستبدله بقصر النيل، مثلاً، حتى إن كان واقفاً، وتتعجب من عبقريته والدنيا سالكة.

خبر الفقي وحيد الدين

كنت أقول: الأحد استجوبتني يلدز. والإثنين، كما سبق، رسمت رحلتي من الدقي إلى الإسعاف وأنا قاعد مع شاهين. أنا فاكر أنه ضحك وقال: «ما تحاولش يا مصطفى إنت ما بتعرفش ترسم فاكر كمان أني استغربت صوته وبصيت له كأني أشوفه لأول مرة. الوقت أنت لو سمعت صوت شاهين من بعيد، بالذات وهو يضحك، سهل تفكره بنتاً عندها خمس عشرة سنة، أو يعني ممثلة إغراء في فيلم عربي. يعني فيه شيء منسون، أكيد، لكن لا هذا ولا رفعه الشديد يفسر الحالة الخنثية التي تخبطك في وجهك كلما يجيء على بالك شاهين في صوت هذا الفوتوغرافي المحبط أيضاً نبرة أو أداء، شيء مثل اللزوجة أو التفصد، صعب تتخيله من غير ما تكون شفت منظر اللحم المتهدل بلون البن الغامق على درجاته من كل مِلّي مكشوف حتى جفن العين وعلى حافة الكرسي، مهما اتسعت قاعدته – كما الآن – شراشيب مؤخرة لا يمكن يقال عنها إلا عجيزة تختفي فوراً إذا وقف، لأن أكوام اللحم المتدلية من بطنه تلف حواليها تغطيها. تتحول البيضة العملاقة إلى قمع من البن المعجون بالزيت، كل مرة تقرب منه يخضك طوله لأنه تقريباً مربع فتظن أنه قصير. قمع عملاق طوله قد عرضه ويلمع، ما فيه أي شعر من أي نوع – فقط أسنان كبيرة مثل قوالب الثلج بائنة من الفتحة التي فوقه وحمرة باهتة في عينين ضيقتين – وكل مِلّي في هذا القمع، مع كل كلمة ينطقها بصوت بنت عندها خمس عشرة سنة، يرعش بنفس الأداء. ما علينا: أنا قعدت أُحَكّي معه لحد ما وصل الأستاذ وحيد – أقول وحيد مع أنه يصر أن نناديه بعبارة الأستاذ وحيد الدين على بعضها – وصل بعد الحادية عشرة مساءً. فاستبشرنا نحن الإثنان لأن وجوده سيضحكنا. نعرف أننا في وجوده – بالذات مع شاهين الذي يأخذ راحته معه – مؤكد سنقع م الضحك. أغرب واحد في المكتب، هذا الإنسان. ما حضرته مرة يجيء إلا هكذا سواريه بزيادة، ولا يفتح فمه إلا بطلوع الروح. وقتما يتكلم، يفعل بسرعة مربكة وهو ينهج ويصفر بجنون. ونادراً ما تخلو جملة من نص قرآني أو حديث. الجملة تبدأ وتنتهي بصيغة تعجب مبهمة: «هه ولو كنت قدامه أثناء الكلام، تمشي وكل سنتي من وجهك مبلول. دائماً يتصرف كما لو كان يتلصص على الآخرين، لكنه يعمل كده وهو متردد وخائف بدرجة تبعد الريبة وتقرّب العطف. الأستاذ وحيد فعلاً حاجة قليلة ورذيلة كأنه من فصيلة القوارض. لكن ليس صعباً دائماً أن يعطف الواحد عليه. ومع ذلك، كان اهتمامي به ليلة الإثنين أعمق وأبعد من العطف أو الفكاهة. لأول مرة أبص له بتمعن وأسأل نفسي لأي شيء هو هكذا.

هكذا كيف، رددت؟

يعني يمشي مثني الركبة كأنه يزحف أو يستعد للقفز… دائماً محني الظهر وعلى رأسه طاقية مقلمة… ذقنه النابتة تهدد بالاخضرار. فوق الجورب في رجله شبشب حمام أخضر فوسفوري – والله أقول لك الحق – وطول السنة يلبس نفس البدلة الصيفي، فوقها شرز كارو في الشتاء. يعني إذا كلمته يرد – أحياناً يسأل عن شاهين من نفسه، كأنه يكح وهو ماشٍ – لكنه، غير ذلك، لا يبدأ أبداً بالكلام. وكل عشر دقائق يشد رحاله على الحمام يغتسل. لا أذكر من قال لي إن عنده وسواس قهري – آخر همي. الملفت بصحيح أنه يقبض مرتبه من غير ما يعمل حاجة. عنده منصب محترم لكنه لا يقبض مكافأة (كلنا نعيش أساساً من المكافآت) ولا يحضر اجتماعاً واحداً أو يقترح مقالاً ولو من أجل المنظر. مثله في المؤسسة الكافكاوية مئات، عملياً. لكن الأستاذ وحيد يميزه مواعيد مجيئه ومظهره وانقطاعه التام عن الناس. اللي أخبرني بوسواسه قال لي أيضاً إنه، في بداية عمله عندنا، كان نشيطاً ومتفوقاً، ثم اختفى سنتين – أخذ إجازة بدون مرتب – ولما رجع كان هكذا فيلم رعب. سمعت أيضاً أن رجال الأمن ضبطوه يتفرج على الپورنو في شاشات الأجهزة المتصلة بالإنترنت؛ لا أعرف إن كانوا رأوه يلعب في نفسه وهو قاعد. في المرات القليلة لما خبطت فيه برة الجرنال، كان يمشي كالخائف بنفس الطاقية ونفس زوغان العينين. لا أحد يعرف شيئاً عن الأستاذ وحيد الدين؛ لا أحد يهتم أن يسأل.

أنا اقتنعت لما سمعت لهجته في نطق العربي ولاحظت طريقته المتذللة في التحية أنه فعلاً أزهري. إلا أن كلامه لشاهين عن الفتاوى – وحده شاهين الذي يرتاح له الأستاذ وحيد، في المكتب – أثبت لي أنه فقيه من غير شك، أو يعني فقي (تحريف فقيه؟) وبعدين أثارني كونه لا يعمل شيئاً في الجرنال ويجيء سواريه بزيادة ويلبس حاجات غريبة.

فصل

ليلتها أجلسه شاهين وسطنا وابتدأ يسأله رأيه في الزميلات م الناحية الجنسية. والأستاذ وحيد يحمر ويتهته – هل خلع نظاراته في هذي اللحظة؟ هل كان يلبس نظارات؟ – الشهوة بائنة عليه:«الررراجل روخر من حقه يا أستاذ أگواوا، هه! الله عز وجل يقول مثنى وثللللاث… هه… ورباع!» وشاهين لا يكف عن وصف الزميلات بالتفصيل، بطريقته المخنثة تلك:

«يعني هي من فوق أحسن شوية من غيرها برضه ولا إيه رأيك يا وحيد الدين، بس أنا عارف إن عينك من غيرها عشان إنت دايماً بتحب تفكر ف اللي تحت.»

«هه! معاذ الللللله يا عم شاهين. بس النكاح روخر مباح بفضل الله، ومفيش نكككككاح من غير لا مؤاخذة اللي تحت.» لما شاهين رفع حاجبه الشمال بطريقة لوطية شوية وقال له «إنما صحيح يا وحيد الدين، هو إنت ليه متجوزتش لحد الوقت»… وقف على حيله من أول وجديد وابتدأ يلقي خطبة كأنها سعلة واحدة طويلة. «هه» – قال – «يا أستاذ أگواوا. الزواج روخر كله مسألة قسمة» – عطش الجيم في الزواج ونطق القاف في قسمة – «ومع ذلك والله يا أستاذي الفضضضضيل شاهين أگواوا، أغرب قصة قصة أخوك وحححيد الدين. أنا أتشرف بأخوتك يعني، هه!» – ضحكة هستيرية – «ذلك أني لما جيت بسلللامتك من أسوان كنت روخر خاطب لكن الببببببنت طلعت لامؤاخذة مش بنت، يعني كانت أستغفر الله العظيم وقعت في الرذيلة ومارست الفحشاء. وروخر ربُنا نجاني إذ أني ما دخللللتش بها»… عينه راحت في الأرض والحمرة رجعت في وجهه، ثم جاء كلامه بطيئاً – أول مرة أسمع وحيد الدين يتكلم بإيقاع مثل هذا – وكأنه الذيل الرفيع الذي تنتهي به السعلة. «زي ما تقول يا أستاذ أگگگواوا روخر الواحد اتعقد. كان السن صغير وأخوك فرررررحان بالخطبه…» وتبين من طريقته أننا مهما ضغطنا عليه، لن يحكي لنا كيف عرف أن خطيبته وقعت في الرذيلة؛ بأسى حقيقي، تذكرت أمجد صلاح. «ثم إذا بك تتأكد أن خطيببببببتك يعني… هه!»

في العادة، كنت ضحكت لما مت. لكني الليلة لا أعرف ماذا صار معي طول الحديث الدائر. بس أبتسم من وراء قلبي – وضحكة شاهين كأنها الضحكة الرقيعة لممثلة إغراء في فيلم هابط تجلجل في أرجاء المؤسسة – وأسأل نفسي لأي شيء ما عاد يضحكني وحيد الدين. كنت رسمت خط سيري مرة، ووقتما أرجع لسريري سأرسمه مرة ثانية. بعد الواحدة صباحاً، مع فيلم عسكر في المعسك*ر، سأتساءل إن كان وحيد مدركاً أن شاهين لا يضحك معه قدّ ما يضحك عليه، ولأي شيء يرتاح لشاهين دون غيره، ماذا جرى له في اختفائه، وهل في تحسين منظره من أمل… ثم أصحو مفزوعاً في نصف الليل وساعة ما أروح في النوم من جديد تتواصل أحداث الحلم اللي أفزعني. سأفكر في ذاك المنام كثيراً في الأيام التالية. يمكن لأني منذ الخروج من المعادي، ما كنت حلمت إلا بالأشياء الظاهرة، أتفه أشياء. أتفرج على الكوميديان أحمد حلمي في فيلم زكي شان* فأراه يخلع ملابسه رضوخاً لفتوة شارعهم. أو أحمّل إصداراً جديداً من فوتوشوپ فأمضي نومي أعيد اختراع فَلَاتِرَه… هذا طبعاً باستثناء منام الحفرة المتكرر وحلم أو اثنين بأبي. «ليلة مجيء الغرباء» – هكذا كتبت في دفتري عشية موته، ولما وقع الدفتر في يد أحدهم، بعد سنة أو أكثر، قال لي: هذا شعر – «لم أكن قد اتخذت قراراً بشأن قبلة الوداع، والجار يؤكد لي أن الغرفة ملآنة ملائكة. أغلقت الباب دون أن يخطر ببالي شيء مما صنعته من أجلي. سبعة قطعان من المسافرين، وأنا أواصل اختبائي، عقدوا العزم على إيداعك المرتفع. كان غريباً أن نصبح في البلدة بدونك: بدر ساقط في قلب الصوان (كما وصفت عمتي) وأفواج من الذين يغفرون دون اعتذار؛ عجائز لا أعرفهم، ينهنهون على صدري. لكنك بالطبع كان لابد أن تكون غائباً، يوم راجت بضاعتك».

لا أعرف لأي شيء أبي على بالي هذه الأيام. لكن غير أبي، لا شيء. يعني لا شيء إلا التفاهة وتصعيد خيالي للتوهان. على صوت صلاح عبد الله يغني «الهوستا كوستا والكيف أليسطا، والبنكنوتا مالي الجاكوتا،» لذلك، خلدت إلى النعاس وأنا مش مِدّي خوانة. بماذا أحلم أكثر من تهويمات فيلم ساقط: محمد هنيدي عسكري أمن مركزي يقول للطفل الذي يرش عليه المياه: «كِخ يا بابا كِخ»؛ محمد هنيدي مصري قديم صغير يجري من الصعيدي السمين الذي يسعى لقتله…

ذكر الذي حصل قبل النوم ليلة أول منام

ليلة الإثنين، بعد رجوعي من المكتب متأخراً – وهو، إضافة لإعادة اكتشاف زميلنا الغريب وحيد الدين، الزومبي كما يسميه أمجد، ثاني شيء حدث في الحدوتة التي أحكيها لك – سأقعد على حيلي في السرير وأنظر مرة ثانية إلى الدائرة التي رسمتها وأنا أحكّي مع شاهين زميلنا المحنتف. باقي على بداية فيلم عسكر في المعسكر بطولة محمد هنيدي نصف ساعة أو زيادة، فطفّيت التلفزيون وجهزت روحي لأكتب ملاحظات في الدفتر. نسيت حكاية الدائرة اللي رسمتها لكن ما إن فتحته حتى طالعتني. ومن جديد دخلت في حالة تهييس فحسبت الدائرة تدور مثل الفراشة حول اللمبة، بنفس السرعة المعتدلة دورة ثم دورة ثم دورة، عكس عقارب الساعة، ولا تكف عن الدوران. نزل على أذني صمت مطبق، وماما نائمة، وهمد كل شيء فكأن الدنيا كلها بطلت تتحرك والزمن نفسه وقف. يعني الكرة الأرضية ثابتة في الأثير ولا شيء يتنفس غير الفراشة. ثم بدأت أفكر أني أنا شخصياً هذي الفراشة وأن الدنيا توقفت وأنا أدور.

الله!

الغبار يملأ رأسي، نفس الغبار السحري. وقبلما يكبس علي التوهان لحد ما يخنقني، سأنتفض وأفتح التلفزيون وأقوم أعمل قهوة. في طريق العودة من المطبخ فكرت أن هو ذا الكلام، فعلاً. لا تخضع للتوهان وابن دنياك من جديد، المهم أن تبني. جاء في بالي، في هذا السياق، أن الدائرة اللي رسمتها في المكتب لا تبيّن حركة الطريق كما أحسها كل يوم وأنا ماش. وقررت أني بدل ما أكتب ملاحظات سأتابع خط سيري بالقلم الرصاص على صفحة جديدة. لم أجرؤ أن أطفّي التلفزيون مرة ثانية وأنا أضع القهوة على التربيزة وأولّع سيگارة، ثم رجعت قعدت على حيلي في السرير والدفتر في يدي. شفطة أولى رجعت لي نشاطي، بالذات لما حبستها بنفس سيگارة. غمضت وركزت. ومن جديد بقيت فراشة خارجة من الگراج تقصد ميدان الإسعاف. يدي تتحرك على الورقة كأنما من تلقاء نفسها، ترسم خط السير بدقة فطرية غير مفهومة. وأنا أكثر من مرة أكاد أفتح عيني – شفطة قهوة ثانية – ولا أفعل. فقط يدي تستمر في رسم الطريق. لما انتهيت كان الفيلم على وشك أن يبدأ والقهوة مازالت ساخنة. السيگارة كلها احترقت. ولعت واحدة ثانية وأخذت شفطة كبيرة هي الثانية حبستها بنفس. ثم نظرت إلى دائرة رحلتي اليومية بعد التعديل:

tugraoutline.jpg

مع بداية الفيلم كنت أفكر في الذي تعنيه الدنيا إذا ما تحولت إلى خط سير. وبيأس ضاحك قلت في سري: «يا أخي بلا نيلة! أصلاً أنت من غير ما تعني الدنيا شيئاً محتار، ولا تفهم لأي شيء يجب على نسوان الخليج أن تغطي وجوهها مثلاً، أو الذي يجعل الإنگليز عمليين وقليلي الذوق إلى هذا الحد – الذي يجعل تبادل المشاعر معهم مستحيلاً في غير حالات السكر البيّن، وحصول أو متابعة العلاقات محض صدفة – ولا تفهم لأي شيء فيه حدود بين بلاد تشبه بعضها، ولا الذي يخلّي بعض الناس أغنى أو أقسى، ولا أين يوجد ذلك الذي يتكلم عنه الجميع باعتبار أنه أهم شيء، ولأي شيء لا يتدخل لو أنه يستطيع. لا تفهم» – فكرت، ثم ابتدأ الفيلم – «إلا أن فيه خط سير لازم تتبعه كل يوم، ذلك على الرغم من وجود أماكن أخرى في الدنيا تتحول، بدورها، إلى خطوط سير. يعني لا تفهم أي حاجة في أي حاجة، باختصار.» دلوقت موسيقى الفيلم تعلو وأنا آخذ آخر شفطة قهوة…

المنام الأول

كأني قمت من سريري وخرجت الشارع، لكن الوقت صبح وأنا في مدينة ثانية. هل هذه فعلاً مدينة؟ أينما تطلعت مياه تتلألأ وخضرة منقطة بالزهور. لا أسفلت ولا عربات. بحثت عن ميدان الدقي دون جدوى. اختفت أبراج وكباري القاهرة، لافتات النيون وواجهات الأكشاك والأرصفة وأسوار المداخل. الهدير الميكانيكي الدائم ما له أثر في أذني. لا إعلانات ولا عواميد نور. والعمائر كلها إما حجر أو خشب أو طين. بعضها هائلة، شكلها يذكّر بالإغريق والرومان، لكن طولها لا يزيد أبداً عن عرضها وكلها مهدمة وجميلة. أنا وسط ساحة رملية وفيه طريق نازل كأني فوق تلة. المكان فاضٍ تماماً، لكن أصوات الصراخ الصاعدة من ناحية الغرب تجذبني برفق إلى مركز الجلبة المكتومة – طبول ومزامير وحوافر خيل ثم اصطكاك وتلاطم – كأني أسمعها، كلها، في راديو ملفوف بخرقة مبلولة. ثم قرص الشمس طالع من وسط المياه وراء شجرة سرو ضخمة – لابد أني غادرت التلة إلى الشاطئ: أنا واقف بحذاء صف الحجر الرمادي الذي ينفجر فيه الموج، وجهي للشمس – ومن أمامي ثلاثة قساوسة عجائز يمسكون بالصلبان المعلقة في أعناقهم أمام ذقونهم الكثة ويجرون بأقصى سرعة باتجاه المياه – الهواء يرفع ثيابهم السوداء فتبدو مثل أشرعة مراكب قراصنة وهم يتكعبلون في الأحجار ويتفادون الزرع… لا شيء يوقفهم، وفيه دعاء محموم ظننته باليوناني يختلط بلهاثهم وخطواتهم المتلاحقة على التراب – لغاية ما ارتفعوا وطاروا وأرجلهم مفتوحة زي ما يعمل النينجا في الأفلام الأمريكية…

سقطوا في المياه بلا صوت.

فصل هو بقية المنام

كأني قمت مرة أخرى وأنا عارف أن هذا حلم. يعني أسيطر على الفزع بحيث لا يوقظني، وبنفس منطق الفرحة بالخطر: الإحساس الذي انتابني حيال نبوءة فستق. هذه المرة، ما بحثت عن ميدان الدقي ولا استغربت المكان: إلى يميني حَجَر العمارة – لا أعرف كيف جئت هنا من الشاطئ – عمارة شاهقة فوقها قبة بحجم قرية كاملة، ومن النقوش المحفورة على أعمدتها خمنت أنها كاتدرائية إغريقية*. دلوقت أنا وسط الجلبة، قطعة من هضبة بشرية تمتد إلى مرمى البصر. وكلهم في هدوم تاريخية كأنه فيلم وا إسلاماه. «إنتي فين يا جهاد؟» لكنه مقنع أكثر. فيه بارود وأكل وشرب والهدوم ليست كلها مهندمة ولا ألوانها فاقعة. وجوه النسوان مغطاة. من زاوية نظري أدركت على الفور أني وسط الجمع المصطف على جانبي مدخل هذي الكنيسة العريقة وكأنها مركز الكون. لا أريد أن أنظر خلفي لكي لا أرى أحشاء الناس والخيول تقضمها القطط والثعالب. وكنت أذكّر نفسي أني أحلم حتى أتحمل المنظر. أعضاء مجزورة تحوم حواليها كلاب. فيه أيضاً أكوام من محتويات المنازل – عفش وقماش وخزين وجواهر – يحرسها العسكر على الأركان.

طفل معمم ولّع في أيقونة قده مرتين: دلق عليها وقوداً ثم قرّب النار من طرفها. عكس فيلم وا إسلاماه، هنا، المشهد أقرب إلى التسجيلات المصورة للحرب اللبنانية: نسوان تولول وناس تجري وتراب يعصف في الهواء. ومع ذلك، فيه إحساس عام بالبهجة. حر مايو – لا أعرف ماذا أكد لي أننا في مايو – وأنت تشم رائحة الدم والشعر المحترق والشواء. وتسمع طلق مدافع كأن الأرض تتفجر من فوقها، يليه لغط ألسنة ليس من بينها العربي تتبين فيها، مع ذلك، عبارة «الله أكبر» بلهجات كأنها أوروبية. ثم، بصوت مبتهج، «لا إله إلا الله للدم رائحة مقيئة في الأحلام. لما رفعت يدي إلى رأسي، هالني أني أنا الآخر لابس عمّة. ساعتها بس حسيت بالثوب على جسمي: قطن سميك أخضر محزوم بكتان وفوقه جبة حرير. وكنت أتسلل عبر الأجساد المضغوطة إلى أول الصف، ثم إلى اليمين باتجاه البوابة، وكأن شيئاً يحملني. هناك فيه عسكار معظم قفاطينهم زرق، وطربوش كالقمع على رأس كل واحد فيهم، تتدلى من قالب مذهب في وجهه قماشة بيضاء كالطرحة وراء الظهر، ووسط القالب هذا – عند أكثرهم – نجمة بثمانية ضلوع محفورة من تقاطع مربعين.

لأي شيء هم بلا ذقون زي بقية الناس؟ حتى أنا عندي سكسوكة كثيفة مصبوغة بالحناء لحد ما علا الصوت واضطربت الحركة وسمعنا التلاطم من خلفنا يشتد. الوقت ظهر فرسان بضروع كأنهم حاشية، والجمع كله خطا للخلف مفسحاً لموكبهم زخارف السرج تسرق العين لكن الفرس الأبيض يبرق. بياضه يرد على العمة الكبيرة الملفوفة على طاقية حمراء مدببة فوق رأس الفارس. الصفير والطبول. ما فيه واحدة زيها في كل الهضبة البشرية، فلا أكاد أصدق أن عين الموكب هو ذاك الشاب الأخضر. من قال لي إن اسمه الفاتح*، وإنه ما بلغ الرابعة والعشرين؟ بأنفه الروماني ولحيته الحمراء وعينيه العسليتين، كأنه طفل فعلاً. معقول، هو ذا السلطان؟ لكن الشيوخ يقبّلون طرف قفطانه ويتمسحون بسرجه والفرس يتهادى باتجاه البوابة. وأنا لا أكاد أصدق: وخز خفيف كأن مقبض سيفه في رأسي فلا أدري إلا وأنا أنحني على يده أقبلها، فكأني حصلت على أسمى شرف في العالم؛ حتى الشيوخ ما طالوا إلا طرف قفطانه. زهو كالطيران وأنا أتبعه بين الجموع، لأنه اختارني أنا فمن أكون؟ لحد ما ترجل فانحنيت تلقائياً وهو مازال يعطيني ظهره. مجرد طفل في الواحدة والعشرين. رفعت يدي أناوله التراب فنثره على عمامته وعاد صوت انفجار الأرض والله أكبر. ثم سمعته يهمس: «الحمد لرب العالمين،» بنفس اللهجة الأوروبية.

كان يخطو فوق عتبة الكاتدرائية – فجأة التمعت السيوف في الهواء واندفعت جموع كالجرذان المفزوعة على جانبيه، يخرجون جرياً بأقصى سرعة فيصطدمون بالآخرين. لا توجد عمامات على رؤوسهم ووجوه نسوانهم مكشوفة. أنا رفعت رأسي قليلاً فشهقت… وتاه فكري عن الكوم الذي كنا نعدّي من فوقه: كأنها أجولة محطوطة فوق بعضها تحجب البلاط، يملأها شيء طري متماسك مثل القطن الخام؛ وأنا لسبب غير معلوم أتحاشى النظر إليها… داخل العمارة، كأنك في قصر من قصور الجنة. وعلى الرغم من العذراء تحمل ابنها ومار جرجس يقتل التنين، ملأني إحساس بالانتماء للإسلام نادراً ما أحسه وأنا صاح. السلطان يسجد – سجدت وراءه. أكبس رأسي في الأرض المعكوكة ماءً وغباراً ودماء. ساعتها بس تجيئني القدرة فأنظر ورائي وأدرك أن الكوم الذي عدينا فوقه أجسام ميتين كانوا لاذوا بالكاتدرائية لما حصل الحدث الذي جلب السلطان. غثيان مفاجئ فأكاد أفيق من نومي لكن شيئاً يقول لي إني لازم أبقى لأداء صلاة الجمعة فأغوص في النوم. من جديد أرفع رأسي وأشهق: وسط الأيقونات والصلبان، في قلب هذي الكنيسة البيزنطية الرائعة كأنها مركز الكون، والفاتح الساجد أمامي دون الرابعة والعشرين، سمعت أحد الشيوخ يقيم الصلاة…

عود على بدء

نسيت أن أخبرك، في الحديث عن الطريق من الأورمان، بجذوع الشجر الأخضر الصاعدة كالخوازيق بين أعمدة الإضاءة – خوازيق أطول – والإعلانات، المارقين بين العربات مثل أفراد جيش يتقهقر وشعور باللاجدوى يبرك على صدرك عند تقاطع نادي الصيد… بعد المطلع، اليفط تكبر وتتباعد. بين إصطبلات الجزيرة حيث تاريخي الزملكاوي مع فتاة يابانية والميني توين تاورز – هكذا أسمي البرجين المتلاصقين قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون منذ سبتمبر 2001 – نهر ناشف مرتفع عن مستوى الأسفلت يفضي إلى أحياء. وكثيراً ما تابعت اليفط باهتمام لأمرر الوقت: الكعبة أصغر من سرير أودة نوم فارهة تطل على الحرم المكي، ثلاثية السمن والزيت ومسحوق الغسيل، محمول يعد بتحويل حامله إلى سوپرمان… بحذاء منزل الإسعاف، على الشِمال، أطلال مبنى حجر وخشب كأنه مصنع أو محطة. وقصاده – بين نجوم الكوميديا الهابطة ومطربي الكلِپات – عمرو خالد بنفس ابتسامته المبهمة على حافة الهستيريا، عينه تحاذي أرقام الخط الساخن على خطى الحبيب. أغلب الوقت – حتى والكوبري سالك – لا تكاد تمر بعمرو خالد حتى يبدأ الزحف. من فوق، كتلة العربات المرقطة بالمشاة كأنها يوم القيامة. فأتذكر طلوع الميتين من قبورهم والتعبير الدارج: «أنا طلْعان ميتيني.» وأحس أن الدنيا كلها طلعان ميتينها فأطمئن:

لست وحدي الذي انهدم كل شيء من حوله ولا يعرف ماذا يصنع.

«والعلم علمان منبوذ ومكتسب، والبحر بحران مركوب وومرهوب» - الحلاج

يوم الثلاثاء، سيخطر لي أن ميدان الإسعاف كان دائماً نقطة انطلاق (ليس دائماً، يعني، ولكن منذ اشتغلت صحفياً بعد انتهاء دراستي في إنگلترا بأقل من شهرين، منذ عشر سنين تقريباً من يوم ما أخذت تاكسي من الدقي إلى أحد أقبح مباني القاهرة الكبيرة وطلعت في الأسانسير فلقيت نفسي في هذا المكتب)… من ميدان الإسعاف تعلمت أن أذهب، بالترتيب:

إلى الزمالك حيث بيت حبيبتي اليابانية ثم قهوة العروبة؛

عبر وسط البلد (زهرة البستان والإستوريل وقهوة الحرية وسويس إير شارع عدلي ثم المشربية والتاونهاوس والجامعة الأمريكية إلخ إلخ) إلى الغورية حيث قعدة البنقو التي واظبت عليها عاماً كاملاً في حارة حوش قدم، البيوت القديمة بعروضها الفولكلورية ومقاهي الحسين على الجانب الآخر من شارع الأزهر؛

فوق الكوبري – أو عبر طريق صلاح سالم – إلى المطار ومدينة نصر حيث حجرة صديقي مخرج السينما على سطح أجرد في الحي العاشر، ثم شقة أهل يلدز حيث كنت أزورها على الهضبة الوسطى من تل المقطم، أو القطامية؛

إلى المعادي حيث بيت صحفي متقاعد تعلقت بامرأته عاماً كاملاً ثم صحبة امرأتي في شقة الزوجية؛

إلى مدينة 6 أكتوبر (بيوت صحفيين آخرين) وكارفور الطريق الصحراوي – عبر حديقة الأزبكية حيث يسكن أمجد صلاح – وأحياناً، عبر الطريق نفسه، إلى وادي النطرون أو الإسكندرية؛

إلى مصر القديمة وسوق الإمام وبرقاش في الصباح الباكر؛

بالذات بعدما بقيت أسوق بانتظام، إلى عدد كبير من المساكن والمصالح في المهندسين والعجوزة وأرض اللوا، مصر الجديدة والعباسية وعين شمس، الجيزة والهرم وإمبابة؛

ماذا أيضاً… كان ميدان الإسعاف كأنه باب انفتح، وشفت وراءه كل الحاجات من غير ما أشارك فيها كلها: شفت الكيوف وكل اختلافاتها، وما يوازيها من اختلافات طبقية ومزاجية عند الذين يأخذونها، والذي تعمله فيهم وفي حياتهم؛ شفت الرجال الذين يفضلون النوم مع الرجال والنساء اللائي مثلهم، ثم عالماً كاملاً مركزه وسط البلد عبارة عن عواجيز أجانب وشباب ضاربه السلك ينام معهم مقابل أشياء مختلفة أوضحها – وأندرها – الفلوس. شفت أنواعاً من الحبيبات: المرأة التي تريدك مكتئباً وفاشلاً لكي تنتشلك من براثن اليأس؛ المرأة التي تحب حبك لها دونما تحبك؛ المرأة التي اختزلتك من أول يوم إلى أداة ضمن أدوات كثيرة متاحة لمتعة جسدها؛ المرأة التي تعتقد أنها تخدعك؛ المرأة التي تغيظ بك رجلاً أو أباً أو مرأة غيرها؛ المرأة التي يشعرها وجودك بأنها عظيمة ورائعة؛ المرأة التي تريد مالك؛ المرأة التي تريد وقتك؛ وأخيراً، المرأة التي تريدك كابينيه لغائط تاريخها العائلي. شفت الناس الذين يتكلمون في السياسة ويؤمنون بالأيديولوجيا مثلما يؤمن أمجد صلاح الآن بالإسلام السلفي فيسمون نفسهم مثقفين؛ شفت الأجانب الذين يستأجرون الشقق ليعملوها مساكن أو گاليريهات ويتبادلون في حفلاتهم عبارات التحسر على ما يحصل في البلد، وشعراء الأقاليم الذين يقعدون على القهاوي باستمرار مريب، والكتاب الذين يطاردون الصحفيين، والكاتبات اللائي يعملن علاقات مع النقاد مثل بنات الكومبارس المستعدات دائماً لمضاجعة المخرجين؛ شفت جرائم قتل قليلة، وانهيارات عصبية تستتبع ولا تستتبع الذهاب إلى مستشفيات، مظاهرات وخناقات في الشوارع، وممثلين يضربون حقناً في حمامات البارات، ومحترفات دعارة محجبات، وأطفالاً يعزمون على بعضهم بالبنزين… كل هذا، وأكثر، شفته لما انفتح باب ميدان الإسعاف. الآن يخطر لي هذا الأمر بعيداً عن الإحساس بانهدام الدنيا والأشياء الجنونية التي تحصل لي بصدد إعادة البناء. لن يقترن بالغيظ وشعور أن قوى مجهولة تعاقبني إلا لاحقاً… هذا على رغم أن مشهد طلوع الميتين من قبورههم (دليل انهدام الدنيا) يجيء على أوضح صورة وأنا نازل من جنب يافطة عمرو خالد إلى قلب الميدان.

بحث بوابة المتولي والحركة الوطنية

سأعتبر كون الإسعاف نقطة انطلاقي إلى الدنيا الواسعة مجرد خاطر، وسأضحك – وأنا أعمل أسخف يوتِرن من عند مستشفى الهلال الأحمر مروراً بأحد أكبر جوامع السلفيين إلى دوامة تقاطع الترجمان – من التسمية الجديدة التي ألّفتُها له بلا تفكير: باب الدنيا. من أين جاءت عبارة مثل هذي – يعني أليست مبالغة قليلاً؟ فأتذكر باب النصر حيث زيزو بتاع السجق وباب الفتوح المجاور له – أيهما قصاد زيزو مباشرة؟ ثم ممر الخيامية المعتم المؤدي إلى باب زويلة. أبواب القاهرة الفاطمية ألهمتني التسمية إذن؛ لا شك أن باب زويلة أقربها إلى الذاكرة، كذلك. وسأضحك وأنا أسترجع، بأسى فكاهي، حادثة شنق طومان باي آخر حاكم مملوكي وتعليقه هناك. لأول مرة من سنين يرجع لي منظر مدرس التاريخ اللي حكى لنا الحادثة في إعدادي وكأن طومان باي أبوه والسلطان سليم العثماني زوج أمه. ما اسمه يا ربي الأستاذ متولي؟ أظن كان اسمه الأستاذ متولي بالصديري الصوف والبنطلون المرفوع لحد الصدر والشعر الهائش حول صلعة كأنها بيضة نعامة، كان أكثر واحد أنتيكا في المدرسة: من غير ما يعمل حاجة، كان الأستاذ متولي يثير الضحك. هذا برغم حاجات كثيرة تضحك كان يعملها أثناء الحصة، كأن يقرفص فجأة في منتصف جملة يقرأها ويرجع يفطّ مثل عفريت العلبة على سبيل تأكيد فكرة معينة، أو تسلسل. وما كان يعبأ باستهزائنا الضاحك ونحن ننظر إليه.

كان مهووساً بأشياء مختلفة يدرجها كلها تحت اسم الحركة الوطنية – أنا لم أفهم، من وقتها، ما هي هذي الحركة الوطنية بالضبط – حيث طومان باي، بالنسبة له، أحد أبطالها الشهداء. يعني صحيح أن المماليك كان لهم زمن في مصر واختلطوا أكثر بالفلاحين (من هنا جاءت كلمة أولاد الناس، إشارة إلى المقيمين لهم أجيال من الحكام والمؤرخين)، لكن طومان وعمه قنصوه الغوري چراكسة أصلهم من شمال القوقاز بينما آل عثمان تركمان من رومليا، شمال اليونان وغرب الأناضول، فماذا يجعل هؤلاء أبطالاً وطنيين وأولئك محتلين غرباء – ولدرجة تحويل باب زويلة، بالتالي، إلى بوابة ولي الله المتولي (هل سُمي على اسمها الأستاذ؟) هذا أيضاً، لغاية الوقت، لم أتمكن من فهمه… وإن كنت سأعرف وقتما أقرأ في كتاب ابن إياس أن اثنين فقط من حكام مصر المماليك كانوا روماً ممن سُميت الجبنة الرومي على اسمهم – يعني من قبائل التركمان سالفة الذكر بعدما ورثت السلاجقة، موالي الخلافة العباسية اسماً والمتصرفين فيها فعلاً، التي تسنترت جماعة منهم في قونية لما قضى المغول على سطوتهم في إيران والعراق فانتقلوا إلى أراضي روما الشرقية/بيزنطة، وكانت ضربت فيهم عروق الفرس واليونان* – أحد هذين الاثنين اسمه الظاهر خُشقدم… ساعتها فهمت كمان لأي سبب يُكتب اسم حارة حوش قدم في الغورية بالقاف مع أنه يُنطق حوش آدم، وماذا جعل مولانا جلال الدين البلخي هو الثاني رومياً.

«فلما كانت سنة تسع وستين وخمسمائة انتدب [صلاح الدين] لعمل السور الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي وقصد أن يجعل على القاهرة ومصر [القديمة]والقلعة سوراً واحداً» - المقريزي

من قبل حتى ما يمسك السلاجقة بالمقاليد، في بغداد، والأتراك عندنا يحكمون: في الأول أحمد ابن طولون وبعدين الإخشيد (ذاك الذي همشه الخصي كافور بتاع المتنبي). حتى الأيوبيين من نسل صلاح الدين كان أصلهم يشتغلون عند نور الدين زنكي عدو اللاتين (الصليبيين) المغير على ممالكهم الفلسطينية المسماة أوترمير (وراء البحار)*: الكردي الأذربيجاني الذي جاء بآخر الفاطميين واسترد القدس من اللاتين بعد معركة حطين وبنى القلعة وسورها الذي وصل بين قاهرة المعز ومصر القديمة – فسطاط عمرو وجزيرة الروضة وأعمال الطولونيين – حتى هو، يوسف ابن نجم الدين أيوب، أقول، مثله مثل أبيه نجم الدين وعمه الذي جاء معه، أسد الدين شيركوه، كان في تعليمه وثقافته تركياً. بعد مئة سنة تقريباً على سقوط الفاطميين – الوحيدين العرب، عملياً، منذ نشأة الدولة العباسية – وكان متزامناً مع نزوح السلاجقة إلى رومليا*، سيشيّع هولاگو بغداد بلف الخليفة المستعصم في سجادة ثمينة لتدهسه الخيول المدربة ثم يستمر في الزحف غرباً على ديار المسلمين حتى يوقفه المظفر قطز في عين جالوت – لم يوقفه، الحقيقة، لكنه هزم كتيبة تافهة تركها الحفيد الأشهر لجنكيز خان* في الخليل بعدما اضطر للعودة إلى إيران – وساعتها ستنتقل الخلافة، تحت رعاية المماليك، إلى القاهرة… درس تاريخ هو؟ ما علينا.


«لهفي على سلطان مصر كيف قد، ولّى وزال كأنه لن يذكرا/ شنقوه ظلماً فوق باب زويلة، ولقد أذاقوه الوبال الأكبرا» - ابن إياس

يومها كان الأستاذ متولي يحكي بتأثر لدرجة أنه لما قرفص للمرة الثانية بدل ما يفط كعادته وقع على ظهره باكياً. والذي طبع الحادثة في ذاكرتي أننا لم نر الأستاذ متولي أبداً بعد الحصة دي، سمعنا أن الكيل طفح بإدارة المدرسة من غرابة أطواره فرفتوه نهائياً نتيجة المسخرة اللي عملها في الفصل. وكم حزنت، لما سمعت بوفاته، على سوء طالع الأستاذ متولي… أظنه كان يقرأ من بدائع الزهور رغم أنه ليس مقرراً علينا ولا ابن إياس (اللي هو كمان چركسي) في المنهج من أصله. هذا الخاطر خطر لي يوم الأحد، ثاني يوم على خروجي من شقة الزوجية. ولعلني استشعرت في اجترار حزني على الأستاذ متولي متعة معينة. وأنا راجع م المكتب طلع في دماغي أني لازم ألاقي نص الكلام الذي كان يقرأه لنا، وصممت على الموضوع بعناد فكرني بمنظر امرأتي وهي قاعدة في الأرض تفنّط أكوام الصور والأوراق وأشياء صغيرة ذات قيمة عاطفية مبهمة. ساعات أحس أنها ما كانت تعيش حقيقة إلا وهي تعمل كده. (امرأتي من النوع اللي يحتفظ بكل شيء، ويمضي وقتاً في الحفاظ على شيء يرمز لواقعة ما أكثر مما يأخذ ويؤدي مع هذه الواقعة. حتى أوراق الشجر تحطها بين صفحتي كتاب وتزعل زعلاً بجد لو تهشمت من الواحد وهو يقرأ. نظرية الطرشي في ممارسة الحياة، باختصار: بدل ما تأكل الشيء، تعمل على أن تخلله…) لأن عَنَت الإحساس بضرورة عمل حاجة فارغة – أن ألاقي نصاً يذكرني بإعدادي – والتحمس لاجترار أحزان قديمة من ضمن الملامح القليلة الواضحة في امرأتي: لما وجدت نفسي أتعامل بهذا المنطق تذكرتها. ما هو حنين بالضبط، لكن التماهي مع هذا النوع من الجنون يعوضني مؤقتاً عن إحساس الفقد. كأني، هكذا، أقبض على الشراكة التي راوغتني عاماً كاملاً ونحن تحت سقف.

ثم أنا عارف أنه ليس طبعي ولا خوف من تطبيق دائم لنظرية الطرشي.

«وغبر الشيء يغبر أي بقي. والغابر: الباقي. والغابر: الماضي. وهو من الأضداد.» – لسان العرب

في بلكونة الصالة المطلة على داير الناحية والشارع معاً – مكان ما كنت أربي الحمام والأرانب؛ لحد الوقت كثيراً ما أتفكر حمامتي المقلوظة التي تطير وترجع لي، والأرنب المضطرب نفسياً الذي تمكن من اعتلاء السور وانتحر – ذكريات مخلوطة بخناقات جيراننا الشلق وانتظار مجيء أمي من الشغل أو من رحلة يوم واحد إلى بورسعيد تجلب لي معها محطة بنزين على مقاس عرباتي اللي الواحدة منها حجم علبة الكبريت. لحد الوقت، كلما أطلع البلكونة، تمر لحظة أنسى أنها بقيت دولاب حيطة يتسع، بصعوبة، لجسد إنسان يقلّب في أكوام الكتب المتعلقة بأبي. لما كثرت كانت أمي ستبيعها بالكيلو لولا اتفاقية التعايش السلمي التي عقداها معاً – «أهو ع الأقل نرتاح من دوشة السوقيين اللي تحت،» قالت أمي – والتمت الكتب المتشردة هناك. الأحد، بعد المغرب. وأنا أتحرك كأنما بالتصوير البطيء. «إيه يابني اللي هيدخلك هناك دلوقتي بس» – عويل ماما يتبعني – «طب اقفل وراك عشان التراب حاجة غريبة يا أخي: كأن الطريق من السفرة إلى مدخل البلكونة وراء مكتب أبي طال، أو كأنه تحول إلى قناة فضائية تربط كوكبين منفصلين: أمي – على السفرة – في كوكب، ودولاب الكتب في كوكب؛ وأنا طائر من الواحد للثاني، وكلما قربت من البلكونة كلما خفت صوت أمي وبقي غريباً، وكلما بعدت عن السفرة كلما لبستني روح طفل يداعب حمامة. حمامتي المقلوظة لون القشدة البقري وفي عينيها – زري القميص – حنين لبلاد لم أزرها، منقارها بين إصبعي كاللبة أكاد أقزقزه، تخدع بين راحتي حتى أفلتها فيخفق جناحاها وتبص لي. تطير بعيداً بعيداً، لكن يتهيأ لي أنها كل مدة ترجع تلف وتبص لي قبلما تكمل طريقها وهي طائرة أفقت على الغبار. ويدي تدور على مفتاح النور بينما أنحني لأني أطول شوية م السقف وأعتدل لأقفل الباب. غبار ممزوج برائحة الورق القديم وإحساس مكمكم مثل المجال الجوي المحيط بأبي. شيء بين القهوة وسگاير ماركة كِنْتْ وروب درداري نحل وبره المكان ظلمة. لمبة واحدة تتدلى من خرم في الخشب، عملياً. الظاهر احترقت: فيه بصيص باهت – لأن الباب موارب – خلّاني أجرّب السويتش.

ذكر نص كلام ابن إياس

في الآخر رحت أجيء بشمعة وكبريت من درج النملية. ومع أني قفلت الباب ورائي وأمي مازالت تعول، لغاية ما رجعت ودخلت البلكونة/الدولاب – المرة هذي لم أترك الباب موارباً – فضل الإحساس أني دخلت كوكباً ثانياً. يعني ما عدت طفلاً يلاعب حمامة بريش سمني لكن حاسس أني منفصل كلياً عن هذا المكان وهذا الزمن. بلدي قبو خشب فيه أسرار خطيرة لازم أدور عليها بين الكتب المرصوصة لأنها – الأسرار – مطبوعة على ورق. حتى رائحة الزيت، في المطبخ، ما عملت تغييراً في الإحساس بأني في الكوكب الثاني. كنت كأني واحد مغترب في الطريق لبيتهم. أنا فاكر: ما إن قفلت الباب بالكامل، حتى حبوت. يعني أنت ممكن تقف، محني الرأس، جوة القبو الذي تحولت إليه بلكونة الصالة. لكن أنا لما بقيت في الظلمة تذكرت حلماً غريباً يتكرر – طول حياتي – بأشكال مختلفة: أني وقعت في حفرة واسعة كأنها عالم بأسره، وفي قعرها شيء كالسحاب امتص الصدمة – والسحاب المرة دي عبارة عن غبار متراكم وورق: أكوام عميقة من الغبار يغطس فيها كف يدك، وأغلفة ستبدو – في ضوء الشمعة اللي ثبّتها بين رجليّ – لون روب أبي، الحز المحفور وراء الحز وأنا خارج الدنيا أحبو على هذا الشيء، أغطس وأقب في الطراوة الدردارية وكلما أحس بالتعب أرقد على ظهري وأتطلع لفوق. الوقت تهيأ لي أني في الحفرة إياها، لسبب غير مفهوم – أني بالانتقال من كوكب أمي إلى كوكب كتب أبي إنما سافرت إلى هذا الحلم ومن غير ما أدري، والشمعة في يدي، بقيت أحبو. أحتضن الكتب وأدفعها عني، أشدها وأغوص في الفجوات القليلة بينها. أهرام ومراتب ومخدات من الكتب وأنا في الماء. لك أن تتصور الضوء المرتعش بعدما قرفصت أخيراً وولعت الشمعة: درجات الأصفر والرمادي في ذاك التابوت المعدول، وأنا مثل الله يرحمه الأستاذ متولي تماماً، يداي تقلبان في المخلوقات الورقية الطالعة عليّ مخلوقاً وراء الثاني وكأنها تتنفس

لا أعرف كم مضّيت وسط الكتب والغبار. نسيت امرأتي فعلاً. نسيت حتى أبي. لا أعرف متى صار الكتاب في يدي، ولا كيف وصلت إلى الصفحة التي أبحث عنها. ماذا جعل الكلام يلتصق برأسي وكأني حفظته؟ وإلى أين اختفى الكتاب لما انتهيت؟

مجرد خمس دقائق، برّة الزمن، وكأن المخلوقات الورقية تواطأت على العودة إلى الحياة لإيداع الكلام في رأسي قبلما تهجع إلى قبرها من جديد. هكذا:

«فلما أتوا إلى باب زويلة، أنزلوه عن فرسه وأرخوا له الحبال، ووقفت حوله العثمانية بالسيوف مسلولة. فلما تحقق أنه يشنق (وهنا قرفص الأستاذ متولي أول مرة)، وقف على أقدامه على باب زويلة، وقال للناس الذين حوله: اقرأوا لي الفاتحة ثلاث مرات. ثم بسط يده (الأستاذ متولي يقاوم الدموع) وقرأ الفاتحة ثلاث مرات، وقرأت الناس معه. ثم قال للمشاعلي (الفطة التي لم تكتمل) اعمل شغلك! فلما وضع الخية في رقبته ورفعوا الحبل، انقطع به فسقط على عتبة باب زويلة (هنا وقع الأستاذ متولي، لكنه لم يكف عن القراءة)، وقيل: انقطع به الحبل مرتين، وهو يقع على الأرض ثم يعلقونه وهو مكشوف الرأس. فلما شنق وطلعت روحه، صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف… (كل هذا مختلط بالبكاء).»

كأنّ الأستاذ متولي قدامي يردد الكلام، أو كأني – أنا – بقيت الأستاذ متولي. فقط مقرفص وأفقّر على ضوء الشمعة. ثم بقيت في الصالة وأمي تقول التراب – «ادخل ع الحمام ادخل!» – والكوكب الثاني فص ملح وذاب. ما بقي شيء منه غير نص كلام ابن إياس. وكأني لم أدخل البلكونة، رجعت إلى السفرة حيث أمي جالسة: انهيار زواجي ونبوءة فستق والرحلة المصيرية م المعادي للدقي، ثم الرحلة التي تتكرر كل يوم، م الدقي للإسعاف. في شارع الجلاء سطوة المنادين وخناقات أصحاب العربات، حتى الزملاء منهم، وإحساس متزايد كل يوم أننا فعلاً شعب بهائم والحكومة ما لها ذنب في شيء.

«وأما أرض مصر، فأرض قوراء غوراء ديار الفراعنة ومنازل الجبابرة، تفضل بنيلها، وذمها أكثر من مدحها في أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء، وخديعة…» – المسعودي

المهم: طوال هذا الأسبوع الأول، أذهب إلى المكتب بنفس حلوة فألاقيهم ينبرون في الأخلاق. الناس في مصر أخلاقيون جداً، لكن دوافعهم كلها قلة أدب ونفاق. بين الطموح والموات رجعية وافتراء. الشىء الوحيد المثير في يلدز: إذا غمزت لها تهتاج. لكني بقيت أشخبط لأنتقم – هكذا كنت أصنع طوال الأسبوع الأول – وأنا أريد أن أحكي دون انتقام. يمكن، يغيظني الزملاء لأني أخبط فيهم في المكتب، وما عاد عندي غيرهم إلا أودتي الخاوية. سواء يلدز أو ميشيل فستق، البنت المخطوبة للولد أو أمجد صلاح. رحلتي اليومية أن أعيد اكتشاف جنون كل واحد فيهم. وكلما تكلمت مع واحد بالنهار، أمضيت الليل أنخور في دوافعه. وكلما ألاحظ تناقضاً في واحد أشتم، بيني وبين نفسي، في الجميع؛ مع الوقت بقيت أستخلص نتائج عمومية تشعرني أني وحدي أكثر فأكثر. فأحتار وأغتاظ وأفقّر لغاية ما يسكتني الخوف. ومن جديد أفكر في ضرورة الالتزام بمخطط يومي محكم يحافظ على سير العمل والمظهر الاجتماعي ورضا الوالدين، لا؟

خبر البنت المخطوبة للولد

دعني أرجع للتسلسل: ليلة الإثنين، بعدما رسمت رحلتي مرتين وانتبهت من غير ضحك لزميلنا الفقي وحيد الدين، صحوت مفزوعاً على سقوط القساوسة في المياه. ولما رجعت نمت رأيت بقية المنام. ما هذا؟ الوقت قبلما أقرأ في كتاب ابن إياس يوم الثلاثاء، كنت ألعب سباق المركبة الطائشة وأحرر مقالاً عن مزايا التعديلات الدستورية بالتناوب لما جاءت البنت المخطوبة للولد عندي لتدخن. هذا، بالمناسبة، لا علاقة مباشرة له بالحدوته التي أحكيها لك – سوى أني أشتغل في قفص أبلكاش جوة إحدى الحجرات الكبيرة. ميزته أن فيه شباكاً يجلب نور ربنا بالنهار – يعني، صحيح أن الشباك يطل على سطوح أبو العلا الفقيرة فيفكر الناظر بغم البلاد، لكن حتى القمامة والجير والأشياء هذي لها جمالها في النهار – وفيه باب يقفل من جوة الحجرة فتحس أنك حر بمعزل عن الزملاء. لذلك تجيء عندي دون غيري كلما تهفها نفسها على الدخان: تقعد في الركن ويدها بالسِيگارة وراء الكرسي. يجب أن يظل الموضوع سراً على خطيبها الذي يعمل معنا؛ لا يخطر ببالها أن الارتباط يستوجب مصارحة. هي لا تشرب سگاير، فقط تستمتع بالتجاوز في وجود لطخ يخرجها مسافة سنتي من دائرة العيب. تحت تأثير زميلتنا السمراء الضائعة، على الأرجح. ومن غير اللطخ ما يعلم. أي تجاوز، مع ذلك؟ ما أظنها تعاني لحظة شك في أن الدائرة التي نصبها أبوها حواليها محتمل أن تكون أوقفت نموها الطبيعي. لا غيظ ولا فضول. الكتالوگ كامل المعاني ولا شيء يشتغل. ولا كلمة. الذي يدهشني أن الأشياء لا تُقال. مثل هذي الأسرة ملايين مملينة. كيف يزرعون في بناتهم قناعات سقيمة من غير كلام؟ الكليشيهات تقتل في صمت. «لا يمكن أعمل حاجة تزعلهم» – هكذا تقول عن أهلها، وتبربش – «أصل ليه…» أبوها يعرف مصلحتها، باختصار.

وأبوها موافق على زواجها بالولد شرط أن يضمن حقوقها. كل التفاصيل المادية لحياتهما معاً يحددها أبوها. وهي معه على طول الخط، لا؟ المشكلة أن الشقة اللي عند الولد ليست على مستوى. يعني، مقابل غشاء بكارة، شقة على مستوى. زائد توقيع على قائمة منقولات ومؤخر صداق. زائد مهر ومصاغ وماذا أيضاً. وغشاء بكارتها لا يساوي عندي قزازة بيرة، الصراحة. لكن الولد يريد أن يبني أسرة بالفعل. من استطاع منكم الباءة. كفاءة وأخلاق. السمراء رأيها أنه أحسن مني لأنه يحفظ القرآن، فألوم يلدز. الشقة ضمان الاستقرار، كده الكلام. دور رب الفاميلي المصونة توفيرها. «كده ولّا إييييه؟» (وكم عايرتني حماتي بأني لا أملك شقة. حتى مُزَّتي اللي اخترتها لأنها لا تفكر بالفلوس، بقيت لا تحس بالأمان في سكن الإيجار. فجأة. حماتي تقول لأمي إنهم تعجلوا في الموافقة على الزواج قبلما يتوفر سكن مضمون. كل ده لأني قررت أن أجرب العيشة مع مزة قابلتها؟ كل ده لمجرد أن تحبل وتلد؟) السمراء لابسة من غير هدوم وكأنها غير منتبهة لعريها. أقرب حاجة في حياتي لامرأة أريدها. فجأة ترفع ساقاً من فوق ساق:

«طاب أنا رايحة أصلي بقى.»

نعم يا روح أمك؟

بحث في القيم المتصلة بالعمل والحياة

يومها فكرت في البنت والولد كثيراً. المفروض أنها تحبه؛ المفروض أنه يحبها. كلاهما فوق الخامسة والعشرين ولم يعرف جسداً. وكلاهما مستعد أن يستانى الشقة حتى يعرف جسد الآخر – يعني هو يدفع ليضاجع، وهي يُدفع لها: سنة أو أكثر سينتظران، ولا يشعر أي منهما بأي شيء غلط، ولا يتأثر غرامهما المفصل على المقاس – ومن بعده، لا يعرف أي جسد آخر حتى يموت، لا؟ هو يراجع مفرداته الإنگليزية وهي تدخن من ورائه. ومن لم يستطع فعليه بالصوم. أسوق المركبة الطائشة على الشاشة وأظل أفكر. يعني شركة إنتاج صبيان وبنات تفتقر إلى أبسط شروط الثقة بالشريك. والأشطر يكسب… تركت الشاشة إلى الشباك… هذه ناس؟ ومع ذلك، علق بذهني موضوع ارتباط البنت المخطوبة بالسمراء. في رأسي منظرهما وهما يتوجهان إلى المصلى، الواحدة في إثر الأخرى: قفص آخر في الحجرة الخارجية، بالكاد يسع جسدين، تحجبه ستارة دونما يكون له باب. يجمعهما أكثر من توجه في الحقيقة، وعلى الرغم من كل الاختلافات الظاهرة. فكأن محبة البنت المخطوبة لأهلها هي صورة اضطرابات السمراء العائلية في المرآة، أو كأن انعدام الوعي الجنسي والمبالغة في استغلاله وجهان لعملة واحدة. الشيء المشترك بوضوح هو اشمئزازهما من الاتصال الجسدي. يعني أجسام الرجال. لحد الوقت أنا رأيي أن المسألة مناظر تقليدية للتأكيد على البراءة من منظور أخلاقي، وكما تشكو السمراء بلا توقف من التحرش الجنسي، كما تسميه، مع أنها لا تقدر أن تصمد عشر دقائق على بعضها من غير ما تلفت انتباه رجل لجسمها أينما كانت، يظل اصطناع الاشمئزاز تكراراً مريضاً لقيم مجتمع يدعي أنه محافظ وهو لا يعدو أن يكون مغلقاً… مع الغيظ الهادر كان لابد أن أشغل نفسي بحاجة ثانية. وقررت أن أضع الموضوع على جنب مؤقتاً.

«إنتي يا بت/ عاملة إيه/ إبّوس إبّوس/ إحّضن إحّضن…» - محمد سعد في فيلم اللمبي(إنتاج 2002، إخراج وائل إحسان)

يمكن، يغيظني الولد والبنت لأن لي أياماً أشاهد أفلاماً كوميدية ساقطة. وفي كل فيلم قصة حب: البطلة بكر، وصمود البطل في مغامراته المضحكة من أجل أن يفض بكارتها – غير ممكن بلا عقد شرعي. أحياناً يعقد عليها قبلما يمر بالمغامرت، لكن شراً محدقاً يمنع حصول الدخلة. نادراً ما أضحك من قلبي لكن الأفلام تصنع جلبة في الأودة. يساعدني ذلك في تشغيل الفراغ المعطّل. يتأكد لي أن الدنيا التي انهدمت ممكن إلحاقها بكل رفات العوالم السابقة. لم أعد أستبقي الدلائل المادية على أني كنت هناك – هكذا صنعت صغيراً – فالمهم أن أواصل. الجديد بلا خوف. وقتما يشتغل الفراغ سترجع جرأتي على الشهوة. شيئاً فشيئاً. كل الحاجات تدفعنا أن نكون رهباناً. ضروري أن أبعث في جسمي الرغبة. الليلة فعلاً سأستحم. سأجمع أغراضي لأكون جاهزاً للسفر. شهوتي للبلاد. سأدور في الدنيا كالأبله، وحين أجد ضالتي لن أتزوجها تحت أي ظرف. لا شيء يخرجني من أتوبيس سفر يمشي على مئة وسبعين كيلو باتجاه مجهول. بعد أذان الفجر أتلهى بفكرة خوض مغامرات كوميدية حتى أفض بكارة عذراء أحبها. أعرف أن هذا لن يحصل أبداً. عذراء تعمل لي القهوة وتسيبني في حالي.

تسعدها فكرة أنها ملكي، أصنع بها ما أشاء.

حدث

الثلاثاء جاءت البنت المخطوبة للولد، والأربعاء جد شيء في موضوع الانفصال. ليس حدثاً بمعنى أنه غير متوقع، يعني، لكنه قلّل الترقب دونما يزيل الحيرة: أقل من أسبوع على الخروج من المعادي وامرأتي أجهضت نفسها. جاءني إيميل منها يخبرني أنها لا تريد أن ترى خلقة قاتل مثلي – «مِردِرر،» كتبت – وأنها صحبت أمها إلى الشقة لتسترد الجهاز. فطلبتُ من أمي أن تذهب وتأخذ حاجتي هي، المهمة التي نفذتها بعد الويك إند مباشرة، وأنا قاعد أفقّر في المكتب. يعني – هذا ما كنت أحسه وقتها – أنا سأختبئ في المكتب ريثما تُفرغ الشقة أمعاءها. سيكون في رأسي نوبات القيء التي تصيب امرأتي، وسكين نافذ لأني تركتها تتقيأ. تتقيأ وتتقيأ حتى يخرج ولدنا مع قيئها. وقتها سأحس أنها لا تعمل كده لوحدها. إنما الشقة وفرحتنا كذلك – الدنيا كلها تتقيأ. حتى قبل الإجهاض، يعني، يخرج سائل بني غليظ رائحته تستدعي الموت، فأبكي أبي. زيادة على ست سنين مرت على موته وأنا أبكيه الآن؟

فصل

لكن مثلما أقول لك – باستثناء هذا الإيميل وما سيترتب عليه من قعاد في المكتب بينما الأشياء تتبختر من المعادي إلى الدقي في أثري: هكذا تخيلتها، على ظهر جمل بهودج – لم يحدث شيء غير الحلم طوال أسبوع أمضيته في أودتي القديمة وهي خاوية. بيني وبين نفسي – هذا كل شيء – بدأت أتكلم عن باب الدنيا كلما قصدت ميدان الإسعاف. ومثلما أقول لك، بعد الثلاثين – الذي لاحظته وأنا أرجع أتعود على الأودة – بقيت تعوضني الكتب عن الأفلام الساقطة. مواظبتي تدهشني، كذلك اختياري للمواضيع. قرأت كتاباً طويلاً عن أمريكي في الصين: وضع لنفسه شرط أن يصل هناك ويعبر البلد كلها بالقطار؛ لم يعرف امرأة طوال سنة. أريد أن أصنع مثله. هو حياته كما ينبغي. لا شيء انهدم. وليس مضطراً للدوام على العمل. فقط أريد أن أستقل قطاراً لا يقف – أنظر إلى الآخرين إن لم أكلمهم – ثم أنزل مكاناً بعيداً ولا أفكر في الرجوع. سهرت أقرأ كتاباً آخر عن الصين. إذا سافرت سآخذه معي. فنان تشكيلي من أهل البلد يبلغ الثلاثين – أنا بلغتها قبل زواجي بأسابيع – الدنيا انهدمت من حوله فعقد العزم وخلع. يدور بأوراق مزورة في أنحاء الصين. لا أحتاج أوراقاً مزورة. وضعي بين الصيني والأمريكي. الفرق الكبير في الوقت. كل منهما عنده سنة أو أكثر. أنا بالكاد أتحصل على ثلاثة أيام – ما يهم شيء. احتمال تحصل حاجة ولا أرجع. دائماً أفكر هكذا في السفر. أن أنام وأدخن كما يحلو لي، وأشخبط في هذا الدفتر: حتى بدون سفر هذه الأشياء تجعل النهاية أخف. عشرة أيام، باختصار، وأنا أقرأ وأمكث بلا داعٍ في المكتب. عَرَض دوري، هذا المكوث، يحصل عادة في غياب امرأة. وفي غياب امرأة – صدفة هذه الأيام – المكتب يخلو. (للأمر علاقة بمسائل سياسية لم يرق لي الاهتمام بها: في المكتب كما في البلد كلها قيم كالذبان ولا شيء يحدث، ولا إنتاج.) تذهب في ذروة العمل الأسبوعي ولا أحد. الكل مهتاج على الانتهاء من مهماته في أسرع وقت. أتسول صحبة الخائبين. بالتدريج بقيت أنظر إلى ذوي العلاقات المنتظمة مثل واحد أسقط جوال خراء من فوق رأسه يتطلع إلى أجولة الآخرين. الخراء يبظ منها. لم أعد أصدق نبل أخلاق رفاق دربي السابقين. ومع ذلك، لحد ما بدأت الأحداث الغريبة اللي دفعتني لتسجيل هذي الحدوتة من أولها – في الأسبوع الثاني – ظليت، بفضول يحدوه الغيظ، أعيد اكتشاف هلع وتخبط الزملاء.

جيئة وذهاباً أحللهم.

«وفي الحديث: قصوا الشوارب وأعفوا اللحى.» - المعجم الوجيز

بعدما بحثت في ملابسات انضمام صديقي السكير الهائج أمجد صلاح عبد الجليل إلى حجافل السُنيين، مثلاً – تأكد لي، حال حصول التحول قبلما أترك شقة المعادي بشهرين تقريباً، أن المسألة ليس فيها إسلام سياسي: يعني لا جهاد ولا سلاح ولا حتى نزعة ثورية. أساساً أمجد ليس عنده طاقة ذهنية تسمح بحاجة من دي؛ اختيار فردي، إذن – خطر لي أن التحول مستحيل يكون مجرد لوثة مؤقتة أو تنويعاً على تيمة الرجعية بغباء. يعني: شيء عادي أن يتدين البني آدم ولكن لأي سبب يربي ذقناً كالتي يركبها الإرهابيون في المسلسلات أو يفرح وقتما يناديه الجهلة «يا شيخ»؟ وفكرت أن شيئاً مس دماغه – طرف من شبكة واسعة الانتشار، لا شك أنها متواطئة مع ناس هدفهم هلاك المسلمين: لمصلحة مَن غير ناس مثل هؤلاء أن تبقى الديانة تخلفاً والهوية انتحاراً؟ – بدليل أنه ينفذ مخططاً محكماً من غير ما تتأثر شخصيته. يعني يبقى ترساً في ماكينة السلفية والتأسلم – وفي يوم، بفضل ملايين مثله، نتحول إلى طالبان، نذبح في بعضنا على أساس الدين أو الطائفة، وتأتي طيارات تُسقط علينا قنابل، وصواريخ دقيقة التوجيه تقتل عيالنا وتهد بوتنا بالغلط – إنما جوهر أمجد، تفاهته وعقده، حبه للجهجهة والضحك، لا شيء من هذا تغير قيد ظفر حتى. (الاختلاف الوحيد في اللحية والزبيبة وعدد لانهائي من المحرمات. إضافة إلى الشعائر كلها. وما دخْل هذا في شخصية أمجد؟) وكنت أفكر أن الهلع والتخبط هو الذي يخلّي الناس تروساً تنفذ مخططات شبكات متواطئة ودونما تتغير شخصياتها.

فصل في أسماء أحياء القاهرة

الخميس ما حصل شيء.

فكرت في الحلم وأنا مازلت أحلل. ليس عندي أي فكرة من يكون ذلك السلطان الشاب المسمى بالفاتح، ولا أين الكنيسة البيزنطية التي صلّى جواها، أو في أي عصر. وزي ما عملت الأربعاء والثلاثاء وبقية الأيام، صحوت مبكراً تحممت وأفطرت ودعكت أسناني. أجلت أول سِيگارة لحد ما وصلت المكتب، وهناك شربتها مع القهوة واشتغلت ست ساعات متواصلة.

«وعلم آدم الأسماء كلها» – سورة البقرة، 31

كل هذا يوم الخميس.

دلوقت أنت عارف أني من وقت ما سبت المعادي وفي رأسي خريطة للقاهرة أريد أن أرسمها. كنت جلبت معي شنتة كتب من المعادي فضلت أسابيع في العربة أثناء الانفصالات المؤقتة. ليلتها بعد العشاء أخرجت ثلاثة منها كان فيها خرائط قديمة، وفرشت الورق والأقلام على ترابيزة السفرة لأجرّب. أبتدئ، بطبيعة الحال، من النيل. ثم أحاول أن أركّب الأحياء على جانبيه. خمس أو ست مرات أشطب الذي عملته وأبدأ من جديد؛ وكل مرة تكون الرسمة أبسط بخطوط أرفع ومساحات بيضاء أوسع. بودي شيء سلس ومجرد مثل لوحة تجريدية – لوحة خط عربي، مثلاً – فجرّدت النيل من جزيرتيه وقصرت الأحياء على الدقي والمعادي، والإسعاف. تجاهلت الشوارع والكباري.

خمسة أو ستة خطوط لكل حي فاكتمل الرسم كما أردته. فاضل الأسماء: من غير مجهود كنت سميت وسط البلد كلها باب الدنيا. الوقت قعدت أفكر: إذا كان الإسعاف نقطة انطلاق ففي الدقي – حيث كوبري الدقي ومرسى النيل الناشف: نعم، لقيت نفسي أسمي كوبري أكتوبر النيل الناشف، فيما صارت مطالعه ومنازله مراسي – السرير الذي يمنحني أحلاماً. خل الدقي (ومعه المهندسين والعجوزة والجامعة) جسر… أيوه… جسر المنام. وقضيت أكثر من ساعة أقدح زناد كل حاجة عن أسماء مناسبة لبقية الأحياء. المعادي شارع صغير فيه كلاب هند رستم، كلبة بنت صاحبة البيت – «ساندييييييي!» – والكلب الذي تبنته بنت شعبان البواب، هذا إضافة إلى عدد كبير من الكلاب الشريدة تجيء وتمشي طول اليوم. خلني أسميه… درب، بالضبط: درب الكلب. وبما أن فيه سراً وراء ذهابي، صحبة صديقي السني أمجد صلاح عبد الجليل، إلى كارفور الطريق الصحراوي دون غيره من كل الأماكن التي ممكن نذهب إليها – سر حتى أنا لا أعرفه – يجب أن تكون في اسم هذا المكان كلمة سر. باب زويلة فكرني بخان الخليلي. الخان سوق مسقوف بطرق متداخلة تصطف على جانبيه الدكاكين، يعني مول مثل كارفور. طبيعي أن يكون كارفور هو… خان السر.

كتبت الأسماء في أماكنها. ورسمت خطوطاً بينها تبين الرحلات التي قمت بها داخل القاهرة الكبرى منذ مولد النبي سنة 1428 هجرية: من درب الكلب إلى جسر المنام؛ من جسر المنام إلى باب الدنيا (وبالعكس)؛ و(على اعتبار ما سيكون، مثلما أنا عارف، آجلاً أو عاجلاً) من باب الدنيا إلى خان السر.

cairomap.jpg

ثم جاء في بالي أن فيه أماكن مهمة لا تظهر في الخريطة، اخترت منها أربعة بدت أساسية في حياتي: مكان ما أذهب للتفرج على حيواني المفضل، ومكان ما أغادر البلاد وأرجع إليها، ومكان ما اكتشفت النكاح يابانياً ع البحر (يعني في شقة مطلة على النيل) حيث جاءتني أيضاً نبوءة فستق. على ورقة جديدة رسمت جملاً وطيارة وشجرة ونقلت شارة نادي الجزيرة من بطاقة قديمة كانت عند ماما ولوگو كارفور من شنتة پلاستك ثم كتبت تحت كل صورة الاسم الجديد للمكان: برقاش/مينا الرمل؛ المطار/حوش طيارة؛ الزمالك/بحر اليابان؛ والمقطم (حيث بيت أهل يلدز في حتة هادئة مشجرة من الهضبة الوسطى): كوم شجر. هكذا:

cairomapextra.jpg

يعني. كنت أعرف أن هذه مجرد بداية وأني سأرسم الخريطة من جديد. لكن سعدت بالذي عملته مرحلياً. ولما انتهيت قلمت الورقتين ولصقتهما في الدفتر. ما كان عندي شغل وحسيت أني عملت إنجازاً. من هنا ورائح، وهذه الخريطة تحت عيني، سأستلهم دائرة الرحلة الأولى – بعد التعديل – لأعمل تصوراً جغرافياً لكل رحلة أقوم بها، أرسمه بعينين مغمضين أفتحهما دورياً لأراجع تقدمي في الرسم وضبط المسافات. وهكذا أكوّن زخيرة رسومات مبدأية للإنجاز النهائي لم أتحمم. على نصف الليل استمنيت ورحت في النوم. أحلامي تافهة كما كانت صباح الجمعة فوجئت بالإجازة.

«ثم غلبته عينه بعد ذلك فرأى فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت.» - ركن الدين الوهراني

أول ويك إند على إقامتي في جسر المنام – الأودة مازالت خاوية – ولم أدرِ ماذا أصنع بنفسي فسقت كعادتي إلى باب الدنيا. (لم تعد تدهشني أو تضحكني الأسماء الجديدة.) مرسى النيل الناشف مثل نهاية العالم على أذان العصر (ابتسامة عمرو خالد زي ما هي على يميني). أنا ركنت في مكاني المعتاد في شارع الجلاء ورجعت عبر سوق التوفيقية على رجلي. لفيت من جنب مقهى الأمريكين وعبر سينما أوديون إلى شارع شمپليون ورجعت من رمسيس مروراً بدار القضاء العالي اللي يشبه المعبد الروماني. بعد الوقوف قليلاً عند نصبة الجرائد تسلقت إلى سطح عمارة لا أعرفها. صوت هتافات يأتي من نقابة الصحفيين. مظاهرة أخرى؟ ثم تفكرت: فيه استفتاء على شيء يسمونه التعديلات الدستورية. الأسبوع القادم؟ من هنا لا أرى غير سينما ريڤولي. خلف دار القضاء مباني كالتراب تبتلع الشمس. في شارع شمپليون المقهى مضيء وشاغر. امرأة تنتحب فوق سور واطئ. الدمار والهلاك.

خبر تحقق المنام

للحظة – وأنا على السطح – تهيأ لي أني رجعت إلى المدينة العجيبة حيث المياه والخضرة والفرس الأبيض. أنا عارف أني في القاهرة ولا مجال للتداخل – فيه يُفَط وأكشاك وأرصفة؛ لا خشب ولا زهور، ولا نهاية لعدد العربات؛ حتى الضوء أكثر صفرة وتباينه أشد – لكن شاباً أشقر كأنه نسخة من الفاتح كان يظهر لي كل بضعة أمتار أثناء تمشيتي إلى هنا. وكل مرة يكون على هيئة شكل: ماسح أحذية قاعد قدام الأمريكين، بواب عمارة في معروف، سواق تاكسي راكن عند محطة المترو...

وكل مرة أكون على وشك أن أتوجه إليه وأقول له:

«حضرتك السلطان؟»

ثم أمتنع في آخر لحظة.

فكرت أني متأثر بالحلم وجوعان نوم وأهلوس، وأن الأنقاض التي خلّفتها في درب الكلب تركتني حائراً وحزيناً. حتى لو كان ظهور الفاتح بالطريقة هذي مجرد هلوسة، مع ذلك، فيه إحساس باطني أني مازلت أعيش الحلم، وعلى الرغم من أنه لم يتكرر. السير في شوارع القاهرة إعادة إنتاج لحالة المدينة العجيبة لحظة وجودي هناك. كأن زمناً كاملاً ينتهي وآخر يبدأ، كما حسيت في أول يوم على رجوعي إلى جسر المنام من درب الكلب: وقفتي هذه أو نظرة الجنرال الأخيرة علامة انتهاء زمن بأسره. زمن كانت المدينة التي هي الدنيا لها كرامة أو طعم، وبداية زمن ثانٍ من الذل والغياب، لا مكان فيه لا لي ولا لك ولا للناس الذين نتعاطف معهم نعم. وفيه مكان أوسع للمتطرفين دينياً والرائحين مع أمريكا أو ضدها واللائي هن – على أحدث صيحة – محجبات كل ده مع أن دلالات الفكرة أوضح في الحلم بكثير – وأنا الشاهد الوحيد. هكذا سأرسم الاستغراب على وجهي ليلتها:

الموضوع أكبر بكثير من التعديلات الدستورية: صوت الهتافات نفسه يؤكد الإيحاء بأن الدنيا كما نعرفها تنهار. كذلك أحذية الأمن المركزي الصلدة تدب على الأسفلت – لا أكاد أسمعها، الحقيقة، لكنها ترن في أذني – وشمس العصاري تزحف ببطء ناحية الغرب. لما لمحت ثلاثة قساوسة يمدون باتجاه الإسعاف – حجمهم صغير جداً من بعيد وعلى ارتفاع، لكنهم قساوسة بلا شك – تذكرت إحساسي ليلة ما كنت مع فستق على قهوة العروبة وللحظة تيقنت أني، من يومها، على طريق. صحيح، لا أعرف أين يوصلني، لا أعرف حتى أي محطات سأتوقف عليها على شان أرتاح أو أتبين وجهتي. وستأتي أيام يغلب الخوف الفرحة بالخطر. الذي طمأنني قليلاً أن انهدام الدنيا لم يكن مجرد عبث. يعني أنا ودعت امرأتي لأبتدئ رحلة ضرورية يوم ميلاد النبي – وأن إعادة بنائها تقترن، بشكل أو بآخر، مع الحركة التي أصبو إليها من يوم ما عافت نفسي الزواج. لازم السفر.

فصل في الذهاب إلى خان السر

من ناحية أبسط، خلال أول ويك إند على خروجي من درب الكلب، تأكد لي لأول مرة منذ ليلة الإثنين أن الحلم – عكس الأحلام التافهة وحتى أحلامي بأبي – له معنى سيتحقق. أنا لم أصدق، عمري، في دلالت الأحلام، ولو أني أستبشر بقصة النبي يوسف مفسرها. الوقت كل شيء يتغير. طبعاً لا أعرف ما هو ذلك المعنى بالتحديد. فزع كمسمار ثلج في صدري جعلني أعود أدراجي نزولاً من على سطح العمارة من غير ما أكف عن التفكير. وكدت أشعر بالامتنان لفستق لأنه أعطاني جواز المرور. لا يجب أن يكون الحب اختبار قوة احتمال. إذن لا مفر من التمحيص في المجتمع المحيط – فكرت – أو الاستمرار في تحليل الزملاء. كل شيء له معنى، كل شيء متصل ببقية الأشياء. الصواب فعلاً أن أعمل على إعادة بناء دنياي – أعيد بناءها بالحركة رغم الغيظ – ومن خلال الحركة أتعرف على وجهتي. فهل ألاقي ابني – أو بنتي – على محطة قادمة؟ ثم تذكرت أن امرأتي أجهضت نفسها، أني لما بطلت زوجاً راحت فرصتي في الأبوة وفضلت سرحان حتى سقطت في حارة جانبية. سبعة أولاد يركلون عجوزاً عارياً. يعمل صوتاً حاداً كالمواء. «نزعت الرغبة من قلبي جردت الحب من الشهوة سربت فرحتنا عند أول ناصية مثل قطة مسكينة ضجر أصحاب البيت بوجودها، حتى شقة المعادي جعلتها مكاناً حزيناً ثم قعدت تحملني هم اكتئابها، ولا ترضى لي أن أنام». بعد جولة ثانية في معروف عدت أدراجي إلى العربة في شارع الجلاء. من جديد أسوق بلا هدف، شمالاً ناحية حوش طيارة. عشر دقائق ثم ألف وأرجع. أود لو يكون أحد معي لكني أنفر من كل الاحتمالات: طقم العوانس والمطلقات، ميشيل فستق، ياسمين العراقية أو ياسمين الفلسطينية. فيه غير ذلك صديق أو اثنان ويمكن ثلاثة صحفيين من جرائد أخرى. من كمان؟ لن أبحث في ذاكرة الموبايل، وبما أني توصلت لتوي إلى نتائج خطيرة في موضوعه، سأكلم أمجد صلاح: سفر قصير – مبدأياً – إلى الطريق الصحراوي. عادة وقتما نخرج أسوق به إلى هناك. نلف شوية في خان السر ثم نختار مقهى ونقعد. القهوة والگاتو. بعيداً – كما يحب أن يقول – عن الحضر. سفر غير الرحلة اليومية وقرفها. بعد الثلاثين، أمجد صلاح يثبت لي أني أنسجم أكثر مع غير المثقفين. ما الذي زوجني واحدة مثقفة؟ ميتين أم الثقافة – ثلاثة ميتين أم الزواج! أن تحس بإمكانية التفاعل الإنساني بدون أسئلة فلسفية. السكن بمعنييه. الواحد محتاج وجبة ساخنة في البيت. ولو مرة في الأسبوع. وجبة لا يضطر إلى إعدادها شخصياً. الملل القاتل مودة ورحمة. أريد أنساً بريئاً وشهوانية مطلقة.

أن تبني فقط، لا يفرق كيف. مع أمجد صلاح تبني وأنت قاعد. لي سنوات أقنع نفسي أني أستمتع بصحبته. في حضوره مخي يروح في النوم. نتخاطب وكأننا موظفا أرشيف حكومي سنة حاجة وأربعين. نقول لا شيء. أحب جلجلة ضحكته. جهله ووحدته وكونه يقاوم. بالتدريج تبين لي أن الذي يجمعنا في الحقيقة هو القلق وقابلية الشك في الآخرين: بمعزل عن أي تفكير نبقى سوياً. منذ قُضي مشروع زواجه مزاجه رائق. يسيب نفسه شويّة. يحكي في الأكل والجنس الحلال. لكن للمرة المئة، في عرض النيل الناشف، لقيت نفسي أتساءل لأي شيء خان السر، ولأي شيء الخان الذي على أول الطريق الصحراوي بالذات. غرب النيل دائماً مريح أكثر. وبعد كده، عندك إيحاء الرحلة: كأنك ذاهب إلى الإسكندرية؛ فرحة البداية بلا عناء محبط. ثم كل المشتريات في مكان واحد. تسوق مسافة طويلة وتخرج حاملاً حاجات. وأنت تعرف أنك ستسوقها مرة ثانية. القهوة بعيداً عن الحضر لا توتر. قرب الصحراء، وخلو الجو من مثيرات الذكرى. كأنك على سطح القمر. صحبة سني أزعر هناك. وسط ممرات البضائع، والناس تتدافع كالبهائم، تحس أنك على وفاق مع الطبقة التي تنتمي إليها. لو لم تصبك نوبة وجودية، على الأقل، تحس من بعيد جداً أنك ممكن أن تكون على وفاق. في خان السر – بعد الخروج من درب الكلب ومنام السلطان الذي تحقق – تحدث ثالث نقلة في الحدوتة وآخر خطوة واسعة قبلما ندخل في الغميق. الوقت وأنا أتفكر، يخطر لي أننا لو ما كنا اتفقنا، كانت الحدوتة كلها راحت في داهية وما كنت مريت بشيء من هذا الجنون. للحظات أقتنع أن هكذا أحسن لي – يعني الحياة من غير حدوتة أحسن لي – لكني أرجع وأحس أنها كانت محتومة باتفاقنا أنا وأمجد صلاح أو من غيره.

لازم أروح خان السر بعد تحقق المنام.

The tughra of Sultan Mahmud II of the Ottoman Empire. It reads Mahmud Khan son of Abdülhamid is forever victorious. Written out:
- محمود خان بن عبدالحميد مظفر دائماً

A tughra (Ottoman Turkish: طغراء; Ṭuğrā) is a calligraphic seal or signature of an Ottoman sultan that was affixed to all official documents and correspondence. It was also carved on his seal and stamped on the coins minted during his reign.

The tughra was designed at the beginning of the sultan’s reign and drawn by the court calligrapher or nişancı on written documents. The first tughra belonged to Orhan I (1284-1359), the second ruler of the Ottoman Empire and it evolved until it reached the classical form in the tughra of Sultan Suleiman the Magnificent (1494-1596).

Tughras served a purpose similar to the cartouche in ancient Egypt or the Royal Cypher of British monarchs. Every Ottoman sultan had his own individual tughra.