دجاجة تجلس على بيضاتها: مشهد من الأسد على حق

رأيت في ما يرى المخبول باولو ونايف يرتدي كل منهما بذلة داكنة وربطة عنق أنيقة وقد جلسا إلى طرفي مائدة بيضاوية تشغل الحيز الأكبر من مستطيل يومض، أحدهما في مواجهة الآخر؛ يقلّبان أوراقاً لا تكاد تُسمَع خربشاتها من وراء. وفي منتصف المائدة، مواجهاً إياي، كان فيصل القاسم مقدم برنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة الجزيرة مثل دجاجة ترقد على بيضاتها، هيكله أشبه بمثلث مقلوب وهو ينقل ثقله من كتف إلى كتف تباعاً ويلوّح بذراعيه إذ يخطب بتأنٍ فيما تبقى ملامح وجهه ثابتة. وكان باولو ونايف يصغيان ولو تظاهرا بالالتهاء في تصفح الأوراق صابرين على دورهما في الحديث.

لقد ضم فيصل القاسم سبابته إلى إبهامه ليومئ مؤكداً في حركة دائرية تستدعي البلاهة إذ تستهدف الدقة والعمق، وراح يطرح موضوع النقاش بالحذلقة الثقيلة ذاتها التي يتميز بها مذيعو الجزيرة جميعاً:

“ولكن في المقابل، ماذا عن امرأة متحررة تتخذ من الثقافة سِتاااراً للعمل السياسي السريييّ؟ هل مثلُ هذه المرأة تستحقُ الحياة؟ أبداً! يجب قتلها على الفور (يصيح شاعر مصري).” كان ينغّم ألفاظه بمسرحية مغناج مع أن الألفاظ كلها تقدّس الفحولة، فيختم كل جملة من جمله بمدّ مترنح يظل يرنّ في الأذن. وبرغم أنه كمّن يحفّظ القرآن ممسك بزمام التشكيل ومخارج الألفاظ، تتراءى بلاغته محاكاة كوميدية للغة العصور الوسطى أكثر منها انضباطاً لغوياً أو صياغة مقنعة لمعلومات؛ سيكون على باولو ونايف أن يسايرا هذه البلاغة فيصطنع كل منهما نبرة حادة ولو لم يكن انحيازه عنيفاً إلى هذه الدرجة؛ غير أن السياق سيجبرهما على الاشتباك في صراع شخصي فيما فيصل القاسم يردد – “بلا شخصنة”، “لا لا”، “التجريح ممنوع”، “رجاء حار” – ومن ثَمّ سيرتدان، ويرتد فيصل القاسم نفسه إذ يقاطعهما ليعيد صياغة كلامهما بما يؤجج العراك، إلى اللغة المحكية. ولكن ليس بعد. “فهل يقوى الرجل على ملاعيبَ النِساااء؟ هل يتركنه ضائعاً في العراااء…”

ها إنه يهيّيء الحلبة للسجال، وبمنطق التسطيح الخطابي المعتاد لدى الاتجاه المعاكس – ذاك الذي يحوّل أسئلة مركبة بالغة الصعوبة إلى ماتش كرة يبدأ وينتهي دائماً بانتصار فريق مقاومي الأمة الإسلاميين على فريق عملاء الإمبريالية العلمانيين كأنموذج شديد البضينة لانتصار الخير على الشر – فيحرّض باولو ونايف على المبارزة ويستحثهما على المبالغة والاختصار –”الوقت يداهمنا، الوقت يداهمنا” – حتى يُنسى موضوع النقاش الأصلي: هل تُعدّّ مون وقد انجلى أنها تعمل جاسوسة للإخوان المسلمين من الأطراف المناصرة للثورة؟ لقد استُدعي صديقها القديم الميت منذ ٢٠٠١ ليدافع عنه، فيما جاء يهاجمها صديقها الحالي: أنا، سيادتك.

وفيما يهمهم فيصل القاسم ويدمدم، لعل باولو يتذكر المعركة الجسدية الوحيدة التي خاضها مع صاحب من أصحابه، يوم ركل نايف رأسه في فناء بيته في المريوطية وقد أثير أمر علاقة باولو بالفنانة التي يقال لها نرجس. إنه يخبر نايف – “على الهواء مباشرة” – إن لديه وثائق تثبت أن مون كانت تخدم في جهاز مباحث أمن الدولة منذ قديم، ويلوّح بصورة لها مع اللواء حسن عبد الرحمن رئيس الجهاز الذي يحاكَم لا يزال مع وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي.

(لاحظ يا باشا أن باولو هنا يطبّق المثل الشعبي الشهير “كلّم القحبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك”: أليس له الحق في تطبيقه كما في الواقع كذلك في الخيال؟)

ثم إن نايف يريد أن يجيبه بأن وثائقه ولو كانت دامغة لا تعني شيئاً في حد ذاتها: إن مون قد تكون عميلة أمن دولة ومناصرة للثورة في الوقت نفسه، فالتعارض ليس بالضرورة حقيقي والأمور لا ينبغي تسطيحها؛ يريد نايف أن يقول لباولو إن حضور شخصية مثل مون في مصر من شأنه أن يساهم في التغيير المرجو من أية ثورة ولو كانت مون نفسها تجاهد لصالح الثورة المضادة. غير أن ثمة سوطاً مجازياً في يد فيصل القاسم يستحثه، فكل مقاطعة بمثابة جلدة هو غير مستعد للسعها – “يا أخي احكي لك كلمتين متل الناس والأوادم”: هذا ما يدمدم به الآن مقدم البرنامج الحواري مخاطباً نايف، مضيفاً بنبرة من نفد صبره: “الوقت يداهمنا” – ولعل الذكرى والسياق يلجمانه أو لعل ضغائنه الغارقة تقب إلى السطح. فإن ما يَخرج من فم نايف زفرة عصبية يتلوها قدح موجع في حق باولو، وهو موجع لا سيما لأنه حق وصدق. إن نايف يكره أن يكون في موقف المدافع عن الإخوان المسلمين ويكره أن يساهم في تكريس كذبة أن الإخوان المسلمين هم الثورة، لكن هدفه الآن – كما يريد فيصل القاسم – هو إيذاء باولو، وهو ينفذ الهدف تحت ضغط الأخير بكل أريحية متاحة.

يقول نايف بهدوء زائف مخاطباً صاحبه الذي لا يزال حياً: إن شخصاً يرتبط بامرأة ليشهّر بها على الفضائيات إنما هو قواد لا يحق له ادعاء موقف أخلاقي؛ إنه يدري أن لباولو، ومنذ الاعتصام الثاني في ميدان التحرير في صيف ٢٠١١، صلات وطيدة بأجهزة مخابراتية وثمة على ذلك إثباتات – يلوّح نايف بأوراقه تأكيداً إذ يواصل – فما يدرينا أن باولو ليس هنا الآن بتكليف من ضابط أمن وطني يعمل مذاك في إمرته؛ وإن مون ولو خدمت المشروع الإسلامي فهي تدافع عن تصور ناجز لمستقبل البلد، أما ضيفك – هنا يستدير إلى فيصل القاسم فيما إصبعه يشير إلى باولو – فماذا عساه يفعل سوى الارتزاق؟ إن الارتزاق يا سيدي هو ما دأب عليه ضيفك منذ التسعينيات، عندما باع مبادئ جماعة التماسيح للشعر المصري مقابل النجاح المادي على قفا فنانة تشكيلية سيئة السمعة… لقد أنصت باولو متشنجاً ولكنه الآن ينهض، وإذ ينحني واقفاً يفاجئ فيصل القاسم الذي وقف بدوره وقد أسكت نايف بذارع ممدودة بخلع فردة حذائه التي يرفعها الآن ليقذف بها محاوره على الطرف الآخر من المائدة. نايف يقول “أنت زبالة” فيما فيصل القاسم يهمهم باضطراب متزايد “لا، لا، لا… استراحة قصيرة؟ أوقف البرنامج!”

وحذاء باولو يطير عبر الشاشة قاصداً رأس نايف الجالس لا يزال… بيد أن الإرسال يُقطع فيُستبدل مشهد الستوديو بدعاية لشركة قطر للبترول قبل أن يصل.

Carrefour ☆ تحديثات الحالة

اللاأدرية هو الاعتقاد بأن وجود الله وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها. وكلمة “اللاأدري” تعني “بلا دراية أو علم”. وبينما الإلحاد يقول إن الله غير موجود، تقول اللاأدرية إنه لا يمكن إثبات وجود الله ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إثبات عدم وجوده، وإن التدين من صنع الإنسان

*

المقاومة: “سادة المقاومة” في لبنان عبارة عن إرهابيين شغالين لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أول لحظة، ودوافعهم طائفية، واللي تحالف معاهم وهلّلهم وروج لخرافة انتصارهم على إسرائيل في السنين اللي فاتت يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش… فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟ أرجو الانتباه لكلمة “حقايق” لإن المقصود إن دي مش آراء أو وجهات نظر، ده واقع. أما عن “سادة المقاومة” في فلسطين – وده نتيجة إن الإسلام السني ما فيهش ولاية فقيه مش أكتر – فكانوا ومازالوا إرهابيين شغالين لصالح اللي يدفع أكتر، ودوافعهم طائفية، واللي محالف معاهم أو بيقدمهم كجهة أشرف أو أقل استبداداً من فتح برضه يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش، فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟

*

سبل الاشتباك مع الواقع

تلبس كمامة وتنزل تجري في الشارع وإنت بتردد شعارات لا إنت فاهمها ولا ليها أي تلاتة لازمة

تاخد قريبك/ زميلك على جنب وتفهمه الصيرورة التاريخية للثورة المجيدة اللي هو مش واخد باله إنها مستمرة ومالهاش علاقة بالإخوان

تسب الدين للناس اللي في السلطة بس طبعا من غير ما تفقد إيمانك، وتهلل للمجرمين والمتخلفين وأولاد دين الكلب عشان هما الشعب الكادح

تدافع عن الأسلمة الشعوبية الوسطية مهما كنت عارف إنك كداب أو معرص – من غير رخصة قبل انطلاق الصيرورة، وبرخصة بعدها

تكتب مقالات وتنظيرات دقيقة وعميقة تقدم فيها رؤيتك للأوضاع وتحاول تنسى إن اللي فاهمينك مش أكتر من خمسة اتنين بس منهم اللي عندهم استعداد يعترفوا إنهم فاهمينك

*

فحوى القضايا: طيب – ومع احترامي الصادق للي بيتصدولها من الأصدقاء والزملاء – ٩٩٪ من “المعارك” و”القضايا” و”المنعطفات التاريخية” اللي حاصلة في الفضاء العام دلوقتي عبارة عن مشاكل نفسية لأفراد ظروف حياتهم صعبة وتكوينهم الإنساني مختل، ويمكن كويس إنه يبان إن دي حاجة موجودة عند “النخب” زي ما هي موجودة عند “العامة”. المؤسف إن المشاكل النفسية دي ما لهاش علاج، وحتى لو ليها علاج ولا ألف مسعى للتفاهم أو “الحوار الوطني” ممكن يزيلها

*

انفجار الأشرفية: سنة ٢٠٠٥ وقعتُ في غرام بيروت بشكل كامل، وأمضيت سنين مقتنعاً بأن في لبنان ميزة نوعية عن بقية الأقطار العربية هي سبب وربما نتيجة ما فيه من حدة للقبح كما الجمال. منذ ذلك الحين وحتى اليوم وأنا – غصباً عني – أراجع هذه القناعة، وأقاوم شعوراً متزايداً بأن الميزة النوعية ليست إلا غلافاً براقاً وهشاً لا قيمة له على الإطلاق. وأتابع بذهول دائم تعالي اللبنانيين على سواهم من العرب – وبالذات المصريين – محاولاً أن أستوعب ما يبرره لهم في نفوسهم. مع الوقت اكتشفت أن هذا التعالي هو نفسه بريق الغلاف، وأن ميزة لبنان النوعية أنها تسطح من يراها بحيث يمكنه أن يظل فوق الغلاف والعلبة فيها ما فيها من تحته – أو يوهم نفسه بأنه فوق الغلاف – بينما في مصر مثلاً نكون مضطرين للتعامل مع ما في العلبة مباشرة… كم صرت أكره بيروت منذ ذلك الاكتشاف

*