قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

إسلام حنيش: شيء سخيف

 IMG_8104

لا شيء هناك،

لا شيء أبدًا.

 

الغرفة تتقيأ الموت وبقايا الطعام المتعفنة منذ أسبوع.

Continue reading

مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

Continue reading

ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

Continue reading

هل في شعار “القدس لنا” أكثر من كذبة لا يجني مرددها من رفعها سوى لفت النظر إلى أنه كذاب؟

wpid-2013-04-1307-08-52-2013-04-13-14-18.jpg

بعد تمحيص وتقلب، أعتقد أن هذا هو السؤال الوحيد الحقيقي الذي يطرحه “الاستقلال الثاني” (وهي التسمية الأوقع من “الربيع العربي” إذا ما أردنا أن نحافظ على نظرتنا الإيجابية إلى “الثورات”):

Continue reading

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

بدرجات الأسود

wpid-img_8896-2013-04-7-14-05.jpg

Continue reading

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

wpid-2013-02-1823-46-13-2013-03-29-14-14.jpg

Continue reading

Three Girls on Mother’s Day ❀ ثلاث بنات في عيد الأم

2013-02-16 18.57.36

الشخص الثالث
“نملية” مطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغاز-مصانع القوات المسلحة، نفس غيظها من “دش” مؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أن “تلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-17.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-17.jpg

Doors and Windows of Tanta-نصائح مَلَك الموت إلى ثكلان

؏

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين
هل نفد صبرك في دقيقة؟
اسمع
لا شيء في الكون كله يرحمك
لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك
اجلس قليلاً
ولا تثقل علي
لا تجعل فجيعتك نداء إلي
وأنت تعلم
أنني عبد المأمور
أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية
مضاعفاً ألف مرة
لا تظنني أملك معنى لشيء
فحيث تصبغ الأسفلت الدماء
لا أرى سوى بقعة داكنة
وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه
كل من كان مثلك
أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة
ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم
لأنني أعرف وجعكم كاملاً
حتى في أشد اللحظات لذةً
كل ما أستطيع أن أعدك به الآن
أنك حين تنظر
لن تجد للفقيد أثراً في السرير
وكخدمة إضافية مني
لن تجد سريراً في الغرفة
بل لن تكون غرفة هناك
إلى أن تمسي بلا شيء أمامك
لا شيء مطلقاً
وكل ما أطلبه في المقابل
تذكّر
أن الحياة ليست سوى انتظاري
أنا الذي أطحن القلوب طحناً
ولا أستريح برهة
من سماع نبضها

.

هو الحب

Edward Weston, 1925

هُوَ الحُبّ فاسلمْ بالحشا ما الهَوَى سَهْلُ فَما اختارَهُ مُضْنًى بهِ، ولهُ عَقْلُ
وعِشْ خالياً فالحبُّ راحتُهُ عناً وأوّلُهُ سُقْمٌ، وآخِرُهُ قَتْلُ
ولكنْ لديَّ الموتُ فيه صبابة ًحَياة ٌ لمَن أهوَى ، عليّ بها الفَضْلُ
نصحتُكَ علماً بالهوى والَّذي أرَى مُخالفتي فاخترْ لنفسكَ ما يحلو
فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيداً، فَمُتْ بهِ شَهيداً، وإلاّ فالغرامُ لَهُ أهْلُ
فَمَنْ لم يَمُتْ في حُبّهِ لم يَعِشْ بهِ، ودونَ اجتِناءَالنّحلِ ما جنتِ النّحلُ
تمسّكْ بأذيالِ الهوى واخلعْ الحيا وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جلُّوا
وقلْ لقتيلِ الحبِّ وفَّيتَ حقَّهُ وللمدَّعي هيهاتَ مالكحلُ الكحلُ
تعرّضَ قومٌ للغرامِ، وأعرضوا، بجانبهمْ عنْ صحّتي فيهِ واعتلُّوا
رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم، وخاضوا بحارَالحبّ، دعوَى ، فما ابتلّوا
فَهُمْ في السّرى لم يَبْرَحوا من مكانهم وما ظَعنوا في السّيرِعنه، وقد كَلّوا
عن مَذهَبي، لمّا استَحَبّوا العمى على الهُدى حَسَداً من عِندِ أنفُسِهم ضَلّوا
أحبَّة َ قلبي والمحبَّة ُ شافعي لدَيكُمْ، إذا شِئتُمْ بها اتّصَل الحبلُ
عسَى عَطفَة ٌ منكُمْ عَليّ بنَظرَة ٍ، فقدْ تعبتْ بيني وبينكمُ الرُّسلُ
أحبَّايَ أنتمْ أحسنَ الدَّهرُ أمْ أسا فكونوا كما شئتمْ أنا ذلكَ الخلُّ
إذا كانَ حَظّي الهَجرَمنكم، ولم يكن بِعادٌ، فذاكَ الهجرُ عندي هوَ الوَصْل
وما الصّدّ إلاّ الوُدّ، ما لم يكنْ قِلًى ، وأصعبُ شئٍ غيرَ إعراضكمْ سهلُ
وتعذيبكمْ عذبٌ لديَّ وجوركمْ عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ عدلُ
وصبري صبرٌ عنكمْ وعليكمْ أرى أبداً عندي مرارتهُ تحلو
أخذتمْ فؤادي وهوَ بعضي فما الَّذي يَضَرّكُمُ لو كانَ عِندَكَمُ الكُلّ
نأيتمْ فغيرَ الدَّمعِ لمْ أرَ وافياً سوى زفرة ٍ منْ حرِّ نارِ الجوى تغلو
فسهديَ حيٌّ في جفوني مخلَّدٌ ونومي بها ميتٌ ودمعي لهُ غسلُ
هوى ً طلَّ ما بينَ الطُّلولِ دمي فمنْ جُفوني جرى بالسّفحِ من سَفحِه وَبلُ
تبالَهَ قومي، إذ رأوني مُتَيّماً، وقالوا يمنْ هذا الفتى مسَّهُ الخبلُ
وماذا عسى عنِّي يقالُ سوى غدا بنعمٍ لهُ شغلٌ نعمْ لي لها شغلُ
وقالَ نِساءُ الحَيّ:عَنّا بذكرِ مَنْ جفانا وبعدَ العزِّ لذَّ لهُ الذلُّ
إذا أنعَمَتْ نُعْمٌ عليّ بنَظرة ٍ، فلا أسعدتْ سعدي ولا أجملتْ جملُ
وقد صَدِئَتْ عَيني بُرؤية ِ غَيرِها، ولَثمُ جُفوني تُربَها للصَّدا يجلو
وقدْ علموا أنِّي قتيلُ لحاظها فإنَّ لها في كلِّ جارحة ٍ نصلُ
حَديثي قَديمٌ في هواها، وما لَهُ،     كماعلمتْ بعدٌ وليسَ لها قبلُ
وما ليَ مِثلٌ في غَرامي بها، كمَا فإن حَدّثوا عَنها، فكُلّي مَسامعٌ،
حرامٌ شفاسقمي لديها رضيتُ ما بهِ قسمتْ لي في الهوى ودمي حلُّ
فحالي وإنْ ساءَتْفقد حَسُنَتْ بهِ     وما حطّ قدري في هواها به أعْلو
وعنوانُ ما فيها لقيتُ ومابهِ شقيتُ وفي قولي اختصرتُ ولمْ أغلُ
خفيتُ ضنى ً حتَّى لقدْ ضلَّ عائدي وكيفَ تَرى العُوّادُ مَن لا له ظِلّ
وما عثرَتْ عَينٌ على أثَري، ولم تدعْ لي رسماً في الهوى الأعينُ النُّجلُ
ولي همَّة ٌ تعلو إذا ما ذكرتها وروحٌ بذِكراها، إذا رَخُصَتْ، تغلُو
جَرَى حُبُّها مَجَرى دمي في مَفاصلي، فأصبَحَ لي، عن كلّ شُغلٍ، بها شغلُ
فنافِس ببَذلِ النَّفسِ فيها أخا الهوَى ، فإن قبلتها منكَ ياحبَّذا البذلُ
فمَن لم يجُدْ، في حُبِّ نُعْمٍ، بنفسِه، ولو جادَ بالدّنيا، إليهِ انتهَى البُخلُ
ولولا مراعاة ُ الصِّيانة ِ غيرة ً ولو كثروا أهل الصَّبابة ِ أو قلُّوا
لقُلتُ لِعُشّاقِ الملاحة ِ:أقبِلوا إليها، على رأيي، وعن غيرِها ولّوا
وإنْ ذكرتْ يوماً فخرُّوا لذكرها سجوداً وإنْ لاحتْ إلى وجهها صلُّوا
وفي حبّها بِعتُ السّعادة َ بالشّقا ضلالاً وعقلي عنْ هدايَ بهِ عقلُ
وقُلتُ لرُشْدي والتّنَسكِ، والتّقَى : تخَلَّوا، وما بَيني وبَينَ الهوَى خَلّوا
وفرغتُ قلبي عنْ وجودي مخلصاً لَعَلّيَ في شُغلي بها، مَعَها أخلو
ومِن أجلِها أسعى لِمَنْ بَينَنا سَعى ، وأغدو ولا أعدو لمنْ دأبهُ العذلُ
فأرتاحُ للواشينَ بيني وبينها لتَعْلَمَ ماألقَى ، وما عندَها جَهلُ
وأصبو إلى العذّال، حُبّاً لذكرِها، كأنّهُمُ، مابينَنا في الهوى رُسلُ
فـإن حـدثوا عـنها،فكلي مـسامع وكُلّيَ، إن حَدّثتُهُمْ، ألسُنٌ تَتلو
تَخالَفَتِ الأقوالُ فينا، تبايُناً، برَجْمِ ظُنونٍ بَينَنا، ما لها أصلُ
فشَنّعَ قومٌ بالوِصالِ، ولم تَصِل، وأرجفَ بالسِّلوانِ قومٌ ولمْ أسلُ
فما صدَّقَ التَّشنيعُ عنها لشقوتي وقد كذبَتْ عني الأراجيفُ والنّقْلُ
وكيفَ أرجّي وَصْلَ مَنْ لو تَصَوّرَتْ حماها المنى وهماً لضاقتْ بها السُّبلُ
وإن وَعدَتْ لم يَلحَقِ الفِعلُ قَوْلها ؛ وإنْ أوعدتْ فالقولُ يسبقهُ الفعلُ
عِديني بِوَصلٍ، وامطُلي بِنَجازِهِ، فعندي إذا صحَّ الهوى حسنَ المطلُ
وَحُرْمة ِ عَهْدٍ بينَنا، عنه لم أحُلْ، وعَقـدٍ بأيدٍ بينَنا، ما له حَلُ
لأنتِ، على غَيظِ النّوى ورِضَى الهَوَى ، لديَّ وقلبي ساعة ً منكِ ما يخلو
ترى مقلتي يوماً ترى منْ أحبُّهمْ ويَعتِبُني دَهْري، ويَجتمِعُ الشَّملُ
وما برحوا معنى ً أراهمْ معي فإنْ نأوا صورة ً في الذِّهنِ قامَ لهمْ شكلُ
فهمْ نصبَ عيني ظاهراً حيثما سروا وهمْ في فؤادي باطناً أينما حلُّوا
لهمْ أبداًَ منِّي حنوٌّ وإنْ جفوا ولي أبداً ميلٌ إلَيهِمْ، وإنْ مَلّوا

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

البلد: قصيدة

إلى مهاب نصر…

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت

نحن لا ننفع لها يا صاحبي

مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم

أن نندس وسطهم

بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى

وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر

لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين

ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

*

wpid-img_2070-2012-03-11-17-28.jpg

*

wpid-img_2061-2012-03-11-17-28.jpg

*

سركون بصوته: جئت إليك من هناك


نهايةُ العام:

عام النهايات

الطقسُ والغربان، ضِِيقٌ في نفسي

من كثرة التدخين ، علّةٌ ما

(وحشةٌ ،

قلقٌ

ألَمٌ دفين)

أطاحتْ بي لأطوفَ في أنحاء البلدة المقفرة

و أقطعَ حول تلك الزاوية بالذات

حيثُ لاقاني وجهاً لوجه

قبلَ هبوط الليل:

صديقي

القَصّاصُ هوَ بعينهِ

لكنّ شيئاً أفرغَ عينيه من الضياء

صديقي القديمُ الفَكِهُ

هوَ بذاتهِ

لكنّ شيئاً قَلَبَ قَسَماتِهِ

من الداخل: الحواجبُ بيضاء

سوداءُ هي الأسنان

إذا أبتسم (لا فرَحاً ) بدا كأنّهُ يبكي

ما وراءَ الحزن

كما في صورة غير مُحَمَّضة

كما في صورة محترقة

بأقلّ نفخةٍ تنهار . . .

لاقاني وكنّا خارجَين من عاصفةٍ

بدأْت منذُ الأمس

تَجلدُ الجدران بلافتات المطاعم والحوانيت

وتجعلُ أسلاكَ التلغراف

تُوَلولُ حقاً في تلك الساحة الخالية

صرختُ : يا يوسف!

ماذا حدثَ لوجهكَ يا يوسف؟

ماذا فعلوا بعينيكَ يا يوسف

ماذا فعلوا بعينيك وحَقَّ الله؟

قال: لا تسألني ، أرجوك.

قال: إنّهُ الدمار.

قال جئتُ إليكَ من هناك.

قال : لا أنا . لا . لست أنا .

لا أنت.

لا ، لستَ أنت.

هُم، وآلهة الزَقّوم.

هُم ، صاحبُ الموت الواقفُ في الباب:

اللاجئونَ على الطُرُقات

الأطفال في التوابيت

النساءُ يَندُبنَ في الساحات

أهْلُكَ بخير

يُسَلّمونَ عليك من المقابر

بغدادُ سُنبُلةٌ تشبّثَ بها الجراد

جئت إليكَ من هُناك

إنّهُ الدَمار

قالَ لي

وسارَ مُبتعداً ، و اختفى

في كلّ مكان.

(في ذكرى يوسف الحيدري)

– - – - – - – - – - – - – - – - – - – - – - – -

*عظمة أخرى لكلب القبيلة

“الصحراوي” ليلاً

wpid-ws_highway_1920x1200-2011-11-20-02-36.jpg

“بلاي ستيشن”

والهدف – بلا ضوء -

أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية

ترعد على جانبيك

ولا تحيد إلى هلاكك

عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي

في الظلام

الموت الرحيم – قالت حبيبتي

ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع

أن أنظر إلى وجهها -

هذا هو

طريق التحدي

هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين

سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده

كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج

والجسد مستسلم للجاذبية

أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال

تحسبها أشخاصاً يعبرون

عن سراب التماعات

برتقالية وعالية

وحين نصمت عبر نفق آخر

من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا

وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا

لحظة شرود

في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي

وكم سيكون جميلاً في الحقيقة

أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

*

كالي: يظهر ملاك

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

wpid-wmudfigure-2011-07-26-05-212.jpg

“ويا نار أحشائي…”

– عمر ابن الفارض

-1-

عند الهندوس إلهة تقيء الثعابين،

تتكلل بالرؤوس المشجوجة (زيت شعرها

عجين الأمخاخ) وتفترش القبور الجماعية

على سبيل التنزه.

يعتقدون أن لا شيء يعطّل شرها

إلا شلال دم.

لو اقتربت من هذه الإلهة،

لو دخلت دائرتها،

لو جثوت أمام الأعضاء المبتورة

العالقة بذقنها،

سوف ترى فتحة فمها أسفل عينيها،

محجري النار،

بئراً مبطنة بالسكاكين.

ورغم أنها في الأصل إلهة طيبة،

ترعى الزرع والعاشقين،

وليس هذا الرعب إلا صورتها الغاضبة

(لأن الآلهة عند الهندوس، سبحان الله،

لكل منهم أكثر من صورة،

ولكل صورة اسم)

الأفضل أن تصلي لها وهذا اسمها…

-2-

يا سيدة التقطيع والغواية،

محتاج أن أكون الله، ولو لليلة،

محتاج أن أعيد خلق شخص واحد في هذه الدنيا

ليستقيم وجودي. وعندما أمتلك ذلك الشخص

كما تمتلكين الليل والمجاعة،

لن أكتفي بالوقوف في صف من المؤمنين

رأيته رؤى العين في نيبال –

كان أكثرهم فقراء لا يملكون ثمن الكبش أو اللاما

كذبيحة تليق بامتعاضك

سيدهنون تمثالك بما تلتقطه أصابعهم

من غدران دمائها البطيئة،

ولم تخرج الضحايا التي يحملونها

عن بطة ممصوصة أو قطة نفقت في حادث سيارة،

قرد انقصم عموده الفقري إثر قفزة غير محسوبة

أو ديك أعمى يريد أن يصل إلى عرفه بمنقاره –

لن أكتفي بالوقوف في صفهم

وتأمُّل الرقاب الصغيرة تنكسر بين الأصابع.

سأكون من الصفاء والتجلي

بحيث أقدّم نفسي إليك صحيحاً وكاملاً

بلا خوف أو فجيعة.

يا سيدة التقطيع والغواية،

ليصير مخي عجيناً يحفظ أطراف شعرك من التقصف،

لتكون عظامي رماحاً تنشبينها في أجساد الأبرياء،

وقلبي “بونبونة” في فمك،

محتاج أن أكون الله.

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

The Revolution for Real-الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

Continue reading