السيرك

شخص ما سيعلّمني كيف أجعل كرهك محبة، ويذكّرني بأن ما دفعنا على التقليب في براميل الحياة فرحتنا أو أنني مخطئ بنفس القدر. وحتى مضارب اللوعة والمَسبّات التي أنستني لحظة التلاقي، ستحفر سكّة إلى غفران ربما لا يناسبكَ لكنه كلُ شيء. يا من تحوّطك البهلوانات في سيرك نصبتَه بيديك: أنا صفوتُ حين كففتُ عن سماع صوتك؛ صرت أرجو لك الخير. ولعله يصلك وأنت تتنصل للأذى أو تناضل، رجائي. وحين تعوي وحدتُك وسط جلبة القرود والكلاب ذات الفرو المنمق، تَرَى كيف صرتُ أسكن إليك: بلا أي رغبة أو إرادة، بلا إشارة إلى أنك هناك أو أننا كنا معاً والتأمنا أو حلمنا بإفراغ البراميل في المحيط وأنت باختيارك انتهيت. يا من تجلس وحيداً ومقتنعاً بعد جولة أخرى أمام بلياتشويقودك بأنك انتصرت، تعتصم ضد كل أكروبات فضائي وتحرّض النمور على العصيان، وأنت تدس منشورات ثورتك الخرافية في خرطوم فيل بارك في الممر، وباسم الممكن الذي لا يمكن تُضرِب عن الطعام، أنت: شخص ما سيعلّمني كيف أرجو لك الخير.

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.

IMG_0468

Hipstamatic’s Claunch 72 “film” ☯ فيديو موظف الأرشيف – تحديثات الحالة

 

.

مصر
من أروع نتائج الزواج الاقتصادي بين الرأسمالية العالمية والإسلام السياسي وأكثرها إذهالاً على الإطلاق (في السياق المصري المعاصر): الحجاب حرية شخصية… الحجاب حرية شخصية و”أدعياء التحرر” ما لهمش الحق يتدخلوا فيه، بس السفور مش حرية شخصية، والرأي والعقيدة مش حرية شخصية، والمشي في الشارع في أمان مش حرية شخصية، والولاء غير الطائفي مش حرية شخصية… “وأبناء الأمة” دايماً ليهم الحق يتدخلوا فيه ويكفروا اللي مش عاجبهم بكل معاني التكفير (وده خطاب “نخبة” برضه عادي، وناس متعلمين و”أصحاب فكر” وكده)
.

سوريا
كيف ومتى أصبح كل ما هو ضد الإسلام السياسي السني معاد للربيع العربي ومناصر للنظام الذي قامت ضده الثورة السورية؟ بأي منطق تحولت آلاف التحالفات والعداءات العلمانية والدينية والرأسمالية واليسارية بكل تعقيداتها إلى طائفة هي الأمة وكل ما عداها – وأوله الإسلام السياسي الشيعي – عدو الأمة؟ هل مشكلة “الطغيان الأسدي” حقاً أنه علوي؟ هل لم تكن الدولة الصفوية مسلمة العقيدة؟ هل لم تمارس الأغلبية السنية في المنطقة على أصحاب العقائد الأخرى طغياناً قذراً طوال قرون؟ وهل لم تكن الأقليات هي الرئة الثقافية التي تتنفس من خلالها مجتمعات تخنقها “الشريعة”؟ هل كانت شيعة علي عشية الفتنة الكبرى أقل عروبة أو إسلاماً من بني أمية أو حتى الخوارج؟ هل قدمت حماس للقضية الفلسطينية أكثر مما قدم حزب الله وهل قدم أيهما أكثر مما قدمت منظمة التحرير “العلمانية”؟ وهل ما يوحّد الأقليات السورية حقاً هو الحقد المجاني على “الإسلام”؟ من أين وإلى متى، إلى متى؟
.

مصر
المؤلم في اللي بيحصل مش اللي بيحصل في حد ذاته – إن واحد كان شغال مع أمن الدولة يطلع يقول لك نعمل قانون يسقط الجنسية عن المسيئين مثلاً ويتاخد بجد، بينما فيه أطفال بتتحبس وأهالي بتتهجر لأسباب طائفية بمباركة القانون ودولته والناس كلها تعبانة اقتصادياً أكتر وأكتر؛ أو إن مهرجان حيتعمل في مكان عام يتلغي لدواعي أمنية، بينما جريدة زي أخبار الأدب بيتكتب فيها مديح في النبي محمد على لسان كارل ماركس واللي بيسموا نفسهم مثقفين في إفلاس مضطرد فكرياً واجتماعياً – لكن إن ناس بيتكلموا عن ثورة حقوق وحريات وعن حركة إبداع جماعي في الفضاء العام يكونوا سمحوا باللي بيحصل ده وشجعوا عليه ومهدوله الطريق وبعدين شافوه بيحصل ولسه برضه ما سكتوش، هو ده المؤلم؛ أو إن اللي بيحصل بأي حجة سماوية أو أرضية يتقدم باعتباره الاختيار السياسي المنحاز للشعب. المؤلم كمان إن المسار الديمقراطي في وجود ناس ده آخرهم مش هيفرز غير منده. لكن أكتر حاجة مؤلمة على الإطلاق هي إن دي الإرادة الوطنية فعلاً سواء اتسمت قومية أو إسلامية أو أي حاجة تانية: إن الأطفال تتحبس، والمهرجانات تتلغي، والمسيء تسقط عنه الجنسية

وردة جبيل: نصان لبثينة سليمان

wpid-272649552988215311_6860517-2012-09-6-06-04.jpeg

في الطريق إلى جبيل

( ملك ميت

لم يكن المخيخ على حاله
مشى على حجارة القلاع القديمة 
ظنَّ بانه مَلك
إكتملَ المخيخ 
اكتفى بالمشي 
لم يعد يهتم لِلَقبَ ملكٍ ميت) دلخواز حوج

قلعة

في رأسي قلعة

طريق

الطريق إلى جبيل طريق الحواس الخمس

وحاسة سادسة تعمل بجهد إضافي

مسافة

المسافة الزمنية التي افترضها العاشق كانت أقل بكثير مما احتاجه صديقه الشاعر حتى يصل لامرأته التي شغف بها في خياله عقدين من الزمن

لغة السنوات

هنا يتكلم التاريخ لغة السنوات ، أرقام لا يقف عندها السواح الهواة طويلا ، يتابعون الأرقام بدهشة و يعددون الشعوب التي مرت ثم يعبرون كما عبر الأسلاف دون جلبة. ما تبقى من مبان وأسوار ومدافع أو جرار، وجه أسد و حائط معبد أدراج ضخمة تصل القاع بأعلى ، يكفي لأن يأتي السواح دون دليل سياحي يدفعون ما يكفي الدولة حتى تنهض بمواقعها السياحية . ولا تنهض.

قافلة

في الوقت المتأخر بعد الثانية والنصف ليلا وبعد الأربعين و ثلاث سنوات لا ينفع أن تماطل

تجر قافلة الزمن مثل جندي شجاع حاملا رايات ثمان و عشرين نجمة تضيء ناحية القلب و الأطراف

رنين

دلخواز،

صوت ديمة وهي تنادي عليك، مثل رنين 
الذين نحبهم نخاطبهم بالمودة وننادي عليهم 
أحيانا بالصوت وأحيانا بالكلمة

الطريق إلى جبيل

يلفح الموج الوجوه في ظل زيتونة

داخل المراكب قلوب صغيرة وحواس خمس بأبعاد ثلاثية لجيوش تنتظر وداع الراعي لحبيبته

في الطريق إلى جبيل

إعلان

كيف لا أغرم بك وأنت تسحب سكاكين المطابخ و المطارق وتشد النهر من خاصرته نحو قاع القلعة ثم تركع رافعا يديك إلى أعلى مثل لاعب كرة قدم وقد فزت بي.

قلت لك

قلت لك : كنت رضيت برجل تافه على أن أعلق مصيري برجل جاهل لا يعرفني

أو رضيت بخيانتي لرجل يكرهني على هكذا مصير يخربط كيمياء المخ

لا أهرب من خياراتي ولا انعدام توازني وإن عجزت أكثر أكون باختياري أنكسر

روحي ظمآنة وأنت مثلي تائه في ممالك أحلامك حيث أنا هناك في المملكة الوسطى

ستظل تدور عند الأطراف وأنا محشورة في الوسط حيث القلب

وهذا ما يعزيني

هاتف

حيث أقف الآن في مواجهة البحر استطيع أن استعيد شريط حياة بكاملها

ابنة الجيران السمينة منشغلة بهاتفها وأنا أرتب جملي حتى لا تسيء فهم مديحي

***

wpid-272649201589426187_6860517-2012-09-6-06-04.jpeg

في يدي وردة

“في يدي وردة تذبل/ فأنا لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة” 
(من أشعار النساء البشتونيات)

إلى عماد
عندما حل الصيف الفائت واختفيتَ على عادتكَ، قطعتُ على نفسي وعداً بأن أخفف من الارتباط الوجداني والنفسي بكَ، وأنت الذي يغيب من دون مقدمات. هكذا فعلتُ حتى لا أتألم وأشتاق. في النهاية ستظل أنتَ حيث أنتَ، وأنا حيث أنا، ولأنك بعيد جداً لا أريد أن أكون رهن مشاعري وامرأة بداخلي تحتاج الى المودة والى من يدللها.
مات في ذلك الصيف صديقي الذي يعيش في الهند. لم يمت بل وضع حداً لهذه الحياة. لم أعرف الطريقة التي فعل بها هذا ولم اسأل أخته. كتب لي قبل أن ينتحر بأيام، أن الضوء اللامع يخرج من قلب الظلام. فاتني هذا النور أنه قادم من مكان آخر يتطلع إليه. أراه اليوم في الضوء اللامع، هناك، لا أجرؤ على تخيله جثة متأكلة. أحاول أن أصير أكثر ألفة مع هذا المشهد من تحلل الأجساد التي نعلق بها. أذهب بعيداً عما أحاول أن أقوله لك. ربما صرتُ مثله الآن أتطلع إلى ذلك النور الخارج من قلب الظلام. أتذكر المساء الذي توفيت فيه جدتي. كان القمر بدراً تلك الليلة. بثّ موتها في قلبي حزناً سكن بين ضلوعي وتشكل مع سنواتي اللاحقة وصار حزناً بلون القمر. في الليلة ذاتها دوّى صراخ مولودة أخي في أرجاء المستشفى، فبات طعم الموت يشبه طعم الولادة. إنها مسألة مهمة حين أستعرض احتمالات الموت أو الغياب، تكون الفكرة حاضرة، آسرة، تلحّ عليّ. 
في غيبتكَ مرّ وقت كنت أنا فيه أقفز هنا وهناك. مرّ الوقت على عجل. ثم عدتَ وأخبرتني بمرضكَ وأخبرتني أشياء كثيرة وأخبرتكَ عن الرجل الذي تسلل إليَّ ولم يتجرأ، ظل في المسافة المواربة وضحكنا معاً أن ثمة رجلاً يغازلني. ثم غبتَ ثانية. لم تغب طويلاً هذه المرة وخرج لي جنّي من القمقم وتربّع فوق حوضي وملك أنفاسي، جنّي ظريف، كان عليَّ أن أدرك أن تلك الضحكة التي كانت تصلني منه، فيها من الأنوثة ما يفوق أنوثتي، وفيها من المرارة ما سيعكّر حياتي. صرت شمسه وعمره وصرت الأغاني واللذة والخيال. وأنتَ في هذا كله منشغل عني، تلملم أطراف الحياة التي باعدت بيننا. صرنا آلات ميكانيكية، قوالب جاهزة للحياة. نمارس دورين متشابهين، منغمسين بالأمومة والأبوة والتضحية. 
ماذا حل بنا الآن؟ صرتَ لي مثل الطبيب، مثل الأخ والصديق الذي يخاف عليَّ فيراني بعين طيبة وبقلب صاف. أشتاق الى حياتنا الأولى قبل نوبات الغياب وقبل العاشق الخجول وقبل الجنّي الذي سرقني وقبل أن يصير لنا أولاد وقبل أن تسحقنا الحياة.
- ماذا سيحل بنا؟
- لا تفكري اليوم في شيء. هذا يوم بلا تفكير مقلق. امنحي نهارك ابتسامة. 
في المقهى تمسك بيدي وتشير إلى الشجرة الضخمة وتقول:
- هذه الشجرة كنت أرقبها كل يوم. كانت قبل أيام بلا ورقة واحدة وخلال أسبوعين فقط أصبحت بهذا الجمال. اكتست حلة نضرة من الأخضر.
أشعر بالمأساة. سيمرّ الوقت وأتجاوز كل هذا الألم. لا تزال روح لاهية في داخلي رأت في الشجرة حلاوة الحياة. تكون عيناك، وأنت ترقبها، منحتاها الدفء فأورقت، وكما كنت تراها كانت تراك.
- أحبك وأحب شجرتك. اليوم في هدنة. 
- اشربي قهوتك واستمتعي بهذا الربيع المزهر.
ضوء الشمس أضاء الشارع وألبس الناس نورا دافئا، خفف من الإحساس بالحرارة المتدنية. 
أستطيع أن أفكر في أمور كثيرة وأستطيع أن أبتسم وأن أخبرك عن الرجل الذي أشتهيه وأنني أواعد الغرباء وأنني أحتفظ بأسراري لك، وأن قلبك الطيب لما أشار إلى تلك الشجرة محا كل آلامي. الحياة ليست عادلة معي ومعك.
تبدو لي وأنت جالس في ضوء الشمس من هذا اليوم الربيعي، مثل نادل سعيد بنهاره يوزع الأمل في الأكواب والأطباق بديلا من القهوة ورقائق الخبز المحمص.

بثينة سليمان

قصيدة جديدة: طيور

طيور

لماذا تقولون: الشهوة تعكّر المياه

وإن علينا أن ننخل أرواحنا

حتى يروق الخرير

لماذا تقطّرون الغوث إلى أن يتبخر

تاركاً أجسادنا ناشفة كالقلوع

وأرواحنا كأبخرة هربت من مداخن

إلى أجواء معطّلة

الأطياف موجوعة

والعيون بالكاد تتعرف إلى نظراتها؟

.

لماذا لا ترونها جارحاً في حجم إبهام متعب

يرفرف فوق كل هذه الأدغال الوعرة

ليودع مفتاحاً في قفله

يا رفاقي المؤمنين؟

.

.

ⓒ Youssef Rakha

الشِعر في لوحات

ذكرني اللغط المحيط بصدور كتيب مختارات مجلة إبداع “صيد وحيد” بحقائق لا أبالغ إذا قلتُ إن نسيانها شرط للحفاظ على صلتي بالكتابة. وبصفتي متابعاً إن لم يكن منتجاً للأدب، كانت افتتاحية مدير تحرير المجلة في العدد المزامن مذهلة، حيث كشف للقارئ أن الكتيب لم يكن سوى فخ لإثبات أن قصيدة النثر كومة حصى تستحق أن تكنسها المؤسسة كما لازالت تفعل بعد عقود من استحواز صيغة الشعر المنثور على اهتمام الغاوين. ففضلاً عن أن في التعليق إهانة لمن كُلّفوا بتحرير الكتيب من زملاء مدير التحرير نفسه، من العبث أن يُسَبّ إنتاج الكاتب في المطبوعة التي استكتبته بكامل إرادتها، خاصة إذا ما حدث بدعوى أنها إنما فعلت لتثبت عدم جدارة ذلك الكاتب بصفحاتها!

خطر لي في هذا السياق أن المؤسسة الفاسدة وحدها تسمح بمثل ذلك الجنون (كما تتيح لأحد موظفيها أن يكون في اللحظة نفسها المانح والممنوح للجائزة الكبرى والوحيدة في مهرجان هو أسسه وأداره) وأن غياب المساءلة يوفر مناخاً مواتياً للتعريض المجاني بأي خصم مفترض على حساب المجلة والمساهمين فيها سواء. لكنّ ما لم أستطع تفسيره هو تكالب شعراء النثر أنفسهم على أن يكون لهم مكان في “صيد وحيد”، ولدرجة اتهام بعضهم لبعض بسرقة “أفكار” القصائد بل وإعلانهم عن فرحتهم بأن المؤسسة منحتهم شرعية الوجود (لتعود وتسحبها على الفور؟) يعني: لا مال ولا مجد في “إبداع”، فكيف يمثّل اعتراف أحد الأذناب المقطوعة للدولة البوليسية مكسباً؟

لكنّ مَن خاصم المؤسسة مقدّماً – مستعرضاً ذيوع كتابته في لغات غير العربية – بدا مبالغاً في رفضه وأحرج أنداده الأكثر تهذّباً (فهل ورود نص للشاعر في “إبداع” يهدد مصداقيته إلى هذا الحد؟ وماذا عن الواردة نصوصهم ممن تُستحسَن كتابتهم كأفراد؟) لعل في اللغات الأخرى شرعية أجدى بالفعل، مع أنه يبدو لي أن الشعر يخسر أكثر مما يكسب في الترجمة. وسواء اكتسبت قصيدة النثر شرعيتها من وزارة الثقافة أو من نجاح دولي يتيح مقاضاتها، لم يثبت “صيد وحيد” سوى أن الشيء المنزّه عن الربح والسجال، الشيء المهم لدرجة جرجرة كتّابه إلى أمور كهذه، ذلك الذي نسميه شعرا

ليس مهماً على الإطلاق

حوار‮ ‬منصورة عز الدين

هدفي تحطيم البقرات المقدسة

لا يكف يوسف رخا عن إثارة الشغب‮. ‬

حاجته الدائمة إلي المغادرة وعدم الثبات تدفعه لاختبار أقصي درجات التمرد و(السخط؟‮) ‬في الكتابة‮. ‬لا يعترف بأي فواصل أو حدود بين الأنواع الأدبية،‮ ‬لذا يمعن في التنقل بينها ومزجها ببعضها البعض كأنما تتحول الكلمات معه إلي لعبة ما‮. ‬إلي مكعبات أو قطع ميكانو يرّكبها كل مرة علي نحو مختلف ثم لا يلبث أن يفككها من جديد‮.‬

اللغة من وجهة نظره صديق لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد‮. ‬صديق يتحول رخا من أجله إلي متآمر أبدي يظل يسهم في تنفيذ مؤامرة محكمة للتأكد من أن اللغة‮ “‬لغته لا تعيش إلا خارج الكتابة‮” ‬كما كتب في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ضمن كتابه الأحدث‮ “‬كل أماكننا‮”. ‬وهو النص الذي يشبه خارطة طريق‮ (‬لن أقول مانيفست‮) ‬لنظرته للّغة،‮ ‬وهي نظرة،‮ ‬ربما تكون بدأت معه منذ بدايته،‮ ‬إذ نجد تجلياً‮ ‬آخر لها في نص من نصوصه الأولي‮ (‬منشور في الكتاب نفسه‮) ‬وعنوانه‮ “‬عبّاس العقاد‮” ‬يكتب فيه‮ “‬تلك القوالب الخرسانية‮/ ‬وقصائد الحديد والصلب‮/ ‬هل كنت تتحدث مع المازني‮/ ‬بلغة سرية؟‮/ ‬أنت لم تترك لي‮/ ‬أكثر مما تركه الإغريق القدامي‮/ ‬أنت ورثتني‮/ ‬قوالب طوب‮/ ‬أنت ممن جعلوني‮/ ‬أكره اللغة العربية‮”.‬

هذه القصيدة أشبه ما تكون بتصفية حسابات مع نظرة معينة للّغة وللفن،‮ ‬وهو أمر لا ينكره رخا،‮ ‬إذ يقول‮: “‬كان هذا مطروحاً‮ ‬في قصيدة التسعينيات‮. ‬تصفية حسابات مع البشر والدنيا بشكل إنساني،‮ ‬تصفية حسابات علي المستويين الجمالي والأدبي‮. ‬لكن يمكنني قول إنه ليس تصفية حسابات بقدر ما هو تمرد أو تكسير للبقرات المقدسة،‮ ‬والعقاد أكبر‮ “‬البقرات المقدسة‮” ‬بدون وجه حق‮! ‬هو من وجهة نظري ليس لديه جديد يقوله،‮ ‬علاقته باللغة مريضة ومختلف تماما عن طه حسين مثلاً‮. ‬موقفي من العقاد ليس موقفاً‮ ‬من عصر ولا توجه سياسي،‮ ‬إنما موقف من كاتب أرفض التعبد في محرابه‮. ‬الآن لن أكتب قصيدة بهذا المنطق‮. ‬لأني مقتنع حاليا أن تصفية الحسابات حتي لو بشكل جمالي ليست هدفاً‮ ‬كافياً‮ ‬للكتابة‮”.‬

‮ ‬تبدو اللغة هنا هي المعيار الأول الذي يقرِّب صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬من كاتب أو ينفره منه،‮ ‬يستشهد بطه حسين باعتباره النموذج المغاير للعقاد،‮ ‬لكنه يعود في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ليسخر من صاحب‮ “‬الأيام‮” ‬لأنه شغل نفسه بسؤال‮: “‬أيهما الأصح‮: ‬تخرّج في الجامعة‮ ‬_‮ ‬أم من‮ ‬_‮ ‬الجامعة؟‮”. ‬

من ناحية أخري‮  ‬يبدو يوسف رخا كأنما في صراع دائم مع اللغة للوصول للغته هو،‮ ‬لغة تخصه،‮ ‬وتشبهه،‮ ‬بما يحمله من تمرد وقلق ورغبة دائمة في اخراج لسانه للجميع وتكسير كل الأيقونات والبقرات المقدسة‮. “‬هذا في حد ذاته من الأشياء الأساسية في الكتابة الأدبية‮. ‬درجة من الطزاجة تسعين لها‮. ‬أن تتجاوزي الكليشيهات حتي لو قمتِ‮ ‬بسك كليشيهات خاصة بكِ‮ ‬في المقابل‮.” ‬يقول رخا قبل أن يضيف‮: “‬ثمة سلطات لغوية مزعجة‮. ‬توجد سلطوية كريهة في التعامل مع اللغة‮. ‬هذا شيء ضد الإبداع‮. ‬نحن نتكلم لغة‮ ‬غير التي نكتب بها‮. ‬لدينا لهجات مختلفة،‮ ‬ولغة لم تتطور إلا علي الورق،‮ ‬وأري أن هذا شيء جيد‮. ‬لو حذونا حذو أوروبا لكانت كل لهجة تحولت إلي لغة منفصلة‮. ‬هذا يطرح سؤالاً‮ ‬طوال الوقت هو‮: ‬كيف تكتبين؟ أنتِ‮ ‬مسبقاً‮ ‬اخترتِ‮ ‬الكتابة كامتداد تاريخي لما كُتِب باللغة العربية علي مدي التاريخ،‮ ‬لكن مع لمسة إنسانية تقترب من لغة الكلام‮. ‬في مرحلة من المراحل،‮ ‬عندما كنت أفكر في الكتابة،‮ ‬شعرت أن الأشياء التي من الممكن أن أخسرها والتي لا تعوض هي الصراع بين العامية والفصحي‮. ‬لديكِ‮ ‬لغتان يمكنكِ‮ ‬استنباط شيء مختلف من تصادمهما أو تجاورهما‮. ‬اللغة إضافة لكونها علاقة صريحة مع ما هو الشعر،‮ ‬إنما هي أيضا صراع‮. ‬معظم الكتّاب الذين أحبهم سواء بالعربية أو الإنجليزية يكون عندهم لغة تخصهم‮”.  ‬

‮>>>‬

اختار رخا‮ “‬كل أماكننا‮” ‬عنواناً‮ ‬لكتابه الأحدث الصادر عن دار العين،‮ ‬كأنما يؤكد من جديد علي أهمية المكان في كتابته‮. ‬إذ يظهر دائما باعتباره مركز الكتابة والعنصر الأساسي فيها‮. ‬لاحظنا هذا في كتبه في أدب الرحلات من‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬إلي‮ “‬شمال القاهرة،‮ ‬غرب الفلبين‮”‬،‮ ‬وها نحن نلاحظه في نصوصه الأحدث المقالات منها والقصائد،‮ ‬بل وحتي في مخطوط روايته التي لم تصدر بعد‮ “‬كتاب الطغري‮”. ‬يعترف رخا أنه في الشعر لا يوجد لديه وعي بحضور المكان‮: “‬عندما سافرت إلي أبو ظبي وجدتني أكتب قصائد متتالية عن المكان دونما تخطيط أو قصدية‮. ‬وكان هذا لطيفاً،‮ ‬إنما الكتابة عن المكان في كتب الرحلات تتم عن عمد،‮ ‬أعتقد أن المكان من الأشياء الأساسية عندي،‮ ‬أكثر أهمية من الزمن بالنسبة لي‮. ‬من المفارقات أني عشت في أماكن كثيرة جدا في القاهرة وخارجها،‮ ‬وكنت دائما أعود للشقة التي وُلدت فيها‮. ‬احساس لا علاقة له بالعاطفة أو الحنين‮”. ‬

الزمن في كتابات رخا إما مفكك أو موجود في منظومة محددة سلفاً‮. ‬في كتاب‮ “‬الطغري‮” ‬مثلاً‮ ‬تدور الرواية في ثلاثة أسابيع محددة‮. ‬ويظهر فيها المكان‮ / ‬القاهرة وتغيراته بشكل واضح،‮ ‬بل إنها‮ (‬أي القاهرة‮) ‬العنصر الأساسي في‮ “‬كتاب الطغري‮” ‬كما يؤكد رخا‮: “‬وهذا جزء رئيسي من عملية التكوين في الرواية‮. ‬المكان حاضر تماما،‮ ‬ليس فقط القاهرة،‮ ‬إنما نكهات معينة لأماكن معينة‮. ‬قاهرتي أنا‮. ‬شعرت باختلاف كبير حينما أكتب عن مكان ضخم أعرفه جيدا‮. ‬أبو ظبي وبيروت مثلا أصغر من القاهرة،‮ ‬وخبرتي فيهما أقل‮. ‬عندما يكون المكان كبيراً،‮ ‬وخبرتك فيه كبيرة تستطيعين اللجوء لخيارات صعبة‮”.‬

لكن بعيداً‮ ‬عن مركزية المكان،‮ ‬يبدو‮ “‬كل أماكننا‮” ‬مربكاً‮ ‬لهواة التصنيف،‮ ‬فالكتاب يحطم الحدود بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬إذ يضم ديوانين قصيرين أحدهما قديم والآخر جديد،‮ ‬ومعهما نصوص ومقالات‮. ‬تجسير الفجوة بين الأجناس له مستوي آخر أيضا فثمة نصوص شعرية في الكتاب أقرب للنثر،‮ ‬ومقالات ونصوص سردية أقرب للشعر‮. ‬لا يبدو يوسف رخا مرتاحاً‮ ‬لفكرة أن يبرر نشره للمقالات مع القصائد،‮ ‬يقول بدرجة من الاستهانة‮: “‬كان لدي ديوانان قصيران،‮ ‬لا يصح أن ينشر كل منهما وحده،‮ ‬كان من الممكن أن يُنشرا مع بعضهما في كتاب أصغر‮. ‬لم أرغب في أن ينشر كل منهما في كتاب أصغر لأن لدي مشكلة مع الكتب الهزيلة حجماً،‮ ‬كما كنت أشعر بضرورة أن تتم قراءتهما معاً‮. ‬أيضا أردت كسر التصنيف الحاد بين النثر والشعر واخترت نصوصا نثرية من الممكن أن تصنع حالة كلية مع الديوانين‮. ‬من الممكن أن تقرأي القصائد علي أنها نثر مطبوع بشكل مختلف،‮ ‬وتقرأي المقالات علي أنها شعر مطبوع كنثر‮”.‬

أسأله‮: ‬تبدو مشغولا بتجسير المسافة بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬ما السبب؟

‮- “‬بالنسبة لما أكتبه،‮ ‬أشعر أن مسألة الأنواع الأدبية مفتعلة‮. ‬ثمة شكل تقني يتطلب أشياء معينة‮. ‬ولديّ‮ ‬دائما تساؤل هو‮: ‬هل لو كتب رامبو روايات لكان أصبح أقل أهمية وتأثيراً؟ وهل لو كتب ديستويفسكي قصائد لكان أقل أهمية؟ فكرة التخصص التي كانت سائدة في السبعينيات لا معني لها من وجهة نظري‮. ‬الكتابة كتابة سواءً‮ ‬أكانت مقالا أو ريبورتاج أو قصة‮. ‬ما يحركني لها دوافع واحدة بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي أكتبه‮. ‬في لحظة معينة أجدني أقرأ كتاب‮ “‬ميزان الذهب في شعر العرب‮” ‬من أجل كتابة بيتين من الشعر العمودي أحتاجهما في مكان معين من عمل معين‮. ‬التركيبة الموجودة في‮ “‬كل أماكننا‮” ‬لا أعرف إلي أي مدي هي موفقة‮. ‬هي مبنية علي نصوص كانت موجودة مسبقاً‮ ‬عندي‮”.‬

‮>>>‬

رغبة رخا في التمرد وتحطيم البقرات المقدسة،‮ ‬لا توفر شيئاً‮ ‬أو أحداً،‮ ‬إذ تمتد إلي الشعر نفسه‮. ‬نلاحظ رغبة قوية في إنزاله من عليائه واللعب به ومعه‮.‬

يقول‮: “‬لا أري أن أدبية النص لها أي علاقة بتوصيفه‮. ‬عندي ثورة شخصية علي الأدبية الخاصة بتلقي النص الآتية من مكان معين خارجه‮. ‬من جانب آخر هناك الأفكار التي ظهرت في التسعينيات والداعية لكسر نوع معين من البلاغة وتصور معين عن الأديب‮. ‬كان الأهم فيها أنها حطمت المفهوم الخاص بأن من يكتب يلعب دور المعلم أو الأديب أو حتي النبي‮. ‬في عملي لا تزال هناك الرغبة في أن تصدمي أو تكسري‮. ‬رغبة مصدرها التآلف مع ما حدث في التسعينيات رغم أني وقتها لم أكن واعياً‮ ‬بهذا بشكل كافٍ‮. ‬هذا الكتاب أشعر أنه فاصل‮/ ‬حاجز بين مرحلة استنفدت أغراضها وبين مرحلة جديدة‮. ‬بمعني‮  ‬بين مرحلة كتابة المكان بالشكل الذي بدأته‮ ‬2005‮ ‬وبين الرواية التي انتهيت منها مؤخرا‮. ‬الديوان صدر فوراً‮ ‬بعد‮ “‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮”. ‬شعرت أنه يملأ المساحة بين أدب الرحلات والرواية‮. ‬الكتاب كان من المفترض أن يحتوي أيضاً‮ ‬علي اسكتشات وصور فوتوغرافية،‮ ‬لكن لم يحدث هذا لأسباب ربما تكون تقنية،‮ ‬الفكرة تم رفضها من قبل الناشر‮”.

Enhanced by Zemanta

الفحولة

قبل الفجر بقليل أخرج من المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة بحثاً عن نصبة جرائد لعلني أجد المجلة التي فيها صورتي. أمشي طويلاً في شوارع دامسة وأمر بأكشاك أسأل القائمين عليها لكنني لا أعثر على أي نصبة. ليس معي أحد في المقهى: تركت اللابتوب مفتوحاً على الطاولة وفي حقيبتي المعلّقة على ظهر المقعد من أمامه مفتاح البيت والمحفظة التي تحمل بطاقة هويتي. ومع ذلك عندما يقف لي تاكسي أبيض أركب جنب السائق على الفور ويقود السيارة في شوارع مشتعلة كأنما بضوء النهار لكنه ليس سوى عواميد النور البرتقالية وقد زادت كثافتها بصورة فظيعة. تمر ساعة أو أكثر ونحن صامتان ثم يتوقف في مكان ليس دامساً وليس مشتعلاً وعندما أناوله الأجرة يفتح سستة بنطلونه ويُخرج عضوه الأسود المنتصب. وكأنني عدت إلى حيث المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة أجدني وسط جماعة من الشباب الذين يتحلقون كل ستة أو سبعة حول سيارة تطلع منها موسيقى الترانس ويتكلمون فيما بينهم أو يقفون صامتين. أحس أنهم أصدقائي أو أنني واحد منهم لكنني أستغرب من أننا كلنا ذكور ولا فتاة أو امرأة بيننا وأتذكر أنني لم أر امرأة واحدة طوال الليلة لا في المقهى ولا في الشارع ولا حتى في خيالي. ثم ألمح حقيبتي التي فيها مفتاح البيت والمحفظة على كتف واحدة منقّبة تمد الخطى على الجانب الآخر من الطريق وطرف اللابتوب بائن من فتحة الحقيبة. أحاول أن ألحق بالمنقبة لكنها تدخل في تاكسي أبيض يقف لها وينطلق وحيث أتوقع أن أرى صورتي في المجلة أجد صورة فتاة عارية سرعان ما تظهر راقدة على طاولة المقهى تتنهد مملّسة على جبيني ويبتل بظرها وهي تقول: أليس شيئاً كريهاً أن تكون رجلاً في هذه المدينة؟

Enhanced by Zemanta

يا أستاذ محمد

لم أذق شفتيها

ولم يأت الرفاق حتى اليوم الأخير

شغلت المكان المخصص لجسمك

واعياً أو تائهاً

في منامات كأنها مهرجان

وفكرت فيها قليلاً

وافتقدتك

أصبح البيت أنت

حزين ومبهج

مثل البنفسج في الأغنية

وللذهاب أولوية على كل شيء

كتبت قرأت عمرت رأسي وأفرغتها

واصطحبت الرفاق إلى محافل

لم أحسب فراقها يعز علي

أخذت أشياء تركت أشياء

واستعدت امتناني لأنك هنا

فهكذا الحياة يا أستاذ محمد

أن نكون في مكان واحد

ولكن في أوقات مختلفة

Reblog this post [with Zemanta]

ما اقتناه الصعيدي

بدلاً من صوت متعجل على التليفون

قادر أن يعيد الكلب الضائع إلى بيته الخشبي

ذلك السقف الهرمي الطالع من النوم والطفولة

تطمئنك تسجيلات المسرحيات

تلك السخافات المقطّرة كالكحول

تُضحِك مع أنها محفوظة عن ظهر قلب

وتفكر أن طفولتك كانت سعيدة

وإلا ما أمضيتَ هذا الوقت في انتظار صوت

يحتاج إلحاحاً قبل أن ينسل في أذنك

ولا صدمك حماسه للذهاب إلى مكان لستَ فيه

لابد أن في الدنيا أصواتاً كثيرة

ليست متعجلة على التليفون

وربما أحق من هذا الصوت بالترقب

ولأول مرة منذ منتصف عمرك المبكر

تحس أنك مكتمل البلاهة

مثل الصعيدي الذي دفع كل ماله

مقابل صك امتلاك الترامواي

بدلاً من الصوت الآن تعجَب

من فرحة الصعيدي بما اقتناه

Reblog this post [with Zemanta]

صدور “كل أماكننا” عن دار العين علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي، واللي عنده رأي تاني يطلعلي برة

البلاد

لحظةَ أن يبقبق اليأس

يضع كلَ أشيائه على

كتفيه، يرحل بعيداً

الانتحار على سبيل التخلص

من العيون المتلصصة

ربما يجد محبته هناك

عندما يصبح وردة حمراءَ

أو شجرة سامقة

هناك ربما يجد محبته