في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

الثورة بجد

Featured

عن قصيدة ‪الأسد على حق“‬ لألن جينسبرج:

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

Continue reading

مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

Continue reading

دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

لنسم الأشياء بأسمائها

IMG_1896

.

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

***

تقول الشعارات الإسلامية: “ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟” ولنفرض أننا لم نكن قد رأينا. أمس، يوم ٥ ديسمبر في مصر الجديدة، رأينا “شريعة الله” على الأسفلت. رأينا الإخوان المسلمين والسلفيين والجهادين – تحت أعين الشرطة – يقتلون المتظاهرين المناهضين للرئيس “الشرعي” محمد مرسي والمحسوبين على الثورة بدم بارد.

رأيناهم يأسرون ويسبون ثم يحتجزون ويعذبون سباياهم وأسراهم ضرباً وخنقاً وطعناً وصعقاً بالكهرباء بل وتعليقاً على أسوار قصر الاتحادية حيث كان المحتجون قد كتبوا تنويعات مختلفة على رسالة القطاع الأوسع من المصريين المدينيين إلى مرسي: “ارحل يا ابن الجزمة”. وإذا أطلقوا سراحهم فليسلموهم إلى الشرطة بتهمة البلطجة، حيث يصبح قرابة مئتي مجني عليه متهماً وماثلاً أمام نيابة باتت – بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم ٢٢ نوفمبر وانطلقت في إثره الاحتجاجات، محصناً قرارته ضد الطعن القضائي – في خدمة الجماعة وتحت أمرها.

ليس هذا وحسب: إن قوادي “الحرية والعدالة” (كما صرت، عن نفسي، أعرّف “قيادات الإخوان”) بلغ بهم التبجح حد التلاعب الإعلامي والطائفي بهوية القتلى لكي ينسبوا الضحايا إلى أنفسهم… هكذا رأينا شعب الريف الكادح يزحف على المدافعين عن أبسط حقوقه باسم الله ليمارس عليهم أقسى أنواع القمع الرسمي بصفة غير رسمية، ورأينا دعاة “شرع الله” من المتنطعين على الثورة، بلا خجل، يسبغون على سياسي حنث اليمين وثبت عليه الكذب على نحو قاطع عصمة الأنبياء إن لم يكن القداسة الإلهية. هذا ما رأيناه أيها “الفصيل السياسي” الشريك…

***

قبل شهور كان واضحاً أن ثنائية الثوار والفلول السائدة إذاك – تحت “حكم العسكر” – ليست سوى إيماءة شعاراتية طارئة سرعان ما سوف تنهار أمام صراع أكثر جذرية بين الإسلام السياسي وما سواه من توجهات، لأن الإسلام السياسي من الشمولية والعنف والرياء بحيث لا يستوي وجوده متجاوراً مع “فصائل” أخرى.

واليوم، بينما يُحشد الرعاع والإرهابيون من الأقاليم المظلمة في “تظاهرات تأييد” قاهرية لا يميّزها عن تظاهرات بلطجية مبارك سوى وساختها الريفية وتبجحها الوقح بإرادة السماء، يتهم قوادو الحرية والعدالة ميدان التحرير المحتشد تلقائياً ضد الأخونة والتخليج، ضد تقويض القضاء والتمهيد للسيطرة على الإعلام، بأنه صار قبلة الفلول (علماً بأن الحكومة الإخوانية، ووزارة الداخلية بالذات، قائمة بالأساس على من كانوا يتقلدون مناصب في “العهد البائد”؛ علماً بأن الإخوان كانوا أول من تفاوض مع نظام مبارك وفي تاريخهم السابق على الثورة أكثر من واقعة تحالف مع الحزب الوطني المنحل). لقد بلغ جهل وغباء الإسلاميين في مصر حد التهديد بالعصيان المدني “تأييداً لقرارات الرئيس”؛ ومتى كان التأييد من وظائف الحراك الاحتجاجي؟ ومتى…

عشية الاعتصام عند الاتحادية، وإثر هروب الرئيس من باب خلفي للقصر المحاصر ثم التناقص التدريجي لأعداد المعتصمين هناك، أرسل الإخوان مسلحيهم المنظمين لفض اعتصام الاتحادية وعقاب “الثوار”… وبعد أن دفعوا لآخرين مقابل التحرش بالنساء وافتعال العنف سواء أفي التحرير دار الثورة أو في ماسبيرو مركز الحراك القبطي.

***

ثم إننا رأينا “مؤيداً” على “يوتيوب” يسب المعتصمين أنفسهم بِغِلٍ غير مفهوم بعد فض اعتصامهم، رأيناه يستدل بعلبة “جبنة نستو” وجدها في إحدى الخيام على أن “بتوع حمدين والبرادعي” اللذين يكرههما (لأسباب هي الأخرى غير مفهومة) ليسوا سوى خونة ممولين من الخارج (ومن ثم، أو إلى ثمة، “ضالين” ممن تذكرهم فاتحة القرآن).

إن ما يثبته مثل هذا المشهد هو أن الإسلامي المتحمس ليس في حاجة إلى حقائق/معلومات مطابقة للواقع التجريبي ولا إلى أي منطق نظري مهما كان بسيطاً ولا حتى إلى الحد الأدنى من أدنى حد لإعمال القوى الذهنية العادية لكي يقيم حجة تبرر له غضباً ينفث من خلاله كراهيته لذاته والتي يعبر عنها من خلال التشبث بالغواغائية الشعبوية وسواها من أشكال التخلف من جهة، وعبر رفض كل ما يمكن أن يذكّره بدونيته من جهة أخرى (وهو العالم الواسع بما فيه احتمالات التقدم).

دعك إذن من أن المتظاهر ضد مرسي هو بالضرورة، بالنسبة إلى ذلك الإسلامي، “بتاع” أحد سواه؛ إن الجبنة النستو التي يأكلها الجميع، إسلامياً أكان أو غير إسلامي، هي الدليل الدامغ على العمالة والخيانة ومناهضة “الشريعة” وكل ما من شأنه أن يهدد “الإسلام” في خطابه الساعي إلى يوتوبيا هو يعلم قبل غيره أنها لا يمكن أن تكون.

***

واليوم؟ اليوم يكبّر غلمان السلف داعين “أمير المؤمنين” الجديد أنْ “اضرب ونحن معك”، رافعين أعلام السعودية والقاعدة، محرضين “خرفانهم” على قتل رموز المعارضة في القضاء والإعلام بوصفهم “فاسدين” و/أو “كفرة فجرة”. واليوم يتطوع هؤلاء الغلمان والمتعاطفون معهم – بأوامر من القوادين – لأداء أدوار جلادي “أمن الدولة” في إعادة هزلية لمسلسل القمع البوليسي المفترض أنه مورس على الإسلاميين من قبل، ولكن أمام عدسات الهواتف في الشوارع، وفي أكشاك الشرطة العسكرية، وفي غرف داخل أسوار القصر.

وبينما يحدث ذلك، يقبع اليسار المدجن في محبسه “الوسطي” وقد أخرسته التطورات وإن استمر في ترديد شعارات الثورة على الفساد والتوافق الوطني كالمنوم مغنطيسياً، ملتمساً أعذار الجهل والكبت وحداثة العهد بالسلطة، محذراً من “حرب أهلية” لا سبيل إلى تجاوز هذه المرحلة المنحطة – وقد مسك الكلب عظمة – إلا بشيء مثلها… حرب قد بدأها الإسلاميون بالفعل رافعين شعار “قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة”، وبإيعاز من “القيادات” الميليشياوية الفاسدة والفاشلة التي لا تزال تتغنى بديمقراطية الصناديق واحترام رغبة الشعب.

يحدث هذا، وفي اليوم التالي يلقي الرئيس خطاباً رسمياً يغربل فيه نظرية المؤامرة المخابراتية المعتمدة منذ منتصف القرن فيقول إن بلطجية النظام السابق اعتدوا على متظاهرين سلميين؛ إن البلطجية في خدمة سياسين حان وقت محاكمتهم، وإنهم قد اعترفوا بجرمهم أمام الشرطة. لا يتعرض ولو بكلمة للفرق بين المحتجين و”المؤيدين”. لا يتعرض ولو بكلمة لجرائم الإسلاميين وتواطؤ الشرطة عليها. إن عدد البلطجية الذي يذكره مطابق لعدد المعتصمين الذين أوقفهم الإخوان وعذبوهم ثم سلموهم؛ ومع ذلك، رغم النفوذ الإخواني في النيابة، لا يستطيع أحد أن يثبت عليهم أي جرم حتى يطلق سراحهم بعد مماطلة في اليوم الثالث. ولا يعرف أحد عمن كان يتحدث الرئيس.

***

“حماية الثورة”: قل ما تشاء يا رفيق. أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنَفَس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه السفن الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

- ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢ إثر صدور الإعلان الدستوري

***

ومع ذلك، ورغم ذلك: لدى التوافقيين والوسطيين وقطاع كبير من “الثوار” كما لدى الإسلاميين أنفسهم، يظل الإسلام السياسي مضطَهَداً حتى حين يكون في السلطة؛ يظل قومياً حين يعمل لصالح إسرائيل، وتوافقياً حين يستبد بالقرار، وديمقراطياً حين يكرس للشمولية؛ يظل “فصيلاً” ضمن الفصائل حين يحتكر لا القرار السياسي فحسب وإنما الدستور ذاته… كما يظل الممثل “الشرعي” للشعب حين يُقصي ثلاثة أرباع ذلك الشعب نوعاً إن لم يكن كماً ويغامر بالدولة بعد أن غامر بالمجتمع والثقافة الوطنية بكل معانيها المحتملة على مدى عقود.

هكذا يأتي ناشط نجم ممن بادروا إلى انتخاب مرسي، وهي الخطوة التي أدت مباشرة إلى ما نحن فيه؛ وبدلاً من الاعتذار عن قصر النظر والمساهمة في صعود الاستبداد الظلامي وتسهيل مهمة التخلف الممنهج أو إعلان موقف واضح من الديكتاتورية الدينية التي تمثلها الرئاسة، إذا به يشير إلى جذر الخلاف في الجمعية التأسيسية الموالية ورئيسها فيغرد قائلاً: “أنا مش نازل أسقط مرسي، أنا نازل أسقط الغرياني.”

لماذا إذن لا نقول إن الإسلام السياسي يحقق أهداف الثورة بالفعل ونحن نراه يستعملها وإيانا للانقلاب على ما بقي من المؤسساتية واستبدالها بشمولية عشائرية أبشع ألف مرة من “نظام مبارك” الذي ثرنا عليه؟ طالما لا تسعى “الثورة” لحساب نفسها باستبعاد أمثال ذلك الناشط من الأصوات المعبرة عن رواسب الوعي النضالي الأخرق ودعارات البطولية الاستعراضية بكل ما فيها من جهل وغباء ولامسئولية إجرامية، لعل ما يفعله مرسي كمسئول ملف الرئاسة في جماعة الإخوان المسلمين هو “ثورة مصر” بالفعل. ولعلنا جميعاً بمن فينا ذلك الناشط فلول.

***

وعن خ. ع. عن المكفهر ا.ح. عن الشيخ ع. أنه قال: ويومذاك نزل ع. ب. إلى ميدان النهضة فحشر أحدهم في دبره علماً للسعودية ملفوفاً كالبلجدق (قيل وما البلجدق، قال: الخازوق ذو الرأس المدببة) فإذا بـ ع. يجاهد في إخراج العلم من دبره ولا يفلح حتى أعياه الجهد فسقط منهكاً ولما يقم حتى ولد من دبره ضفدعاً كلما نق قال “مرسي اه”، وقيل “وامرساه”؛ قال الشيخ م. هادم الأصنام: وكانت من معجزات عصر الدولة الإسلامية. رواه ص. ح.

- ٤ ديسمبر ٢٠١٢

***

أمس في مصر الجديدة تأكد ما كنا نعرفه، أو انهار ما كانوا يكذبون به علينا – ومازالوا – من أن هناك مساحة تقاطع حقيقية بين الإسلام السياسي والديمقراطية أو الوطنية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية أو أي قيمة أخرى نادت بها “ثورة يناير”؛ أو أن ما يتهددنا في هذا المنعطف التاريخي هو الشمولية العسكرية أو استمرارها. ولا أهمية الآن لتوجيه السؤال إلى الرفاق ممن صوّتوا لمرسي: ماذا كنتم تتوقعون؟

إنها أدوار ورثها أصحابها – وإن طوروها – من قوميي الانقلابات ودعاة مناهضة الاستعمار واليسار الذي بادر من ثم إلى موالاة “الشيوخ”… هنا القاهرة وهذا ما وصلنا إليه: ملتحون يقمعون الاحتجاج في حماية “الرئيس الثوري”، قاصمين ظهر أي منظومة مدنية محتملة، متاجرين ليس فقط بالعقيدة وإنما أيضاً بدماء مواطنيهم؛ مدن تعلن استقلالها عن حكم الإخوان؛ و”ثوار” لازالوا يدافعون عن انتخاب مرسي بوصفه “النار” التي فضلوها على “عار” شفيق حرصاً على “المصلحة الوطنية”! فهل كان شفيق ليجرؤ على إصدار إعلان دستوري مثل الذي أصدره مرسي ثم إرسال ميليشياته لقمع الاحتجاج عليه؟ أتمنى عليك أن تجيبني، أخي في الثورة.

ولو كان في البلاد مؤسسة عسكرية “وطنية” متماسكة، هل كانت لتسمح بتسليم الدولة لجماعة سرية إرهابية تمارس القمع المجتمعي والعنف السياسي ونشر التخلف بانتظام منذ عشرينيات القرن الفائت؟ ولو كان للإسلام السياسي أي صلة بالديمقراطية، هل كان ليخرج في “تظاهرات تأييد”؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ لا أهمية للإجابة عن هذه الأسئلة، أقول. الأهمية للاعتراف بأن الإسلاميين هم رعاع الأمة، ومنظريهم نخاسوها، وقادتهم أثرياء حربها من زعماء عصابات الملتحين… لنسم الأشياء بأسمائها معترفين بفشلنا الذريع مرة وإلى الأبد. ولنقل مثلما قال الرئيس مرسي في نهاية خطابه: والله من وراء القصد.

.

رسالة ثلاثة أخبار: إلى فخامة الرئيس محمد مرسي

wpid-491680mohamedmorsi-2012-07-6-20-43.jpg

.

مرت بحارس بستان فقال لها: قفـي شقيقة غصن البان والثمر.

قالـت: وما تبتغي مني؟ فقال لها: سرقت رمانتي نهديك من شجري.

قالت وقد بهتت من قوله خجلا:

فتّش قميصي لكي تذهب الوجلَ.

فهم أن يقبض النهدين، ما مهلَ.

فصاح من وجنتيها الجلنار علـى قضيب قامتها: لا بل هما ثمري…

.


.

الحمد لله حمداً راضياً بكل بلوى، والصلاة والسلام على بشير المن والسلوى: كففتُ، أبقاكم ربي، عن قراءة الأخبار. وزهدتُ في ملكوت السياسة وقصص الثوار. إذ شارف انتهاء العام الثاني على التحرك الكبير، ولم أر لمياه ثورتي أثراً سوى اشتداد السعير. فتبادر إلى فكري سؤال عن مآل الشهداء والشهود، ومردود الأعين المفقأة بالطلق والسفود. وفي الأيام الفائتة القليلة، بلغني رغماً عن إرادتي بضعة أنباء عليلة؛ فاشتغل خلدي بثلاثة أخبار دون غيرها مدركة، لم يكن لها الوقع المنتظر على عاطفتي المنهكة – وقد حملتُ وزر عشرين شهراً من محبطات الآمال والعِبَر – اللهم إلا نغزات كأنها على الجلد الميت رؤوس الإبر. وحيث أنها مشكوك في صحتها على أي حال، وهي تحمل في طياتها أكثر من سؤال، عزمتُ على نقل الأخبار الثلاثة إليكم مصبوغة باليأس كما خبرتُها، مكتفياً بمدلولاتها قدر ما استبصرتها. فلقد تُبت إلى “عشيرتي” التي أحسبها مع عشيرتكم في صراع، ولتغفروا لي أو لا تغفروا “انتوائي” ومن معي أن نعيث في رأس سعادتكم كل صنوف الصداع؛ وإني على ذلك لمتبرئ ممن صعّدوكم باسم ثورة هي منكم براء، بل ومن ذلك الشطر من نفسي الذي ساهم في مجريات عموم الخراء. أما بعد —

فإني أكتب لفخامتكم على صوت الآلة المعجزة المزروعة في حنجرة أديب الدايخ المنشد الحلبي الفقيد، حيث الغَزَل الفردوسي للأندلس وغيره من رياض الإسلام المجيد؛ ولما يزل هذا “الإسلام” عن ما سوى الحب والفن ثم العقل والحواس يبقيني ويلهيني، فلا ألف جماعة “مناضلة” تدفعني إلى تغيير ديني. وإني لقائل لمن يشك في عزمي، رغم كل ما أصاب البلاد والعباد من سقم، على الاستمرار: ابحث في عيني وأفعالي وكينونتي وأقوالي تجد القرار. بكم أو سواكم أيها الرئيس سأعيش “حياةً هنيئةً” ذات لوعة، “وإن لم أمت بالحب عشت بغصة” (يا سيدي عمر مدد!) فاتعظوا وإن غلبنا محاظيكم وجراؤكم في العدد: —

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟ دعونا، أقول، من ارتقاء اسم الله عليهم أبنائكم ذوي الجنسية الأمريكية، إلى رؤوس صفحات جرائدنا البرمائية؛ تتبعهم شائعات الاضطلاع بشئون البلاد، وأمور الدولة من عقولهم كالنار من الرماد. ودوعنا من السؤال الدائم عن ولائكم ليس لأسرة حضرتكم وإنما لجماعتكم الكذابة المتملقة، ثم لأهواء مطاياها “السلفية” الوضيعة المتحذلقة؛ فلقد نجحتم عوضاً عن زعيم ميليشياوي من الأثرياء، لم يُسمح له بالترشح وقد شبهتموه بالأنبياء… فهل ناصركم “الرفاق” وجمعوا لكم العتاد، من أجل أن تحتفلوا بقتلتهم على رؤوس الأشهاد؟

ثاني أخباري، غفر ربي لكم، أن ملتحين في السويس يدعون أنفسهم هيئة الأمر بالمعروف، قتلوا طالب هندسة في ريعان الشباب – وقد تشبثت بالبندقيات الكفوف – لأنهم رأوه سائراً إلى جوار خطيبة لم يذق عسلها قبل القران، فرموه بالرصاص من تلقاء أنفسهم أمام أنظار العيان. وطار عقل الأحبة حيث تأجج رعب المتخوفين، فيما تضاربت في الأمر آراء المتكلمين: مَن قال إن هؤلاء “سلفيون” يُعمِلون عقائدهم الحاقدة، ومَن قال إنهم موظفون في الأمن السري يثيرون فتنة عامدة؛ ويسعون بما آتاهم “النظام البائد” من قوة – يسار يمين – إلى أن يجبلوا القلوب على كراهية الإسلاميين. وكحال هذه الأحداث في ديارنا لم يحسم أمر الجريمة، ولا تطوعتم أو أتباعكم من هيئات “السلف” بكلمة رحيمة. وإني لشاهد على فساد الفطنة والتحليل، لدى من يظنكم تخاصمون من كان لكم السند والخليل. فلن يعود التحجج بـ”أمن الدولة” يقنعنا، ولا احتكاركم للهوية قبل الحكم من جوع للحريات يشبعنا. ولا فرق بين جندي أو بلطجي يزهق الروح بدعوى صد الإرهاب، وبين ملتح أو متأسلم يقتل ليدفع عن الأرض ما في الآخرة من عذاب. وما رياء “المرجعية” إلا ضرب من السلوان، لا يحلّكم من آثام الانتقام والعدوان. فوالله كما تبين أن نفاق العامة أحقر من نفاق السلطان، كذلك اصطناع الكرامة حيث يسهل الهوان. وها هو ينكشف أمر اعتمادكم على المجرمين، حتى تظهروا أمامهم في سمت العقلاء المتنورين. ولمصر در من نعتكم بأهل ثورة، وأنتم من جسد الإسلام أقرب إلى السوءة والعورة…

أما الخبر الثالث – معاليك – فهو أن عدداً من الصحفيين المسجلين بنقابة لا تزال أشبه بالوكالة، قد بادروا إلى الحصول على عضوية حزب الحرية والعدالة. وقد قبلتموهم طبعاً كأي محدث نعيم، غافلين عن أن أمثالهم لا يصلحون لغرض كريم. وهو ما يناقض خطاب “النهضة” و”التطهير”، ويتفق مع ما في أدواتكم من التواء وتأطير. أفلم تنفوا عن وزارة الداخلية المثالب، وتغرسوا في المؤسسات المخالب؟ فلا ضرورة للحديث عن مجلس الشعب والنواب، ولا فضائح الشيوخ منكم والشباب – ولا ضرورة لبحث الكارثة المحدقة، بأن تصبح تفاهاتكم هي “قضايا” المنطقة؛ فيقتل من يطلب وصل خطيبته العفيف، بينما يكتب الدستور من “يتزوج” فتاة العشرة أعوام بالنزيف – إذ تجلى سعيكم إلى الانفراد بالمقاليد، وقبولكم بمنظومة “الحزب الحاكم” وسلطة النار والحديد. ولا تتبالهوا عن أن في ذلك نسخ لما كان، قبل اندلاع الثورة وانتخاب البرلمان. ولا تظنوا أن اتشاحكم بالدين، إثر الانتخابات، سيغيّب العقول عن ما في نهجكم من وساخات؛ إذ أنكم الآن – وأنتم تعلمون – أهل بيت العسكر المتخابثون. وما من ضمان في الدنيا لانتصار الحقيقة، إلا أننا أشهرنا أسلحتنا الرقيقة. أنتم غريمنا في البرد والحر، وإلى الله وحده المستقر.

.

wpid-img_3156-2012-07-6-20-43.jpg

.

wpid-img_3155-2012-07-6-20-43.jpg

.


.

wpid-img_3188-2012-07-6-20-43.jpg

وإلى رفاق سلاحه قال كاتب الرسالة:

طلعتوا الكتب وشاركتوا في الحملات وأصدرتوا تعليمات للمريدين بتوعكو. وشتمتوا أي واحد بيشاور ع القلوط ويقولكو يا جماعة على فكرة ده قلوط. ولما اتأكدتوا إن مرسي هو شفيق بس فرع المعاملات الإسلامية، شكلكو بقى وسخ قوي. وممل. وما لوش أي تلاتة معنى. وتنظريكو بقى زي البانجو المضروب. وصوتكو مهما عليتوه كإنه صدى جاي من حتة كتمة. وما عادش فيه حد مصدق إن ليكو أي لازمة أساساً ولا عاد حتى فيه جهة تبقوا معاها أو ضدها. دلوقتي هنقعد عشر سنين أو مية سنة يطلع ميتينا عشان نوصل للحظة اللي كنا فيها قبل ما أي حاجة تحصل، وطول الوقت ده برضه مش هترحمونا من فساكو

ملاحظات عابرة، تاني

سمعت أبو الفتوح إمباح في لقاءات مختلفة لمدة حوالي خمس ساعات في محاولة للتقييم بعيداً عن تأثير الأحداث وعندي تلت ملاحظات: (١) خطابه مش إسلامي قد ما هو يساري-قومجي متدين، ومن الزاوية دي عنده كل الشعاراتية-الشعبوية الرخيصة بتاعت أجيال متوالية من المعارضة المصرية الغير مؤهلة لإنها ببساطة – مهنياً وفكرياً وحتى أخلاقياً – غير كفؤ؛ (٢) ولاؤه للإسلاميين عاميه فعلاً عن مشاكل جوهرية في المجتمع و”الشعب” المصري زي الطائفية والنظرة للمرأة ولمعتقدات الآخرين واللادينيين، وزي خيابة أي طرح نهضوي منطلقه الهوية المهزومة اللي مش معترفة بقصورها؛ (٣) نظرته للـ”اصطفاف الوطني” بتعبر في عمقها عن إحساس بدائي بالواجب تجاه فكرة مجردة (حديثة وسياسية) عن الإسلام كوطن (أو الوطن كتجسد للإسلام)، والفكرة دي موقّعاه في مغالطات ما لهاش حصر، من أول إن كل مشكلتنا مع إيران هي إن النظام الإسلامي هناك شيعي المذهب ولحد إن كل مشكلة انتخابات الرئاسة هي التزوير لصالح شفيق.

wpid-579660_10151826177330473_1084449853_n-2012-06-8-00-27.jpg

تساؤلات يسارية – مع إني قريت في النظرية الماركسية عمري ما شفت طبقة عاملة إلا وكانت رجعية؛ هو ما فيش طبقة عاملة ثورية غير في كلام طبقات مش عاملة؟ الطبقة العاملة وما دونها في الثورة المصرية كان دورها الأبرز إنها تعمل بلطجية ومواطنين شرفاء، مين بيستفيد إيه لما نزيّف الحقيقة دي؟ أستاذ جامعة مع الثورة وعامل نضافة ضدها: يا إما الأستاذ يفرض نظرته على العامل بمنطق استعماري يا إما ما يقولش إنه بيثور عشانه؛ صح؟ يعني في وجود الميكروباص والتكتك والتاكسي الأبيض والإسود والملاكي اللي شغال أجرة إلخ إلخ إلخ، فيه حد بجد متصور إن إضراب عمال النقل العام ممكن يوقف الحياة؟ طب ليه العمال كانوا أول ناس صمموا يقفوا ضد فكرة العصيان المدني أول ما فهموا إنها امتداد للثورة؟ ليه ما فيش حد م العمال صوّت لخالد علي محامي العمال…

wpid-550477_10151814055735473_251349078_n-2012-06-8-00-27.jpg

هدف الثورة إن شفيق ما يترشحش لإنه لو اترشح حيكسب، وده دليل واضح على إن الثورة مستمرة. هدف الثورة مجلس رئاسي أهم عضو فيه مرسي ووظيفته الرئيسية إعدام مبارك… وده برضه دليل على إن الثورة مستمرة.

صديقي العزيز، عشان خاطري كفاية تعريص على الشهدا والنبي: ده ما بيغيرش رأي حد بس بيخلي منظرك إنت زبالة زبالة، يعني أزبل من “النظام” نفسه.

قال لك حأنتخب الإخوان عشان كمان عشر سنين تبقى الإعادة بين وائل غنيم وعلاء عبفتاح – طيب سيبك من الخلل المنطقي اللي في الجملة، الإعادة دي ممكن تخلي أي بنيآدم عنده حد أدنى من العقلانية أو تثمين للكفاءة يفجّر نفسه.

هي غباوات الثورة لا تعد بصراحة بس في اعتقادي ربما أغبى غباوات الثورة هي نظرية “الميدان”؛ مثلاً: طب نروق شوية ونشوف كده، ولو ما نفعش نرجع الميدان…

“إحنا تايهين: يعني إنت دلوقت وإنت داخل تحط لشفيق، ممكن الإخوان يعملوا معاك خناقة” – أحد مواطني الإسكندرية.

أظن المخرج الحقيقي من ورطة الربيع العربي هو الخيانة. بمعنى أن تنظر إلى وجودك كمصري أو مسلم باعتباره صدفة تعيسة فقط، لكنها قد تمنحك منظوراً مثيراً على إنسانية العصر التي تنتمي إليها بلا هوية من أي نوع.

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

FOUND EGYPT: Mosaics of the Revolution

(1) A stock portrait of a contemporary woman in niqab is made up of the nude picture of Alia Mahdi, which was called a revolutionary gesture by the subject in November, 2011

(2) A Google Earth image of Tahrir Square and surrounds is made up of a graffito of “the finger”, one of the most popular statements of defiance since January, 2011

(3) A detail of an archival photo of a funerary mural in Thebes is made up of an iconic picture of a protester killed in Tahrir in January, 2011

(4) One of the portraits of Pope Shenouda III used by mourners following his death in March, 2012 is made up of images of casualties of the October 9, 2011 Maspero massacre of Coptic demonstrators (which the Pope is believed to have condoned)

(5) The flag of Egypt, with the eagle replaced by the famous blue bra exposed during the brutal beating by SCAF of one female demonstrator in Tahrir in November, 2011, is made up of images of Salafi and Muslim Brotherhood figures and symbols (along with “honourable citizens“, the “Islamic movement”, then in alliance with SCAF, condoned the suppression of demonstrators)

(6) A Muslim young man, reportedly gay, from a Cairo shanty town who crucified himself on a lamppost in Tahrir in April, 2011 as a gesture of protest is made up of anti-SCAF graffiti

(7) An American passport is made up of images of the hardline Islamist and vociferously anti-American former presidential candidate Hazim Salah Abu Ismail, who was legally disqualified from entering the race due to his mother holding US citizenship

cf/x photo mosaic as well as Adobe Photoshop CS5 were used to make these pictures

 

لو كان حظي الهجر منكم ولم يكن بعاداً فذاك الهجر عندي هو الوصل

wpid-a1297_35541_xksnu1_700-2012-01-10-16-28.jpg

سيدي خالد سعيد مدد

عمي حرارة أبو العيون

نور عينيا مدد مدد

ستي سالي زهران مدد

علاء عبد الهادي مدد

مولانا مينا دانيال

أبو الصليب الأخضر مدد

شيخ عماد عفت يا إمام

سلطان الثايرين مدد

أم الحزام أزرق مدد

والخوذة الصفيح مدد

القصر العيني والتحرير

أعمامنا الألتراس مدد

ويا شايل اليافطة مدد

ياللي بترسم ع الحيطان

ماسبيرو مقام الأسياد

وياللي محبوسين مدد

يا أسود محمد محمود

يا أصحاب الخطوة مدد

مهاب نصر: الثورة .. هل يمكن أن تكون ضد الشعب؟

wpid-tahrirmap2-large-2011-12-6-00-16.jpg

سحابات من كآبة خفيفة يمكن أن تمر بالميدان الآن، يفرك تحتها المعتصمون أو من تبقى منهم ايديهم، برودة الخذلان تقرص العروق، والشتاء ما زال في أوله.

من حق الجالس على الرصيف الآن أن يفكر، ان كان يسعه ذلك، في هذه الساحة الملعونة، مكان ثورته وحصاره في الوقت نفسه، بعيدا عن الحمية التي كانت تطقطق مثل الحطب المتوهج، كلما احتدم الصراع بين الميدان وخارجه مستعيدة ببصيص أقل، ببصيص يائس ربما، اللحظة الجماعية المثالية، لجظة الفرح التي عصفت بالخوف وأسياده، والتي كانت أشبه بسعادة طرد الأب من البيت مصاحبا بالأحذية، والشعور الملتبس بالاثم، لأرواح مازال تحررها مشدودا الى الانتقام، لذلك تصخب الى حد الهذيان الجماعي.

هل كان يعرف ذلك؟ هل كان يتوقعه؟ أعني أن الملايين التي خرجت معه أو وراءه وأحاطت به لم تكن ثائرة حقا، كانت محرومة من بهجة الاحساس الجماعي، كانت تحتفل بأول عيد لها صنعه التنادي من شارع الى آخر ومن بيت الى بيت. كانت مبتهجة جدا، كمن يطوح حقيبة الدراسة في السماء ويجري، دون أن يدري الى أين؟

الآن جاء وقت اقتسام التركة، وكما يحدث في الأفلام الرديئة، يظهر ابن العم الغائب، والابن الانتهازي غير الشقيق، منتظرين “نهاية الليلة” بفارغ الصبر.

ربما يتساءل الثائر، أو من بقي ثائرا، من أين تأتي الخيانة؟ ولكن هل كانت هناك حقا ثورة حتى تكون هناك خيانة؟

من أكبر أخطاء “الثورة”، الثقة المبالغ فيها في الجموع، في أن مليونا أو بضعة ملايين تملأ الشوارع هي التعداد الحقيقي للثائرين، وهي المؤشر الاحصائي للقاعدة الشعبية. لأن لحظة الحشد هي دائما لحظة استثنائية، لحظة تركب أجسادنا فيها روح أعمق من الادراك والوعي، وتصبح هي القائد الأعمى لخطوتنا؟ لحظة مهما تمكنا من السيطرة عليها حتى لا تذهب الأمور الى حد الانتحار الجماعي، وقدمنا فيها مطالب على أوراق حتى تعيد الينا قراءتها احساسنا الموضوعي والطبيعي بالحياة، وفزنا حتى من خلال الضغط المباشر بخطوة الى الأمام هنا أو هناك، تبقى عرضة للانتكاس بقوة. لأن الرهان على الشعور رهان غير آمن، والرهان على أن دما جديدا يراق قد يعيد الناس الى الشارع غير مأمون دائما، واللعب بالميدان كورقة ضغط قد ينقلب ليصبح لعنة.

يتساءل أحدهم كيف نسي الناس موتاهم، كيف يسيرون اليوم الى لجان انتخابهم، فوق أرواح لم تبرد،  دون أن تتعثر اقدامهم من الحياء. ولكن من قال ان المصريين الآن يحترمون موتاهم.

على العكس تماما، المصري يريح نفسه من تانيب الضمير فيقول “هو عمره كدة بقى”، “نشوف مصالحنا.. الحياة لازم تمشي.. الحي ابقى من الميت” مع أن العكس قد يكون صحيحا أيضا أعني أن يكون “الميت أبقى من الحي”. وهي مسألة فقط تتوقف على ما نعنيه بالموت وبالحياة.

ولا تعني كلمة “الحي أبقى من الميت” حرصا حقيقيا على الحياة، هذا اذا كان معنى هذه الكلمة مفهوما، بل تكريسا للواقع. انه كأن تقول: الحياة أفضل من الموت لأنها الأمر الواقع. والموت خارج الواقع.

هل لهذا علاقة بالايمان؟

بالعكس.. له علاقة بعدم الايمان، أو بالأصح بنوع حقير من الالحاد العاجز، يحتقر هؤلاء حياتهم الى أبعد حد، ولايجدون لها مبررا سوى أنها هنا، أنها ليست الموت.

انهم لا يحزنون على الميت بقدر حزنهم على أنفسهم، وبطريقة ما يغيظهم موته فيصرخون بقوة، لأنه يحدث ثغرة هائلة في جسم حياتهم الواقعي بالذات. انهم يعاقبون موتاهم بالنسيان، لأنهم يعتبرونهم مسؤولون عن ذلك، عن هذه الثغرة التي تركوها دون اجابة.

الموتى متروكون عندنا للمقابر القذرة، للتراب الذي يغطي احذيتنا ونحن محيطين بحفرتهم، لل”تربي” الذي سيبيع  الجثامين بالجملة، أو بحسب الطلب، لقارئ القرآن الأمى الذي يتلوى كديدان الأرض ونحن نستقبل العزاء منهكين.

هذه جموع لم تتذكر شهداءها ولا ضحاياها، الا بطريقة تستبعدهم من الحساب، تحولهم الى شعارات، لكي تساوم بهم، لا الى أفكار تصحبها معها الى عزلتها. تكرس من خلال موتهم حياتها الزائفة، لتضفي عليها قداسة تحميها من السؤال، كشارة حداد على صندوق للقمامة..

باختصار هذه جموع لا تحترم الموتى.. ومن الحماقة اعتبار ذلك مجرد خذلان أخلاقي. أما الثورة فلها شأن آخر.

مهاب نصر

الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-12-18-03-24.jpg

********************************************************

شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو

********************************************************

٢٥ يناير

ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…

يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.

***

أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.

وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…

***

في لحظة الساعة ١٢ وربع بعد نص الليل: السرينة بتاعت المدرعات؛ سرينة مرعبة كده بنت كلب. لسه بأترعب منها جداً. والله العظيم أول ما بأشوف المدرعة، إلى الآن، ذهني بيستدعي الصوت بتاعها على طول. بقى شكلها بالنسبالى مقلق جداً؛ يمكن كانت أول مرة أسمع صوت السرينة وأنا قريب منها؛ يعني فعلاً رعب. وتعرف بقى إن السرينة إيذان بالضرب، زى زمارة المترو تيت تيت يت المترو قرب وخلي بالك. ضربوا كمية من القنابل مهولة، ما كنش المقصود منها أنا إنها تفرق المتظاهرين قد إن هى فعلاً تخنقهم لإن القنابل كانت بتنضرب من كل حتة ومن كل المداخل اللي في الميدان، منين ما تجري تلاقي دخان. وصلت بعد الجري أنا وواحد صاحبي شارع شمبليون، وكان في ناس بتجري كتير.

أول ما وصلنا شملبيون قعدنا نهتف يسقط يسقط حسني مبارك. التليفون بيرن بأطلعه لقيت أمى بتكلمني من البلد، قمت معيط حتى قبل ما أرد وقمت رادد عليها: ادعيلنا إن ربنا ينصرنا على الظلمة واقفلي دلوقت لحسن الأمن بيجري ورانا… بعد خلع مبارك، كان في فيلم عاملاه البي بي سي، اللي عامله خالد عز العرب، اسمه يوميات ثورة، فكان من ضمن الفيلم بقى دكتورة منى مينا – اللي هى الطبيبه والناشطه المعروفه، وكان ابنها من المصابين في معركة الجمل، وكان خالد عز العرب بيسألها مخفتيش على ابنك. قالت له خفت طبعاً بس مش حيكون أعز من اللي راحوا لإنه كان بيموت على إيدينا شباب كتير في المستشفى الميداني. كنت أنا قاعد في القاهرة ساعتها، فطلعت في دماغي إني أكلم أمي وأسألها سؤال حالاً: لو كنت اتقتلت، كنتي حتشتمي في الثورة والثوار؟ كلمتها كتير ما ردتش عليا، أبويا اللي في الآخر رد وقال لي إنها مش موجودة، وإنها بتزور جدي في البلد وسألني عاوز حاجة؟ قلت له لأ، رجعت آخر الأسبوع البلد فوأنا قاعد معاها لوحدنا سألتها – وكان ده بعد فترة طويلة، تقريباً في مارس – قالت لي أشتم في الثوار ولا الثورة ليه، إنت مش أعز من اللي ماتوا. فكانت نفس الجملة اللي الست قالتها في الفيلم. الجملة دي خلتني أعيط.

المهم… فضلنا نجري في شمبليون مجموعة مننا كملت على الإسعاف ورمسيس وقامت داخلة شبرا، إحنا كملنا لحد ٢٦ يوليو على بولاق على روض الفرج على الساحل على شبرا. وفي شبرا قابلونا برضه باستقبال حافل. قمنا إحنا كملنا في شارع شبرا وقمنا داخلين في حواري، كان ورانا عيلين على موتوسكيل وعرفنا إن العيال دي تبع الداخلية وبيبلغوهم لدرجة لقينا مدرعة داخلة ورانا في الشارع وعساكر أمن مركزي وكانت فعلاً قاصدة تدهس اللي بيتظاهروا، كانت جاية بأقصى سرعتها والناس واقفة قدامها. أقسم بالله أنا وواحد صاحبى نطينا من قدماها فرق ثواني، كانت فعلاً حتشيلنا وده حصل مع ناس كتير.

٢٨ يناير

رجعت البيت يوميها الفجر. ما روحتش ع البيت قعدت عند ناس إصحابي في مدينة نصر لإني فعلاً ما كنتش قادر أروح. أنا وواحد صاحبي كان شوية وحأخليه يشليني، رجلي خشبت تماماً. ومانزلتش الأربع ٢٦ ولا الخميس ٢٧ ولا الجمعة من الصبح، نزلت الجمعة من المغرب. طبعاً كنت متضايق وكلمتهم قلتهلم الوقت اللي حأقدر أنزل فيه حأكلمكم. أنا ما كنتش نمت، وما كنتش عارف أنام خالص. يوم 27 بالليل جه واحد صاحبنا طول الليل قاعد يرعب فينا ويقلقنا ويخوفنا. الواحد ما كانش مرعوب ولا قلقان من إنه ينضرب بالنار ولا بتاع، بس فكرة إن بقى في حاجة في دماغك قاعدة تزن طول الليل إن الأمن حيعمل كذا وده مع صوت السرينة خلى الواحد فعلاً مايعرفش ينام. فأروح الجمعة وأنا رجلي واجعاني وما نمتش كنت متأكد إني في أقرب لحظة من الجري كان حينقبض عليا يعني أنا كان عندي إني أموت ولا ينقبض عليا.

ما كنتش أعرف إن يوم الجمعة حيبقى يوم حرب كده، قال وأنا بأقولهم حأكلمكم كإننا نازلين في نزهة، حأكلكم أعرف انتو فين وأجيلكو.

***

نمت طول النهار والمغرب قمت ما لقيتش أى حاجة، ما لقيتش إنترنت ولا شبكة محمول، فقررت إني أنزل ورجلي تولع بجاز بقى. شنطتي كانت جاهزة فيها قزازة الخل، فيها قزازاة الميه المخلوطة بحبوب المضاد للحموضة والكمامة بقى. آه مجهز نفسي. أنا ساكن في المقطم وفي جنبي شارع تجارى في محلات ملابس وجزم وبتاع. نزلت ناحية الشارع ده لقيت الناس عمالة تصرخ وتجرى. في إيه يا جدعان، قال لك دول بيضربوا قنابل. الأمن إيه اللي يخليه يضرب قنابل هنا؟ خرجت على الشارع برة، قسم شرطة المقطم وحي المقطم جنب بعض. لقيت الشباب بيحدف طوب على الأمن والأمن بيضرب عليهم. بأسأل حد من الواقفين قال دحنا قاعدين ع القهوة لا بينا ولا علينا. عرفت ساعتها إن حظر التجول كان اتفرض ودول جايين بقى يقوّموا الناس من ع القهاوي ويلطشوا في الخلق فحصل اشتباكات.

حسيت إن ربنا كان مقعدني لإن الناس دي مالهاش خبرة مع المظاهرات. فعرفتهم إزاى يتعاملوا مع القنابل إزاي يلقطوها ويحدفوها على الأمن وإزاى يرموا عليها تراب يخلوها تنطفي والدخان مايطلعش كتير، إزاي يجيبوا كوكا كولا ويحطوا على وشهم. كان في ناس حطت ميه فكنت بأجري عليهم أفهمهم إن ما ينفعش. وطبعاً الستات واقفة في البلكونات ييجي علينا الدخان وإحنا نرد عليهم بالطوب تقوم الستات تزغرد. الناس حست بكرامتها ويا إحنا يا إنتم بقى… لحد ما نفذت منهم الذخيرة قاموا انسحبوا بالتشكيلات بتاعتهم. طبعاً في عربيات ملاكي ولعت من القنابل اللي وقعت عليها.

بس… لما مشيوا قام شباب المقطم داخلين القسم مولعين فيه؛ أنا الصراحة ما ولعتش في حاجة، أنا كنت قريب جداً من التوليع وقعدت أكسر مع الناس اللي بيكسروا. كنت سعيد جداً إن القسم مولع، وقعدوا يحكولى بقى – أنا طبعاً مش من المقطم أصلاً فمش عارف -عن أمين شرطة مطلع عينين أهاليهم. ولعوا في قسم الشرطة وولعوا في الحي وجابوا كل حاجة يعني ما فيش حاجه فضلت في قسم الشرطة لدرجة إن الناس طالعة من جوة بقاعدة التواليت بتاعت الحمامات. خلعوا كل حاجة: التكييف، السلاح، حتى الخزنة بتاعت الأحراز كسروها ووزعوا اللي فيها، كانوا بيوزعوا الحشيش كده على بعض عيني عينك – أي والله – وواحد طالع بآلي عمال يرقص بيه وكلبشات… ما فيش واحد فيهم مد إيديه على محل – اللي بيقولوا عليهم بلطجية – ما فيش حد قرب من حاجة غير قسم الشرطة والحي.

وأنا فضلت قاعد في المقطم في قهوة قلت آكل حاجة كده وأنزل على التحرير. قالوا حسني مبارك حيخطب ففضلت قاعد مستني بقى المحروس. طلع سرور قلت يبقى شكله خلع هو كمان وسلم نمر. وقعدت أشتم وأنا في القهوة وما حدش متضايق مني، الناس كلها مستائة تماماً من الحكومة…

***

طبعاً طول الطريق للتحرير مش مصدق البلد فاضية إزاي. ما حدش اعترض طريقنا والسواق قد إيه مبسوط إن ما فيش عسكري مرور ما فيش حد بيبلطج عليه ويقول له فين رخصك. وكان الإحساس العام إن كده أحسن، يغوروا في داهية وإحنا حنحمي البلد. نزلت على السيدة عيشة ومن السيدة عيشة كان السواق بينده على رمسيس ووصلت رمسيس مش مصدق بقى اللي شايفه قدامي وعربيات الأمن مولعة. وكنت متضايق جداً إني ما شاركتش في الاشتباكات دي، بس كنت مبسوط برضه بوجودي في المقطم إني عرّفت الناس إزاي يتعاملوا مع القنابل وهما ما لهمش علاقة بالموضوع ده خالص. ومقابلني بقى شباب طالعين من التحرير مروحين بعد معركة الصبح اللي لابسله خوذة واللي شايله عصاية بتاعه واحد أمن مركزي… اللي هو الواحد ماشي بمنتهى السعادة. دخلت الميدان كانت الدبابات بتتنقل وسط الميدان، بتتحرك من مكان للتاني. بعد مبارك ما غار وتنحى أو اتخلع بقيت بأقول لزمايلي الواقعة الطريفة دي: إن الناس بتدخل راكبة ميكروباص وأنا داخل راكب دبابة.

بعد المتحف المصرى كانت دبابات الجيش بتتحرك، بعد ما الناس ولعت في الدبابات بتاعت الحرس الجمهوري، ولعوا ف دبابتين ومدرعة وعربية جيب. أنا بعد ما الجيش كان نزل، الكلام ده على الساعة ١٢ بالليل بعد خطاب مبارك أول واحد بعد جمعة الغضب، ركبت على دبابة منهم لحد مدخل القصر العيني لإن الشرطة كانت متمترسة كده ومتمركزة قرب مجلس الشعب. وإحنا واقفين على الدبابات قعدنا نهتف ونقول حكومة وسخة يا ولاد الوسخة قاموا ضاربين علينا تاني قنابل مسيلة للدموع. الساعة مثلاً واحدة، وإحنا فوق الدبابات بتاعت الجيش! طبعاً عساكر الجيش قاموا داخلين جوة الدبابات وسابونا، ناس أصيبت فعلاً ساعتها لما ضربوا علينا خرطوش…

وفضلت في الميدان من يوم الجمعة ده.

***

مارس

***

الاعتصام

الصبح يوم السبت على الساعة ١١ كده، رحنا لظباط الجيش: إنتم سايبينهم يضربوا فينا؟ الغريبه بقى إني وأنا بأكلم ظابط الجيش اللي هو تقريباً كان مقدم عيطت وأنا بأقول له إنتم سايبنهم يضربوا فينا، قام معيط هو كمان، وطلع شاور لظابط زيه وقاموا محركين الدبابتين. قال لنا ابعدوا وخليكوا جوة الميدان وما حدش حيقرب منكم وبطلوا تستفزوهم. وفضلنا بقى جوة ومن هنا تقريباً جت فكرة إن الناس جوة الميدان، وتحس ناس جايالك بالآلاف فتحس بالنشوى كده، ناس جايالك من بولاق ناس جايالك من إمبابة، وجت عربية نص نقل في وسط الميدان ونزل منها راجل شايل كام شنطة فينو على علبتين جبنه رومى وخدوا بقى يا شباب وزوعوا على بعضكم.

من يوم الحد تقريباً بدأت فكرة الخيم في الميدان على خفيف. زادت جامد طبعاً في الأسبوع التاني، يعني أنا وإصحابي كنا نقعد في الميدان يومين ونص ونرجع البيت نتشطف ونغير وننام ونرجع تاني.

***

ما كنتش موجود يوم موقعة الجمل، اللي هي الأربع ٢ فبراير، يوم التلات بالليل سمعت من كذا واحد إن في ناس حتهجم على الميدان، بلطجية تبع الحزب الوطني وتبع مبارك. وبعدها جاتلى دكتورة هبة روؤف وقالتلي أنا مش عاوزة أخسر ولادي. كان وقتها معايا أخويا، أخويا أصغر مني بسنتين وهو طبيب وكنت خايف عليه جداً وكنت بأفكر إني حأفضل مشغول بيه أكتر من إننا مشغولين بالميدان، يعني كنت حأقول لأمي إيه، حأقول لها وديت ابنك فين. وصممت إنه لازم يقوم يروح البلد: وجودك هنا ما لوش أى معني؛ واحد يبقى في البيت وواحد يبقى هنا. أنا مقيم في القاهرة لكن هو لأ. وإحنا خارجين عند بوابة عبد المنعم رياض، لقيت شوية عيال جايين يقولو يلّا يا ولاد الوسخة، إنتم بتقولوا لمبارك لأ، وبدأت ناس ترد عليهم وتشتمهم وإحنا كنا بنسلك: ابعد عنهم ما حدش يرد. روحت بعدها، ونمت لما صحيت عرفت إن الدنيا اتقلبت في الميدان.

***

يوم الجمعه ٤ فبراير عند مديرية أمن القاهرة كده، راكبين الميكروباص ورايحين على رمسيس قاموا وقفونا في لجنة شعبية. كان معايا شنطتين واحدة فيها هدوم والتانية فيها الورق بتاعي واللابتوب ومرتبين شهر، كام ألف يعني، وكنت قلقان عشان ما كانش في حد في الشقة قلت أوديها عند دكتورة هبة وهى بيتها في الميدان. واحد من الشباب في اللجنة فتح شنطتي لقى فيها مقالة للمخزنجى عن تاريخ قناة السويس في مجلة العربي كنت طابعه من النت. وجاي بيشد الورق قلت له مش من حقك تبص على الورق، فقال لي لا حأبص على الورق انتو حتخربوا البلد، انزل!

مش جدعنة الواحد يقول مش نازل وقدامك واحد شايلك كازلك طولك، فنزلت أنا وصاحبي قام شادد الورق فواحد منهم حمار لقى مكتوب الخديوي إسماعيل وافتتاح قناة السويس قال بس أهو إنتم عاوزين تخربوا البلد أهو، دي أسرار دولة! قلت له ده مقال منشور في مجلة كويتية، فقالى لا إنت تروح للباشا، فرحت معاه وأنا مستفز من المعاملة البشعة دي قلت له إنت شفت الورق؟ قال لي آه، قلت له وفهمت منه إيه؟قال لي ما لكش دعوة. قلت له ما إنت آخرك دبلون شكلك كده، وأنا مستني يضربني بأي حاجة. وبدأنا نقرب على مديرية الأمن، قلتلهم أنا مش حأتكلم إلا مع ظابط جيش.

قابلت واحد منهم قال لي إيه المشكلة، وطلعوا اللابتوب وقعدوا يبصوا على الورق وعلى الصور، وكان معاهم شوية عساكر جيش في قمة السفالة والوساخة. ظابط الجيش عمال يقول لهم شوفوا فلان وشوفوا علان. وبيتعامل معانا زي الداخلية اللي هو يسيبوك شوية ويرجعولك شوية. لكن الكلام كان بأدب: اتفضل حضرتك، ده الموبيل بتاع حضرتك؟ ده اللاب بتاع حضرتك؟ وبعدين لقى صور ليا من يوم ٢٥ يناير ومنهم صورة فيها دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك فقال لي إيه ده، قلت له دي صورة ليا في الميدان، قال متصور جنب دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك؟ قلت له والله دي دبابتكم مش دبابتي، وبعدين ما هي الدبابات كلها كده في الميدان وكل الناس اتصورت جنبها عشان ده كان حدث.

الكلام ده كله كان مقعدنا قدام المديرية ما دخلناش جوة، وبعدين بدأ تون الصوت يتغير وبدأ يزعق، ويقول لنا أنا بأكلمكو بأدب وعمال أقول لكم إنتو طلبة جامعة وناس مثقفة حتعملولي فيها هبل، يعني إيه مالكمش دعوة باللي حصل في الميدان؟ إنتو خربتوا البلد عاجبكم اللي بيحصل في البلد ده، كل واحد فيكم شايلى شنطه فيها هدوم… وجه واحد لابس لبس قوات خاصة، وهو شكله عيل أصغر مني ببتاع سنتين كده ولابس دبورتين، وظابط الجيش بيقول له يا باشا البهوات من بتوع التحرير فوقتها استغربت إزاي واحد برتبة أعلى يكلم ظابط باللهجة دي، وقلت الجيش باعنا لبتوع الداخلية ولمبارك.

وبعدها رحنا لواحد لابس ملكى وبيقولوا له يا باشا خمنت بقى إن ده مخابرات أو أمن دولة، فضلوا مقعدينا بتاع ساعة إلا ربع كده ويزعق شوية ويتكلم شوية ولما عرفوا إننا مش من القاهرة أنا وصاحبي قالولنا روحوا على بيوتكم. أخدنها مشي بقى، وكل شوية يطلعلنا بتوع لجنه شعبية وعاوزين يفتحوا الشنط، ويفضلوا يقولولنا معلش بقى يا باشا أصل بتوع الجيش بيراقبونا، عشان بيقولولنا في بلطجية بينزلوا. وأنا كل ما ألاقي لجنة شعبية أو عسركي أبقى مرعوب إن حد يفتح الشنطة، وكان وقتها التلفزيون بيتكلم على اللي معاهم لابتوب وبيبعتوا أسرار الدولة برة وأنا معايا فلوس ويو إيس بي مودم كمان فحبقى بقى قبضت وبأبعت أسرار دولة. وبعدين لقيت عند جامع الفتح مجموعة من بوتع مبارك، فقررت إني أروح البلد…

***

في الأسبوع الأولاني كنا بننام في الأرض جنب كنتاكي، كنا كل يوم بنشوف ناس متشالة وميتة جاية من عند المديرية، وكان عندي بارانويا طول الأيام دي، عندي هاجس إن في قناصة فوق المجمع ورغم إني كنت بعيد عن الهدف إلا إنه كان عندي بارانويا إنه حيموتني عشان يعمل بلبلة في الميدان، رغم إن عنده أهداف قريبة جداً، بس عموماً ما هي الناس عمالة تموت يعني وبعدين، وبعد ما روحت البلد رجعت تاني على الميدان.

ولما كنت في البلد الجيران والناس اللي في الشارع لما شافتني في المسجد – كانت صلاة مغرب أو عشا – اتلموا عليا وسألوني عن التحرير والناس اللي هناك وناس معترضة على اللي بيجرى وناس موافقة، وناس تقول خلاص مهو حيعملكم اللي انتو عاوزينه بس الغالبيه العظمى كانت مبسوطة باللي بيحصل، وكل الناس بتسأل صحيح حيمشي، صحيح حتفضلوا قاعدين في الميدان لحد ما يمشي، فكنت مبسوط جداً باللي بيحصل.

لما رجعت بقى كان شكل الميدان اتغير عن ما سبته، كان أكثر تنظيماً، كنت متضايق من وجود بياعين بس رجعت قلت على الأقل يعملوا للناس شاي، بتوع الإعاشة ممكن يجيبوا أكل لكن شاي لأ.

***

مبارك خطب جمعة، تلات، خميس. بعد خطاب يوم التلات بقى اللي قعد يقول فيه أبنائى بتوع التحرير ونفر من بني وطني والكلام الفاضي ده أمي بتتصل بيا في التليفون، أمى اللي هى عارفة كل المصايب اللي بتحصل في البلد – ولما كان حد بيكلمها أو يقول لها إنتي اللي بتشجعيه على كده تقول له ما بيعملش حاجه غلط وشباب كتير معاه مش هو لوحده، غير أبويا اللي اتصل بيا وشتمني عشان لسه في الميدان – فبعد الخطاب بأقول لك أمى اتأثرت بكلامه وقالت لي والله صعب عليا. قمت قلت لها وما صعبش عليكي خمسمية واحد ماتوا، فسكتت كده وزي ما تكون حست إنه آه صحيح…

في خطاب يوم الخميس، كانت الناس مسورقة بقى ومنهارة لما عرفت إنه لسه ما تنحاش. وبتوع مستشفيات الميدان بقوا يزعقوا. وكان المشهد العظيم بتاع رفع الجزم بعد الخطاب ما خلص على طول، كان الرد المثالي فعلاً. ما كنش عندي أمل إنه حيمشى ابن الجزمة، واحد من إصحابي شافني كده مكسور قام زعق فيا وقال لي إحنا مش حنمشي لحد ما يمشي. الناس كانت جت كتير بقى يوم الخميس بالليل على أساس التسريبات اللي سمعوها من البدراوي على إنه حيتنحى عايزين يسمعوا الخبر في الميدان. كل دول بقى فضلوا وشعارت بكره العصر حنروح له القصر وناس ترد من دلوقتي من دلوقتي، وفي ناس اتحركت فعلاً ناحية مصر الجديدة… أنا فضلت، وبدأ يتسرب إن في خطاب مهم حيطلع لكن الناس مابقتش مهتمة ما هم كل شوية يقولوا في خطاب وبعدين يطلع ابن الجزمة يدينا خازوق… لغاية ما طلع غير المأسوف عليه عمر سليمان وقال لك يتخلى عن منصبه، كانت بقى احتفلات هستيرية. أنا بلا وعي سجدت على الأرض. وأرقص بقى زى الأهبل وأطلع أجرى وكان في بالي صورة الراجل بتاع تونس اللي طلع في الجزيرة يقول هرمنا، فكان في راجل كبير في السن أخدنا واحد واحد حضنا.

وعيطت بطريقة هستيرية.

***

ديسمبر

***

الاعتصام الثاني

أنا لما فكرت أشارك في الاعتصام بتاع ٨ يوليو، كانت فكرتي إنه وسيلة ضغط على المجلس العسكري: إن الناس تبتدي تحس تاني إن البلد حتقف لإن في مطالب للثورا وأهالي الشهدا، لكن في الاعتصام ده ما كانش الهدف واضح، يعني كل واحد كان عنده مطالب غير التاني. إمبارح مثلاً سألت نفسى أنا موجود هنا عشان إيه؟ اللي بتيقال إننا مش حنسيب الشارع غير لما نشوف فعلاً محاكمات علنية لمبارك والعادلى، وبشكل ما ده مهم، لكن لو حتفكر في رد فعل الناس اللي مش في الميدان وإنكم موقفين حال البلد، طب ما هو لو حال البلد ما كانش وقف في الـ ١٨ يوم الأولانيين ما كنش مبارك اتنحى، بس أنا شايف إن الخطوات التصعيدية لازم تبقى موزونة زى الدهب، لإن الناس اللي برة كل همهم لقمة العيش. يمكن أيام حسني مبارك كانوا عارفين إنه حرامي، لكن مهما كانت لقمة العيش صعبة لكن دول قبل مايطلعوا عشان مبارك طلعوا عشان أمين الشرطة الحرامي اللي مطلع عينهم، وبالمرة يجي حسني.

أنا من الأول طالع عشان كرامتى، ما كنتش حاسس إني بني آدم. صحيح ما عنديش مشكلة اقتصادية ومش طالع عشان الفقرا لإن الفقير يقدر يطلع بنفسه أنا مش طالع عشان حد بالنيابة. يعني كان بالأساس ضد الداخلية، عشان إقالة العادلي وعشان ما يجيش حتة ظابط ما يساويش تلاتة مليم يوقفني ويقول لي بطاقتك. وده كان واضح قوي مع الإهانة النفسية اللي اتعرضتلها مع ظابط الجيش وإزاي حسيت إني لازم أكذب وأقول إني مش رايح التحرير لما صوته علي عليا وأنا قدام الداخلية وممكن أتاخد في لحظة وما يتعرفش إني اتاخدت لإني مش وسط إصحابي. طيب لو مد إيده عليا فكس أمه بقى حأمد إيدي عليه: قدرت وقتها إن واحد يبقى في القسم ويتهان… ده أعتقد كان هو الهدف يعني.

الهدف نفسه ما اتحققش لكن الناس ما عادتش هي هي، مش قابلة إن الداخلية تعمل فيها كده. لكن كل بلطجة الداخلية دي معناها إيه؟ وإن يطلع ظابط عرص يشتمنا من على المدرعات ويقول لنا يا متناكين يا ولاد المتناكة، وخول تاني عمال يرقص بالسيوف وبلطجي في وسطهم. إحنا كنا بنقول حننزل من يوم يوليو طب لا بقى إحنا حننزل من يوم ١!

***

مش حأكدب عليك: أنا مش راضي إن العسكر يمسكوا البلد، بس من ناحية تانية بأقول أهي مرحلة وحتعدي. كنت مفكر إن الناس اللي خرّجت مبارك مش حتسكت على أي حد مش عاجبها، بس موضوع الاستفتاء على التعديلات الدستورية ده بيّنلي حاجات كتير قوي، ناس كتير قوي كنت بأحترمها وقعت من نظري حتى من اللي كانوا بيبشروا بالثورة بالذات من اللي كانوا محسوبين على الفكر الإسلامي. محمد سليم العوا مثلاً: بقى هو المتحدث باسم المجلس العسكري يعني، وفهمى هويدي – أنا مرة كتبت على الفيسبوك كده يعني، عملت لينك لإحدي مقالات هويدي : عندما تأكل الأيديلوجيا دماغ أحدهم – اللي هو فعلاً أيدلوجيتي ومن بعدي الطوفان، مش اللي هو مصلحة البلد إيه.

لقيت مثلاً إن التيار الجهادي والتكفيري بيُحتفى بيهم، يعني ألاقي عبود الزمر طالع مع منى الشاذلى وهى بتعامله باحترام شديد وتقول السجين السياسي الذى قضى أطول فترة سجن في تاريخ مبارك، اللي هو بروح أمك مين ده اللي سجين سياسي! ده قاتل. قضى عقوبته وما خرجهوش ممكن، لكن بطل بمناسبة إيه؟ وبعدين يطلع معتز عبد الفتاح بعد ما بقى مستشار رئيس الوزرا يقول لك إن السلفيين هما حماة العقيدة، اللي هما نفسهم كانوا بيقولوا إن الخروج على الحاكم حرام، وفلقونا بمدرسة إسكندرية ومش مدرسة إسكندرية، أهم بتوع مدرسة إسكندرية دول هما اللي دايرين دلوقتي يقنعوا أهالي الشهدا إنهم يقبلوا الدية. اللي هو كلام مخالف للشرع أصلاً لإن اللي قتلوا المتظاهرين دول ينطبق عليهم مبدأ الحرابة. فبقيت شايف إن الإسلاميين واخدين حيز أكبر من حجمهم وإن العسكر سايبلهم الحيز ده عشان يخبطوا في الناس اللي بتتكلم عن دوله مدنية… يعني فعلاً هي نقطة الاستفتاء دي اللي خلت المجلس العسكري يركب أو يلاقي حد يدافع عنه.

نعم للتعديلات الدستورية اللي فرضها المجلس العسكري، يعني أنا بأفكر إن الناس دي يعني هى لا عاملة صفقات مع المجلس ولا حاجة بس يا إنت اقتنعت باللي بيقوله المجلس يا إنت حمار فعلاً. أنا مش عاوز أصدق إنك حمار، طيب يبقى هما أقنعوك بإيه بقى؟ يعني لو إنت عاوز تبني البلد من أول جديد ماتفورها بقى الأول…

فاللي قال لا هو فعلاً اللي كان بيفكر في مصلحة البلد.

***

رقم ١ أنا شايف إن وجود الناس في الشارع فعلاً عمل ضغط. رقم ٢ أظن إن إصرار الناس إن المجلس العسكري ما ينفردش بالقرار مهم جداً. رقم ٣ المعركة الحقيقية مش بين مدنية أو لادينية ودينية، المعركة بين مدنية وعسكرية. البلد دي عمرها ما كانت دينية، ولا عمرها كانت تبع فصيل ديني معين.

نظام يوليو سقط بعد ٦٧ لكن ده ما حصلش يعني السادات ومبارك كانوا تجلى مختلف ليوليو اللي ما سقطتش فعلاً إلا بعد ٢٥ يناير. يعني كلكم غوروا في داهية، إحنا عاوزين حكم مدني بجد، مش عاوزين أى سلطة أبوية خالص، وده اللي مخليني متمسك بشوية الأمل، إن ما حدش عاوز العسكر تمسك البلد فشفيق مش حيجي، عنان مش حيجي حتى لو لمعوه زى ما بيحصل.

لو حد من دول جه، انا شخصياً عندي استعداد أولع في البلد وده بجد مش هزار، يعني يا أموت يا الواحد بقى يغور ويسيب البلد ويعيش بكرامته أو بجزء من كرامته في حتة تانية، مش يجيبوا ناس ما لهمش أي تلاتة لازمة يروحوا يصوتوا لأحمد شفيق مثلاً. أنا شخصياً عندي استعداد أروح أولّع في الناس دي.

- تم تسجيل هذه الشهادة في شهر ٧ سنة ٢٠١١

* محمود عاطف مواليد مركز بسيون، غربية سنة ١٩٨٣. طالب هندسة في جامعة الأزهر، شاعر وخطاط.

عقل العويط: انتفاضة داخل الانتفاضة

wpid-2011-11-20t155550z_01_amr13_rtridsp_3_egypt-protests-2011-11-27-21-52.jpg

أكثر ما يحزّ في نفوسنا أن يكون الذين ينادون بالثورات العربية، طلباً للخروج الى عهود الحرية والديموقراطية والأنسنة في العالم العربي، والذين ينخرطون فيها، استشهاداً، أو نزولاً الى الشارع، أو “تحريضاً” ثقافياً خلاّقاً، منذ استشهاد البوعزيزي التونسي، هم أشدّ الناس حرجاً وقلقاً مما يمكن أن تؤول إليه بعض هذه الثورات. في ضوء ما يجري في مصر خصوصاً، من محاولات الاستيلاء الديكتاتوري الوقح على الثورة، عسكرياً وإسلاموياً، هنا دعوة الى الانتفاض على الانتفاضة.

ثمة “مصلحة خبيثة عظمى” في كل بلد عربي ثائر، أو في طريقه الى الثورة، لإجهاض الحراك الثوري، أو تثميره في غير الوجهة التغييرية التي يتوق إليها. يكفي أن نرى كيف تطلّ الخديعة الخبيثة برأسيها العسكريتاري والديني الإخواني – السلفي، في مصر خصوصاً، كما في تونس وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، كي نضع أيدينا على قلوبنا، وندعو الى اليقظة الثقافية. في سياق هذه “العلامة” المخيفة، لا يسعني إلاّ أن أوجّه أنظاري نحو مصر المتنوّرة المدنية تحديداً، لأسألها كمواطن عربي، أن تواصل ثورتها السلمية بكل قوة وإلحاح وتصعيد، ضدّ ديكتاتورية العسكر وديكتاتورية الاتجاهات الدينية الظلامية على السواء، وأن تضع حداً تاريخياً فاصلاً لحكم المجلس العسكري المتواصل منذ ستين عاماً، وأن تمتشق دورها التاريخي، الذي وحده ينقذ مما قد يكون يحضَّر لمنطقتنا العربية.

لماذا مصر تحديداً، وخصوصاً؟ لأننا، كعرب، محتاجون إلى هذه المصر الطليعية. محتاجون إليها دائماً وأبداً. محتاجون إلى مصر تنويرية، متمردة، منتفضة، مدنية، متنوعة، ساهرة على الثورات والأحلام، تستوعب كل التناقضات، وتكون رائدة الخيارات الثقافية والديموقراطية المتقدمة في عالمنا العربي. محتاجون إليكِ يا مصر، أكثر من أي وقت مضى. محتاجون مجدداً إلى ميدان تحريركِ، والى مثقفيكِ وشبابكِ التنويريين، المتألقين، الخلاّقين، القادرين على جرف الانزياحات المريبة، العسكريتارية والدينية – السلفية، وامتصاصها.

بدون مصر هذه، بدون شباب ميدان التحرير، بدون عزائمهم الهائلة، واستماتاتهم، ستأكلنا المطامع الظلامية الدفينة، النائمة، المستيقظة. وستأكلنا الديكتاتوريات والسلفيات اللابسة لبوسها الجديد أو المقنّع.

نخاطب مصر لأنها أمّنا جميعاً. ولأنها بيتنا الكبير.

ليس لدولة إقليمية سواها، عربية أم غير عربية، أن تحلّ محلّ مصر. عبثاً تحاول تركيا العلمانية و/أو الإسلامية. عبثاً تحاول إيران الملالي. عبثاً تحاول دول عربية أخرى، صغيرة أم كبيرة، إمارات أم ممالك، أم حتى جمهوريات.

عبثاً يحاول الغرب الأميركي – الأطلسي قهرنا بتصنيع صورة لمصر تخالف حقيقتها ودورها. عبثاً يصنع لنا الغرب بقوة التزوير والتشويه والفرض، مصراً باردة، حيادية، مدجّنة، ومنزوعة الأظفار.

لا أحد يحلّ محلّ مصر الحرّة والرائدة. هذا هو سرّنا الاستراتيجي العربي، السياسي والمجتمعي والثقافي والحضاري. لهذا السبب نناديها. ننادي شبابها، ثوّارها، ومثقفيها، ونستحثّهم على مواصلة الكفاح المدني، وعلى السهر والنضال، لعدم تفويت الفرصة التاريخية.

هاكم المشهد المصري: مماطلات العسكر ومطامعهم وحساباتهم واضحة ووقحة. الرغبات الإخوانية، الإسلاموية والسلفية، جامحة ومفترسة. هذه وتلك، أي المماطلات والرغبات، لا تحتملان الجدال والتأويل. في المقابل، ثمة حكومة مستقيلة، مسحوبة الروح، فاقدة الشرعية، معدومة البطولة، لم تستطع أن تقف على رجليها، ولا أن تؤسس لمرحلة التغيير الديموقراطية الجديدة، لأن العسكر يريدون أن يحكموا هم، وأن تكون هي، أو بديلتها المحتملة، محض واجهة مدنية لاستمرار الوضع القائم منذ عقود.

بسببٍ من ذلك، أكتب هذا المقال، مستنجداً بشباب ميدان التحرير، وبمثقفيه، بقواهم المدنية الحيّة والديناميكية، داعياً إياهم للانتفاض على الانتفاضة، للثورة على الثورة، وللعودة الى مقارعة “المستحيل” الديموقراطي الذي يجب أن يظل ممكناً. بل الذي يجب أن يتحوّل أمراً واقعاً.

مع الثورات والانتفاضات الجارية، قد يكون العالم العربي على قاب قوسين من إسدال الستار الفعلي على خمسين عاماً من الديكتاتوريات. لكن من أجل أن ينفتح أيّ مسرح، يكون بديلاً من هذه الديكتاتوريات؟ هذا ما يجب أن يضعه الثوّار والمتنوّرون والمدنيون والديموقراطيون على الطاولة، وهذا ما ننبّه إليه، فندعو مصر أولاً، وجميع التائقين الى التغيير تالياً، الى محاذرة الوقوع في الخديعة السلفية، الدينية والعسكرية، المبطّنة حيناً والعلنية أحياناً. وإذا كانت هذه الخديعة السلفية الدينية تحاول أن تطل برأسها اللئيم في ليبيا وتونس، فإنها ستؤذي، ولا بدّ، الثورتين الوليدتين هناك. إلاّ أن احتمالات نجاح الخديعة المزدوجة الرأس في مصر أو عدم نجاحها، هي التي إما ستقصم ظهر الحرية وإما ستجعله مستقيماً، وتحسم مستقبل القضية العربية سلباً أو إيجاباً.

أيها الثوّار الديموقراطيون في القاهرة وطرابلس وتونس ودمشق وصنعاء وبغداد وعمان والرياض والكويت والرباط والجزائر وعواصم النفط الخليجي، أنتَ خصوصاً يا شباب ميدان التحرير، لا تترك الوديعة الديموقراطية تفلت من بين يديك. ففي هذا المعنى، وديعتكَ وديعتنا جميعاً، ونحن كلّنا مصر، ونحن كلّنا أنت. فوزكَ فوزنا. سقوطكَ سقوطنا. فلا تتركنا نسقط في هذا الفم الجهنمي المخيف. واصلْ عودتك الى الشارع الديموقراطي، واصلْ عودتك الى الوضوح، على قول سمير قصير، وانتفض على الانتفاضة من داخل الانتفاضة، واسحب البساط من تحت أرجل الخديعة العسكرية والإسلاموية. فبعد قليل قد “نُعاد” جميعنا الى بطون الديكتاتوريات الجديدة القديمة، إن لم تنتزع المستقبل بأيديك، بأظفارك، بالأسنان، وبالأجساد القوية التي تفوح من مسامها دساتير الحرية والديموقراطية والدولة المدنية.

هذه “التباشير” العسكريتارية – الدينية التي تهلّ أهلّتها في أكثر من مكان عربي ثائر، يجب أن تجبهها، على الفور، وتمتصها، ثقافة مدنية طليعية، ديموقراطية في الضرورة، يحملها في عيونهم وعقولهم وإراداتهم التطبيقية، شبّان أشاوس، أحرار وديموقراطيون في الضرورة، وعلمانيون إذا شاؤوا، من أجل أن تظل الانتفاضات انتفاضات والثورات ثورات، لا أن تزهق فتنضمّ الى كنوز الحرية والديموقراطية المنهوبة منذ عقود في هذا العالم العربي الكئيب. بعد أيام، اذا ذهب المصريون الى صناديق الاقتراع، فلتربح مصر المدنية المتنورة، رهانها الديموقراطي هذا، ولينكفئ العسكر الى ثكنهم، والإسلامويون والسلفيون والدينيون جميعاً الى دور عباداتهم، مرةً واحدة، والآن. هكذا تربح مصر ذاتها، وتستعيد روحها. بل أرواحنا جميعاً.

عقل العويط

akl.awit@annahar.com.lb

الثورة والطغرى: بعض ما قاله مصطفى بلغة جديدة عن ميدان التحرير

wpid-screen-capture2-2011-11-18-21-39.png

… أذكر أولاً أنني، حين أذهب إلى عملي عبر ميدان التحرير وأجده يغص بسيارات تنظمها شرطة المرور ولا أثر لشيء ثوري أو إشارة، لا أكاد أصدق: كنا نظن ميدان التحرير سيظل منفصلاً عن مدينة العادم و”الكلكسات” ليصير مزاراً تاريخياً خارج الزمن، كنا نظنه لا يعود أبداً إلى ما كان عليه في السابق، وكانت فرحتنا بالرقاد على الأسفلت ربما أكبر من فرحتنا بالاحتجاج. لا أكاد أصدق وأشعر بحزن كأنه الفجيعة. في البداية، أصبح ميدان التحرير. أقصد: أصبحت القاهرة ميدان التحرير. بين مساء الثامن عشر من يناير وليل التاسع عشر، تقريباً. كنا في مساجد الأحياء المترامية (أكثرنا يصلي مضطراً، ربما لأول مرة منذ الطفولة) ثم كنا في شارع قصر العيني وعلى كوبري قصر النيل، منهكين جراء السير على الأقدام وتفادي القذائف واستنشاق الغاز؛ من منافذ وسط البلد المؤدية إلى “الميدان”، أيضاً (كما صار يُطلق على المكان اختصاراً، بدلاً من “التحرير”)، كنا نجابه السدود الأمنية في طريقنا وكانوا يستعملون العنف بقصد إيذائنا والناس تتفرج من النوافذ حتى تنضم إلينا أو تغلقها. بين يوم وليلة، هكذا، لم تعد هناك قاهرة. حين ظهرت جثث وفوارغ قنابل وطلقات، اختفى الأمن ليعود بأشكال دائمة التجدد: أكثر من حفلة تنكرية على مدى أسابيع. تحولت الشوارع إلى خلاء ليلي يبقبق بخطر البلطجة وملاحقة الأمن أو أشباهه من متطوعي “لجان شعبية” نبتت بين يوم وليلة بسماد الشائعات السحري، إذا ما اشتُبه في أن المارة من “بتوع التحرير”؛ بينما النهار كله في مساحة يحدها ميدان عبد المنعم رياض إلى الشمال، وإلى الجنوب: “المُجمَّع” – ذلك البناء السوفييتي، نعم، البناء الكافكاوي، التعريف المعماري لقاهرة يوليو ١٩٥٢: عبث البيروقراطية المركزية وسطوة التوجس – مجاوراً لجامع عمر مكرم من حيث كانت ولا تزال تخرج جنازات الأكابر، ثم ميدان طلعت حرب من الشرق وكوبري قصر النيل من الغرب. أنشئت المداخل حيث استقرت آليات الجيش وتطوع بعضنا بتفتيش بعض أثناء عبورها. قيل إننا وجيشنا “إيد واحدة”، تقريباً، في حماية الجهات. ووقت كان يتضح أننا لسنا كذلك، كانت مواجهة تلك الحقيقة تصبح منكرة؛ من يقل إن الجيش مع الحكومة يصر مع الحكومة… ولكنني أتكلم عن الجهات الأربع المرقطة بسيارات ضخمة كأنها سلاحف صحراوية عملاقة منثور عليها جنود بخوذات. لن يكون للمساحة شمال وشرق ولا جنوب وغرب إلا أنْ تخرج من رؤوسنا بوصلة تحولها إلى مربع جغرافي. على كل حال أصبحت مساحة. أصبحت مساحة وأصبحت المساحة مدينة ثم أصبح للمدينة حدود. بالتدريج ظهرت أسباب الحياة: نوم وأكل وعلاج وعبادة، ولا حاجة إلى مواصلات. كنا قد فقدنا شبكات الموبايل والإنترنت ثم استرددناها، ومع استتباب الحديد و”الكاكي” عشنا. خلال ثمانية عشر يوماً بداية من منتصف ليل الثامن والعشرين، كان خط تماس عبد المنعم رياض بالذات مسرحاً لاستعار “الاشتباكات”، وإن أتت الهجمات (المسكوت عنها من جانب الجيش، كما اتضح لاحقاً) من طلعت حرب وعمر مكرم كذلك. لكن المربع كان أيضاً دائرة، وكما في لوحة ليوناردو دافينشي الشهيرة لجسد رجل مرسوم بالنسب المثالية طبقاً لقوانين المعماري الروماني فيتروفيوس الهندسية، نمت يوتوبيانا في مساحة تداخُل المربع والدائرة، بشكل ما: واحة وسط صحراء، لكن مع الوقت أيضاً سجن ثلاثي كسجن أبي العلاء، لا تُرى بلا عينين ولا تخرج من بيتها وهي في جميع الأحوال حبيسة القاهرة. أقصد: كفر عشرات الآلاف بالقاهرة أو كفّروها ليهاجروا إلى الميدان. أصبح فضاء عام حقيقي لأول مرة منذ الخمسينيات. أصبح جسد إنسان حيث المربع والدائرة. أصبح إنسان فعلاً. شخص اسمه التحرير أو الميدان أو الثورة. عن نفسي، وراشد السيوطي الذي عاد من إنجلترا أسبوعاً ليشارك وصرنا ننسق ذهابنا معاً، لم نكن نبيت. نذهب عند استيقاظنا ونعود قرب موعد النوم؛ ولعل ذلك، فيما حمانا من عصاب أو حتى ذهان سيحل لاحقاً بالكثيرين ممن لم يغادروا الميدان طوال الأسابيع الثلاثة – رحلاتنا، مشياً، من الفراغ إلى الزحمة بالنهار وبالليل من مركز ما هو بشري وحقيقي إلى بيوت ترتجف عبر مدينة مزيفة وعاطلة – لعله أكد لدينا فكرة انتهاء القاهرة. في المساءات المشحونة بدأت أفكر في معنى ميدان التحرير: كيف يتطابق مكان مع فكرة أو توجه قد يمثله جسد – شخص – هو الآخر مثالي؛ كيف تختلف نظرتك إلى جسد ما حين تعرف صاحبه؛ وكيف تصبح مواقع مختلفة داخل مكان يشبه جسداً أعضاء بيولوجية فاعلة أو نقاط جذب لا مرئية كالـ”تشاكرا” التانتريتية، لكل منها وظيفة. قلتُ لراشد إن الجزيرة المستديرة التي تتوسط قسماً من الميدان – التجلي الحالي لكعكة أمل دنقل الحجرية – هي الركبة التي لا يمكن بدونها للشخص أن يقف أو يسير. إن مجمع التحرير هو القدمان ونصب البطل العسكري عبد المنعم رياض، ذلك التمثال المعدني الرديء، صولجان مرفوع على اليد اليسرى مواز للرأس الناتئة – مرفوعةً هي الأخرى – فوق الأشياء كلها وناحية لاشيء، فيما خط التماس الرئيسي يقطع السرة ما بين المتحف المصري والجهة المقابلة باتجاه طلعت حرب. قلتُ لراشد إن شيئاً رهيباً سيحدث لهؤلاء الناس لو أن الحكاية انتهت و”نأبهم طلع على شونة”. كنا قد بدأنا نلاحظ تأثير العزلة والقرب: بارانويا تسري بدءً من غروب الشمس حول ما إذا كان بين المعتصمين دخلاء يجمعون المعلومات عنهم أو يوجهونهم إلى أفعال ضارة؛ مبالغة في خطابات الانتصار والاستمرار وفي قصر “الأخلاق” على سلوكنا داخل الميدان حيال أشياء تافهة وغير متصلة؛ هوس بالقضاء على أفراد بعينهم – أحمد شفيق، عمر سليمان، أنس الفقي فضلاً عن آل مبارك – بلا التفات لا إلى أخلاقية استهدافهم ولا إلى ما يمثلونه بغض النظر عن ذواتهم ومدى انتشاره في الوعي الجماعي، حتى وعينا نحن. قلتُ لراشد إنه جسد وقال إنه دماغ. قال إنه يريد أن يعد دراسة أنثروبولوجية عن التحرير أثناء الاعتصام يعتمد فيها المواقع ذاتها مقارباً إياها من منظور فرويدي: خارج الدائرة ما يسمى “ما قبل الوعي”، بينما مكونات الوعي الثلاثة – الإيد والإيغو والسوبرإيغو – تشغل قطاعات متداخلة في جوفها: الإيد في الذراعين والقدمين حيث التمثال والمجمع وجبهات القتال، والإيغو في المنطقة الآمنة المحيطة بالكعكة الحجرية، بينما السوبرإيغو (معقل القيم والأحكام) ففضلاً عن المتحف المصري حيث كان الجيش يعتقل البلطجية، في السرة نفسها حيث دبابة ثابتة كأنها محج تمثل التفاعلات حولها بين المحتجين والجنود تحالف الشعب والجيش الذي تغذت عليه أسطورة الثورة نفسها …

wpid-img_2166-2011-11-18-21-39.jpg

قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta