العالم الآخر لا علاقة له بالسحاب

رسالة نايف إلى باولو *
إلى هاني درويش (المتوفى يوم ٣٠ يوليو ٢٠١٣)
اسمع يا باولو من واحد في السماء. الصورة ثابتة في إطار النافذة، والطقس معتدل على الشاطئ. تتبّع الـ”آي بي” لتعرف: هذا الإيميل نازل من لا مكان. أخوك الميت على الطريق السريع قد وجد سكة إليك. بضحكاته المحبوسة في ألفاظ تلهو عبر صوت كالحديقة. بجريه عرياناً في الغيطان، والقفز بثيابه فوق كورنيش الزمالك. يا ولدْ. الضوء بين رجلي واحدة، سلّمْتَني إياه على ورقة سحرية. كان أبيض وأسود، بالأمارة. هل بقي شك فيمن يوجه لك كلاماً… بالحضن يا بن الزانية.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: رائحة الموت

نتسكع في الشوارع والأزقة،
ونطارد السيارات ككلاب مسعورة
نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي
نشم رائحة الموت عند كل ناصية،
وتمتلئ رئاتنا بالدم
فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.
نتقيأ الصبر على قارعة الطريق
ينهرنا عسكري المرور
بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.
نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي
نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،
ونعض على ألسنتنا،
ونكوي مراكز الحس.
ثم نلف ما تبقى منا في سجائر
ندخنها لنقتل الوقت.
.
القاهرة – 14 يونيو 2013
إسلام حنيش

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

عشرون عاما (ع ع)
هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته
عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا
حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24
لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك
– جلس ينتظر-
فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته
ونسيت أن تهنأ
جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا
روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد
لن نتكلم عن قلبك
لنتكلم عن المول

استمر في القراءة

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg
.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)
عيش
جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.
النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

استمر في القراءة

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

استمر في القراءة

مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي
.
((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22
.
فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً
ولا تستجيب إلا لنا.
فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

استمر في القراءة

الأسد على حق: قصيدة ألن جينسبرج

ألن جينسبرج (١٩٢٦-١٩٩٧): الأسد على حق
كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً
وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!
السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة
أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ “رايخ”
كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش
“حصل،” هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”
“للأسف، لا مجال للمناقشة،” وضع السماعة
؎
ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته
قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً
انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني
في سيارته “الجيب” المصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”
؎
عثرتُ على “جوي” صديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”
نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب “الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد<. وينام في أسرة الآخرين)
أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل
لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام “إيجناز ويزدوم”
؎
في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في “سموكي ماونتين”
“إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة
بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد
قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”
؎
حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم
وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته
يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم
وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر
أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي
واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي
غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض
؎
لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي
في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره
عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد
وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا
؎
كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث
وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس
مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد
وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”
في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف
أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له
وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك
دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”
؎
يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع
ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني
لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت
خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.
باريس، مارس 1958
.

No more posts.