فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.

فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!

*

ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:

“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”

سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.

وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…

wpid-img_2268-2012-12-17-03-29.jpg

في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟

*

في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:

بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.

يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.

لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.

*

لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…

wpid-untitled-2012-12-17-03-29.jpg

عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!

القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي

قرارات مرسي الأخيرة: إعلان موقف

wpid-img_0822-2012-11-23-04-11.jpg

“حماية الثورة”… قل ما تشاء يا رفيق: أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنفس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه الوحوش الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

هلال شومان: عن باسل شحادة.. أثرُ الشيءِ في غَيره

wpid-basel-2012-06-5-23-10.jpg

تعالوا نُشَخْصِن الأمور كثيراً.

عندما نظرتُ إلى صورة باسل شحادة، تذكرتُ رواية “رالف رزق الله في المرآة” لربيع حابر. في الحياة، انتحر رالف قبالة الروشة. في الرواية، وعندما يعرف الراوي بالخبر، يتذكر أن رالف مرّ بجانبه مرّة في مدخل مبنى “النهار” من دون أن يتكلّما. ينظر الراوي إلى صوَره، يتحدث إلى زوجته، ويقرأ مقالاته التي نشرها في “ملحق النهار”، قبل أن تلفت نظره خاصةً مقالة شهيرة له عن الفريز.

عندما نظرتُ إلى صورة باسل، تساءلتُ بدوري عن فاكهته المفضّلة. كنتُ أعرف أني لن أجد جوابي في أيّ من شهادات أصدقائه المكتوبة. لم أعثر إلا عليه يبتسم لي في الصورة، وطفا نَمَش وجهه على وجنتيْه وأنفه أكثر.

النَمَش

النَمَش هو أثر الشيء في غيره، والنَمَش خطوط النقوش من الوَشْي ونحوه، والنَمَش بقعٌ على جلد الوجه تخالف لونه وأكثر ما يكون في الشُّقْر، والنَمَش – أخيراً – هو بياضٌ في أصول الأظفار يذهب ويعود.

“لينين” vs “غوغل”

لباسل صورتان قرب دراجة نارية. واحدة تظهره جالساً على الإسفلت مسنداً ظهره إليها، وأخرى بجانبها تظهره قافزاً فاتحاً ساعديه في نور المغيب الذي استحالَ ظلالاً عليه. لِمَ كان يفتح ساعديه؟ ولِمَ تلازمه الدرّاجة في الصورتين؟

للدراجة حكاية. كنت أكيداً. البحث أوصلني إلى بورتريه لرنا زيد تلاحق فيه رحلة باسل على دراجته من دمشق إلى نيودلهي. “غوغل مابس” نفسه يضيع عندما تضغط له على زر “الدراجة” وتكتب له من “سوريا” إلى “الهند”. يقول إنه لا يستطيع أن يحسب الاتجاهات. باسل إذاً كان يعرف أكثر من “غوغل مابس”؟ أم إنّ دراجته النارية (سمّاها “لينين”) عرفت أكثر منه ومن “غوغل”؟

من يعرف أكثر عن “لينين” غير باسل؟ من يجيب عن أسئلة من نوع: هل كان يرمي النكات عنها وحولها؟ هل لبطها يوماً ما لأنها رفضت أن تعمل؟ هل تركها مرّة على قارعة طريق، وشتمها ومشى قليلاً ثم توقف والتفت، ثم عاد يمشّيها ويمشي جنبها؟ هل نَجَتْ “لينين” من تلك الرحلة الطويلة؟ وما الذي حصل لها بعد موته؟ أخذها أحد غيره؟ تهشّمت، أم إنها لا تزال تقبع في كاراج بيت العائلة؟

كانَ يوم عطلة

في فيلم إسباني، ولمّا تعرف بموت زوجها، تقوم الأم بأخذ ولديها إلى المركز التجاري. توصلهما إلى غرفة اللعب وتجلس صامتةً تراقبهما يلعبان. بعد أعوام، عندما يسألها أحد الولدين مستهجناً عن سبب ذلك الفعل يوم موت أبيه، تجيبه الأم ببساطة: “لقد كان يوم عطلة”.

الأرجح أن باسل كان يحب العُطَل برغم مكابرته بغير ذلك في فيلمه القصير المسمّى “هدية صبيحة سبت”، والمقتبس من حكاية ولد نجا في حرب تموز. في الفيلم، يركّز باسل على طريقة حركة جسم الولد في السرير: كيف يضم اللحاف، كيف يحرك أصابع قدميه، كيف يتقلب من جنب إلى آخر، كيف يغيّر من إغماضة عينيه. صوّر باسل الولد بالتجزئة. على ماذا كان يفتش؟ على هذه الحركات الصغيرة التي نقوم بها بلا عمد قبل الانفجار؟

“بتعرفو شو؟ أنا بكره العطلة”، ينهي باسل فيلمه القصير على لسان الولد وهو ينظر إلى نار الحرب تقتحم بيته.

كوب الصورة

في الصورة، يحني باسل رأسه إلى اليمين أكثر، يبتسم ابتسامة متحفظة مطلوبة لصورة، وتتشكل تجاعيد حول فمه. عينه اليسرى تصير أضيق من عينه اليمنى، بما يلائم انحناءة رأسه. لعلها الشمس قبالته تجبره على هذا؟ ممكن، لكنَّ هذا تفصيل غير مهم. الأهم هو كيف ترفع يده اليسرى كوب القهوة وتقدّمه للمصوّر، أو ربما لكلّ من سيرى صورته على الشاشة.. بعد موته.

ما في الكوب؟ أي شراب؟

النهاية الخاطئة

في الرواية، يكتشف الراوي أن رالف قفز من فوق سطح مقهى “دبيبو” بعدما ظن طيلة الوقت أنه نطّ من الكورنيش. يبدو ذلك له اكتشافاً نوعياً. كان يتخيّل نهايةً خاطئة طيلة الوقت. يصعد الراوي إلى سطح المقهى وينظر إلى الصخرة أمامه والبحر تحته. هل رفع ذراعيْه كرالف عندما قفز؟ لا أذكر، لكني أتخيَّل أنه فعل.

أين مات باسل إذاً؟ ماذا لو غيرنا مكانه؟ ماذا لو أنزلناه بيروت، ومرَّ أحدكم قربه ماشياً في شارع الحمراء؟ ماذا لو ارتطم كتفك بكتفه، واعتذرتما كل للآخر، ثمّ أكملتما طريقيْكما؟

هذه قصة. من يكتبها؟

الأمر معقّد

“ما الذي يعنيه الوطن لك؟”، سؤال طُرِح على باسل في فيديو على “فايسبوك”.

أجاب: “هذا سؤال خطير. جوابي قد يورطك بمشاكل”. ضحك، واستدرك: “وطني؟ لا. لا أشعر أنني في وطني. أحياناً، بلى. أشعر بذلك. الأمر معقد”. قهقه باسل مرة أخيرة وطلب بودّ إيقاف الأسئلة. “هذا يكفي”، قال.

علينا أن نجعله إنساناً

في القصَص، تترك الجريمة دنساً مؤرقاً في نفس فاعلها. هل يكون الانتصار الأكبر إذاً أن نجعل القاتل إنساناً، فلا يقدر على السيطرة على رباطة جأشه، ويحظى وحيداً بلحظة ضعف؟ وماذا يحدث عندها؟

سيشعر كثر بالارتياح عندها، من دون أن يعرفوا لماذا. قد تقترب أمّ من أولادها وتقبّلهم، أو يفوّر آخر القهوة ثلاث مرات لحبيبته، أو ربما يقوم ثالث بتقطيع الخضار قطعاً صغيرة لصحن سَلَطة. هؤلاء كلهم، سيبتسمون بهدوء.

نحن عندما نبتسم وحيدين، فإنما نفعل ذلك لأن شيئاً ما جميلاً حدث في مكان ما من هذا العالم وأحسسنا به. ليس مهماً أن نعرف تفاصيله. يكفي أن نشعر بوجوده.

نص هلال شومان

عن جريدة السفير

wpid-nasser-2012-06-5-23-10.jpg

wpid-cleardot-2012-06-5-23-10.gif