موت

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

Continue reading

ثمانية عشر

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

Continue reading

كالي: يظهر ملاك

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

wpid-wmudfigure-2011-07-26-05-212.jpg

“ويا نار أحشائي…”

– عمر ابن الفارض

-1-

عند الهندوس إلهة تقيء الثعابين،

تتكلل بالرؤوس المشجوجة (زيت شعرها

عجين الأمخاخ) وتفترش القبور الجماعية

على سبيل التنزه.

يعتقدون أن لا شيء يعطّل شرها

إلا شلال دم.

لو اقتربت من هذه الإلهة،

لو دخلت دائرتها،

لو جثوت أمام الأعضاء المبتورة

العالقة بذقنها،

سوف ترى فتحة فمها أسفل عينيها،

محجري النار،

بئراً مبطنة بالسكاكين.

ورغم أنها في الأصل إلهة طيبة،

ترعى الزرع والعاشقين،

وليس هذا الرعب إلا صورتها الغاضبة

(لأن الآلهة عند الهندوس، سبحان الله،

لكل منهم أكثر من صورة،

ولكل صورة اسم)

الأفضل أن تصلي لها وهذا اسمها…

-2-

يا سيدة التقطيع والغواية،

محتاج أن أكون الله، ولو لليلة،

محتاج أن أعيد خلق شخص واحد في هذه الدنيا

ليستقيم وجودي. وعندما أمتلك ذلك الشخص

كما تمتلكين الليل والمجاعة،

لن أكتفي بالوقوف في صف من المؤمنين

رأيته رؤى العين في نيبال –

كان أكثرهم فقراء لا يملكون ثمن الكبش أو اللاما

كذبيحة تليق بامتعاضك

سيدهنون تمثالك بما تلتقطه أصابعهم

من غدران دمائها البطيئة،

ولم تخرج الضحايا التي يحملونها

عن بطة ممصوصة أو قطة نفقت في حادث سيارة،

قرد انقصم عموده الفقري إثر قفزة غير محسوبة

أو ديك أعمى يريد أن يصل إلى عرفه بمنقاره –

لن أكتفي بالوقوف في صفهم

وتأمُّل الرقاب الصغيرة تنكسر بين الأصابع.

سأكون من الصفاء والتجلي

بحيث أقدّم نفسي إليك صحيحاً وكاملاً

بلا خوف أو فجيعة.

يا سيدة التقطيع والغواية،

ليصير مخي عجيناً يحفظ أطراف شعرك من التقصف،

لتكون عظامي رماحاً تنشبينها في أجساد الأبرياء،

وقلبي “بونبونة” في فمك،

محتاج أن أكون الله.

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta

ماما

الشخص الثالث

“نملية” مطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغاز-مصانع القوات المسلحة، نفس غيظها من “دش” مؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أن “تلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟

*

الرغبة

تتذرعين بالمعرفة التي راكمتِها فأتذكر أن في الحياة أشياء لا تعرفينها. وحين أخرج على دائرة حكمتك – من غرفتك إلى غرفتي تبدو الصالة برزخاً بين عالمين – أقول لنفسي إنه من تحت رأس ختان الإناث… الجهل الذي ينفيني في نصيحتك. (وكيف لا تفرق أعوامك الزائدة؟) أنت الأحق بالنصيحة ربما، لكنني كان يجب أن أسديها منذ خمسين عاماً. ولكي أدلل على أنني أيضاً حكيم في دائرتي – والبرزخ بيننا – لن أنسى أن أرد الباب بالرقة المناسبة

*

 

الصنارة

شبيهاتها صرن بلا عدد في المدينة: خط إنتاج أرامل أسقطن شهوتهن تحت دولاب الملابس قبل موت أزواجهن بقرون، ونسين في حموة التنظيف أن يطلبن من الخادمة أن تساعدهن على زحزحة الدولاب. من وراء عباءاتهن-ألق الأزياء الخليجية، ولقب “حاجّة” يرفرف في هبة “الشكمان” مع طرف الحجاب، يردعن جبابرة الشوارع بقادوم الأمومة. هل لهذا يختلن بشيخوخة إما لم تأت بعد أو كان يمكن تأجيلها؟ وهل لكل من الشبيهات أيضاً صورة بالمايكروجوب والشعر “الكاريه” (لابد أن جون لينون يتقافز فوق قبة جامعة القاهرة التي لا تظهر في الصورة، لأن المشهد الثابت يهتز فعلاً على دقة “كانت باي مي لوف”)؟ هل يحيط بكل منهن أكثر من بنطلون “شارلستون” وقميص بياقة عملاقة تبروز عيوناً مقبلة على الحياة؟ كبيضة ضمن فلول البيض الأسود، ألمحها عن بعد بالقرب من البيت. لا نلتقي صدفة إلا وأنا ألتقط أنفاسي بين مشوارين، هنا حيث أقاسمها مستقرها على جسر الحياة. الأكياس العالقة في ذراعها أثقل من مصيري. لذلك لا أهرع لأحمل عنها. لا ألفت انتباهها إلى أنني هناك. تتدحرج وسط ميكروباسين، في جمودها إيحاء سرعة لا تصل إليها خطواتها. وأسأل نفسي كيف، من وسط كل الشبيهات، مازال يمكنني اصطيادها بنظرة واحدة

*

عشر ركعات

الليلة أيضاً، مع أذان الفجر، ستتلفنين. وأكون في مكان لا يمكن أن أصطحبك إليه. سأنزوي في ركن خال لأحدّثك (الخجل من أن لي أُمّاً تتلفن، وكيف لم يبرحني منذ الطفولة؟) بلهفة ستسألينني متى أعود. لا طارئ سوى طعام أنت طبختِه ولم آكله. ما يسمونه “تضحية”. وحسب درجة نفاد الصبر في صوتك، أوشوش إما “لا أدري” أو “بعد قليل”. لكن الصمت يطلق استجواباً متهدّجاً من فمك، فينز غضبي مكتوماً في الأثير. حين أعيد المحمول إلى جيبي تلفحني أساطيرك. وماذا كان يجب أن يحدث ليكون في الدنيا شيء سواي؟ مَن كان يجب أن تكوني، لأغفر لك ما يسمونه قلب الأم؟ ولكي أتذكر أنك أنت وأنا المسئول أمامك، بعد الأذان سأنزوي في ركن مظلم لأخلع حذائي: كمن يسجد، بعنف، سأضرب رأسي في الأرض لكل تضحية من تضحياتك ضربة. ولن أغفر لك كل هذا الوجع. ما يسمونه التفاني. والنقودِ التي لا تنفقينها. والحفيدِ الذي لن تقبّليه. والقلق الذي تحقنينني به كل صباح. والمخاطر القاتلة. ويد القدر الحانية عليك بإنقاذي. والصلاة والصوم. ومنفضدة السجائر. وشكواك مني. وكل ما تفعلينه من أجلي. وكل ما كان يمكن أن أفعله بدونك

*

ساعدي يوجعني

بموت أحدهما يتعلم الشخص أن الأبوين كالأطراف لا يزول وجعها بالبتر. تتوقف أمي على عتبة غرفتها. ظهرها إلي وهي تسند بكفها على زاوية الباب. أواصل ذرع الصالة جيئة وذهاباً. لا أفكر في احتياجي لساعدي بقدر ما أفكر فيما تعرّض له من أذى، الأمر الذي جعله وزراً غير مرغوب في بقائه. لماذا الآن دوناً عن أي وقت أقبّله بحسرة، ألوي رقبتي حتى تؤلمني لأتفقّد بؤره السقيمة، وأحار كيف كان يمكن أن أجنّبه الكدمات… الساعد الثقيل كحمل أتطلع لإسقاطه، ربما ليس أثقل من هذه العجوز المُضجِرة. (للمرة المليون أنينها المسرحي يذيع على العالم كم هي مظلومة وصامدة، وهل سيشعرني بغير رغبة خابية في صفعها؟) أتذكر أن نقّها يتراوح بين آلام العظام وتشنج العضل. ارتعاش الأصابع، لسع الحروق، صديد مفاجئ على راحة اليد. خدوش قديمة تذكرني بمهمتي، وعلي أن أتحمل إحباط أنني لم أؤدها… لكن ها هي الآن تعبر العتبة كالنسيم. وقبل أن أتوقف عن الحركة، يقلع كفها عن الخشب ويحلّق عالياً في الهواء. ستبدو أخف من كل أوزار الدنيا. وسيمكنني أن أتابعها بفرح، أنا الذي تمنّيتُ أن يموت أبي. وعرفتُ أنني لن أتخلص منه أبداً

*

الحياة بعد الموت

يوماً ما سآخذك إلى الصحراء، وأصر أن تبيتي خارج الخيمة. سأظل صاحياً طوال الليل أحرسك من الثعالب والثعابين. وحين يشقشق الصبح سيكون شعرك مكشوفاً للسماء وحبات الرمل عالقة بأطرافك العارية. بلا خوف من هوان الدنيا ولا عذاب الآخرة، ستفتحين عينيك. وستكونين المرأة التي افتقدتها فيك منذ الأبد

أخطاء الملاك-عن قصيدة سركون بولص

***

ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهاك تليفونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكن ما الذي فضّلتَه على الخسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيت؟ نجمة مدارها دبلة ستصدأ في إصبعك؟ لعلك ظننته يظهر من جديد، أو نسيت أن في بطنه دمك… يا كافر، كيف ستحلّق الآن؟

***

قصيدة سركون بولص من ديوان حامل الفانوس في ليل الذئاب

يظهر ملاك إذا تبعته خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهاية… حتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى

Enhanced by Zemanta

عزاء

كيف سيمكن لكل منهم أن يتعرف على وجه الآخر، هؤلاء الثابتين على قواعدهم باختلاف درجات الململة؟ الأنكى أن عليهم أن يتذكروا الأسماء. بين وصلات النحيب ستفتش الثكالى عن زوجات لأبنائهن. سيسترق الصغار نظرات إلى بدلاتهم المنعكسة في الزجاج. سيتردد المدخنون لحظة إشعال السيجارة. ربما ينسى واحد ويسأل عن الفقيد: ما الذي أخّره عن أداء الواجب معنا هنا؟ وقبل أن ينفض الجمع تقرقع القبلات على الخدود، ولا أثر للموت على وجوه العائلة

Reblog this post [with Zemanta]

وأنت من أهله يا علاء

وأنتَ من أهله، فعلاً

من مزايا الشعر أنه ييسر البكاء. لابد أنها فرامانات الطفولة، بأن «الرجالة متعيّطش»؛ أو ربما سنوات من التغييب الكيميائي للألم، أقصد الألم النفسي. ومنذ آخر كبوة إنسانية بحجم الفيل – وفجيعة الأحياء، أخي، أبشع من فجيعة الموتى – ومنذ أن آب تراب الربيع القاهري الأخير، وأنا «نِفْسي أعيّط» ولا «عياط»، ولا حتى دمعة توحد ربنا في الخباثة. أو منام. كيف، منذ وصلتني هديتك – نتيجة إلحاحي وليس اهتمامك، الأمر الذي تأثرت له بطفولية مدهشة – والدموع «ياما» يا علاء؟ ورائحة الإسكندرية الغائبة تماماً من هذه السطور – اليوم تؤدي دورك، أنت الثاني، «بتعجل/كمن يخاف الصالة الخالية خلف ظهره/كمن يجري وراء متعة زائلة.» هناك حيث كسرت قدمي قبل أن أتمكن من لقائك في الزيارة الأخيرة – أحياناً ما يكون وجع أجسامنا شفاء، لأنه يجبرنا أن نفكر في غير فجائعنا المنسابة مثل سيارات «ميدان الإسعاف»، أو ضحكات «جمال نكروما» في حجرات «الأهرام ويكلي»، أو الأيام التي لا تعطي بالاً لا لأمك ولا للفيل؛ عندي صديق يدعي أنني أتعمد إصابة نفسي لأنتحر شيئاً فشيئاً: لست متأكداً بما يكفي لأدافع عن نفسي، من أنه على خطأ – وواقع إقامتي الآن مع أمي، أنا. لا أحد غيرها، يا علاء… لحد الفجر لم أستطع أن أكف عن النهنهة والترقب: كلما انتهيت من نوبة، انتقلت إلى النوبة التالية؛ وكلما جفت دموعي عدت إلى الصفحات التي أبكتني، كأنني أقذف حصى تكتل في صدري. أواجه رعبي دون أن أستعين بألواح الثلج. كم أستلذ «العياط» يا علاء! ولكن… أي ثمن ندفعه لقاء التراضي مع الموت، وأي قوة تسمح لك بالانتهاء على نبرة «الحكمة البسيطة»؟ أنت هادئ تماماً، كأنك تهدد بالملل – إلا هنا، أو لعلني ممسوس بالدموع – في اللغة كما في الحياة. «بغيابكِ،/نقصت حجرة من حجرات البيت/أصبح البيت مائلاً ناحية الموت/كم سنة أحتاجها،/لأعدل الميزان/لأبني حجرة من الذكريات.» لست طروباً ولا تبرق، ولا أقول إن البريق ضروري. لكنك، في الحديث عن موت أمك كما في أحاديثك السابقة، تحتفظ بـ«حزن شفاف»، نفس الشفافية المتزايدة ثباتاً، تجعل من «قطع الأثاث التي كانت تصطف على الجانبين» شهوداً على حرفيتك «في البكاء الصامت»، ذلك الذي خنقني طوال شهور يا علاء. فهل يستحق عزائي – منذ سنتين؟ أكثر، ربما، من سنتين – مثل ذلك المظروف المفخخ هدية عيد ميلاد؟ أنت لا تعرف بالطبع، ولا البريد السريع يعرف. لكنني لم أبدأ في القراءة حتى منتصف ليل الحادي عشر. واليوم يكتمل عام آخر، أو ينقص. يحضرني، فقط، اعتزازك بامتلاك «حكاية حزينة/عن أم» فقدتها وأنت في الخامسة والأربعين. غداً أصبح على خير، أنا. وأنت من أهله يا علاء.

يوسف رخا، ١٢ يونيو ٢٠٠٧

«تصبحين على خير»، علاء خالد، القاهرة: دار شرقيات، ٢٠٠٦

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

Continue reading