ميدان التحرير

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

نصائح المرحلة + ملاحظتان

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

Continue reading

دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

لنسم الأشياء بأسمائها

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

Continue reading

رسالة ثلاثة أخبار: إلى فخامة الرئيس محمد مرسي

الحمد لله حمداً راضياً بكل بلوى، والصلاة والسلام على بشير المن والسلوى: كففتُ، أبقاكم ربي، عن قراءة الأخبار. وزهدتُ في ملكوت السياسة وقصص الثوار. إذ شارف انتهاء العام الثاني على التحرك الكبير، ولم أر لمياه ثورتي أثراً سوى اشتداد السعير. فتبادر إلى فكري سؤال عن مآل الشهداء والشهود، ومردود الأعين المفقأة بالطلق والسفود. وفي الأيام الفائتة القليلة، بلغني رغماً عن إرادتي بضعة أنباء عليلة؛ فاشتغل خلدي بثلاثة أخبار دون غيرها مدركة، لم يكن لها الوقع المنتظر على عاطفتي المنهكة – وقد حملتُ وزر عشرين شهراً من محبطات الآمال والعِبَر – اللهم إلا نغزات كأنها على الجلد الميت رؤوس الإبر. وحيث أنها مشكوك في صحتها على أي حال، وهي تحمل في طياتها أكثر من سؤال، عزمتُ على نقل الأخبار الثلاثة إليكم مصبوغة باليأس كما خبرتُها، مكتفياً بمدلولاتها قدر ما استبصرتها. فلقد تُبت إلى “عشيرتي” التي أحسبها مع عشيرتكم في صراع، ولتغفروا لي أو لا تغفروا “انتوائي” ومن معي أن نعيث في رأس سعادتكم كل صنوف الصداع؛ وإني على ذلك لمتبرئ ممن صعّدوكم باسم ثورة هي منكم براء، بل ومن ذلك الشطر من نفسي الذي ساهم في مجريات عموم الخراء. أما بعد —

Continue reading

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

Continue reading

ثمانية عشر

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

Continue reading

FOUND EGYPT: Mosaics of the Revolution

(1) A stock portrait of a contemporary woman in niqab is made up of the nude picture of Alia Mahdi, which was called a revolutionary gesture by the subject in November, 2011

(2) A Google Earth image of Tahrir Square and surrounds is made up of a graffito of “the finger”, one of the most popular statements of defiance since January, 2011

(3) A detail of an archival photo of a funerary mural in Thebes is made up of an iconic picture of a protester killed in Tahrir in January, 2011

(4) One of the portraits of Pope Shenouda III used by mourners following his death in March, 2012 is made up of images of casualties of the October 9, 2011 Maspero massacre of Coptic demonstrators (which the Pope is believed to have condoned)

(5) The flag of Egypt, with the eagle replaced by the famous blue bra exposed during the brutal beating by SCAF of one female demonstrator in Tahrir in November, 2011, is made up of images of Salafi and Muslim Brotherhood figures and symbols (along with “honourable citizens“, the “Islamic movement”, then in alliance with SCAF, condoned the suppression of demonstrators)

(6) A Muslim young man, reportedly gay, from a Cairo shanty town who crucified himself on a lamppost in Tahrir in April, 2011 as a gesture of protest is made up of anti-SCAF graffiti

(7) An American passport is made up of images of the hardline Islamist and vociferously anti-American former presidential candidate Hazim Salah Abu Ismail, who was legally disqualified from entering the race due to his mother holding US citizenship

cf/x photo mosaic as well as Adobe Photoshop CS5 were used to make these pictures

 

الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-12-18-03-24.jpg

********************************************************

شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو

********************************************************

٢٥ يناير

ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…

يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.

***

أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.

وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…

Continue reading

الثورة والطغرى: بعض ما قاله مصطفى بلغة جديدة عن ميدان التحرير

wpid-screen-capture2-2011-11-18-21-39.png

… أذكر أولاً أنني، حين أذهب إلى عملي عبر ميدان التحرير وأجده يغص بسيارات تنظمها شرطة المرور ولا أثر لشيء ثوري أو إشارة، لا أكاد أصدق: كنا نظن ميدان التحرير سيظل منفصلاً عن مدينة العادم و”الكلكسات” ليصير مزاراً تاريخياً خارج الزمن، كنا نظنه لا يعود أبداً إلى ما كان عليه في السابق، وكانت فرحتنا بالرقاد على الأسفلت ربما أكبر من فرحتنا بالاحتجاج. لا أكاد أصدق وأشعر بحزن كأنه الفجيعة. في البداية، أصبح ميدان التحرير. أقصد: أصبحت القاهرة ميدان التحرير. بين مساء الثامن عشر من يناير وليل التاسع عشر، تقريباً. كنا في مساجد الأحياء المترامية (أكثرنا يصلي مضطراً، ربما لأول مرة منذ الطفولة) ثم كنا في شارع قصر العيني وعلى كوبري قصر النيل، منهكين جراء السير على الأقدام وتفادي القذائف واستنشاق الغاز؛ من منافذ وسط البلد المؤدية إلى “الميدان”، أيضاً (كما صار يُطلق على المكان اختصاراً، بدلاً من “التحرير”)، كنا نجابه السدود الأمنية في طريقنا وكانوا يستعملون العنف بقصد إيذائنا والناس تتفرج من النوافذ حتى تنضم إلينا أو تغلقها. بين يوم وليلة، هكذا، لم تعد هناك قاهرة. حين ظهرت جثث وفوارغ قنابل وطلقات، اختفى الأمن ليعود بأشكال دائمة التجدد: أكثر من حفلة تنكرية على مدى أسابيع. تحولت الشوارع إلى خلاء ليلي يبقبق بخطر البلطجة وملاحقة الأمن أو أشباهه من متطوعي “لجان شعبية” نبتت بين يوم وليلة بسماد الشائعات السحري، إذا ما اشتُبه في أن المارة من “بتوع التحرير”؛ بينما النهار كله في مساحة يحدها ميدان عبد المنعم رياض إلى الشمال، وإلى الجنوب: “المُجمَّع” – ذلك البناء السوفييتي، نعم، البناء الكافكاوي، التعريف المعماري لقاهرة يوليو ١٩٥٢: عبث البيروقراطية المركزية وسطوة التوجس – مجاوراً لجامع عمر مكرم من حيث كانت ولا تزال تخرج جنازات الأكابر، ثم ميدان طلعت حرب من الشرق وكوبري قصر النيل من الغرب. أنشئت المداخل حيث استقرت آليات الجيش وتطوع بعضنا بتفتيش بعض أثناء عبورها. قيل إننا وجيشنا “إيد واحدة”، تقريباً، في حماية الجهات. ووقت كان يتضح أننا لسنا كذلك، كانت مواجهة تلك الحقيقة تصبح منكرة؛ من يقل إن الجيش مع الحكومة يصر مع الحكومة… ولكنني أتكلم عن الجهات الأربع المرقطة بسيارات ضخمة كأنها سلاحف صحراوية عملاقة منثور عليها جنود بخوذات. لن يكون للمساحة شمال وشرق ولا جنوب وغرب إلا أنْ تخرج من رؤوسنا بوصلة تحولها إلى مربع جغرافي. على كل حال أصبحت مساحة. أصبحت مساحة وأصبحت المساحة مدينة ثم أصبح للمدينة حدود. بالتدريج ظهرت أسباب الحياة: نوم وأكل وعلاج وعبادة، ولا حاجة إلى مواصلات. كنا قد فقدنا شبكات الموبايل والإنترنت ثم استرددناها، ومع استتباب الحديد و”الكاكي” عشنا. خلال ثمانية عشر يوماً بداية من منتصف ليل الثامن والعشرين، كان خط تماس عبد المنعم رياض بالذات مسرحاً لاستعار “الاشتباكات”، وإن أتت الهجمات (المسكوت عنها من جانب الجيش، كما اتضح لاحقاً) من طلعت حرب وعمر مكرم كذلك. لكن المربع كان أيضاً دائرة، وكما في لوحة ليوناردو دافينشي الشهيرة لجسد رجل مرسوم بالنسب المثالية طبقاً لقوانين المعماري الروماني فيتروفيوس الهندسية، نمت يوتوبيانا في مساحة تداخُل المربع والدائرة، بشكل ما: واحة وسط صحراء، لكن مع الوقت أيضاً سجن ثلاثي كسجن أبي العلاء، لا تُرى بلا عينين ولا تخرج من بيتها وهي في جميع الأحوال حبيسة القاهرة. أقصد: كفر عشرات الآلاف بالقاهرة أو كفّروها ليهاجروا إلى الميدان. أصبح فضاء عام حقيقي لأول مرة منذ الخمسينيات. أصبح جسد إنسان حيث المربع والدائرة. أصبح إنسان فعلاً. شخص اسمه التحرير أو الميدان أو الثورة. عن نفسي، وراشد السيوطي الذي عاد من إنجلترا أسبوعاً ليشارك وصرنا ننسق ذهابنا معاً، لم نكن نبيت. نذهب عند استيقاظنا ونعود قرب موعد النوم؛ ولعل ذلك، فيما حمانا من عصاب أو حتى ذهان سيحل لاحقاً بالكثيرين ممن لم يغادروا الميدان طوال الأسابيع الثلاثة – رحلاتنا، مشياً، من الفراغ إلى الزحمة بالنهار وبالليل من مركز ما هو بشري وحقيقي إلى بيوت ترتجف عبر مدينة مزيفة وعاطلة – لعله أكد لدينا فكرة انتهاء القاهرة. في المساءات المشحونة بدأت أفكر في معنى ميدان التحرير: كيف يتطابق مكان مع فكرة أو توجه قد يمثله جسد – شخص – هو الآخر مثالي؛ كيف تختلف نظرتك إلى جسد ما حين تعرف صاحبه؛ وكيف تصبح مواقع مختلفة داخل مكان يشبه جسداً أعضاء بيولوجية فاعلة أو نقاط جذب لا مرئية كالـ”تشاكرا” التانتريتية، لكل منها وظيفة. قلتُ لراشد إن الجزيرة المستديرة التي تتوسط قسماً من الميدان – التجلي الحالي لكعكة أمل دنقل الحجرية – هي الركبة التي لا يمكن بدونها للشخص أن يقف أو يسير. إن مجمع التحرير هو القدمان ونصب البطل العسكري عبد المنعم رياض، ذلك التمثال المعدني الرديء، صولجان مرفوع على اليد اليسرى مواز للرأس الناتئة – مرفوعةً هي الأخرى – فوق الأشياء كلها وناحية لاشيء، فيما خط التماس الرئيسي يقطع السرة ما بين المتحف المصري والجهة المقابلة باتجاه طلعت حرب. قلتُ لراشد إن شيئاً رهيباً سيحدث لهؤلاء الناس لو أن الحكاية انتهت و”نأبهم طلع على شونة”. كنا قد بدأنا نلاحظ تأثير العزلة والقرب: بارانويا تسري بدءً من غروب الشمس حول ما إذا كان بين المعتصمين دخلاء يجمعون المعلومات عنهم أو يوجهونهم إلى أفعال ضارة؛ مبالغة في خطابات الانتصار والاستمرار وفي قصر “الأخلاق” على سلوكنا داخل الميدان حيال أشياء تافهة وغير متصلة؛ هوس بالقضاء على أفراد بعينهم – أحمد شفيق، عمر سليمان، أنس الفقي فضلاً عن آل مبارك – بلا التفات لا إلى أخلاقية استهدافهم ولا إلى ما يمثلونه بغض النظر عن ذواتهم ومدى انتشاره في الوعي الجماعي، حتى وعينا نحن. قلتُ لراشد إنه جسد وقال إنه دماغ. قال إنه يريد أن يعد دراسة أنثروبولوجية عن التحرير أثناء الاعتصام يعتمد فيها المواقع ذاتها مقارباً إياها من منظور فرويدي: خارج الدائرة ما يسمى “ما قبل الوعي”، بينما مكونات الوعي الثلاثة – الإيد والإيغو والسوبرإيغو – تشغل قطاعات متداخلة في جوفها: الإيد في الذراعين والقدمين حيث التمثال والمجمع وجبهات القتال، والإيغو في المنطقة الآمنة المحيطة بالكعكة الحجرية، بينما السوبرإيغو (معقل القيم والأحكام) ففضلاً عن المتحف المصري حيث كان الجيش يعتقل البلطجية، في السرة نفسها حيث دبابة ثابتة كأنها محج تمثل التفاعلات حولها بين المحتجين والجنود تحالف الشعب والجيش الذي تغذت عليه أسطورة الثورة نفسها …

wpid-img_2166-2011-11-18-21-39.jpg

قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

vahidettinportrait

الثورة والطغرى

تصاوير

لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.

لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.

أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.

دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير

This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.

Enhanced by Zemanta