قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


Slide Show & Night Tour by Yasser Abdellatif

Square Cafe – المقهى المربع

This slideshow requires JavaScript.

 

Night Tour by Yasser Abdellatif

Before he grew familiar with the way to school
the sickly child grew familiar with
the doctor’s place:
the pharmacy below the clinic
with its brown closets
and a young attendant wearing fashions that date back two decades
wrapping the bottles in paper printed with the logo,
which she reeled off a large roll with a metal core,
and noting the times of the doses in clear writing.

On distant mornings
you and your mother would go down to her to buy the medicine.
Why, then, did the pharmacy shift places
in the night,
sliding at least four buildings across?

There is a restaurant at the street corner
whose glass facade which the steam misted over
shows appetising, low-priced food;
it seems very close, over at the curve.
Night after night you will put off having dinner there
and go along with what it takes to stay up and be tired;
the day you make up your mind,
with a strike,
some diabolical hand will have lifted the whole place
off the map of existence.

And in the dark quarter of your knowledge of the city
beyond the street with which you thought the world ended when you were small
is an old traffic post and the ghost of an elderly policeman at the crossroads
with sleepy lights on a night moist with dew.

There stands a forgotten variety theatre
where the numbers are performed on a narrow stage
flanked by two tiers of seats on which the onlookers have gathered.
You are an onlooker and a backstage hand,
your viewpoint flits between the two places
from pointers to clamorous lives
and promises of sustained indulgence
to where safety
fares better than regret
which is as light as beer foam.

Translation of the title poem of Yasser Abdellatif’s last book © Youssef Rakha

العقلانية

wpid-irrational_phobias-2012-02-21-18-37.jpg

وذهب سائق التاكسي الكهل إلى أن المشكلة الرئيسية هي أن طنطاوي يرضخ للضغوط حيال البلطجية الذين يتم اعتقالهم بعد الأحداث الدامية وأن أحداً من الداخلية والجيش لم يثبت ارتكابه أي جرم، فكلما اعتقل طنطاوي ألف ألف وخمسمية من هؤلاء الصيع قامت الدنيا ولم تقعد حتى يفرج عنهم فتعود الدوشة إلى وسط البلد. وأكد أن الخرطوش الذي ضُرب على نقيب الأطباء ومراسل قناة النيل لم يكن بحوزة الشرطة وإنما من المتظاهرين أنفسهم بدليل أنهم هم الذين ذهبوا إلى الداخلية ولم تأت الداخلية إليهم إذن فهم المعتدون. كما أعرب عن امتعاضه الشديد من النائب زياد العليمي لتطاوله على المشير وبالذات لتطاوله على محمد حسان الذي هو برقبته وهو مين هو أساساً… طب إنت كبنيآدم لما تيجي تطالب بالحد الأدنى من العقلانية في الحكم على الشأن العام، تعمل إيه في مشكلة إن أبسط الحقايق نفسها مختلف عليها… لما تبقى الناس ميتة من خرطوش الشرطة قدامك وواحد بيقول لك الشرطة معهاش خرطوش؛ تقول له لأ معاها خرطوش يقول لك أصلهم بلطجية؛ تقول له طب والبلطجية يتقتلوا ليه في الشوارع يقول لك مأنت لو ما قتلتهمش حيقتلوك… ويتحول الموضوع إلى نقاش لا نهائي حوالين الطبيعة الميتافيزيقية للي اتقتلوا وهل يستاهلوا يموتوا ولا لأ… طب إزاي يبقى فيه عقلانية من غير ما نتفق على إن لما واحد مضروب من فرد أمن مركزي بالخرطوش ده يبقى فعلاً واحد ومضروب وفرد الأمن المركزي فرد أمن مركزي، والخرطوش خرطوش؟ وإزاي مفترض إن ممكن أي حاجة تتحقق لو كل طاقتك حتروح على خلافات من النوع ده؟

الأهم فالمهم: الغربة

هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين، وبَعُد عن ألأّف له عهدهم الخشونة واللين. ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض. ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان… لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده… – أبو حيان التوحيدي

wpid-p1020464-2011-10-4-20-11.jpg

الأهم فالمهم. أمر عادي ربما أن تشعر بالغربة حيث تعيش، أن تلح عليك المغادرة طلباً في “وطن” مفارق. غير العادي أن لا يَنتج هذا الشعور عن خيبة أمل في حياتك أنت، في الدائرة التي تشغلها، بل عن إدراك – مفاجئ بالضرورة – للا جدوى انتمائك إلى جماعة بشرية يُفترض أن تعطي حياتك معنى. للضجر صبغة حين ترى الأكاذيب والعبث، ووجودك وسط العبث والأكاذيب يجعلها صبغة مضجرة. صحيح أن الغربة تحدث إثر تحول في الشأن العام، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن التحول لا يصنع غربة بغير وعي خاص ويومي بفحواه يكشف تواطؤك مع نتائجه السلبية. لحظة نادرة وشخصية ولا علاقة لها بالمعارك: أن تصبح أنت بزيك تجسداً للوطن المهزوم. لم تعد وحدك كما كان الحال من قبل، ولا هزيمة الوطن معزولة عنك كما هُيئ لك سنوات. لعلك لست إنساناً أصلاً، لست جزء من شعب يستحق أن يكون له وطن؛ على الأقل ليس كما يجب أو تريد. وفي إدراك لا جدواك منتمياً، يتراءى الدافع إلى إعادة صياغة الواقع بالكلام أو، على حد روبيرتو بولانيو، “الكتابة بدلاً من الانتظار”. بلا إعادة صياغة للواقع، حتى المغادرة، الهجرة نفسها لا ترحم من الانتظار. في الغربة: الكتابة بدل الانتظار. والحب أيضاً، العشق طلباً لوطن منمنم يسكنه شعب “ملّاكي” لا يعذبك الانتماء إليه؛ شرط أن تكون – عكس البطاركة القبليين – مستعداً لأن لا تسوق وحدك، لأن تغادر موقع “القائد الضرورة” متى اقتضت الحاجة وأن تعطي قدر ما تأخذ من أسباب الفرح بالحياة… لكن هذه، في النهاية، تفريعة ثانية.

وكما سيرد أو يدلل عليه في هذه الرسالة اللاحقة على “كتاب الطغرى”، والمؤرخة أكتوبر ٢٠١١:

عاش قريني مصطفى نايف الشوربجي لحظة إدراك لا جدوى انتمائه على الورق سنة ٢٠٠٧؛ لكنه كان يعيشها في رأسي، أو أنا أعيشها، طوال النصف الثاني من العقد الأول بعد ألفية الميلاد المجيد. بين أول ٢٠٠٥ وآخِر ٢٠١٠، كنتُ أعيشها؛ وكان اختراع قرين في ذاته جانباً من عيشها حتى وأنا لم أنتبه بعد إلى مدى اتصالها بما يحدث في الشأن العام ولا إلى أن ما يحدث في الشأن العام قد يكون تَحوُّلاً. سنة ٢٠٠٥، فجأة، عدتُ إلى الكتابة بالعربية إثر أولى زياراتي لبيروت، والتي تزامنت مع “ثورة الأرز” في عز انتصارها: انسحاب القوات السورية أخيراً من لبنان… وفيما بدا أنه تصالح كاتب “ما بعد تسعيني” مع فكرة إدراج الأمور السياسية في الأدب – فعند التسعينيين أن “الأيديولوجيا”، عملياً، حرام – كان التحول باتجاه البلوتقراطية البذيئة لحكم “جمال مبارك” قد بدأ يظهر عبر صياغة الواقع عن طريق مقارنة بيروت بالقاهرة في سياق أدبي كما في الواقع. (بالبلوتقراطية أقصد: حكم الأغنياء؛ وبذاءتها في عهد “لجنة سياسات” الحزب الوطني راجعة إلى أنهم أغنياء حروب لم تقم، ورثة الاشتراكية والقومية من “فهلوية” الجشع والسلام المحوَّطين لهم عقود بِرياء “فلاحي” مُقيّئ لعله أقنعهم أنهم يتفضلون على الوطن فعلاً أو أنهم، في مجلسهم، فعلاً يمثّلون الشعب. كانت بلوتقراطيتهم، على طرف النقيض من نموذج الليبرالية الرأسمالية الذي يدّعون التطلع إليه، تعتمد على دولة الطوارئ القائمة منذ زعم عبد الناصر أنه سيحرّر فلسطين ويجابه الاستعمار ويوحّد الأقطار العربية.) أذكر أن أكثر ما كان ينفرني في القاهرة بينما أكتشف بيروت ثم تونس عبر الكتابة عنهما هو سفالة الإنسان الفرد والتي اتخذت من التوريث وكذبة “النمو الاقتصادي في ظل الاستقرار” – الكسب غير المشروع على نحو مقنن، شرط الثبات وتجنّب المخاطرة – اتخذت منهما أماثل للنشاط الإنساني حتى في الإسلام السياسي (حيث تحول التيار “الجهادي” إجمالاً إلى تيار “سلفي” أقبح)، والحقيقة التي لا تُذكر أنه لا محتوى للخطاب ولا إنتاج؛ حتى لو وُجد عمل، وهو أمر نادر، لا مقاييس للجودة أو ضمير. لا إنتاج.

وسعياً إلى استشراف مخرج، كانت قد اكتملت الطغرى. كان لابد من حدوث شيء، لكن ربما – مثل ثورة الأرز – كان لابد أن يكون، في التحليل الأخير، بلا جدوى. أواخر ٢٠١٠، قبل الأحداث مباشرة، قال لي صديق شاعر إن الثقافة العربية “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صِيّع”، أو “شلّة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وراشد جلال السيوطي قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب رأيناه صدفة على أحد أرصفة “باب الدنيا” كما يسمي مصطفى وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.

wpid-img_2166-2011-10-4-20-11.jpg

الموت فَرَحاً

فيه حظر تبوّل، وال ناس محصورة. – أحد اﻷصدقاء من سكان القاهرة

عيد الشرطة

.ليس إسلامياً، وليس محدود العدد؛ وقد رأيته رؤى العين في ميدان التحري ر

مسيّلة للدموع

كان  يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

(ليلة الجمعة، 28 يناير)

نقطة

مؤسسة اﻷهرام خاوية.  أزاحوا  جهاز التفتيش عن البوابة، ولا صوت حيث يزوم المغادرون.  ليس من مخلوق في  المكان سوى رئيس التحرير في مكتبه، يشاهد التلفزيون واقفاً وذقنه نابتة.  أحتسي القهوة اﻷخيرة هنا وقد عب ّأت حقيبتي بعلب السجائر التي جهّزها لي القائم على البوفيه من فائض مخزونه بسعر مرتفع، وأستعد للعودة إلى ميدان التحرير.

(ﻹثنين، 31 يناير)

عيد الشعب

لا أحد يصدق اﻹعلام الحكومي حين “يهيب بالمواطنين”  أن يتوخوا الحذر في مواجهة  “البلطجية” والعصابات  المعنيين بتنفيذ مخطط أجنبي أو مؤامرة. كلنا نعرف أن  البلطجية عملاء الداخلية والحزب الحاكم، أن المؤامرة الوحيدة القائمة هي مؤامرة النظام القائم على الشعب، وأن أدوات ذلك النظام باتت أقل عدداً وأضعف مما يشاع منذ غادرت قوات الشرطة مواقعها تمهيداً لفتح السجون وتهريب المجرمين قبل المعتقلين سياسياً، ثم انطلاق صغار موظفي الداخلية بالرشاشات في سيارات مسروقة إلى المناطق السكنية.  من دمّر واجهات المحلات وأشعل في صالاتها الحرائق؟ ومن أفرغها من بضائعها؟ لا المتظاهرون و لا “قلة مندسة”. الشعب المصري كله قلة مندسة.   و ما كان شيء من هذا ليحدث لولا هزيمة الشرطة على الأسفلت.  قبل وبعد معركة الجمعة،  الشرطة وابل من الطغاة الصغار، المرتزقة والمرتشين. وبرغم أننا داخل المنظومة لسنا  نحن أنفسنا سوى منتفعين، لا أحد يصدّق اﻹعلام الحكومي حين يصف أول ثورة حقيقية في مصر بـ”اﻷحداث المؤسفة”؛ إن فرحتنا هي التي ستميتنا وليس رصاص  الجبناء.

أظن أكثر م َن شاركوا في التحرك بعد يوم الثلاثاء كانوا مثلي غير مسيسين، أو غير ناشطين سياسياً حيث لا فائدة من النشاط السياسي سوى التعرض للاعتقال والإهانة إن لم يكن العَزل والتعذيب. قبل 25 يناير، كان  كل شيء يحدث على حس المعارضة اﻹسلامية، وأنت لست إسلامياً.  (وحتى اﻵن ت ُستخدم فزاعة اﻹخوان لا ﻹخافة الشعب الذي أدرك إرادته وحقه في اﻹرادة ولكن من أجل تغذية مخاوف الإدارة اﻷمريكية حيال إسرائيل على وجه الخصوص.) أنت لم تكن جزء مما يحدث ﻷنه كان يحدث على حس اﻹسلام السياسي، أقول. أما اﻵن فقد غير التحرك كل شيء.

التحرك ؟ يوم 24 يناير  كنت لازلت أمزح ساخراً من كلمة “ثورة”:  هل توجد ثورة بميعاد ؟ مجرد “إيفينت” على “الفيسبوك”، إذن .   لكنني في  مساء 25 يناير عدت  إلى الفيسبوك وحمّلتُ على حائطي ما تمكنت من تصويره بتليفوني قبل المجزرة.

***

رأيته  رؤى العين، وعدت إليه صباح الجمعة بعد انقطاع خطوط الاتصال كلها، اﻹنترنت والمحمول.  اﻷربعاء  كنت “تمترستُ” في الجريدة أسمع الانفجارات وأرى الجموع تجري في الشوارع، أتشمم رائحة الدخان المسيل للدموع وقد تصاعدت من  شدة كثافتها إلى نوافذ الطابق التاسع.  كنت أنوي أن أمضي ليلة الخميس “أناضل” عبر اﻷثير؛ لا فائدة.

الجمعة (28 يناير)

قرب جامع عمرو في مصر القديمة ، قلتُ للرفيق نائل الطوخي: ينصحنا اﻹخوة التوانسة بدفس خشبة في شكمان المضرعة لشلها عن الحركة ولكن المهم أن نجد  الخشبة؛ رد الرفيق نائل الطوخي: بل اﻷهم أن نجد الشكمان.

صليت ﻷول مرة من سنين، بعد أن استمعت إلى الخطيب يحث  العباد على اجتناب الفتنة؛ قال إن من لا يحصل على حقه في الدنيا سيعوضه الله في اﻵخرة، ودعا بالبصيرة والتوفيق لرئيس الجمهورية، القائد اﻷعلى للقوات المسلحة والحاكم العسكري منزوع الكاريزما منذ 1981 :  ولي أمرنا وإمرتنا الذي أنزل به الله  فيما يبدو ولم تنزل به التداعيات البذيئة لانقلاب عسكري حاز على تأييد الجماهير سنة 1952.  لم يسل ّم المصلون على بعضهم في النهاية بحسب أعراف صلاة الجمعة، وخلال ثلاثين ثانية كان الهتاف يدوي من أعمق نقطة في المسجد: الشعب يريد إسقاط النظام.

لقد  اختلطت في رأسي منذئذ تعبيرات وجوه المحتجين الداخلين إلى المسجد قبل الخطبة وهم يتعرفون على بعضهم بلا كلمة أو إشارة، بالعيون فقط، وخطاهم المستميتة لاحقاً وهم ينضمون إلى بعضهم في المنحنيات المؤدية إلى الشوارع العمومية بعد أن ساروا على أقدامهم إلى وسط البلد من المعادي والجيزة وغيرها من اﻷحياء البعيدة فضلاً عن مصر القديمة.  ثمة اتفاق غير معلن على كل شيء، اتفاق ملزِم لدرجة التضحية بالروح، يكشف هشاشة القلق لات الطائفية اﻷخيرة ويتجاوز حتى الخلافات القيمية وتضارب التوجهات. اﻹسلامي مع الليبرالي مع الماركسي…

كنا غدراناً  أو قطرات تنبثق من الجوامع والبيوت وتصب في أنهار تواجه سدوداً أمنية.  وكنا نتبخر ، إثر الاصطدام بتلك السدود، دخاناً أبيض تلوذ منه أنوفنا بالدخان اﻷسود للإطارات التي أشعلناها، لو راوغتنا مداخل العمارات.

في مصر القديمة  وفي شارع قصر العيني، إلى حيث انتقلتُ عبر عين الصيرة ومجرى العيون مشياً على اﻷقدام، كان اﻷمن المركزي يبدأ في قصفنا من قبل حتى أن نتكتل.  وبرغم توفر الخشبات وغيرها من اﻷسلحة المرتجلة كقنابل المولتوف التي سيتلقى اﻷمن المركزي منها  دفعات متتالية في معركة غير ضرورية انتهت بهزيمة أفراده وفرارهم من أمام المتظاهرين، لم تتسنَ رؤية مضرعة واحدة، دعك من شكمانها.

بعد وصول الجيش إلى الميدان،  كانوا يعودون لقنصنا انتقاماً، أو لدهسنا تحت عجلات السيارات الموالية.   و خلال مشاهد تذكّر بالانتفاضات الفلسطينية ضد إسرائيل – اﻷمر الذي جسد لي فكرة أن نظامنا هو بالفعل امتداد المشروع الاستعماري في المنطقة، وقد طالبتْ الحكومة اﻹسرائيلية أوروبا وأمريكا بتأييد مبارك قفزاً على إرادة الشعب وليس إرادة جزء من الشعب ولا طائفة أو جيل منه، تلك الكلمة المنتهكة التي مكنتنا الأحداث من استردادها نقية: الشعب  – كانت اﻷكثرية تمنع اﻷقلية اﻷصغر سناً أو الأقل وعياً عن قذف معذبيهم بالحجارة دفاعاً عن أنفسهم .

في  خطابه الذي ينتظره العالم منذ عيد الشرطة – ولم يكن في الخطاب ما يميّزه عن أي خطاب “بيضان”  أ ُلقي منذ عشر سنين – بينما يتحدث رجل مترو اﻷنفاق اﻷول عن أمن وأمان المواطن المصري وأن الشباب هو ثروة البلاد، كان اﻷمن واﻷمان ذاته يطلق النار على العزل من هؤلاء الشباب واحداً واحداً من مسافات تصل إلى بضعة أمتار. وبينما لا نزال نغسل وجوهنا بالكوكاكولا ونغمس أنوفنا في البصل، كنا نتساءل عما إذا كانت ذخير ته حية…

أبل َغ هتاف يوم الجمعة كان اﻵه المجردة، يليها الشعار الذي سيستعيض لاحقاً عن النظام بالرئيس وعن اﻹسقاط بالمحاكمة.  ساعات كاﻷيام أو  اللحظات، لا أعرف. كل ما في اﻷمر أننا نريد أن نصل،  مروراً بمقر الحزب الوطني الذي تمكن بعضنا من إحراقه ثم مقر مجلس الشعب، إلى أقراننا.  وكلما اقتربنا – مع مرور الوقت  وتقهقر قيادات الداخلية أمام صمود تلك الأعداد المهولة من المحتجين، كنا نتقدم بالفعل – لاقينا أهوالاً على الطريق. كأننا في حج صعب، والقِبلة ميدان التحرير.

حفلة تنكرية

وهل ظل مبارك كما عرفناه وأحببناه حاجب اً على بوابة الاستقرار؟ وهل نجح، مع ذلك، في إرجاع مصر إلى العصر الجاهلي؟ يوم اﻷربعاء سيعود اﻷمن متخفياً في هيئة متظاهرين مؤيدين لمبارك مع ميليشيات المتنفذين في الحزب الوطني وسط عدد كبير من المأجورين الذين عبأهم أمن الدولة أو أخرجتهم السلطات إلى الشوارع عوضاً عن أداء عملهم في المؤسسات الرسمية (وسيكون عبد المنعم سعيد من البذاءة بحيث يسمي ما قاموا به ثورة ثانية) .  لا شك أن هناك من يؤيد مبارك بصدق، إما ﻷن ه خائف أو ﻷنه مستفيد؛ وحتى إن لم يكن هذا تفسيراً مقنعاً، من حق أي كان أن يؤيد مبارك.  ال سوريالي حقاً أن ترى النوق والخيول قد اقتحمت الميدان على المعتصمين.  وقبل أن  تلقط نفسك تسمع باﻷمن وعملائه يحاولون تصفية المعتصمين بالرصاص الحي…

( صباح الخميس ، 3 فبراير)

الثلاثاء (1 فبراير)

ليست  “شعب” هي الكلمة الوحيدة التي استرددناها  عشية اجتماعنا بأعداد تذكّر فعلاً بحج المسلمين. أصبح للوطن معنى أيضاً، للثورة والعدالة واﻹصلاح.  أصبحت ْ منذ التحرك كلمات واضحة ذات معنى، وكان النظام يتفوق علينا كل لحظة في إثبات أن معناها ينحصر فيما ينقض وجوده وينافي شرعيته.  لابد من أن ن بصق على النظام وأجهزته اﻷمنية خصوصاً حتى يمكننا الكلام في أمور غير شخصية، هذا ما أكدته لنا التطورات.

مليون شخص على اﻷقل  بامتداد ميدان التحرير والمناطق المحيطة طوال ثلاثائنا السعيد الذي قطعه علينا بلطجية الحزب الوطني وأفراد أمن الدولة والشرطة في ثوبها الجديد، وبحجة أن ثمة من يؤيد مبارك …   لعل للاستقرار معنى  إذن، لعل له معنى سوى أن تُستخدم المرافق والموارد العامة بشكل منظّم في اﻹنفاق على بعض العاملين لدى الدولة البوليسية وخدمتهم، وأن يتحول التعليم والتوظيف بل والعمل النقابي ومن ثم كل ما يمكن إنتاجه أو تنميته إلى شبكات مصالح عائلية آخر ما يعني القائمين عليها هو المهنية أو الجودة وأكثر ما يهمهم هو التكريس لمساحات الاستفادة المباشرة التي تمكنوا من شغلها داخل إطار القانون أو خارجه وعلى حساب السبب المفترض لوجودهم في المكان.  كأن الحياة نفسها تمثيلية ص ُمّمت من أجل حماية وإثراء من يشغلون المناصب بلا أي عقل وبما يقوّض المناصب نفسها.

غابة الدينصورات اﻷليفة و سلسلة أفلام عودة المومياء.  هل لهذا ظلت مصر كل هذا الوقت من  الخراء بحيث يستحيل الانتماء إليها؟ لقد استبدلنا المساءلة بالتملق والدقة بالتعريس، وليس سوى “بلطجي” يحمل رشاشاً لا تعرف إن كان من سكان العشوائيات أو أمين شرطة متخفياً.

لعل للاستقرار معنى سوى التنفيذ  اﻷوتوماتيكي لسياسات أمريكا في الشرق اﻷوسط بلا أي اعتبار لمشاعر الناس، من جهة أخرى، وبغض النظر عن “الخطر اﻹسلامي” الذي يتربص بنا  – نستقبل وزيرة الخارجية اﻹسرائيلية عشية القصف في غزة كأنما لنبارك لها على أن الله هداها إلى استعمال الفوسفور اﻷبيض ضد اﻷبرياء من مواطنينا الغزاويين…  ولا كلمة  – أو أن يشعر مواطنو بلد لم نع أهميته حتى توقفت فيه الحياة بالذل أينما ذهبوا في العالم وقد حدسوا أن بلدهم لابد أن يكون مثلهم:  شيئاً  رخيصاً بلا قيمة، غير صالح للدخول في مجريات الحضارة اﻹنسانية ومن ثم جدير بالاحتقار .. .

***

عفوي تماماً منذ عيد الشرطة. عفوي وصادق. لم  يجف الماء بعد من هذا المكان. لطائرات الجيش “ارحل” ولحظر التجول “مش هنمشي”؛  للجيش نفسه “إيد واحدة” و لعنف اﻷمن ظاهراً أو متخفياً “سلمية”…

رأيت عائلة تقليدية جداً يحمل ثلاثة من أفرادها  ثلاث لافتات إذا مررت عليها بالترتيب تقرأ “جيت علشان ولادي”؛ رأيت  لافتة مكتوباً عليها: مبارك يتحدى الملل.  وسمعت  فتيات يهتفن: دم المصري مش رخيص.  حين ربّت ُ على كتفه قال لي ممثل “مقاتل ي حرب أكتوبر” كما عر ّفتْه اللافتة التي يحملها مؤيداً للثورة: البركة فيكم.  كان  يبدو متعباً.  وتذكرت أن الناس من غير المتظاهرين كانوا يلقون إلينا  زجاجات المياه والفاكهة من نوافذهم ونحن نمر عبر شارع قصر العيني.

شهادة

أكتب اﻵن وقد استعدت ثقتي بعد  مجزرة اﻷمس وقبل أن تنتهي الجملة ربما أفقد الثقة من جديد. في ميدان  التحرير اﻵن عشرات اﻵلاف من الناس العاديين غير الطامعين في سلطة أو نفوذ. في ميدان التحرير مئات  وربما آلاف من البلطجية المتربصين بهم، المحسوبين على نوع آخر من الناس العاديين: ناس يفضلون تقمص دور “رامبو”  ل حماية ممتلكاتهم الخاصة على تأمين إمكانية ممارسة حقوقهم المدنية. وفي ميدان التحرير أفراد الجيش ال مصرون أكثر فأكثر على تطبيق حظر التجول والبادي انحيازهم للنظام في الساعات اﻷخيرة. مر أسبوع منذ حضرت  معركة الجمعة، وغداً على اﻷرجح سأحضر معركة ثانية. في مثل هذا الوقت من ليلة أمس بدأ ضرب النار على المتظاهرين. أصوات متفرقة وسط صمت الشارع. من أجل كل ما رأيته ومن أجلي: تحيا الثورة. تحيا الثورة. لكنني أكذب لو قلت إنني أعرف أي شيء

Enhanced by Zemanta

الكتابة تحت النوعية

لا أذكر كيف تعرّفت بعلاء خالد. كان إسلام العزازي مخرج السينما صديقاً مشتركاً. كان يتنقّل بين القاهرة والإسكندرية كما نفعل جميعاً، لكنه مثل علاء أصلاً من هناك. أذكر مقهى على البحر بين ميامي والعصافرة وآخَر في رأس التين. أذكر إعجابي بوجود “مثقف سكندري” فعلاً ساكن في الإسكندرية. لكن أكثر شيء أذكره أن علاء كان يتحدث عن طرح الذات كمشروع للبحث من خلال الكتابة، وأنني وجدتُ ذلك غريباً لاقتناعي بأن الذات أداة الطرح ولابد من موضوع غيرها حتى تقوم بواجبها وتطرحه. فجأة قالوا إن علاء سيُصدر مجلة ظنناها كأي مجلة أدبية تحوي نصوصاً وأطروحات. في أول عدد نشر ليستة عبارات كنتُ قد صغتُها حول شذرات أدبية ترجمتُها مما أقرأه بالإنجليزية آنذاك ورتبتُها بمنطق معين. ورغم أن قصائدي التي أرسلتُها إليه لم تر النور، عبر ثلاثة أو أربعة أعداد وربما خمس أو ست أحاديث ممتعة تصاحبها جولات مشي مسافات طويلة، نما دفء في علاقتي بعلاء رغم الذات الواقفة بيننا. اكتشفتُ – اكتشفنا؟ – أن المجلة لا تنشر قصائد، كما أدركتُ أنها المكان الأمثل وربما الوحيد لما كنتُ قد بدأت أكتبه مستكشفاً احتمالات تداخل الصحافة والشعر ومتخذاً من المكان منطلقي المباشر. أنا و”أمكنة” بدأنا في اللحظة نفسها نبحث عن أدبية أكثر تواضعاً وأقرب إلى قارئ الجريدة من كل ما مارسناه ومورس علينا من “أدب” في وسط البلد. ولا أعرف إلى أي حد عثرنا على هذه الأدبية أو كم قارئ جريدة تمكنا من استقطابه. الذي أعرفه أنني من خلال ما كتبته وترجمته للمجلة تعلمت أن أرى كتاباتي خارج التجنيس وإن ليس عبر أي شيء. وجدتُ لكتابتي مسكناً أليفاً ولصورتي ككاتب أسرة أهدأ وأكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على العلاقات الشخصية والمكيفات: هذا أهم شيء. الشيء الثاني المهم – وعلاء هنا مجرد نموذج وإن كان النموذج المحوري بوصفه مؤسس المجلة ومحررها – أنني عندما التقيت بعلاء في البداية، بدا لي من كتابته أن شيئاً في نظرته للغير يحجّم إبداعه وأن المشروع الجديد قد يساهم في فك حصار سايكولوجي ما. وأظن هذا قد حدث بالفعل من 1999 إلى الآن. حدث بشكل ملفت في روايته الأولى “ألم خفيف” وفي ديوانه الأخير “تصبحين على خير”، وأظنه مرتبطاً بنجاح تجربة “أمكنة” في الانفتاح على أصوات ومناقب تتجاور دون أن تتصادم. عزلة الكاتب مشكلة لا يحلها الذهاب إلى وسط البلد. ثمة من يسعى إلى سلطة غير أدبية يمرر أدبه من خلالها ومن ثم يتجاوز تلك العزلة، وثمة من يتجنب الظهور كالطاعون. لعل الحل ليس سوى مجلة تسعى إلى التعدد ومحرر نشيط يسكن في الإسكندرية

Enhanced by Zemanta

نصوص جديدة: ملحق النهار

عـــــــــــــــــــــــزاء

كيف يمكن لكل منهم أن يتعرف الى وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأسوأ أن عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

•••

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً من القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعيلها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات… كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن… كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب من دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لإثنين.

•••

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. وعلى رغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزنّي أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – بغض النظر عن نفيهم لأنه قرار – بالذات وأن رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني من أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون اليَّ. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب يجب ألاّ يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن عليَّ أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقيت الخبر كأنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.

•••

زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ.

•••

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.

•••

نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا في الأمس… سوى أن الناشر –
رفيق سلاحك في معارك الود المجاني –
خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.
ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،
تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،
كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته
لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك
في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة
التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،
كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.
يوماً ما كان لا بد أن تكون واحداً من هؤلاء
لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،
وفي وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات –
لكاتب ستكفّ عن حبّه قبل أن يموت.
يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة
عن نظرتها المتبادلة مع هؤلاء:
“كياني!” وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،
بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

يوسف رخا

(ولمن يضايقه – مثلي – “الديسك” اللبناني)

عزاء

كيف سيمكن لكل منهم أن يتعرف على وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأدهى أنّ عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً عن القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعولها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات. كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن. كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لاثنين.

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. ورغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزني أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – مع أنهم ينفون أنه قرار – بالذات لكون رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني مَن أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون لي. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب لا يجب أن يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن علي أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقّيت الخبر على أنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.


زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.


نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا بالأمس… سوى أن الناشر –

رفيق سلاحك في معارك الود المجاني –

خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.

ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،

تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،

كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته

لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك

في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة

التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،

كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.

يوماً ما كان لابد أن تكون واحداً من هؤلاء

لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،

وأمام وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها –

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات –

لكاتب ستكف عن حبه قبل أن يموت…

يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة

عن نظرة تتبادلها مع هؤلاء: «كياني!»

وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،

بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

<!–[if !mso]>

Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4

عـــــــــــــــــــــــزاء

كيف يمكن لكل منهم أن يتعرف الى وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأسوأ أن عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتّش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفضّ الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة.

•••

القوة

كمن يعبّئ الهواء في قناني، حكت لي عن غياب المرجعيات. كيف كانت تتحرك من دماغها. لا شيء يقاس ولا أحد يستحق. فتاة طموحة في القاهرة. وعوضاً من القرية، نُقود تجيء بطلوع الروح وأسرة بديلة من الأصدقاء. ليس فيهم من يعيلها، لكن الألفة تنز بالوصاية. وبالتدريج تصير القاهرة هي الأخرى قرية، الفرق أنها بلا مرجعيات… كنت دائماً أسألها لماذا تتمسك بالحياة في الغربة. وذات ليلة كمن يعبئ الهواء، حكت لي كيف ألقت دعائمها في سلة القمامة. حيث الأماكن فخاخ والكتب أغلى من الأغاني، ستنجز مشروعها منفردة. وقبل أن تغمز لها الهجرة باحتمال أن تتغير، لن يخطر ببالها أن امتزاج الدماء قد يكون مؤشّراً للتوازن… كانت تحدّق مذهولة كل بضع عبارات. وبدا لي أنني أراوح الذكريات في درجة اقترابي من مكانها على الكنبة، وقد صارت مصر كلها زيارة مربكة. نقطة البداية مفتوحة الآفاق. لكن أحداً من الجناة لن يختفي، ربما لأنهم ليسوا الجناة. أو أن رعباً أصبح يجاور رعب أن يصير الناس جسوراً، من أن يصيروا عراقيل. لهذا تبدّل رفاق الدرب من دون أن يتضح اتجاه الرحلة. وعبر المحطات ظل الطريق أضيق من أن يتسع لإثنين.

•••

غانا

لم يخبرني الرفاق أنهم مسافرون إلى غانا حتى تناولوا التطعيمات اللازمة في مركز المصل واللقاح، الأمر الذي أكّد لي أنني بالفعل لا يمكن أن أذهب معهم. وعلى رغم توقي إلى منظر الأشجار على ساحل الذهب، لم يحزنّي أنني لن أسافر بقدر ما أحزنني قرارهم – بغض النظر عن نفيهم لأنه قرار – بالذات وأن رفقتهم هي الشيء الذي يعرّفني من أنا. هؤلاء الذين يشبهونني ولا يشبهونني، يوجع غيابهم لأنهم هم محتاجون اليَّ. حين لمحت دماءهم عالقة بجلدي كنت أفكر بأنهم أولاد قحاب يجب ألاّ يكونوا رفاقي، وتذكرت أنني أسكنهم وأنهم شبابيك. شبابيك ولا جدار، ولا بيت. لا بيت داخل البيت. الآن عليَّ أن أعاقبهم أو أخونهم. لا فائدة من الغفران لأنني لن أكون الله. وقد أكون شخصاً آخر عندما يعودون. تلقيت الخبر كأنه خبر فحسب، وجلست أتخيل الأشجار وأفكر: أنا الآخر سأسافر إلى غانا ذات يوم، ولا ضير في الذهاب منفرداً إلى مركز المصل واللقاح.

•••

زواج

ولكنك لم تتكبد كل هذا إلا لتسمع التكة المفزعة لباب يُغلَق فتعرف كم تتوق لاختفاء الشيء الذي أمامك، الشيء الكريه الذي لا تريد أن تراه. هنا يصبح ما يجعل للعالم معنى مجرد جزء من العالم. تنتحر الروعة. والقصة نفسها تنتهي أو تبدأ.

•••

الاكتئاب

حيث يبطئ المرور فجأة على أعتاب المدينة، يقف عجوز ممتلئ بعمامة على رأسه. يونيفورم أزرق ببادج نحاسي: دليل أن رخصة منادي سيارات كانت بحوزته ذات يوم، يبدو أنها تمزقت من سنين. لا ينتظر أن يعطيه أحد نقوداً. لا يأبه بإشارات السائقين أن لا تلمّع الزجاج. ولا ينطق مهما ناداه الآخرون. هو ثابت طالما السيارات واقفة. يهرول وراءها لحظة انطلاقها، فقط لحظة الانطلاق، ليمسح ما تطوله فوطته القديمة.

•••

نصف الليل في دار النشر

كأنك كنت هنا في الأمس… سوى أن الناشر
رفيق سلاحك في معارك الود المجاني
خيال منتَهَك لذكرى آخِر لقاء.
ترحابه هواء ملوّث وأنت تستنشق بحذر،
تسترجع الجبهات… ولماذا، وقت القتال،
كنتَ أول الهاربين؟ الكلام كما عهدته
لن يأتي على ذكر الأدب، ما يجب أن يدهشك
في دار نشر. لكنك لا تنتبه لغير علامات الدائرة
التي أصبحتَ داخل حدودها تلقائياً،
كأنك جُبلتَ على التحول إلى شخص ليس أنت.
يوماً ما كان لا بد أن تكون واحداً من هؤلاء
لكي تجلس الآن على كنبة ضيقة،
وفي وجهك على الحائط صورة حضرتَ التقاطها –

وأنت عاشق يركض ببراءة بين العدسات
لكاتب ستكفّ عن حبّه قبل أن يموت.
يا منافق! عشتَ لتقول لك امرأة موهوبة
عن نظرتها المتبادلة مع هؤلاء:
كياني!” وربما لا لشيء إلا لترجع إلى هنا،
بقيتَ على الأرض عدداً كافياً من السنين.

يوسف رخا

Enhanced by Zemanta