Monaco Mini Exhibition-أغنى بلد في العالم

؏

ضِعتُ في طريق العودة من موقف عبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك المُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي

تحميل مجموعة يظهر ملاك


 

 

 

رثاء الذات: ملحق النهار

رثاء الذات أو ثلاثة تجليات لموظف الأرشيف في القاهرة / بقلم يوسف رخّا

لوحة لمحمد عبلة.
1

اليوم سقطتُ في الانتخابات
أول مرة أترشح
ولولا أن فارق الأصوات لا يسمح بشك لعزّيتُ نفسي بالتلاعب في الصناديق
أوقفني رجل متوسط العمر يطلب سيجارة
بدا مثل موظف أرشيف في فيلم أبيض وأسود
كان يأكل شطيرة فول
وحين ناولته ما طلب سألني بنبرة متعالية إن كان يمكن أن أعطيه أيضاً مساعدة
رقصة الفرح التي أدّيتها احتفالاً بالفائزين لم تمنع عرسة بداخلي من البكاء
ليس على مقعدي الضائع في المجلس
ولا على ثقة الحثالة
لكن لأن التحسر على أبناء دائرتي لن يعود ممكناً
كم كنت ساذجاً يوم ظننتُ التحسر ضماناً لئلا يكون السقوط مدوياً لو حدث
حين انصرف موظف الأرشيف مختالاً كان عضوي يشاور عقله
عضوي الصغير الذي بنى أمجاده بنزاهة مخلّفاً دمعة أو اثنتين،
عضوي العصامي سيكتمل انتصابه وأنا أتساءل إن كان للديموقراطية علاقة بالفحولة
ما كان يجب أن أعوّل على الاستجابة يوم رفعتْ أمي وجهها إلى السماء: “يحبّب” فيك خلقه يا بني
أمي منذ أيام في الحجاز
أبي كما هو تحت الأرض أو في مكان ما
البدر كامل خلف العمارة وغداً تزورني امرأة أنتظرها.

2

ضِعتُ في طريق العودة من موقف “عبود”
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك “المُجَمّع”
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي…
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي.

3

كأنني كنت في جمع ورمشتُ فوجدتُني وحدي وسأعرف ليس واضحاً من أين
أن الطبيب عاد إلى ستوديو الإذاعة والصحافي إلى مكتب المسؤول
وأن امرأةً آمنة تصرخ مذعورة هناك
المجند الآن حيث كان قبل أن يأتي، في منزل الشرطي
لا بد أن الذي ضمّنا احتفال لأن ثمة أكواباً نصف فارغة وبقايا حلوى
الكراسي مقلوبة وسط الزبد الاصطناعي ولا سبيل إلى معرفة من كان يضاجع من
لعله طقس بدائي أيضاً وإلا من أين برك الدم المتخثر والأعضاء المقطّعة؟
انتظرت عودتهم طويلاً منذ رمشتي البريئة تلك وانتظرت أن يأتي ولو أحد أطفال الشوارع مثل هذا الذي يمر ملتحفاً دبابة ويرمقني عبر الجنزير ليشرح لماذا انفضّوا عني هكذا
لكنّ موظف أرشيف عجوزاً هو الذي أفزعني
لم أكن متأكداً من نوع السلاح الذي يتدلى من خصره حين انتبهت إلى يده على كتفي:
أمامك أربع وعشرون ساعة لتعود أنت أيضاً إلى مصلحتك
فعرفتُ أنني أنتظرهم لليلة الأخيرة في المكان المتفق عليه حيث الشراب والوسائد ومروحيات عسكرية تحلق وقد اكتست بالسندس والاستبرق لتصب الموسيقى في أذن الأرض
لن يأتي أحد ليشاركني فرحتي وكما كنت أفعل قبل أن أجيء إلى مكان اللقاء سأستمتع بمفردي وربما حتى أتمرغ من اللذة رغم خشونة الأسفلت.