Mohab Nasr: The people are sleeping-مهاب نصر: الشعب نائم يا حبيبي

The people are sleeping: Two versions

“The people are asleep,

Don’t wake the people, darling,

So she’d tell him

Whenever he cracked his knuckles on the balcony,

Whenever his eyes shone behind the door

Like a password,

Continue reading

بالنسبة للأدب العربي: إما هذا أو نظل ننافس الصحافة الصفراء والكتب الدينية

على فكرة مستحيل بجد وضع الأدب العربي، ولما تشوف تأثير مبادرات النشر والجوايز والمعارض الحاصلة بهدف تنشيط التسويق والترجمة من بعيد شوية أو على المدى الطويل، تلاقي إن اللي المبادرات دي بتعمله في الحقيقة هو إنها بتزيد الوضع استحالةالأدب العربي عملياً عايش على ذمة آداب تانية، منقوص الحقوق ومجبور يدفع الجزية

 

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

الشعب نائم: قصيدة مهاب نصر بصياغتين

IMG_3019

.

“الشعب نائم..

لا توقظ الشعب يا حبيبي”

هكذا كانت تقول له

كلما طرقع أصابعه في الشرفة

كلما لمعت عيناه وراء باب

مثل كلمة السر

كلما انسحب بخفيه الى المطبخ

متأملا طاقم السكاكين

كلما اندس تحت مقعد

أو تكور حول نفسه

مثل فتاحة العلب

كلما أراد التعبير  

حاملا أفكاره على طبق

كلما أراد أن يضرط ..

باحثا عن الاتجاه الصحيح،

عن الإيقاع الذي يبقيه متوازنا

دون أن يجرح الشعور

ـ الشعب نائم يا حبيبي

هكذا كانت تقول له..

هو أيضا

كان حريصا ألا يوقظ الشعب

أن يحتمل احلامه

مثل رفسات طفل

أن يقلد لثغته كأبله

أن يحبو أمامه على أربع

ليحكي له قصة الخلق

نعم.. كان يحب الشعب

حتى انه كان يقسم لأصدقائه:

لقد غير حياتي

وطبعا كانوا يؤيدونه تماما

***

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

كلما طرقع أصابعه في الشرفة

كلما أراد أن يقبلها

باحثا لشفتيه عن دور

كلما أدار رأسه

باتجاه السعادة

كعزلة بلا باب

كحنان مفاجئ

على آلة الماضي

حيث كانت الأناشيد

التي تركت حنجرته مكشوفة

وصلاته بلا اله

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

كلما تسحّب بخفيه الى المطبخ

متأملا وحشة السكاكين

كلما اندس تحت مقعد

أو تكور حول نفسه

مثل فتاحة العلب

كلما أراد أن يشرح مخاوفه

دون أن يمتلك أفواها كافية

ـ الشعب نائم يا حبيبي

هكذا كانت تقول له

هو أيضا كان حريصا ألا يوقظ الشعب

وبرأسه المزدوجة

أراد أن يجعل لحياته عمقا

ولصمته

شفة مقابلة تتتفهم الصمت

الشعب رأسه الأخرى

الشعب أسنان وقواطع

الشعب ينبت من جذر حنجرته

ثم يضرب البيت بشخيره

ـ لا توقظ الشعب يا حبيبي

هو أيضا كان يحب الشعب

أراد أن يحتمل أحلامه

مثل رفسات طفل

ان يقلد لثغته كأبله

أن يحبو أمامه على أربع

ليشرح له تاريخ الخلق

نعم.. كان يحب الشعب

حتى انه كان يقسم لأصدقائه:

لقد غير حياتي

وطبعا كانوا يؤيدونه تماما

.

مهاب نصر

مهاب نصر :خواطر عن شعب بلا كرامة

كان لي زميل في العمل اسميه “ز”، رجل خمسيني (ربما) يصبغ شعره بالحناء، لكن أسفل قذاله وفوديه تلمح أصول الشعيرات البيضاء. ولم يكن في ذلك ما يعيبه.

كان “ز” نموذجا لرجل بلا كرامة، وهو يحافظ مع ذلك على كرامته الشكلية بنوع من التحصن الاستباقي.. الهرب ثم الهرب. يتلفت وراءه بعد كل خطوتين كمن يتوقع أن يصفع على قفاه. كل صباح اذا التقى بي يتعمد أن يفرغ في أذني أسوأ خبر “شفت.. مش عملوا كذا.. شفت..مش حصل كذا” حتى لو لم تكن هذه الأخبار دقيقة.. كان هذا يرضيه. أن يشعر أن الاهانة تأتيه من مكان غامض لا يمكن دفعه، وأن يشارك فيها الآخرين باعتبارنا جميعا “مذلون مهانون” على رأي دوستويفسكي. هذا قدرنا.

وفي الوقت الذي كان يسعى فيه “سرا” للتعيين في مدرستنا (الخاصة) منهيا اعاراته من قبل التعليم العام، كان يجادل بقوة كل زملائنا عن أفضلية التعليم العام على الخاص. وحين علمت ذلك كنت نكاية فيه أناديه كلما رأيته من بعيد فناء المدرسة بصوت عال منغّم: يا معيّن.

مرة كنت أشرف على أحد الأدوار وتأخر “ز” عن حصته دقائق. كان الفصل هائجا كالعادة في تلك الأحوال. دخلت و”ضبطت المسألة” واستلزم ذلك عقاب أحد الطلاب. بعد دقائق جاء ناظر المدرسة ووراءه “ز”، كان الطلاب وقوفا ساكنين وأحدهم يبكي.سأله الناظر “بتعيط ليه يا ابني؟” فرد عليه من بين دموعه “مستر “ز” ضربني”.

خرجت وأنا لا أستطيع كتمان ضحكي. طبعا كان “ز” لا يجرؤ على ضرب طالب، ولا أعرف لماذا ألصق الطالب مسألة الضرب به مع أنني كنت موجودا أمامه. لكنني شعرت أن ما حدث كان طبيعيا جدا وعادلا أيضا.

ملخص الحكاية أن الاهانة ليست عقابا لمن يرتكب خطأ ما، بل الاهانة لمن يتوقعها. لمن يشعر أنه جدير بها حتى دون ذنب. أو على الأصح لذنب غامض جدا لا يستطيع أن يواجه به نفسه، وهو أنه بلا كرامة.

عبد الناصر: الفرخة واللا الكرامة؟!

الناس: الكرامة يا ريس

بغض النظر عن الدعاية السياسية المبتذلة التي تحب اللعب على الثنائيات بهذه السطحية، فهناك شيء أبعد في هذه العبارة مشكلته أنه يتلاقى مع تصورات الناس عن “الفرخة والكرامة”، وعن التعارض بينهما ظاهريا، لكنه لا يتلاقى مع ممارستهم الفعلية للحياة ولا مع رغبتهم العميقة في التضحية أحيانا بالكرامة من أجل الفرخة، بل الشعور بسعادة احيانا في ابتذال الكرامة وامتهانها من أجل ربع فرخة، أوحتى في عدم وجود فرخة نهائيا، وكأنه نوع من الانتقام من الضمير، الانتقام من.

قد تبدو المسألة أبسط حين نفترض أن عقيدة الثنائيات “الفرخة واللا الكرامة” ووضع الأمور في هذه الصورة: الحياة أم الضمير؟ يساعد في الحقيقة على حسم الازدواج لصالح “الحياة”. وهو أمر منطقي بشرط أن تكون هذه الثنائية صحيحة. أي ان معنى الكرامة الوحيد هو أنها دائما نوع من التضحية القاسية المضادة للحياة.

حتى الثوار لا يفعلون أكثر من اثبات ذلك.. أعني عدم اكتشاف القيمة أو التعبير عن الكرامة أو تخيلها الا في شكلها الحدي، على هيئة قميص مفتوح للرصاص. ربما كانوا أيضا مجبرين على ذلك. لكن ليس هذا هو الموضوع.

والثقافة المصرية، الثقافة في شكلها النخبوي، لا تقل هزلا في هذه المسألة عن رجل الشارع، بل لعلها أشد سذاجة،وربما خبثا، في تعويلها على التضحية كمرادف أحادي للكرامة. ومن ثم تسهل خيانته باستمرار لأن التضحية لايمكن الا أن تكون منطقا استثنائيا للحياة. ليس من الطبيعي أن يكون هدف الناس من الحياة هو أن يفقدوها. لكن الثقافة كانت تثمن دائما انتحارييحها وتحفز على الانتحار، وتتعيش على صور المنتحرين، لتستخدمهم في معارك صعودها، والتنافس على المكاسب أي على “الفرخة”.

كرامة التضحية هي دائما كرامة موجهة ضد شيء ما. ضد شعور حقيقي أو وهمي استباقي بالاهانة. وهي لذلك ليست كرامة موضوعية. بل تعتمد على منطق أخلاقي قطعي. ولذلك لابد لها أن تعتبر قضية الكرامة قضية أخلاقية. قضية لا يدنسها الجسد أو الحياة.

واذا كانت الثقافة لم تستثمر طاقتها الا في الأدب على حساب كل أشكال النشاط المعرفي والثقافي المنظم، فقد كانت في كثير من الاحيان تعبير عن انحراف مزاج “الكرامة”.. الكرامة المعكوسة باهانة الذات عن طريق اختيار الطريق العكسي للمجتمع (أو الذي يتم التواطؤ على أنه العكسي فعلا وليس شيئا آخر)، يتواتر في الأدب تعبير الضد والاختلاف والسلطة كأنه مشروع خناقة. وبهذه الكرامة الوهمية (المقلوبة) التي تخلقها فكرة “الهامش” و”المقهى” و”الخروج على المؤسسة” تترسخ كرامة مريحة، لاتعي مثلا أنها تقذف المؤسسة بالحجر الذي وضعته المؤسسة في أيديها، وأنها وجدت وعاشت وتأكل وتشرب داخل أسر وعائلات هي جزء من المؤسسة، وأنه مطلوب جدا أن تلعب هذا الدور كما لو كان هناك فعلا ما هو خارج المؤسسة. ولأن الهدف من كل ذلك هو “الكرامة” فانها بمجرد أن تتحصل على شهادة الأصدقاء، أو على مقال إطرائي في جريدة، يصبح هدف الثقافة متحققا، وهي أنها رد على إهانة. ومن ثم فهي نوع من العلاج النفسي لأشخاص لا يتمكنون من التطبب الا بهذه الوسيلة.

باختصار ان جزءا هاما من فشل الثقافة في تطوير ذاتها لتكون وسيلة فهم للحياة التي نعيشها فعلا، وتخط لتناقضاتها، هو أن ثقافة “الكرامة” كانت هي السائدة، وكان مطلوبا أن تسود.

أحد أبرز وسائل الاخوان المسلمين والجماعات الدينية منذ ظهورها، وقد ورثت هذا عن الحركة الوطنية منذ القرن الماضي وربما قبله أيضا، هو لفتها الانتباه الى العداء ضد الاسلام. “انهم يسبون الرسول”.. وتنشتر فجأة ملصقات حمراء تذكرك بالفالنتاين تقول أنا “أحب” رسول الله” على أن تستبدل كلمة أحب على هيئة قلب. لا يسأل أحد: وما قيمة أن يشتم أحد رسول الله في رسمة كاريكاتير في بلد يبعد آلاف الأميال عنك؟ وكمؤمن.. ما يضيرك أصلا أن تُشتم مادامت هذه صيغة مبتذلة للمواجهة يعرض عنها كل من لديه “كرامة”؟

على الأقل هذا ما يقوله كتاب المؤمنين “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”. والجهل هنا بمعنى الاغلاظ في الكلام والعنف.

“ألا لا يجهل أحد علينا…………….. فنجهل فوق جهل الجاهلينا” كما يقول الشاعر “الجاهلي” عمرو بن كلثوم.

لكن العجز عن دعوة الناس الى “كرامة موضوعية” كرامة “العيش بكرامة”، يدفع هذه الجماعات الى احياء كرامة مستحيلة. فمن المقلق أن تجلس بأذن كبيرة تتسمع لكل من يشتمك في أقاصي الأرض، لتكون وظيفتك في الحياة الرد على الشتائم. والحقيقة أن فكرة “الجهاد” والتكريس لـ”جاهلية” المجتمع ليست أكثر من ذلك: اختلاق عدو لتبرير الذات، ولكن وفقط على مستوى قضية الكرامة… “يحسبون كل صيحة عليهم..”.

ومع هذا فالرد على الكرامة المهانة، لم يدفع الى السؤال: لماذا نحن محط للسخرية من الآخرين، طبعا اذا كان هذا صحيحا على اطلاقه؟، ولم يدفع الى السؤال: كيف نضفي على عقيدتنا كرامة بقدرتها على تجاوز انسانية من يهاجمنا، بابتكارها لأشكال في العيش والعلاقات الانسانية بما يجعل هذا الهجوم مجرد سخف لا معنى له؟ طبعا هذا مع اعتبار أن ثمة هجوم فعلا، وأن المعني به هو الاسلام فعلا. وهو شيء لا ينكه الواقع فقط بل يسفهه ويكشف زيفه. فالحداثة لم تستهدف المسلمين وحدهم أبدا. والاسلاميون يغضون الطرف عن كل أشكال الاستغلال البشعة في العالم، والتي لا علاقة لها بأي دين أو ملة، بل ويبررون حتى كوارث الطبيعة التي تنال الآخرين بأشد الصور جقارة ونذالة وخسة، كما حدث في تبرير “تسونامي” وغيره.

يقول الاسلاميون للغرب: نحن مستهدفون.. اعطونا مصروفنا

ويقولون في الداخل: نحن مستهدفون: أعطونا اصواتكم

لاتمانع “كرامة” الاسلامي” في استعارة كا أشكال الحياة ممن اهانوه ما عدا تلك التي تنهي منطق الاهانة فعلا باجتراح طريق جديد يحل المشكلات التي كانت سببا في التبعية والعبودية المستورة باللحى والصلوات.

هنا يأتي امتحان “موضوعية” الكرامة. أن تكون الحياة هي موضوع الكرامة.

ولكن ما معنى هذه الكلمة أصلا.. أعني “الكرامة”؟

4ـ تتمثل الكرامة في احساس مضاعف بالذات، في الشعور بطلاقة الحركة دون وخز، في تقديرنا لأنفسنا كما لو كان شخص آخر “شخص جمعي” هو من يفعل ذلك. وهو ما يعني ببساطة توافق ما نفعله مع تصورنا عدالة الفعل. تتصل الكرامة بمشكلة التناقض بين الخاص والعام، ما نريده، ويمكن أن يريده الآخرون أيضا.

وهو ما يحتاج الى خيال كما يحتاج الى الموضوعية في الوقت نفسه. ليست الموضوعية بمعنى العدالة فقط، بل بمعنى السؤال عن الانسان أي إنسان ما هو وكيف يمكن أن يعيش؟ يتعلق مباشرة بالعلم أي بمعرفة الشروط التي تتحقق فيها المصلحة العامة دون أن تجني على الأحلام. التجاوز الدائم للتناقض هو تسيير للكرامة على قدمين حقيقيتين.

الكرامة أن يكون للوجود معنى، ولكن هذا سيدفع بالضرورة للسؤال عن ما نعنيه بال”وجود” عن حدودنا وامكاناتنا، وعن حدود معرفتنا أيضا.

الكرامة هي محصلة وليست هدفا أبدا، ولا يمكن أن تكون كذلك الا في لحظات استثنائية، حين تنتفي كل فرصة للحوار، لتجاوز التناقض، ويصبح معنى وجودنا كله على المحك. أن نتعرض لحرب مباشرة، لتهديد يقضي على قاعدة الحياة نفسها.

“الكرامة الوطنية ” هي النموذج الذي تم تصديره لاستهلاكه من قبل الشعوب المستعمرة، “لاصوت يعلو فوق صوت المعركة”، كرامة الوطن تسحق كرامة المواطن، مهمة كل جماعة سياسية أن تحتكر فكرة الوطن، ومن ثم تسيطر على كل المواطنين.

في الأفلام الأميركية مشهد يتكرر : مطاردات يخوضها رجل بوليس نزيه يعمل وكأنه مجسد فكرة العدالة دون أن يقول لنا ماهي، ولا لماذا كانت كذلك، انه العدالة الغفل، وهو يطارد الأشرار الأذكياء جدا، والذين غالبا يستخدمون معارف متطورة للغاية، الصراع بين الاثنين تتحطم في طريقه سيارات وبيوت، وتحترق مطاعم وحطات مترو، لا يهم، الناس أرقام في معادلة العدالة الأميركية. وهم في النهاية وبعد أن تخمد النار وسط الذهول يصفقون للبطل الخارج من الدخان، انهم متفرجون لا مواطنون، وليس من حقهم حتى مناقشة ما يدور على حساب حياتهم، فما قيمة حياتهم أمام العدالة المطلقة؟

الحكات الوطنية، والاخوان فرع منها، لاتغرنك مزاعمه الدينية، اعتمدت المنطق نفسه على مستوى فيلم بوليسي، يحارب فيه الأخيار الأشرار، وعلى الناس أن تصفق، وأن تصدق أنها بالفعل حرب بين الأخيار والآشرار، وليست حربا من أجل بسط النفوذ على كتلتهم الصامتة.

باسك الكرامة الوطنية صار المخبر أهم من أستاذ الجامعة ما لم يكن الأخير نفسه مخبرا في الحقيقة. وأبناء الطبقات الشعبية مع التسامح في هذا التعبير الفضفاض) يشترون لأطفالهم في الأعياد “بذلة ضابط”.

الشعوب المستعمرة واجهت تحدي الكرامة على مستويين استثمرت أحدهما فقط، وصار آلية لعبودية معكوسة، عبودية للاهانة.

لم يكن هذا الاستعمار كالعادة مجرد قوة باطشة تحكم، وبالتالي، وبالتالي يمكن حتى أن يكون الاستسلام لها مقبولا لأن الماجهة فوق الطاقة. بل كان هذا الاستسلام أو عدمه مقرونين بالدهشة من المسافة الحضارية المخيفة. اسهمت الحداثة في صعود طبقات ينتمي اليها حتى هؤلاء الاخوان الآن كجزء من النسيج الوطني المطالب بحقوق وبنصيب في حكم ذاته، وهو ما لم يكن ليستطيعه آباؤهم الذين ماتوا تحت ضربات السياط العثمانية والملوكية.

انهم ثمرة الحداثة العمياء التي لا ترى إلى أصل الشجرة التي أنجبتها، ومع ذلك، وبوعي مجروح، تصرخ كل لحظة: أنا مستقلة، أنا لي ارادتي، وهو بالطبع كلام لا يصدقه الا المغفلون، القادرين على تصديق أن هناك ثمار تتكلم أصلا.

مهاب نصر

مينا ناجي: في التواطؤ بين السلطة والثوار

هذا التحليل بمثابة رؤية لأسباب هذا العبث الدائر في وسائل الإعلام والبرلمان المصري المُنتخب عن الأوضاع الحاليّة

هناك تواطؤ علي مستوي الرمزي بين الثوار والسلطة (العميقة و”الشرعيّة”) ومن هذا التواطؤ يُنتج هذا الكم الهائل من العبث؛ ما يحدث في وزارة الداخلية مثالاً: الوضع هو ذهاب القوي الثوريّة، الأولتراس بالأساس، -ضمن سياق أوسع بدأ منذ 25 يناير من العام الماضي-، لكسر الذراع الأمنية التي طالتهم (بالتخطيط أو التواطؤ، كلاهما متساويان) كخطوة أولي إلي التحرر من هذه السلطة. أكتسب شكل هذا الذهاب-الهجوم شكل الممارسات المعتادة في نشاط المجموعة الأساسيّة: الشماريخ – الهتافات – الشعارات والأعلام – التواجد الجسدي الكثيف – رمي الطوب. وفي ظل هذا القتال الصريح يتم الهجوم المتبادل، لكن عندما يسقط أحدٌ من الطرفين (بالتأكيد الأغلبية العظمي من جانب الثوار) يتم الحديث عنه بصفته المواطنيّة، وحقوقه من خلال تلك الصفة المواطنيّة التي يجب الدفاع عنها من خصمه هو بالذات! فينفي هذا الحديث صفة الخصومة والقتال الدائر. الغريب –وهو نابع من غباء السلطة المطلق- هو أن السلطة تشترك في خطابها في هذا التحويل الرمزي من “المواجهة المباشرة” إلي “التفاعل المدني” (مواطن – رجل أمن) بالقول أنه لم يتم أستخدام العنف في الصراع. ولأكتساب نقط في هذا المجال الرمزي، يتم القول بأن ما ينتج من عنف، ينتج عن من هو خارج الإطار المدني (ليس مواطن، بل بلطجي، مما يحيل فوراً إلي مفهوم “الإنسان فاقد الأهلية” عند أجامبين، الذي ليس له حق المطالبة بحقوقه الشخصية أو الأدبية، بوصفه تحديداً، في هذه الحالة، تهديداً لهذا الإطار المدني) وفي الدوران في نفس المجال الرمزي، يتم التكذيب من ناحية الثوار، والتأكيد علي أنه تم إنتهاك حقوق الثوار بصفتهم مواطنين مالكي أهليّة. ومن أجل البقاء في هذا المجال، يتم نفي أيّة تجاوزات مدنية: حرق مكان أو تكسير منشأة. وإلقاء التهم علي البلطجيّة “فاقدي الأهليّة والهويّة معاً” – مثل فكرة “الطرف الثالث” المقابلة من السلطة. إن هذا التحويل الرمزي ممكن أن يُفهم علي أنه أكتساب لتعاطف وتأييد القطاع الأعظم من المجتمع، الذي يرفض أي تغيّر علي مستوي الصورة الرسمية للأحداث؛ من سلاميّة الثورة إلي عدم المساس بمؤسسات وأجهزة الدولة (بغض النظر عن الدور الذي تؤديه هذه المؤسسات والأجهزة)، مع تمجيده للشهداء، الذين هم أنفسهم الثوار (في حالة سكون وعدم فاعلية، يجب أن نقول)، الذين هم أنفسهم طرف من طرفي القتال المباشر الدائر، والذين هم أنفسهم المواطنون فاقدو الأهلية! لذلك انتشرت جملة “لا صادق إلا الدم”، لأن الشهيد، وفي أحيان أخري المصاب، هو الوحيد الذي يهرب من نقطة الفراغ هذه المُشكَّلة من جميع الأطراف!

السؤال هو: لماذا لا يتم إيضاح بصورة دقيقة، الوضع الحقيقي؛ الذي هو قتال مباشر بين الثوار بأجسادهم، من أجل حقوقهم المواطنيّة المدنيّة الأساسيّة “عيش حرية عدالة إجتماعية”، والسلطة من ناحية أخري، بأسلحتها وقدراتها القتاليّة ومصالحها المتجذرة؟

أما فاعليّة هذا القتال غير المتكافيء، فسأطرحها في وقت لاحق

مينا ناجي

wpid-432034_10150646181335126_584320125_11691911_1748739057_n-2012-02-8-16-09.jpg

مهاب نصر: الثورة مستمرة ولو بدون ثوار

wpid-777-2012-01-26-00-52.jpg

ما تتضمنه الخواطر التالية هو رد ضمني على صديق أو اثنين، هذا لا يعني أنني أوجهه لهما تحديدا. بل لأن الواحد حين يكتب الآن لا يعرف من يخاطب، وهذا مربك جدا، مربك لدرجة أن الواحد يقف في منتصف غرفته موجها سبابته هنا وهنا، وكأنه يكلم أشباحا، وحين يضع رأسه لينام تفلت منه كلمة، هي جزء من حوار لم يحدث.

وضعت سؤالا من قبل هل تكون الثورة ضد الشعب؟وكان يجب أن استكمل الفكرة، لكنني لم أفعل. الآن أريد متابعة الكلام لكن دون التقيد بالعنوان السابق. رغم أنني كنت أعنيه حقا، أي أن ثورة تقوم الآن، ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، لابد أن تكون ضد الشعب. ولذلك لا مفاجأة إطلاقا في كون من يمثلونها أقلية، بل إنه مما يدعو للشك ألا يكون الوضع كذلك.

“حبة فوق وحبة تحت”

قبل قيام الثورة المصرية بسنوات كان قد استقر لدي احساس قوي بأن مصر لم تعد دولة، وتساءلت: وهل كانت كذلك قبل هذه السنوات؟ ولكن الأهم والمقلق أنني لم أرها “مجتمعا” أصلا. بل أفرادا وبقايا أشكال اجتماعية قديمة لم تعد قادرة على الفاعلية ولا المساندة، و”جماعات مصالح” ناعمة ومائعة تتحرك بسيولة مفرطة مع التحولات الاقتصادية قاصمة الظهر، ومع الفساد، وإمكان الارتقاء الطبقي وفق شروط غير شفافة، وظرفية، يغلب عليها الطابع الشخصي. يمكنك أن تكون موظفا ترتقي الى طبقة الأغنياء بعمليات رشوة أو اختلاس بالتعاون مع مديرين فاسدين، فجأة يصبح جلوسك على المكاتب نفسها مع زملائك الذين يدبرون من رواتبهم الشهرية “جمعيات” لشراء تلفزيون، أو سداد مبالغ دروس خصوصية، وجودا قلقا.

فمجتمع الاقتصاد غير الشفاف وغير التنموي، هو مجتمع الصدفة، هو المجتمع الذي قال عنه عدوية “حبة فوق وحبة تحت”.

هو المجتمع الذي تساند فيه لا مشروعية الكسب السلطة القهرية في أعتى أشكالها لكن أكثرها تحللا في الوقت نفسه، وهذا يحتاج إلى تفصيل.

الليبرالية مرض طفولي

بعض الفضلاء من اليساريين المتحولين (ولست يساريا بالمناسبة) والذين أقروا نهائيا باستحالة مقاومة الرأسمالية، مكتفين بزعم ترشيدها وفق تصورات نظرية جاءوا بها من الكتب لا من واقع الحال، أقول بعض هؤلاء الفضلاء الذين لا يمكن أن يكن لهم الواحد أي احترام، أيدوا ما تصوروه “رأسمالية وطنية” غير مدركين أن أوان هذه الفكرة قد فات “تاريخيا” ولا يمكن استعادته. كان هذا يعني بالنسبة اليهم أن يغرسوا بشكل دعائي وأخلاقي (كما يفعل الشعراء القدماء مع خلفاء المسلمين) وازعا طبقيا برجوازيا وطنيا مخلصا، وعلى طريقة “المؤدبين”.

أرادوا ومعهم نخبة ثقافية لا بأس بها ترشيد السفه الرأسمالي الاحتكاري المفرط وغير المتزن الذي يحمل داخله عامل خرابه الحتمي. لأنه بالذات لا ينهض بالتواطؤ مع قوى عمل وطنية يوسع دائرتها ليدخلها في “اللعبة” بل يعمد بغباء ونتيجة تكوينه الداخلي المعتمد على الريع والسمسرة ودوران رأس المال المالي، الى الاقصاء المتتابع لفئات وشرائح كاملة من المجتمع، تجد نفسها فجأة على الرصيف، وبلا رصيف أحيانا.

كما أن هذا الاقتصاد يدور بالتشابك مع استثمارات خارجية، وبتضافر نخب عالمية شبيهة، لها مصالح في استمرار الوضع.

لقد رأى فضلاء المؤدبين المسمون ب”اللبراليين” أن اقتصادا حرا مرشّدا، قادرا على فرض الديموقراطية، وهذا بالاتساق مع فرضية لم تثبت أبدا، وهي أن الديموقراطية رديف ملاصق للرأسمالية. هكذا كان بعضهم على استعداد لدعم نخبة جمال مبارك.

لكن أي تحليل بسيط كان سيظهر أن اقتصادا من هذا النوع سوف يدفع الى المزيد من احكام قبضة السلطة التي لا تعتمد على طبقة ولا فكرة ولا مشروع بل ما يشبه التكوين العصابي المتشعب، والذي يعيد تشكيل المجتمع كله وفق منطق التسلسل العصابي هذا.

سواطير وسنج

في أحد الأيام أواخر الثمانينات (لا أذكر التاريخ بالتحديد) كنت أمر بالقرب من محطة “الابراهيمية” في الاسكندرية، منطقة مشهورة للطبقة المتوسطة وشارع رئيسي مزدحم بالمحلات لا تستطيع السير فيه على قدميك، فجأة ظهرت شلة بلطجية غريبي الهيئة عن المكان، يحملون سواطير وسنج وسلاسل.

كان المشهد جديدا لكنه تكرر فيما بعد. وكانت الدولة في هذا الوقت تواجه بالقوة الأمنية الجماعات الاسلامية الراديكالية وبدا أنها انتصرت أخيرا. جاءتني فكرة يومها، أن القضاء على جماعات العنف المسلح ذات التوجه الأيدولوجي لن ينهي العنف، بل سيوزعه على المجتمع كله. وأعتقد أن هذا ما حدث بمنطق التسلسل العصابي.

كان الافراط في العنف يعني عدم وجود خطة، بل كونه رد فعل على العجز الشديد في تبرير العنف ذاته، أي في ايجاد فلسفة قانونية واخلاقية له. وفقر المبررات كان يدفع بالضرورة الى رشوة أشخاص كثيرين بتسريب جزء من سلطة العنف لهم. وهو ما عرفناه باسم البلطجة. المستشار البلطجي الذي يهدد عسكري المرور الغلبان، المقاول البلطجي صديق عقيد المباحث، استاذ الجامعة البلطجي الذي يرتدي ثوب أمن الدولة. التاجر الذي يستطيع تحصيل قيمة شيك من زميل مماطل عن طريق تأجير بعض البلطجية، ولي الأمر البلطجي الذي يدعي أن ابنه تعرض للضرب وفق تقرير مزور كتبه صديقه الطبيب البلطجي.

انهيار القوة او بالادق انهيار “تركيز القوة”، ولا شفافية الاقتصاد الاحتكاري المدعوم بالعنف، والغياب الفعلي للقانون مع بقائه الصوري (أي التمزق بالازدواج) كان يعني أنني أمام مجتمع يوشك أن يتحلل.

نارجيلة ما بعد الحداثة

لكن ثمة مساندة ثقافية أخطر لهذا التحلل. وهي أن المجتمع الفاقد فعليا لسياق العمل التضافري المترابط، وللنسيج الأخلاقي أو القيمي الشفاف، تستحوذ عليه نوبات هستيرية كالزوجة الملولة، أو الشاعرة بعدمية حياتها بشكل غامض، ومن ثم الباحثة عن ما نسميه: الأصل.. وهو دائما أصل زائف.

حين كنت ترى وله النساء الأربعينيات بكاظم الساهر في حفلاته وهو يحمل الدبدوب، كنت تشعر أنهن يردن الحياة في هذه التمثيلية “الرجل “الرجولي” لكن العاطفي حد السهوكة”، وأن هذا لا يعني أبدا أن إحداهن لديها أي ذرة وهم تجعلها تتمنى الزواج منه مثلا، كما هو حال عاشقات عبد الحليم حافظ، فلا أوهام لديهن بهذا الصدد، انهن يستهلكن صورته مثل العادة السرية، وهو يقبض الثمن محافظا على نقاء الصورة التي يستدعينها أثناء ممارسة العادة. انه ليس مغنيا، لا هو ولاعمرو دياب ولا أي أحد، انهم صور، وحياتهم مرهونة ببقائهم “في الصورة”.

بنفس الطريقة ولكن بشكل شرعي كان يفكر “العائدون الى الله” باستهلاك صورة عن عهد ذهبي للاسلام لم يحدث أبدا. وبقدر ما يمكن أن تكون امرأة متصنعة شرسة للغاية عند مواجهتها بتصنعها، فان متدينا على طريقة العادة السرية سيكون فظا للغاية إذا أيقظته من خياله في لحظة الذروة. بل هكذا كانت معظم النخب أيضا.

في مجتمع كهذا ليست المشكلة أنه لا يحدث شيء، فان هذا قد يدفع إلى “حدوث شيء” بل المشكلة أن كل شيء يبدو وكأنه يحدث، وهو لا يحدث. انه مجتمع: “كأننا نحب، كأننا نؤمن، كأننا نتعلم، كأننا كبرنا وتزوجنا، كأننا في خصومة وتصالحنا، كأننا مجتمع، كأننا دولة.. كأننا فقط”.

مجتمع “التشبيه” أو مجتمع “كأن” لا يفيق أبدا، بل يتكسر.

هنا جاءت ثقافة السبعينات والممتدة الى التسعينات لنخب “شعرية” ضعيفة، ولكن عديمة التأثير على نطاق واسع، لتدعم روح العدمية تحت شعار نخبوي مرة، وما بعد حداثي مرة: لا حقيقة، لا أفكار كبرى. كانت تتصور أنها تقرأ في كتاب ما بعد الحداثة وكأنها تبشر بما ينبغي أن يوجد لتكون في طليعته، مستعدة بدخان نراجيلها على المقاهي، وفي الواقع كانت هذه النخبة (المتنصلة كذبا من نخبويتها) هي في مؤخرة المجتمع الذي سبقها كثيرا بعديمته الأكثر التباسا، بكثير وأكثر حتى انسانية.

كان هناك تشجيع “للا مركزية الثقافة” وكأن هناك ثقافة أصلا ولها مركزية. وكان يعني هذا يقظة “البحث الزائف” عن هويات بأثر رجعي، حقوق المرأة.. الأقليات..وكل هذه القضايا التي لها أصل من الحقيقة يتم استثماره بما ينزع عنه حقيقته. مهاجمة “الدولة التسلطية” التي لم توجد أصلا.

هكذا حين جاءت الثورة كنت أفكر رغم كل السعادة والتصديق والفرح والدهشة، “أليس هذا تحللا أيضا؟”. انه التحلل الضروري، التحلل المنطقي والطبيعي، الذي منه يمكن أن تبدأ الأشياء.

تابع “المجتمع الصايع”

في خاطرة سابقة بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” حاولت أن أفهم طبيعة الافقار المتصل في خبرة مجتمع كان هامشيا “طرفيا” كما يقال بالنسبة للرأسمالية، واستمر كذلك في الصورة الأسوأ والأكثر تبعية، مع الوهم الدائم بالاستقلال “الشعاراتي”. الافقار في خبرة النمط الجديد من الاقتصاد يتأتى بسبب عدم الحاجة للكفاءات في مجتمع الاقتصاد “الصايع”، ومن ثم التراجع الدائم في مستوى الكفاءات والخبرات المهنية والحرفية المتوارثة، لا ينجو من ذلك السباك المنزلي ولا شاعر قصيدة النثر. يبدو المجتمع وكأنه يبدأ من جديد في كل مرة، ولأن هذا مستحيل بالطبع فهو يلجأ الى “استعارة الأشكال”، يبقى كل شيء موجودا في حده الأدنى، وغير القابل للتراكم أو التصحيح، على العكس الآيل للتحلل بقدر ما هو صوري.

الثورة مستمرة

الذين قاموا بالثورة ربما كانوا شبابا لم يتورطوا بعد في هذا التعقيد، لم يعوا به تماما، وعوا فقط بمحصلته المضطربة، وعوا بالازدواج المنافي للفطرة الانسانية، الازدواج الذي لا يعني صراعا واضحا وبطوليا بين المعاني، بل تمزقا رخيصا وبطيئا بلا معنى، ولتحصيل نفس النتائج.

حين قامت الثورة، اكتشف الناس هشاشة النظام وبدائية أساليبه، وعجزه الكامل عن الاقناع، وهو عجز مستمر الى الآن في صورة كل النخب التي لم تسقط ولكنها ساقطة فعلا، المجلس العسكري، الوزراء، الأحزاب، الاخوان، الأزهر، الكنيسة، المثقفون الكبار. الأكاديميون حاملي “المذكرات”، رجال القانون الحفظة أرباب الكتاتيب. التحلل مستمر. وهو ما يعني بالنسبة لي أن الثورة مستمرة، ولو بدون ثوار

مهاب نصر

مهاب نصر: الثورة .. هل يمكن أن تكون ضد الشعب؟

wpid-tahrirmap2-large-2011-12-6-00-16.jpg

سحابات من كآبة خفيفة يمكن أن تمر بالميدان الآن، يفرك تحتها المعتصمون أو من تبقى منهم ايديهم، برودة الخذلان تقرص العروق، والشتاء ما زال في أوله.

من حق الجالس على الرصيف الآن أن يفكر، ان كان يسعه ذلك، في هذه الساحة الملعونة، مكان ثورته وحصاره في الوقت نفسه، بعيدا عن الحمية التي كانت تطقطق مثل الحطب المتوهج، كلما احتدم الصراع بين الميدان وخارجه مستعيدة ببصيص أقل، ببصيص يائس ربما، اللحظة الجماعية المثالية، لجظة الفرح التي عصفت بالخوف وأسياده، والتي كانت أشبه بسعادة طرد الأب من البيت مصاحبا بالأحذية، والشعور الملتبس بالاثم، لأرواح مازال تحررها مشدودا الى الانتقام، لذلك تصخب الى حد الهذيان الجماعي.

هل كان يعرف ذلك؟ هل كان يتوقعه؟ أعني أن الملايين التي خرجت معه أو وراءه وأحاطت به لم تكن ثائرة حقا، كانت محرومة من بهجة الاحساس الجماعي، كانت تحتفل بأول عيد لها صنعه التنادي من شارع الى آخر ومن بيت الى بيت. كانت مبتهجة جدا، كمن يطوح حقيبة الدراسة في السماء ويجري، دون أن يدري الى أين؟

الآن جاء وقت اقتسام التركة، وكما يحدث في الأفلام الرديئة، يظهر ابن العم الغائب، والابن الانتهازي غير الشقيق، منتظرين “نهاية الليلة” بفارغ الصبر.

ربما يتساءل الثائر، أو من بقي ثائرا، من أين تأتي الخيانة؟ ولكن هل كانت هناك حقا ثورة حتى تكون هناك خيانة؟

من أكبر أخطاء “الثورة”، الثقة المبالغ فيها في الجموع، في أن مليونا أو بضعة ملايين تملأ الشوارع هي التعداد الحقيقي للثائرين، وهي المؤشر الاحصائي للقاعدة الشعبية. لأن لحظة الحشد هي دائما لحظة استثنائية، لحظة تركب أجسادنا فيها روح أعمق من الادراك والوعي، وتصبح هي القائد الأعمى لخطوتنا؟ لحظة مهما تمكنا من السيطرة عليها حتى لا تذهب الأمور الى حد الانتحار الجماعي، وقدمنا فيها مطالب على أوراق حتى تعيد الينا قراءتها احساسنا الموضوعي والطبيعي بالحياة، وفزنا حتى من خلال الضغط المباشر بخطوة الى الأمام هنا أو هناك، تبقى عرضة للانتكاس بقوة. لأن الرهان على الشعور رهان غير آمن، والرهان على أن دما جديدا يراق قد يعيد الناس الى الشارع غير مأمون دائما، واللعب بالميدان كورقة ضغط قد ينقلب ليصبح لعنة.

يتساءل أحدهم كيف نسي الناس موتاهم، كيف يسيرون اليوم الى لجان انتخابهم، فوق أرواح لم تبرد،  دون أن تتعثر اقدامهم من الحياء. ولكن من قال ان المصريين الآن يحترمون موتاهم.

على العكس تماما، المصري يريح نفسه من تانيب الضمير فيقول “هو عمره كدة بقى”، “نشوف مصالحنا.. الحياة لازم تمشي.. الحي ابقى من الميت” مع أن العكس قد يكون صحيحا أيضا أعني أن يكون “الميت أبقى من الحي”. وهي مسألة فقط تتوقف على ما نعنيه بالموت وبالحياة.

ولا تعني كلمة “الحي أبقى من الميت” حرصا حقيقيا على الحياة، هذا اذا كان معنى هذه الكلمة مفهوما، بل تكريسا للواقع. انه كأن تقول: الحياة أفضل من الموت لأنها الأمر الواقع. والموت خارج الواقع.

هل لهذا علاقة بالايمان؟

بالعكس.. له علاقة بعدم الايمان، أو بالأصح بنوع حقير من الالحاد العاجز، يحتقر هؤلاء حياتهم الى أبعد حد، ولايجدون لها مبررا سوى أنها هنا، أنها ليست الموت.

انهم لا يحزنون على الميت بقدر حزنهم على أنفسهم، وبطريقة ما يغيظهم موته فيصرخون بقوة، لأنه يحدث ثغرة هائلة في جسم حياتهم الواقعي بالذات. انهم يعاقبون موتاهم بالنسيان، لأنهم يعتبرونهم مسؤولون عن ذلك، عن هذه الثغرة التي تركوها دون اجابة.

الموتى متروكون عندنا للمقابر القذرة، للتراب الذي يغطي احذيتنا ونحن محيطين بحفرتهم، لل”تربي” الذي سيبيع  الجثامين بالجملة، أو بحسب الطلب، لقارئ القرآن الأمى الذي يتلوى كديدان الأرض ونحن نستقبل العزاء منهكين.

هذه جموع لم تتذكر شهداءها ولا ضحاياها، الا بطريقة تستبعدهم من الحساب، تحولهم الى شعارات، لكي تساوم بهم، لا الى أفكار تصحبها معها الى عزلتها. تكرس من خلال موتهم حياتها الزائفة، لتضفي عليها قداسة تحميها من السؤال، كشارة حداد على صندوق للقمامة..

باختصار هذه جموع لا تحترم الموتى.. ومن الحماقة اعتبار ذلك مجرد خذلان أخلاقي. أما الثورة فلها شأن آخر.

مهاب نصر

تخريج جديد من بصيرة المجتهد: جديد الشيخ أبي النصر السكندري

الحق المكنون.. في من هم “المنافقون”

wpid-sheikhmohab-2012-01-3-16-03.jpg

قال رب العزة في سورة “المنافقون”

“وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون”.

اعلم هداك الله الى الطريق الأقوم، وأعانك على شيطان نفسك، وما خفي كان أعظم، أن النفاق هو القسمة الأرذل بين صفوف الخلائق، وقد أنزل الله المنافق منزلة “الدرك الأسفل من النار”، وفي ذلك حكمة لا تخفى على كل ذي فطنة، فالمنافق هو امرؤ نفى وجوده الذي هو منحة الله له وروحه الناطقة في جسده، بينما الكافر أو من نسميه كذلك انما يجاهر برأيه فيُعرَف، وبمعرفته انما يلزم الآخرين بالتعريف، وعليه فهو يعيد انتساب وجوده الى الوجود الأشمل، وهو وان كان مخالف لغيره، الا أنه يوجده باختلافه عنه فيبقي على كينونة الخلق المعلنة عن ذاتها، والتي هي آية الله البينة. ثم إن الكافر لا ينافق ربه، وكأنه لا يعلم بالنوايا والسرائر، ولا يطلع على قلوب العباد.

واعلم أن سجية المنافق من أخفى السجايا وأشدها تعقيدا، وهي ليست على الوجه الذي يقولون “مخالفة الظاهر للباطن” فحسب، فهذا من سذاجتهم في التعريف، وضعف ملكتهم العلمية في التوصيف. اذ ليس شرطا أن يعلم المنافق أنه كذلك.

ولجلاء الأمر على الوجه الذي نرى نقول: مما هو معلوم بالضرورة أن الله خلق الانسان حرا، ذلك أنه أراده مسؤولا ولا مسؤولية بلا حرية في الأخذ والرد، واودع فيه ملكة التصور والفكر، ليتبين الأمور كيف كانت وكيف يمكن أن تكون، وعلي هذا يتدبر أمره في الماضي الحال والمستقبل، وينظر في أمر حياته وحياة من حوله وتلك هي الأمانة التي قال عنها السميع العليم “انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان”.

وعليه فمن قبل الأمانة ظاهرا لخوف، أو بعامل الوراثة (أي ليس بالاصالة عن نفسه) أو تبع فيها غيره، فانما ينفي عين صفة الانسان المسؤول عن ذاته متذرعا باتباع غيره فيها، وما هكذا تصان الأمانات. بل كأنه رد الأمانة من حيث قبلها ظاهرا كذيا وزروا.

ولأن أمانة الله ليست كنزا مودعا يتناقله الناس جيلا بعد آخر، بل هي المسؤولية التي لا تنهض الا بالاصالة، ويقول عنها الكتاب “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، وكذا يقول “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه”.

نقول: لأن ذلك كذلك فمن تبع غيره في تصوره عن معنى “الأمانة” انما كمن حمل كتاب غيره ليواجه به ربه. وهو كالعامل الجبان الذي يتملق من استعمله بالاتباع الأعمى، لا بمعرفة مقاصده ومراميه البعيدة. فكأنما يهينه من حيث يريد أن يبجله، ويتصوره ظالما غشوما مستبدا، لا عارفا بالنوايا يميز بين خبيثها وطيبها. ويهين العقل الذي وهبه الله اياه ليسلك به طريقه الخاص الى معنى الوجود وغايته ويجعله مطية لغيره، فيطمس نعمة الله، ويسمي من يتبعهم بالقاب يبجلها رياءا وكفرا، ليتخفى في أثوابهم وما أدراه إن كانت بطانتها الحق أو الضلال، والأنكى أنه يفرض على الآخرين مسلكه حتى لا يرى حوله من يخالفه فيطمئن الى عقيدته الهشة، ولذا يزايد على غيره ويصرخ في الناس كالبهيمة، فزع دائما من كل تأويل مخالف، متربص بكل فكرة لم تخطر له ببال، عاجز عن رؤية الحق، فما بالك بتبين بعض خيوطه اذا مزجت بغيرها، ذلك أن الأمور ليست صوابا كلها ولا خطأ كلها.

قال عز من قال “أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”

أساس النفاق على هذا الذي أوضحنا انما هو الاتباع، وهو احد خصال الجاهلية التي ذمها وحقرها الذكر الحكيم، حين نعى على المشركين اتباعهم للآباء والأجداد. وهذا أصل من أصول الدين تقاس به فروعه لا العكس وعليه يقاس الأمر باتباع الرسول اذ يكون الاتباع بجوهر الرسالة لا الشخص، أما هو فبشر كسائر الناس يخطئ ويصيب. والا ما عارضه صحابته على أمور هي من الدين نفسه فجاء الكتاب مؤيدا لهم.

ويكون اتباع المنافق بعدم مفارقة الجماعة اما لخوف على مصلحة عاجلة، وهو من باع دينه بدنياه، أو لاستجلاب هذه المصلحة بتخويف الخلق من عقولهم، وتقبيحها وتحقيرها، والخلط بينها وبين الهوى (وله شأن وموضوع آخر)، لاستكمال السيطرة عليهم، والحكم فيهم، ويكون هذا من أعظم المفاسد، أي تجهيل العاقل ليحكم فيه الجاهل.

ثم ان المنافق عابد الأشكال والشخوص فهو مشرك من حيث يدري أو لا يدري، وهو أمر أتينا على ذكره من قبل.

واعلم ان تكسير الاوثان كان رمزا لعبادة صورة واحدة من صور الحق، فالكتاب يشهد أن عبادها لم يعبدوها لذاتها انما عبدوا من خلالها أشخاصا “ليقربونا الى الله زلفى” فلا تزلف في عقيدة صحيحة واسطة.

ومن أصول النفاق الخفية تصور البعض أن الدين انما جاء مضادا لغرائز الانسان التي ارتقت بفعل الثقافة لتصير معنى آخر هو الجمال، وأن الحكمة في تحقيرهما، وأن سعادة الدنيا هي تعاسة الآخرة، وكأن الله جعلها عقابا لذنب لم يرتكب. وهذا من فساد تصورهم عن الله نفسه، فكانه اله حبس ومنع، وأمر ونهي. فينافقون الله بكبت الغرائز ظاهرا، وبتقليص أفعالهم فيها الى حدود الامتثال الأعمى لصور توهموها، فتقفز هذه الغرائز لا في صورتها الصحيحة كما أودعها الباري، وترك لخلقه التصرف فيها لما فيه سعادتهم على الاجتماع، بل صورة شهوة الطمس والعمى، مصحوبا بغضب جائع، ورغبة معذبة، يضعون لها قانونا هو تعبير عن الخوف منها، والعجز عن السعادة بها. فهم على ازدواج النية والقصد مهووسون أبد الدهر.

وقد أطلنا عليك لحاجة كان يجب الابانة عنها، فلا تصلح النتائج بلا مقدمات. كما لا تجوز تهمة بغير بينة.

وخلاصة الأمر نقول أن ما يسمى بعلم “الفقه” هو اسم لنقيض مسماه، ولا يحوي الا ضلالات، ذلك أنه يقلب آية الحكمة. ذلك أنه تبرير لظواهر الأحوال التي كان عليها النبي وصحبه، وهو تبرير متأخر في الزمان بأثر رجعي، ومن ثم فهو لا يتنكر فحسب لتبدل الأحوال ومعاني الصفات وغاياتها، طامسا تنوع خصال الحق التي بسطها الله في عباده بحسب زمانهم ومكانهم.

واعلم أن كل علم تبريري ليس بعلم، اذ أنه تحصيل حاصل، بل هو كذب ونفاق، ولو طالت متونه وشروحه.

واذا كان مراد الفقه أن يضع للناس قانونا فالأصل في القانون أن ينبع من سؤال الحاضر ومن حاجة ملتبسة فيه تضاربت فيها المصالح والدعاوى فاحتاج الناس الى صيغة توحدهم على طريق متفق عليه بينهم، بينما لا يجيب الفقه على أسئلة الحال، ولا يوصف مشكلة بل ينهج منهجين كلاهما ضلال:

الأول أن معظمه لا ينبع من إشكال حاضر بل من تناقص الحكم الذي قطعوه سلفا مع اواقع الناس، فيجري التكييف والتخريج لصالح ثبات الجكم. ثم يعودون فيسندونه الى الله والرسول وهما منه براء.

ووراء هذا الإشكال إشكال آخر: هو الحلال والحرام.

فبدلا من أن يكون مبدأ القانون هو النافع والضار عمد واضعوا ما سمي بعلم أصول الفقه الى تصانيف تحدد مرادات الأقوال، وصنفوها على الحلال والحرام والواجب وفرض العين والكفاية، والمستحسن والمندوب..الخ وجلها ألفاظ ابتدعوها كأنهم قرأوا بهام مراد الله من كلماته.

هكذا صار أساس القانون الذي أوكل وضعه الى فئة من الناس لا سند لها الا الاتباع الأعمى، ليس قائما على الاتفاق والاصطلاح، ومن ثم عمت الفتاوى المتضاربة يبطل بعضها بعضا ويتخبط جميعها في عته التبرير وضلالاته، لا في نور الحياة الحاضرة ومحجتها الظاهرة.

وصارت فتاواهم هزأة ومعرضا للتندر على عقول طمس الله عليها. وتركت الجانب الواسع من الدنيا بما جد فيها من علاقات وعلوم ومعارف مدوخة وصراعات ظاهرة وباطنة لا يعرف المرء موقعه منها. فوقع التخلف في الأمة، اذ مبدأ العلم التوصيف على الحال، لا رد الاشكال الى أشكال.

وصار فقهاء الزمان هم الأكثر جهلا بزمانهم وعلومه وآدابه لأنك حين ترد الحاضر الى الغائب تطمس كليهما معا فلا تستبين لك طريقا، ولا يكون رد الحاضر الى الغائب الا من باب الاستئناس والمقاربة. والأصل في العلم أن يرد الخاص الى العام، أي الى المراد الأول من حياة الناس وهو سلامهم وأمنهم وسعادتهم.

وخلاصة الأمر أن علم الفقه وأصوله هما وثنان استبقتهما الجاهلية التفافا على الدين، ونفاقا لظاهره. وللحديث بقية، والله أعلم

بالنسبة إلى مَن يقولون إنهم مثقفون في مصر؟

wpid-img_1029-2011-12-31-14-03.jpg

2011-12-31

الثقافة والثورة
سأكون صريحاً ومختصراً في هذا الشأن:
أولاً، اقتراحي أن يتخلى الخطاب كلياً عن كلمة “مثقف” ويعيّن ألفاظاً أوضح وأدق للمقصود بالجماعة البشرية المعنية. ثانياً، دعنا من الاعتبارات الأخلاقية. ثالثاً – وهو الأهم – عندي سؤال عن شرطية العلاقة بين الفنون والآداب من ناحية والاضطلاع بالشأن العام أو “النضال” من ناحية أخرى. في ظل الاستبداد درجنا على افتراض أن جانبين من جوانب الوعي – الفردي والجمالي في مقابل الجماعي والنفعي، إن أردتَ – هما وجها عملة؛ وكذلك حدث مع الانتماء العقائدي، للمفارقة: أصبح جانب من الوعي لا يمكن (في هذا العصر) إلا أن يكون شخصياً – الخبرة الروحانية أو القناعة الدينية أو الالتزام بطقوس مقننة للعبادة – هو شرط أي تحرك اجتماعي؛ الأمر الذي نقضته على الأرض احتجاجات “ليبرالية” (أي لسيت للوهلة الأولى مناهضة لنظام مبارك) أدت إلى أول خطوة حقيقية على طريق تغيير ذلك النظام، تماماً كما نقضت عقوداً من “العمل السياسي” المسمى يسارياً (والمناهض، من ثم، للنظام ذاته) والذي ظل منبطحاً نتيجة اعتماده على جماعات مشغولة أو يجب أن تكون مشغولة أساساً بالفنون والآداب، ومن ثَمّ معزولة عن “أغلبية” لا يعنيها من ذلك سوى نشاطات ترفيهية تجارية تقاطعت، في شعبويتها، مع “معارضة” تساهم في تكريس الوضع القائم أكثر مما تُشْكِل عليه. هناك مفارقة أعمق إذن: إن فرضية اقتران الثقافة بالسياسة لا تعكس “المثقفين” أنفسهم بقدر ما تعكس النظرة إليهم داخل مجتمعات مخلية من عظام القدرة على الفعل، ويلعب “المثقفون” فيها، بالتالي – كما سيلعب المتأسلمون من بعدهم – دوراً زائفاً ومعزولاً عن حقيقتهم الفردية (أو العقائدية، في حالة الإسلاميين). إنها مجتمعات، كأكثر مجتمعات العالم المعاصر، ربما – باستثناء الربح المادي – لا نية لها بالمعنى الفلسفي للنية؛ وهو ما يفسّر أن مبادرة التحرك بتلك المجتمعات نحو المستقبل المنظور – وبغض النظر عن رأيك في طبيعة ذلك المستقبل أو جدواه أو علاقته بالهوية – مبادرة التحرك نحو المستقبل لم تأت إلا عبر جماعة (وإن كانت متعلمة ومعاصرة ومتعددة اللغات نتيجة أنها “مستريحة” مادياً) ليست “ثقافية” أو “يسارية” بالمعنى التقليدي، ولا “إسلامية”.
وانطلاقاً من قول إن المثقفين ضمير الأمة، ما هو مكان ذلك الضمير مما حدث ويحدث بعد التعليق عليه أو (كما يقول صديقي الشاعر مهاب نصر، متسائلاً عن “ما فعله الكتاب بثورة يناير”) “استثماره في صور شخصية شاعرية”، إثر المشاركة فيه بقدر سيظل محدوداً لأن الكتاب والفنانين و”الليبراليين” عموماً ليسوا انتحاريين ولا مسلحين ولا مدربين على مقاومة جرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة ووزارة الداخلية يومياً في وسط القاهرة؟ أولاً، يجب السؤال عن معنى الأمة المعنية: هل هي أمة الغالبية الساحقة من عموم الناس المتذمرين من احتجاجات واعتصامات يرونها تعطّل مصالحهم، المتنكرين لضحايا التعذيب والشهداء، المناصرين للسلفيين والإخوان المسلمين ممن صعدوا على أكتاف هؤلاء “ديمقراطياً” بينما هم ضد الثورة فكراً على الدوام وفعلاً أكثر الوقت؟ ثانياً، مَن يمكن أن يمثّل ضمير مثل تلك الأمة بتعريفها؛ أليس ذلك الضمير أقرب في الواقع إلى اللاهثين كالكلاب وراء عظمة مقاعد برلمان يقام تحت الحكم العسكري في ظل قانون الطوارئ؟ أليس أقرب إلى حقد وسادية الساعين إلى كسر نفوس المتظاهرات ورقابهن أكثر حتى من قمع المتظاهرين الذكور بدعوى حفظ الاستقرار والذود عن “الدولة”؟ ثالثاً، كيف نعرف”المثقف” بعيداً عن وظيفته المرجح أن تكون رهن “الدولة” ذاتها التي تحتكرها مؤسسة عسكرية قادرة على قتل المواطنين في الشوارع ثم تحميل خطيئتها على “طرف ثالث” لم يتكمن أحد من تعريفه وهي تمشي في جنازات القتلى؟ اقتراحي أن نعترف بأنه إن وجد وعي “ثقافي” يتقاطع مع الثورة، فإن ذلك الوعي لا يمثل الأمة ولا ضميرها. علينا أن نعترف بأن “ضمير الأمة” متمثلاً في الأديب والفنان (مهما استاء مثل هذا الضمير مما يحدث أخلاقياً ومهما شارك مادياً أو معنوياً في ثورة بادر بها جمهوره المحدود جداً من الناشطين على الإنترنت) لن يكون سوى متفرج. وعلى نقيض الكثيرين من أندادي وسواهم من داخل معسكر الثورة، أصبحت أرى اعتراف “المثقف” بأنه متفرج هو أنزه وأصدق ما يمكن أن يقوم به، بغض النظر عن مشاركته في الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى عن موقفه من دولة باتت تجسداً للثورة المضادة

.
الثقافة والإسلام السياسي
ومن قبل، حين دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم في أنحاء الرقعة العربية، كما قيل لي، ديمقراطياً – وجدتُ عندي كلمتين أقولهما كذلك:
إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟ المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟ الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟
***
تعويذتان ضد التأسلم
‫(‬١‫)‬
أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه البنات
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال
‫(٢)‬
نحن أبناء أباليسكم
يا من تكتفون بأسماء الأسماء
سنظل نذكّركم
بأن المئذنة قضيب والقبة نهد
والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين
يا من تكتفون بطقوس الطقوس
نحن ملائكة متخفون
وقد حلفنا أن نلفظكم
عند أول إشارة مرور
في الطريق إلى الجنة
جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

wpid-602annahar1-2011-12-31-14-03.jpg

دار الإفتاء الموازية: فتوى ديانميتية أخرى لفضيلة الشيخ السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-20-33.jpg

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا

تفقهون تسبيحهم

قال العلامة أبو النصر السكندري أعزه الله:

يقول عز من قائل في سورة النحل ” وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”. وفي هذه الآية فوائد جمة، وخلاصات علم الأولين. بها نستفتح، وعلى الله التوكل.

ان مسلمي هذا الزمان قد قلبوا آية الدين التي هي توحيد ووحدة، فالاله الواحد هو الروح المودعة في كل انسان، وهو المشترك بين الخلائق من آمن منهم ومن لم يؤمن. ومعنى الايمان الوعي بما قسمه الله له من هذه الروح في نفسه. فالمخلوقات واعية أو غير واعية هي منتسبة اليه، وهو وحدتها الكبرى. فيامان المرء وعدمه لا يخرجه من دائرة الكرامة الالهية الا لمن جحد مخلوقات الله، واتخذ من نفسه حكما على ما لا يعلم، وانتقص من حكمة الله في خلقه.

وبما أنه ليس في الكون ما هو خارج عن خلق الله وابداعه، فان خلائق الله ومخلوقاته مكرمة بالأصل.

وفيها جميعا ما في الله من صفات ولكن بقدر مقسوم، ففي الناس العادل والعالم والجميل، والصبور والباطش، والكريم، والوهاب والحييّ،.. الى آخر ما كان معلوما من الصفات وما خفي.

ومعنى أن من الصفات ما خفي، أن صفات الله غير نافدة، وهي ليست على وجه أو صورة واحدة. هذه الصفات، هي لله ليست أغيارا، بل متحصلة بالهوية، فهو عين صفاته جميعا وأبدا. أما خلقه الذين قدر لهم الموت والحياة وأن يعيشوا في دائرة الزمان، فهم يتحصلون هذه الصفات عبر خبراتهم وتجاربهم، لذلك يقع لهم التناقض فيها، لا عن عمد غالبا، بل عن قصور علم مصدره وجودهم الزماني المتغير، فمكا كان في وقت ما كرما، قد يصير في غيره سفاهة، وما كان يعد يوما علما، قد يتكشف في زمان بعده عن أوهام وأساطير.

ولا يحاسب الله الناس على ما تحصلوا من صفات وما فاتهم، وانما على نية التوحيد والكمال، أي بقدر سعيهم الى الصفة الموحدة بين الناس في كل عصر، والتي ترقى بهم الى نموذج النظام الالهي.

ولذا كان في آيات سورة الكهف درس بالغ وحكمة ناصعة لموسى في عدم الأخذ بظوار الأمور وقشورها، والحكم وفق ما سبق له علمه، وما استقر في قناعته فحسب، فأدبه الله على التسرع في الحكم، وعلى التعلق بالظواهر، دون ادراك الغاية التي هي منفعة الخلق، وسلامهم.

وفي تصدير الأولين لحديث “انما الأعمال بالنيات” حكمة فاتت حتى على واضعي كتب الفقه التي تصدرها هذا الحديث.

وليس المقصود بالنيات هنا هو أن يقتل الانسان بزعم حسن النية، ذلك أن سلامة القصد تعني أصلا الرغبة في حفظ الحياة، فسليم النية هو الباحث أبدا عن فعل يوحد ولا يفرق، يقيم العدل في ميزان الكائنات.

لكن فقهاء الزمان الأول عفا الله عنا وعنهم، أعرضوا عن البحث في صفات الله التي على الخلائق أن يتحلوا بها، وتعلقوا بظاهر بعضها من حركات وسكنات، فأصبح الجزء شاهدا على الكل، والحاضر نافيا للغائب من هذه الصفات، وافترضوا الكمال في تحصيل هذه الحركات والسكنات جملة في الفرد الواحد، وغاب عنهم مراد الله من تنوع الخلق، وهو استكمال الصفات، الذي هو عمل دائم وبحث عن الأفضل. فصار فقههم علما عقيما، لأنه ناقض حياة البشر على الكيفية التي خلقهم الله عليها.

وتعلقوا بهذا حرام وهذا حلال فصاروا شيعا، ينكفئوون على خدع الظواهر، مجادلين في ظاهر تلك الصفة أو غيرها، هل نضع أيدينا في الصلاة على الصدر، ماذا يفعل من نسي غسل ذراعه أثناء الوضوء، كم عدة المرأة بعد وفاة زوجها.

وحتى يتحصلوا هذه الظواهر ولا أقول الصفات ذهبوا الى الصحابة والرسول، واقتدوا بحركاتهم وسكناتهم، واعتبروها عين الصفات فاشركوا بالله، عن غير علم، وجعلوا خلقه قيمين عليها ومختزلين لها، وهم صنعته، فكيف يشهد المصنوع على الصانع؟

صنعوا من الناس ومن صفاتهم أوثانا عبدوها، فتوقفت عقولهم عن البحث في الكون الواسع، وانكفأت على “حدثنا، وأخبرنا”. فصار دينهم حجابا للدين، وعبادتهم مسخا لمقاصد الله من العبادة.

وفي الآية التي صدرنا بها كلامنا، ما يعلمنا أن الانسان ليس وحده في الكون، وليست كل العبادات على صورة واحدة، فكل مخلوق وكائن يقوم بوظيفته انما هو المسبح الحق، المستعيد بعمله الصغير معنى الخلق الأكبر وغاية الحياة.

وليس معنى ألا نفقه ما يتعبد به هذا أو ذاك، أنه خارج عن النظام، بل نحتكم الى فائدة ما يصنع، ومراده ونيته فيه، مادام محققا للسعادة التي ينتفي عندها الشر، الذي هو تناقض المرء مع ذاته، والذي لا ينتهي بحذف غريزته التي أودعها الله ولا فضائله الروحية التي هي من قبسه، بل يبح هذا هو عين ذاك. وهو معنى اباحة الله للخمر وغيرها في الجنة، ألا تصبح المتعة اثما، ولا السعادة منقوصة بحدود الشكل والله أعلى وأعلم.

فتوى أخرى للشيخ أبو النصر

مهاب نصر: ربيع أم خريف عربي؟

من ثقافة الاستبداد.. إلى ثقافة {الحرام}

مهاب نصر

wpid-441794483-2011-12-18-23-40.jpg

قبل أن تتمكن الأحزاب ذات المرجعية الدينية من الوصول الى مقاعد الحكم في تونس والمغرب، وربما ليبيا، وتتنافس بقوة محتكرة المشهد الانتخابي في مصر مع الكثير من الجدل والصراع، بل الصراخ، والكثير من التخوفات والاتهامات المتبادلة أيضا، نشرت القبس تحقيقا حول أثر صعود المد الاصولي على الثقافة، وعلى قضايا حرية التعبير، خاصة أن الثورات التي هبت في المنطقة بما صار يعرف بكليشيه «الربيع العربي»، كان أحد أسسها هو الحريات، وتحطيم النظام الأبوي ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على مستوى الأفكار والعلاقات الانسانية، وإعادة الاعتبار بالمعنى الواسع لروح ظلت في حال احتضار طويل على فراش الاستبداد، بمحاليل مسكنة من ثقافة مبتورة، ووعي موجّه.

تحذير سابق

كان تحذير أدونيس الذي لقي هجوما واسعا، وتضمن عدم اعتباره لما يدور في العالم العربي على أنه «ثورات»، كان تحذيره من كون هذه «الاحتجاجات» لا تحمل مشروعا فكريا تحرريا بديلا، تخوف من الطائفية، ومن المرجعية الأصولية، وهو أمر يتصل بمجمل مشروعه كله. وبغض النظر عن دوافع أدونيس ومدى جدية طرحه، فان الأيام جاءت بما كان يتخوف منه.

لكن لماذا يتخوف المثقف من الصعود «الأصولي»؟ اليس لكل فريق الحق في أن تكون له أيديولوجيته التي يدافع عنها؟ أم أن التخوف من أن الأيديولوجية الأصولية هي اقصائية بطبيعتها؟

قضية الشحات

حادثة «عبد المنعم الشحات»أحد أبرز الوجوه السلفية في مصر، التي أعلن فيها أن روايات نجيب محفوظ هي تحريض على الدعارة، كانت مثار هجوم عنيف من فئات واسعة، امتلأت صفحات الفيسبوك بمقاطع من أحاديثه والتعليق الساخر عليها، وتواترت الدعوات الى اسقاطه في الانتخابات، حيث اعتبر البعض فوزه، وهو ما لم يحدث، اهانة لكل انجاز حضاري.

سقط الشحات في الانتخابات بفارق كبير، لكن المشكلة لم تحل. والصراع لم يبدأ بعد.

في مؤتمر انتخابي للسلفيين بمدينة الاسكندرية، تمت تغطية أحد التماثيل المنصوبة في الميدان، كأنه وثن.

وفي المشروع الانتخابي لأحد الأحزاب التابعة للجماعة الاسلامية جاء فيما يتعلق بالثقافة أمران أحدهما يناقض الآخر: فهو من جهة يؤكد على الهوية الاسلامية للمجتمع، ولكنه من جهة أخرة وفي فقرة تالية يؤكد على أن إحدى مهامه توجيه وتأهيل المجتمع «اسلاميا».

ولكن أليس معنى هوية المجتمع «اسلامية» أن هذه هي ثقافته التي تشكل العنصر المشترك؟ فما معنى اذن تأهيل المجتمع لتقبلها؟

ثم ألا يعني هذا التأهيل السيطرة على منابع المعرفة والتعليم، بأسلوب توجيهي دعائي لا يختلف عن الأنظمة المستبدة التي قامت الثورات من أجل محوها؟.

كيف نفرح؟

في أحد الأعراس التي كان يقيمها الاخوان المسلمون، كان ثمة منشدون يؤدون أغنية تقول:

قد جاءنا في الآثار

عن النبي المختار

أن المنجي من النار:

لا اله الا الله

اللافت أن لحن الأغنية كان مأخوذا برمته من أغنية لبنانية شهيرة بعيدة كل البعد عن هذه الروح، يعرف مطلعها الكثيرون وهو «آه يا أم حمادة»، ولحن الأغنية اللبنانية كان بدوره منقولا عن أغنية داليدا «دارلا در لادادا»، وصحيح أن الفنون تتجاور وتتلاقح. لكن الحادثة التي رأيتها بنفسي كانت ذات دلالتين.

الأولى التحرج في أغنية للعرس من ذكر مشاعر الفرح بالحب واللقاء وعلاقة الرجل بالمرأة، والثاني هو هذا الفقر الشديد في القدرة على ابداع فن «اسلامي» وهو ما تفتأ الجماعات الأصولية في ترديده بوهم أن لها «رؤية حضارية».

كيف تنبني رؤية حضارية على التحرج، كيف تنبني على الحذر والتخوف من «الحلال والحرام»، اليس هذا اختزالا للتجربة الانسانية برمتها في صورة الصواب والخطأ، ومشاعر التأثم؟ هل يعيش الانسان فقط مترصدا حالة «الذنب»؟

تدريجيا تبدو الرؤى الاصولية كما تجلت في ممارسات أصحابها مبنية على ما يمنع، لا على ما يبدع: تظاهرات ضد نشر كتاب هنا، وتهديدات بالقتل لهذا المؤلف أو ذاك، وبلاغات الى السلطة، التي ينكرون شرعيتها أصلا، من أجل منع فيلم، أو مصادرة مؤلف يختلفون معه في الرأي.

الحياة بالسلب

صارت «الهوية» فزاعة للتخويف، لا مصدر إلهام. الغريب أنها فزاعة تتفق تماما مع النظام الاستبدادي الذي لا يريد للشعوب الا أن تظل أسيرة وعيها المحلي الضيق، وتجربتها الملتبسة، بل حتى اختزال هذه التجربة. فالمعركة التي دارت حول كتاب الف ليلة وليلة، وهو أحد أهم الذخائر العربية الاسلامية، أظهرت الطبيعة الاختزالية لثقافة «الحرام».

الاختبار الحقيقي لأي تيار مهما كانت مشاربه، اذا كان يصدق فعلا أنه يريد التغيير والحرية والكرامة للناس، هي في قدرته على ابتكار منظومة ابداعية، تكون برهانا على أن «الهوية» لا تساوي «الحياة بالحذف» بل بالاضافة.

جريدة القبس

مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة-٢

wpid-yr13-2011-11-30-19-38.jpg

تعقيبا على خواطر دونتها بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” كتب الصديق “س”: “معاك..بس انت مش معايا ان هناك قانون دفع بيحرك البشر،يفوق ادراكهم تقدر تقول كده انه آليه مسيطره عناصر كتير شكلتها منها اسباب تاريخية انت ذكرتها وكراكيب اجتماعية سوت العجينة بالتشكيل اللي اصبحو عليه الآن. بالطبع ليس هناك لذة تذكر في الفرجة فكلنا متورطون بشكل او بآخر..نحن لايمكننا ان نفسر انفسنا بمعزل عن روعة هذا التشكيل ومتقوليش انة مش رائع..حياة مبيته على رأي علاء خالد..وبما انها حياة تضيع بلا ثمن وبلا نبل تبقى…..صحيح تبقى ايه؟”.

كان من الممكن أن أجيب على ” س” بمجرد رأي سريع، أو بكلمتين كهزة رأس من شخص يريد أن يغلق الموضوع. لكني لا أريد له أن يغلق، بل ان ما أشار اليه من فكرة “الروعة” عاد واستفزني مجددا، فاطفأت السيجارة وقررت أن أكلمه بلهجة أكثر جدية.

أنا لم أفهم أولا تعبير “روعة هذا التشكيل” الا من منطلق مصري محلي أكرهه بكل ما في نفسي من حوافز الكره، ينظر المصري الى بلده وكأنها استثناء، وهناك فرق كبير بين أن تكون استثناء صنعه القدر، أعني الانتماء الى بلد ولدنا وعشنا فيه، وبين تكريس هذا الاستثناء لنصالح ذاتنا حتى على ما تكرهه.

العبارة لا معنى لها مطلقا الا هذه الرغبة التي أزعم أنها سليلة الطبقة المتوسطة غير القادرة على المواجهة الى النهاية أبدا، والتي تجبر كراهيتها على التلوي لتظهر في صورة ابتسامة شائهة لشخص يقول لك: ما هي الأمور حلوة وعادي أهه..

يريد أن ينقل اليك قناعة بأنه غير موتور، أنه أهدأ نفسيا، أنه يستطيع أن ينظر الى الأمور من جهة أخرى فيراها جميلة.. أو بالأصح متميعة، فيكون له الحق ألا يصل الى قرار، ويعلي من شأن حالته “اللاأدرية” ليضعك في مأزق الأخلاقي المتعصب، كأن الأمر شخصي.. لكن بطريقة ملتبسة ونفسية معقدة جدا.

والسؤال هل نتاج النقاش حول موضوع سياسي أو اجتماعي..الخ يفضي الى هذه النتيجة: أنه جميل أو غير جميل؟

وهذا يحتاج الى عودة لفكرة الجمال نفسها.

نقول عن لوحة جميلة حتى لو صورت شخصا يمزق “جتته” وهو هابط من السماء، لأننا نقول: انظر الى معاناة الانسان المعاصر، أو نقول: ضاع اليقين الى الأبد.. وهذا ما يريد الفنان قوله..

لأننا بطبيعة الحال نعرف أنها صورة، وأنه من الغباء أن نمد أيدينا الى الانسان في الصورة لأننا ببساطة سنمزقها.

لكن حين نرى انسانا يوشك على القاء نفسه من الشرفة بعد تجربة حب فاشلة، فانه من الصعب أن نتخيل أنفسنا، مطلين من النافذة المقابلة صارخين على أصدقائنا: انظروا الى هذه الروعة.

بل ان في ذلك شيء غير قليل من انعدام الضمير، وسوء تقدير مؤسف لحالة شخص حقيقي يتألم بشكل لا يطاق، ربما يمكننا بكلمة أو ببضع كلمات أن نعيد حياته الى غرفة معيشته الحميمة.

يبدو هذا بديهيا الى درجة السذاجة..

ليس معنى هذا أن الجمال لا يوجد الا في اللوحة فقط، أعني لا يوجد في الواقع، بل يوجد فيه حينما يتحول الى نموذج لشيء أبعد من فرديته، حين تصبح الأصوات والحركات والألوان منقولة الى عالم آخر يشكل فكرة محورية في حياتنا.. قد يحدث حتى بعد عودتنا من مشاهدة حادث حريق.. لكن ليس مطلقا أثناءه.. لأننا في مواجهته لا نكون أمام الحالة الرمزية بل أمام الحالة الخاصة الفريدة لشخص يحترق.

يمكن الرجوع خطوتين الى الوراء في الحقيقة لمعرفة أصل الموضوع، أعني أصل الطريقة التي صارت عرفا ثقافيا متداولا، هو العرف نفسه الذي دفع دوستويفسكي الى السخرية ضمنا من تورجينيف في رواية “الشياطين”. رأى دوستويفسكي في تورجينيف الكاتب الذي يسجل حادث غرق باخرة، وكأنه يقول بأسلوبه المتأنق: انظروا كم تمكنت من وصف هذا المشهد الانساني المؤثر.

قلت من قبل (وآسف على هذا التعبير) أن أجيالا عدة من المثقفين المصريين نشأت في الحاضنة “الشاعرية” ولا أقول الشعرية. الحاضنة التي تسمح لهم بالشعور بالتميز لأنهم يملكون مشاعر خاصة جدا وحساسة الى درجة الرهافة فيما يخصها، لكنها غليظة غلظة أنانية الطبقة التي تنتمي اليها، والتي علمتها اسلوب “الحق نفسك”، انها مدعوة بشيء مجهول الى التميز، وبخلق “لغة” خاصة لهذا التميز تساوم به طبقتها على الانتساب، ولذلك يكمن موضوعها في اللغة لا في الواقع، تختار أرض المعركة، التي تسمح لها بالشعور بغاية النبل تحت ضوء الأباجورة الخاصة بها، ان ما يأسرها ليس المشهد ولا مسؤليتها الانسانية تجاهه، لكن ما ستكتبه عنه، وبذلك تكون قد تصالحت مع واقعها، وعادت الى الانتساب اليه من باب خلفي دون تضحيات، فهي تناضل مع “الأسلوب” على أوراق يقرأها الأصدقاء بتمعن كبير. لذلك كان هناك حرص شديد منذ السبعينات على الهجوم الحاد ( وبعضه محق فعلا) على تيارات الوضوح الشعري، لكنها كانت في الواقع تؤسس مملكة “النص”، نوعا من الحماية ضد المحاسبة، ودليلا مضاعف لا يُخترق فاصلا بحجاب كثيف بين الالتزام الاخلاقي والفني وكأنهما متناقضان بالأساس.

يمكننا النظر الى ما فعله الكتاب منذ ثورة يناير: استثمار للحدث في صور شخصية شاعرية!

كم تحليلا دقيقا كتب؟ كم محاولة جريئة في استثمار الحدث الضخم لاعادة مراجعة المواقف والأفكار، لابتكار أساليب جديدة لنشر ثقافة حقيقية، ثقافة تفسر الحياة، ولا تقفز فوقها كالبهلوان باستعارات وصور؟ ما معنى أن أقدم قصيدة أو مشهدا تمثيليا أو حتى أغنية ثورية (أظنها كذلك) لشخص أسيء تعليمه، ويتعرض لبلبة موجعة لوعيه. تماما مثل شخص حريص جدا على تلقين “آداب” المائدة لآخر يحصل على طعامه من صناديق القمامة.

من يعرف أوليات اسعاف المرضى أهم بكثير في الميدان، من يستطيع أن يقدم للناس شرحا واضحا يشركهم في صياغته، من يضع أمامهم كتب غيره لأن هذا هو وقت القراءة، أي الوقت الذي يمكن أن تتحول فيه الى فعل تغيير.

لكن من قال ان هذا المثقف كان يفكر بالتغيير أو حتى يتصوره؟ أو لديه ولو صورة مهزوزة عنه؟ بل لقد كان يتعيش على انعدام فرصته ليغرق في النوستالجيا ويتاجر بها، باعتباره حامل مفاتيحها، ويكلمنا عن تجاربه الشخصية التي لا تعني أي شيء، بغرور من يظن حياته نموذجا، لمجرد قدرته الوقحة على صياغتها في كلمات.

أحتاج اليوم كتابا يعلمني فعلا، أي يعاملني كابن، كواحد من الناس يبحث عن لغة مشتركة، وعدالة في الشارع كما في النص.

ربما حين يحكي أحدنا بعد سنين ما شاهده يتنهد شاعرا بالجمال، أما الجمال الآن ففي مكان آخر، في نسيانه بالذات.

وأخيرا ما صنع النصوص الكبيرة فعلا هو هذا النسيان، هو احساسها المروع أن عليها أن تتخلى عن كل صيغة جمالية سابقة لأن ما تراه أكبر من فكرة الجمال.

سوف يفصل في هذا الحكم آخرون.. أما الكاتب الحقيقي فسيشعر بنوع من الخجل لأنه لم يقل كل ما يستحق القول.

مهاب نصر

مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة

مثلما تكون مقاسات البنطلونات الجاهزة واحدة في كل مكان وفق نظام أو اثنين للقياس، نعيش كمجتمعات في عالم معياري لديه شروط واحدة للجودة، وبالتالي شروط واحدة للانتاج والمعرفة وحتى للقيم الجمالية.

لا يعني هذا أنه لا توجد اختلافات مطلقا بين مجتمع وآخر، بل إن هذه الاختلافات لابد أن تصب في النهاية في الماكينة القياسية ذاتها.

يمكن مثلا دعم وتكريس ثقافة دينية أو عقيدة محلية في مجتمع، مثلما يفعل الأميركان في الدفاع عن اتباع الدلاي لاما، أو ابداء الاحترام الزائف للاسلام التقليدي والأصولي، ولكن بشرط التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية والجات وما شابهها، واعتبار النظام الرأسمالي حقيقة أعلى من الله نفسه.

مثال:

يمكنك بالطبع أن تفتح محل ترزي “شُكُك” على ناصية حارة، ولكنك ستكون وضعت نفسك في الحال على عتبة في هذا السلم القياسي، بناء عليه تتحدد مكانتك من العالم، كما تتحدد مكانة دكانة “ترزي”، من “ايف سان لورن” أو بوتيك “نرجس” من مجموعة “دبنهامز”. وهذا تقريبا موقع المجتمع المصري من المجتمعات “القياسية”. بل هكذا كان، وهو اليوم أقل بكثير.

يعني هذا أنك لا تستطيع في هذا العالم أن تعيش وفق صيغة محلية، ولا أن تقول: “نحن وهم”، الا بشكل مجازي لارضاء ذات جريحة، لها موقع متدن في السلم، لأن هذا يوفر لها الشعور الزائف بالندية، بينما هي منخرطة تماما داخل التركيبة الكبرى (هذا حال الاخوان مثلا).

وهناك حل آخر وهو أن تكرس أكثر طريقة “الترزي” المحلية، باعتبارها شكلا يكسر رتابة وملل الانتاج القياسي. وبالتالي تسوق نفسك لسكان أول درجة في السلم على أنك “شيء مختلف”،”حاجة اكزوتيك”، ولا يحدث هذا في بيع طاقية شبيكة أو سبحة أو مبخرة تمثل الاصالة من خان الخليلي فقط، بل يحدث أيضا على مستوى الافكار. فسكان الدور الأعلى يحتاجون من اجل كسر الملل، وتشتيت الانتباه، الى مخدة “هاند ميد”، كما يحتاجون بن لادن والاخوان المسلمين والريس متقال. انهم بالنسبة اليهم متحف مثير للتأسي والشجن، وهو في نفس الوقت دليل على تجاوزهم لهذه المراحل من الطفولة الانسانية، أعني أنه اشارة طبقية حاسمة ولذلك ليس لديهم مانع في الانفاق ببذخ من أجل ابقائهم.

ومن هذا الباب تأتي تهنئة الولايات المتحدة أخيرا بعد انتخابات المغرب، واستعدادها للتعاون مع الاخوان المسلمين: أي كمسخة حضارية. وهو ما يعني أن يدخلوا العالم القياسي لكن من الباب الخلفي كبائعين متجولين للحجاب وكتب الأدعية وتغيير العملة، وعطور الزيت الرخيصة، أو كفرجة خفيفة الدم لحيوان حضاري في قفص.

حيرة

هناك بالطبع مجتمعات حائرة، وهي حائرة لأنها في غيبوبة مَن صُفع من جهات متعددة، ففي رأسه طنين، وهو يسأل دائما:من أنا؟ رغم ان هذا السؤال لا صلة له بالصفعات التي تلقاها، بل هي تتصل بموقعه الذي هيأ صدغه لكل عابر. وهو ما يسمونه خطأ بأزمة الهوية.

والهوية رغم أنها بمعناها المستخدم الآن في النطاق العربي والاسلامي هي تعبير غربي حديث نسبيا أصلا، الا أن العرب والمسلمين لا يمانعون قط في تلقفها كنعمة، وكسؤال خاطئ، يساعدهم على استناج ما أرادوا أن يستنتجوه من قبل.. وهو أنهم مختلفون. بغض النظر عن مضمون هذا الاختلاف الذي يتطلب سنوات طويلة من البحث في كافة الأفكار والعقائد الانسانية لمقارنتها بهذا “المختلف” وبيان نوع اختلافه، ومدى ايجابية هذا الاختلاف. ذلك لأن الاختلاف لا يضمن بذاته أنك على حق ولا يقول لك ماذا عليك أن تفعل باختلافك، ولكنه يتجاوب مع حاجة نفسية في التميز الأعمى تمر به كل طفولة.

لا تعود الحيرة الحقيقية لهذه المجتمعات في مشكلة الهوية رغم أنها تصرخ بعنف في آذاننا “لابد ندافع عن هويتنا.. ان هويتنا تتعرض لهجمة شرسة”، وذلك لعدة أسباب:

أولا: أن المجتمعات التي تروج فيها هذه الدعوات وتلقى اقبالا شعبيا بالذات، هي مجتمعات فشلت فشلا ذريعا في أن تكون “قياسية” قادرة على انتاج ادوات وسلع ومعارف قابلة للرواج، تضعها على درجة المبادلة الندية.

يتصور أبناء هذه المجتمعات بقشور المعارف التي حصلوها في مدارس وجامعات منحطة ومتخلفة الى أبعد حد، أن بمستطاعهم الحكم على الأشياء، لكنهم لا يستطيعون انتاج شيء الا الاحكام. لا قدرة على البحث أو التحليل ولا حتى على القراءة نفسها، ناهيك عن القراءة المدققة.

والنخبة الثقافية والدينية والسياسية تواطأت على هذه المجتمعات لتقول لها: أنتم أصحاب حضارة.. أنتم كنتم وكنتم، وما عليكم الا الرجوع الى الخلف حتى تعيدوا مجدكم. وما ان يعودوا حتى يصيروا مسخة حقا. يفقدون تماما أدوات القياس لعصرهم، ولتطور المعارف والعلاقات الانسانية التي تراكمت فيه. لكن هذا الاختزال للمشكلة يفيدهم كثيرا لأنه لايبرر لهم جهلهم فقط، بل يجعل من الجهل معرفة قائمة بذاتها، بمجرد تغيير اسمه الى: الأصالة.

فما عليك الا أن تقرأ الأربعين النووية، أو تحضر خطبة مع الاخوة في “عصر الاسلام” حتى يكون بامكانك أن تدير جماعة صغيرة تصبح أميرا عليها. ويمكنك أن تخرج في مظاهرة لتشتم أميركا واسرائيل، وتطلب فتح باب الجهاد مع أنه ليس للجهاد باب، وهو ليس عرضة للاكتتاب العام كما أيام الخلافة الأولى، ويمكنك أن تدافع عن مسلمي كوسوفو، مع الجهل التام بأنهم ربما يعيشون وفق قيم غربية، أو تأييدا لمجاهدي أفغانستان الذين مزق بعضهم بعضا بمجرد الوصول الى الحكم وأهم ما فعلوه كان تحطيم الأصنام كأنهم في فيلم تسجيلي عن الجاهليىة الأولى.

ثانيا: أن الهوية فكرة كالسراب، ورغم أن السؤال عنها هدفه ايجاد خيط جامع، الا أنها لا تلبث أن تتحول الى “شلة” صوف منداة، لا تعرف من اين تبدأ.

الهوية الاسلامية، هل تعني السنية فقط؟ والسنية هل يمثلها السلفيون أو الاخوان أم الصوفية، أم المسلم التقليدي غير المتحزب؟ هي اسلام عمر وأبي بكر، أم اسلام الأمين والمأمون؟ أم اسلام الملك فاروق الذي أراد الاخوان الضحك عليه وتنصيبه “خلفة للمسلمين”؟.

وهل هوية مصر اسلامية أم مسيحية أم فرعونية، عربية أم افريقية أم بحر متوسطية،

الهوية كفكرة عن الماضي حفرة، والباحث عنها يتعثر فيها فيبدو كمن يتحرك، وهو لم ولن يتحرك، انه مثل “عم أيوب” في مسرحية “الجوكر” يمشي داخل “الجزمة الأول..”، والى الأبد.

ثالثا: تجعل الهوية مشكلة المجتمع وكأنها مشكلة أخلاقية، وأسوأ تصور زائف عن مجتمع هو أن تجعله في صورة شخص يجلس أمام مرآة ويسأل من أنا، لأن كلمة مجتمع هي مجرد صيغة لأشكال انسانية بالغة التنوع متضاربة المصالح أحيانا. وهو ما يجعل “الهوية” شعار فضفاض، ملاءة تختبئ تحتها الاختلافات الفعلية، ناهيك عن أنها تمنعك من ابصار وحل هذا التضارب.

رابعا: يتذرع أنصار “الهوية هي الحل” بمواجهة لهويات نجحت في تعبئة ذاتها، ناسين أن الهوية كانت وسيلة دعاية وتعبئة فقط، تتجاوزها المجتمعات الرأسمالية حالما تتضارب مع هذا المنطق أي المنطق الرأسمالي. وان منطق الدولة من أجل تعبئة كل القوى البشرية في المجتمع، وضع فكرة الهوية بين اصبعين، اصبع التلاعب السياسي بها، واصبع يحجمها في صورة ثقافة شعبية اختيارية، لمجتمع يضع هذه الثقافة خارج أبواب البرلمان، والشركة والجامعة. وليس لديه مانع أن تكون احتفالا فقط بالمزازيك في الشوارع.

ليس لدوى فكرة “الهوية هي الحل”، وهذا هو المنطلق الفعلي الخفي لفكرة “الاسلام هو الحل”، أن تفعل في مجتمع غائب عن الواقع الا أن تزيده غيبوبة، معطلة كل وسائله في البحث عن أسبابها. انها عمى وليست بصيرة.

المجتمع الصايع

تحت بيتنا مباشرة كان دكان لتصليح الأحذية يملكه خواجا، ثم حلت مكانه ورشة لصناعة مكملات الأقباس الكهربائية، انقسمت الورشة لخلاف بين أصحابها الثلاثة، ثم أغلقت وفتح مكانها محل نجار، لكنه كان فاشلا تراكمت عليه الديون، فاشتراه نجار آخر لا يقل عنه رداءة. هذه القصة عادية جدا، يفشل الخياط فيتحول الى بوتيك، يحتفظ على طاولة صغيرة بكتالوجات أزياء قديمة، ويفشل البوتيك فيقرر أن يحوله الى سنتر كومبيوتر، وتتكاثر ال”سنترات” فيحوله الى مكتب اتصالات، ثم الى محل لبيع الموبايلات.

هذه مسألة لا تتصل بالتطور، بل في الفشل في ملاحقته، وهي أخطر من ذلك تعني انعدام وجود أي خبرة مهنية متراكمة، ومعها اقتصاد “انت مسؤول عن نفسك”، الذي يعني ببساطة اقتصاد فردي اجتهادي، تفوته الخبرة المعقدة والمركبة لاقتصاد عالمي يحتل هو موقعا فيه كموقع الذبابة من خيط عنكبوت هائل لا يرى أوله ولا آخره، بل يبتعله ويرمي عظامه كنفاية.

لايهتم هذا الاقتصاد بأي تعليم ولذلك انتشرت من أكثر من 20 عاما دعوى حكومية واعلامية، سرعان ما أمّن عليها الناس بغباء، أن على الشاب ألا يتقيد بالشهادة، تقول الام “يا ابني اتلحلح..” و”اتحلح” هذه تعني ضياع كل جهوده على مدار 16 عاما من التحصيل المفترض ليقوم بتصبيع الكفتة، أو يهتف من نافذة الميكروباس “بولاق بولاق بولاق”. كأن هذه الشهادة ليست حصيلة تعليم أنفقت عليه الدولة والأسر من أجل تنمية مهارة أو خبرة معينة، واعتبر المجتمع المصري ذلك بأريحيته المعهودة، شطارة وفهلوة. لأن “الايد البطالة نجسة” لكن اليد التي تسرق وتنهب ليست بطالة طبعا، والله يغفر للجميع.

بنفس الطريقة المضطربة، تغير اقتصاد البلد، ليصبح في يد طغمة احتكارية لا تنتج ولكن تبيع، وتُسمسِر في البيع، محروسة بالفساد الاداري والقوة العسكرية وجماعات البلطجة. وهذا كان يعني:

أولا: عدم الاهتمام بتعبئة المجتمع في صيغة عقلانية منظمة من أجل انتاج منظم، لأنه غير مطلوب أصلا.

ثانيا: مطلوب على العكس تغييب هذا المجتمع باشعاره أولا أن المسؤولية الاقتصادية تقع على كاهل كل فرد فيه على حدة، وباغراقه في صيغ جماعية ثقافية لا تهش ولا تنش وليس لها أي أثر على احتكارات نخبته، وسلطتها المزدوجة المدعومة بالجهل. وهل هناك أهم من الجماعات الدينية في القيام بذلك.

من المعلوم أن الاخوان حتى حينما شكلوا كتلة سياسية في مجلس الشعب، لم يقفوا أمام الخصخصة، فاسلامهم يحب الفهلوة والشطارة، ولم يدافعوا عن آلاف الأسر المشردة، بل كانوا يتذكرونهم في الانتخابات بأكياس اللحم أو الحلوى. ولم يقدموا أي مشروع بديل لاعادة هيكلة الاقتصاد بشكل واضح يؤمن للمجتمع دورا في التبادل العالمي العادل، ولأفراده صيغة كريمة في العيش، فالآخرة خير وأبقى. والله خلق الناس درجات.

ثالثا: تسفيه الأسلوب العقلاني المنظم، خاصة في الحوار اليومي والنقاش السياسي والفكري وحتى الديني، وهو ما ساهم فيه المثقفون أنفسهم، بدعوى البساطة ومضاهاة الخطاب الشعبي، و”خليك عادي”، وغلبة لغة المصاطب و”الشلت”.

وربما لم تشهد مصر قبل عهد مبارك هذا المستوى السفيه من الحوار والخطاب السياسي بالذات الذي جر معه كل الخطابات الأخرى. فالانفراد الكامل والآمن بالسلطة والمال معا، جعل النخبة المصرية في غير حاجة الى أي تبرير وبالتالي ظهر الوزراء الذين يضربون بالشلاليت، والذين يحلفون برحمة أمهاتهم، وظهر رئيس الجمهورية كزعيم للبلاطجة لا يهمه حتى أن يكون كلامه مفهوما.

ثالثا: تكريس الفصل المقصود بين السياسة والاقتصاد، بما يحول القضايا السياسية الى قضايا أخلاقية وليست قضايا مصالح، وهو ما يوقع الناس في الازدواج بين ولائهم الفعلي “غير المرئي” لاقتصاد عالمي هو المحرك الأساسي للسياسات، وبين العداء السياسي للدول التي تحرك هذا الاقتصاد على أساس اختلاف عقائدي ليس هو موضوع النزاع أصلا، ومن ثم يعيشون وفق استعارات سياسية لا واقع لها، فيهتف الاخواني ضد اسرائيل “خيبر خيبر يا يهود.. الاسلام راح يعود” في مسخرة تاريخية تصلح أن تكون عبرة.

وتصبح مشكلة السياسة مشكلة أخلاقية، يسأل كل واحد نفسه عنها، كأنه هو الدولة “احنا مشكلتنا اننا..” وكأن الدولة ليست كيانا مركبا معقدا يحتاج لآلاف الخبرات التي تطرح هذه السؤال وتجيب عنه، لا أن يتحمله ويجيب عنه شخص يجلس على مقهى ويسحب نفس السيجارة ويقول لك “تعرف لو احنا..”.. وهو لا يعرف الى من بالضبط تشير كلمة “احنا” هذه. ولاكم يمكن أن يؤلف عنها من كتب!

رابعا: أكثر الظواهر لفتا للانتباه هي اللغة نفسها، “فحت.. فشيخ” وأخاواتهما، ليست مجرد مفردات بل تعبير عن كلمات لا يهم أن تؤدي معنى محددا، وأحيانا يكون المعنى الأصلي مستوفى في كلمة أخرى معروفة ويمكن استخدامها، لكن استخدام كلمة مجهولة لتقول نفس معناها لا يعني رغبة في التواصل والافهام، بل رغبة شلة أوجماعة في شيء يميزها، دون أن يكون لازما لها في الوقت نفسه. ولا مضيفا لخبرة مختلفة، ولا مركما على لغة تتطور، بل تمزق خيوط معانيها ومفرداتها كمن يمزق عفش بيته، ثم ينام على الأرض مع برودة الصمت. لأنه عاجز عن التعبير عن أي شيء خاص فعلا.

أهم ما كنت تتعلمه حين تنضم الى جماعة دينية هو أن تلوي حنكك بـ”ان شاء الله الأخ فلان، ويا أخي اني أحبك في الله، وسبحان الله وماشاء الله” الاختلاف هو الاهم، هو ما يرسم الصيغة لجماعة وهمية تتوحد في لغة كلغة أهل الحرف والصنايع، هي بطاقة الانتساب. مثلها تماما مثل “اخبارك يا مان..”، ليتخلق مجتمع يتواجد على أرض كلمات توحده وهميا، لكنها تبقي على حقيقة اختلافه أسيرة الغموض. ولهذا يشعر الناس فجأة باختناق غير مفهوم. ويمرون بلحظات اكتئاب غامضة، لأنهم يشعرون ضمنيا بأنهم صنعوا قناعا لشخصايتهم غير قادرين في الوقت نفسه على انتزاعه الا بانتزاع وجوههم نفسها.. لقد صاروا مسوخا.

الله يحل المشكلة

يتدخل الله هنا على هيئة معجزة، فمن يعرف الله؟ لا أنا ولا أنت، لكن يمكننا الحديث باسمه دائما وبجرأة تفوق جرأة الأنبياء.. الله كلمة مخيفة لأنها واسعة وبلا حدود، من ثم يمكن لكل منا أن يرفعها في وجه الآخر حين يريد له أن يصمت، وترفعها الجماعة المقهورة في وجه السلطة كأسلوب ناجح في المنازعة السياسية، كلمة تقول كل شيء، والكلمات التي تقول كل شيء لا تقول شيئا على الاطلاق، خاصة اذا ظللت حريصا وبمكر على عموميتها، لذلك تخرج دائما بزعيق وصراخ أو بنهنهة وبكاء مسعور. لتلقي في روعك بعقدة ذنب مبهمة من شيء لا تفهمه. ولكنك تستجيب تلقائيا لنداء الغريزة المنحطة في الخوف من المجهول.

في كل حضارة متطورة حتى لو كانت دينية، كانت هناك محاولة لاشتقاق العالم والانسان وعلاقاته من فكرة “الله”، ولم يكن ما سمي بعلوم الدين والتفاسير وعلم الأصول “التوحيد”، و”أصول الفقه” وغيرها والاجتهاد الدائم فيها، الا مضاهاة لعلم عام يربط الأصل بموضوعه، الفكرة بالحياة التجريبية، بغض النظر عن دقة البحث في الاثنين. لكن هذا أنتج قدرا هائلا من المؤلفات والصيغ الثقافية.

لم تفعل الحركات الأصولية ذلك، ولم تكتف فقط بهذا الميراث بل اختزلته الى رؤوس أقلام كارشادات المدارس مضيعة روحه الأصلية.

هكذا صار هناك انفصال كبير.. الله في ناحية.. والحياة المتطورة في أخرى، ولا يستطيع أحدهما أن يتصل بالآخر, وهو ما يربي عقدة ذنب يلعب عليها الأصولي فيصرخ في أذنك “عد الى الله” فتبكي. لأن “الله” على طريقته لا يفسر لك لماذا أنت مضطر الى نفاق رؤسائك، ولا لماذا لا تجد عملا، مع انك حاصل على شهادة، ولا لماذا لم تتمكن من اختراع ساعة تؤذن عند مواقيت الصلاة، بينما صنعها أبناء بوذا وكونفوشيوس، واذا كان هذا يمكن تشخيصه عند أطباء الدين بأن لديك ضعف ايمان، فهل الكافر مؤمن؟ واذا كان ايمان الكافر يجعله أكثر التزاما بافكاره ومبادئه فما الفرق بينه وبين الايمان وما قيمته؟ هنا يصرخ فيك مجددا: انت ح تكفر واللا ايه؟!

لا يحل الله المشكله، بل يتحول الهتاف باسمه الى سنجة أو سكين تشبه سكين الصايع التي يتباهى بها مهددا أبناء “الجيهة”. ويا لها من سنجة!

المجتمع الصايع مجددا

من هو الصايع، لا أقصد الدلالة القاموسية، بل ما يفهمه الناس منها؟ لأنها لو قيلت في فيلم لحسين رياض فستعني النبذ والتشرد والاحتقار والخروج الكامل من الهيئة الاجتماعية، لكننا كنا نرددها منذ الثمانينات “يا صايع” بعيون تلمع بالاعجاب، أما في أفلام مخرجي السبعينات ومن تلاهم من هوامش اليسار ودوائر الثقافة النخبوية، فصنعوا منه ايقونة. كانوا حمقى بكل تأكيد، بل برجوازيين أيضا يساومون السلطة على ادراكهم لحقيقة البسطاء، ويشعرون بالنبل نفسه الذي يضفونه على شخصياتهم، وهو ما يدعم برجوازيتهم بدرع واق قوي. كان الصايع في الحقيقة بائسا ومجرما ولايحتمل البطولة التي تلقي عليه مسؤولية أكبر من حدود معرفته المضطربة، كان كتلة من المتناقضات التي تنتهي عادة نهاية مأساوية أو اجرامية. وأحيانا ينزوي عند كبر السن ضعيفا منسيا.

لا نبل أبدا بلا معرفة، ولذلك كان نبل الصايع، اذا كان نبيلا، نابعا من تبنيه مبادئ اجتماعية ملتبسة يخونها المجتمع نفسه، وهي نفسها كمبادئ أخلاقية تبدو وكأنه مطلقة لا تفسر له لماذا تتم خيانتها الا اذا كان العالم، مقسوما بين ملائكة وشياطين، ولا تقول له أنها هي نفسها “أي المبادئ” مشكلة. ولذلك لا يطور صايع الأفلام معرفة جديدة، لا به ولا بالمجتمع، انه مثل أحمد عدوية، يظل مشغولا بالناس اللي فوق واللي تحت، يمدح أم عبده، ويهاجم ابن البرجوازي دون أن يرى الأرض الواحدة التي يقفان عليها، لذا يأتي صوته حتى في عز السعادة مجروحا، كما لو بأثر ضربة مطواة، أو بركلة اهانة قديمة يصعب نسيانها.

الصياعة والسلطة والمعرفة الشائعة البدائية قدر دائر وأقنعة تتبدل على أبناء مجتمع صايع، فشل في تحويل خبرته الى معرفة تطور بدورها هذه الخبرة، وفشل في ايجاد لغة للحوار بين أبنائه، ناهيك عن الحوار مع الآخر (وكم هي كلمة كم يتم ابتذالها!)، وفشل في ايجاد لغة لفهم قانون الاشياء، فشل في الانتماء لمهنة أو لصيغة في الحياة، فهو صايع، مضطرب الولاء، يصرخ في المظاهرة أمام الرصاص، ويبع صوته بكيس أرز أمام لجنة الانتخاب.

الدولة الصايعة

أيام عبد الناصر كانت الدولة (الممثلة فيه طبعا) تتعامل معاملة البلطجي: ح نرمي اسرائيل في البحر، تماما كما يكشر الصايع عن انيابه: ح أعورك.

ولم يكن هذا يمنع من تحولها الى دولة “..هوه اللي ضربني”، كما أمكنها بسهولة أن تصبح دولة “الصلح خير”. ومع عهد مبارك حيث انكشف تماما اقتصاد البلاد والعباد

أقر الصايع داخل النظام العالمي بأنه مجرد صايع، يمكن استئجاره لتخليص خناقة هنا، أو افتعال أخرى هناك. لعبت الدولة كعميل وهو تعبير مهذب، لأنه عميل صايع بلا عقل، يحصل فقط على يوميته التي يوزعها على عصابة الأربعين. لم يجد مبارك في ذلك أي غضاضة، لا هو ولا أبناء النخبة السياسية والاقتصادية التي رافقت تاريخه، ولهذا كان من مصلحتهم افشال أي روح عقلانية متمثلة في قانون أو نظام، كانوا يؤكدون بالفعل والممارسة ويسربون احساسا بالقوة البدائية لحياة الصيع، ولفنون الصيع، التي هي فنون الفرح والحزن الصاخب لشخص عائد من خناقة، للداعية المخنث، للمطاعم المقامة على نواصي الشوارع حيث ترقد بجوارهم صناديق القمامة، وسياراتهم أيضا، للراقصات السمينات الأقرب الى المومسات، للثقل البدائي للجنس باعتباره مادة توزن.

دولة الصيع، التي هي دولة الوكيل المعتمد لتصدير المخبرين، وصناع الدسائس، يدافع عنها العالم الرأسمالي كله الآن، واتباعه في الدول العربية، لكي تستمر مع قليل من الأصباغ العقائدية: دولة صيع لمجتمع صايع.

مهاب نصر

من أغاني التماسيح

تمساح

سننصح الآخرين بالانتظار، حين تلوح الحيوانات الصغيرة واحداً بعد واحد، تشخلل أثداءها وتمد أفواهها إلى المياه. ودونما يبدو منا سوى بريق البركة المنحسرة، نقضم الأقرب كَرَمشة عين. البركة أصبحت شلالاً، وجلدنا الأخضر في كامل بهائه. لكننا لن ندع فكاً يقترب، لن ندع فكاً واحداً يقترب منا يا صغيرتي، حتى نأتي على القلب والرئتين. حينها فقط سنزحف إلى حيث الشمس، ونرقد جنباً إلى جنب هناك.

ثور

رسم بإصبعه مربعاً وقال إنه شباك، دعاك إلى تفقُّد الدنيا خلاله. وحتى بعدما دوّختك الصدمة، ظل يومئ أن تعال: تعال! تعال، هنا شباك! بعد سنين سوف يمكن الاعتراف بأن كلامه كان مقنعاً، بأنك كنتَ شريكه في الخدعة. وربما لنطح الحيطان وجاهته أيضاً، حين تكون في غرفة مصمتة. الشيء الوحيد المؤكد في دور “صلّح” هو أن أحداً سيُضرب على قفاه.

غزال

شيء في زاوية التقاطع يعيد وجهك إلي – وكما قال مولانا إليوت، عن سيدنا بودلير – “يا شبيهي، يا أخي”. شيء يعيد رقصة عجيبة أنت أطلقتَها، بين القتال والعناق. لكنها ألهتني فعلاً عن يدك المدربة، وهي تُخرج من جيبي ما يعوزها تماماً. الآن كأنني أرى عينيك – للكوميديان وجه ساخط لو التقيته خارج العمل، لأن مهنته أن يمسح السخط عن الوجوه بالضحكات – فكأنك أنت الفريسة يا أخي، يا شبيهي… كأنك أنت الفريسة، وأنا الطير الجارح.

***

قصيدة مهاب نصر: خطوة في ممر

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-10-19-06-42.jpg

قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

مهاب نصر ليلة سقوط القذافي

القصيدة الزراعية

***

حزب الكنبة الفاسد

***

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا. – اقرأ المزيد

لم يكن أحد منا يعرف مهاب جيداً، لا بوصفه شاعراً تسعينياً من الفيلق السكندري الذي بدأ في الظهور منذ الثمانينيات – علاء خالد وأسامة الدناصوري بالتحديد كان لهما تأثير قوي على جيل التسعيناتوإن تنصلوا لذلك – ولا بوصفه زوج مناضلة سبعينية تكبره بعشر سنين أو أكثر.

سنة 2024 أفكر في وديع سعادة وأتذكر حقيبة المستقبل، حقيبتنا. حقيبة جماعة التماسيح للشعر المصري السري وحقيبة مهاب نصر وحقيبتنا. بالفعل لم نرد أن نحملها. لم ندرك أن وصولنا متوقف عليها.

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال