عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

Carrefour ☆ تحديثات الحالة

اللاأدرية هو الاعتقاد بأن وجود الله وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها. وكلمة “اللاأدري” تعني “بلا دراية أو علم”. وبينما الإلحاد يقول إن الله غير موجود، تقول اللاأدرية إنه لا يمكن إثبات وجود الله ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إثبات عدم وجوده، وإن التدين من صنع الإنسان

*

المقاومة: “سادة المقاومة” في لبنان عبارة عن إرهابيين شغالين لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أول لحظة، ودوافعهم طائفية، واللي تحالف معاهم وهلّلهم وروج لخرافة انتصارهم على إسرائيل في السنين اللي فاتت يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش… فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟ أرجو الانتباه لكلمة “حقايق” لإن المقصود إن دي مش آراء أو وجهات نظر، ده واقع. أما عن “سادة المقاومة” في فلسطين – وده نتيجة إن الإسلام السني ما فيهش ولاية فقيه مش أكتر – فكانوا ومازالوا إرهابيين شغالين لصالح اللي يدفع أكتر، ودوافعهم طائفية، واللي محالف معاهم أو بيقدمهم كجهة أشرف أو أقل استبداداً من فتح برضه يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش، فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟

*

سبل الاشتباك مع الواقع

تلبس كمامة وتنزل تجري في الشارع وإنت بتردد شعارات لا إنت فاهمها ولا ليها أي تلاتة لازمة

تاخد قريبك/ زميلك على جنب وتفهمه الصيرورة التاريخية للثورة المجيدة اللي هو مش واخد باله إنها مستمرة ومالهاش علاقة بالإخوان

تسب الدين للناس اللي في السلطة بس طبعا من غير ما تفقد إيمانك، وتهلل للمجرمين والمتخلفين وأولاد دين الكلب عشان هما الشعب الكادح

تدافع عن الأسلمة الشعوبية الوسطية مهما كنت عارف إنك كداب أو معرص – من غير رخصة قبل انطلاق الصيرورة، وبرخصة بعدها

تكتب مقالات وتنظيرات دقيقة وعميقة تقدم فيها رؤيتك للأوضاع وتحاول تنسى إن اللي فاهمينك مش أكتر من خمسة اتنين بس منهم اللي عندهم استعداد يعترفوا إنهم فاهمينك

*

فحوى القضايا: طيب – ومع احترامي الصادق للي بيتصدولها من الأصدقاء والزملاء – ٩٩٪ من “المعارك” و”القضايا” و”المنعطفات التاريخية” اللي حاصلة في الفضاء العام دلوقتي عبارة عن مشاكل نفسية لأفراد ظروف حياتهم صعبة وتكوينهم الإنساني مختل، ويمكن كويس إنه يبان إن دي حاجة موجودة عند “النخب” زي ما هي موجودة عند “العامة”. المؤسف إن المشاكل النفسية دي ما لهاش علاج، وحتى لو ليها علاج ولا ألف مسعى للتفاهم أو “الحوار الوطني” ممكن يزيلها

*

انفجار الأشرفية: سنة ٢٠٠٥ وقعتُ في غرام بيروت بشكل كامل، وأمضيت سنين مقتنعاً بأن في لبنان ميزة نوعية عن بقية الأقطار العربية هي سبب وربما نتيجة ما فيه من حدة للقبح كما الجمال. منذ ذلك الحين وحتى اليوم وأنا – غصباً عني – أراجع هذه القناعة، وأقاوم شعوراً متزايداً بأن الميزة النوعية ليست إلا غلافاً براقاً وهشاً لا قيمة له على الإطلاق. وأتابع بذهول دائم تعالي اللبنانيين على سواهم من العرب – وبالذات المصريين – محاولاً أن أستوعب ما يبرره لهم في نفوسهم. مع الوقت اكتشفت أن هذا التعالي هو نفسه بريق الغلاف، وأن ميزة لبنان النوعية أنها تسطح من يراها بحيث يمكنه أن يظل فوق الغلاف والعلبة فيها ما فيها من تحته – أو يوهم نفسه بأنه فوق الغلاف – بينما في مصر مثلاً نكون مضطرين للتعامل مع ما في العلبة مباشرة… كم صرت أكره بيروت منذ ذلك الاكتشاف

*

هاني درويش: التشرب البطئ لحكمة اكتشاف البناء من نقطة الصفر

هاني درويش يكتب عن الانتخابات الرئاسية

يتبني بعض الأصدقاء السياسيين مفهوما للسياسة هو ‘الفكاكة النظرية’ ومفادها ان تمكين ابو الفتوح الاسلامي الوردي سيدفع برهانات اختبار المشروع الاسلامي نحو فشله النهائي ، وذلك بحجة فتح مجال سياسي مغلق يسمح للقضايا الاجتماعية والديمقراطية بهامش حركة داخل الفترة الانتقالية التالية، او يدفعون احيانا ببرجماتية سياسية لا تخرج أيضاً عن روح الفكاكة بان المنتصر لا محالة سيكون مرشحا إسلاميا فهلم بنا لركوب ذيل طرفه الاقل جحوشية، يفترض هذا بالتبعية ان يكون هناك علي الاقل عقد سياسي واضح مع ابو الفتوح هم لم ينالوا اصلا شرف توقيعه معه، كما يفترض هذا التحليل اصلا فاعليتهم ككتلة تصويتية قد جري تثمين موقعها الترجيحي، والحقيقة كما اعتقدها اننا مدعوون للتواضع الواقعي والنظير فيما يخص هذا الوعي التبجحي النظري، فأبو الفتوح لازال مخلصا لجمهوره الحقيقي الاسلامي، وهو لم يفك لحظة أفكاره الليبرالية المفترضة في خطوات برامجية تؤمن بمدينة او ديمقراطية مشروعه الاسلامي، بل وانه حتي باعتبار الموقف التخيلي البرجماتي لم يقدم اي ضمانة لاستمرار موقفه الصدامي من بقايا نظام مبارك ولا تحديدا دقيقا لمستقبل علاقته بالتيار الاسلامي ، بل وحتي لم يستفزه الدخول المفاجئ للشاطر علي خط الانتخابات ليقول قولا قاطعا في علاقته بجماعته التي هجرته، لا أتذكر له الا مواقفه المتزنة من دعم الميدان فيما بعد ال ١٨يوم وهو في ذلك لا يختلف كثيرا عن ابو اسماعيل مثلا، في جميع الأحوال سارفضه رفضا مبدئيا دون بديل حالي ، وساشاهدكم تتطوعون بمنتهي الخزي النظري لدعمه في جولة الإعادة جنبا الي جنب مع السلفيين والإخوان انفسهم ، لكن لاتتباكوا لاحقا عندما تكتشفون كالعادة هزال الفكاكة متأخرين

wpid-abusmailophilia-2012-04-20-00-12.jpg

خرج إذن العشرة مرشحين، نستطيع القول بكل ضمير مستريح أننا أمام خيارين أحلاهما مر، ستنحصر المنافسة مستقبلا بين أبو الفتوح الإسلامي المفصول من جماعة الأخوان وعمرو موسي الفلولي الذي صبر حتي سقطت فاكهة اللاتوافق في حجره.

الشخصيتان ببساطة هما عصير عشوائي لمشهد السياسة قبل الثورة، أي أننا بمنتهي التجريد وبعد عام ونصف من ثورة لم نستطع أن نزيح البدائل المطروحة ولو قليلا إلي المستقبل، فكلاهما نتاج ربكة الميدان البدائية، هل نزل أبو الفتوح للميدان علي غير رغبة الجماعة؟ لا اعتقد، وهل تواجد موسي بالصدفة ؟ أشك، كلاهما تحرك نحو مشهد الثورة المفاجئ بحسابات موقعهما التاريخي علي هامش مؤسساتيهما، مؤسسات راهنت في هامش هامشها علي شعبوية ما، علي أتساق ما في صورة شبحية للإستهلاك الجماهيري، أبو الفتوح المستنير، موسي القومجي الشعبوي.

قلب المؤسستان معلوم خوائهما، تسلط وهيراركية ومقاومة للثورة، الشظايا المنفلتة كانت نتاج إحتياج كلتا المؤسستين إلي “ذيل” قادر علي التأكيد علي لا بدائية تكوينهما، عمرو موسي هبط في المشهد حين كانت الدبلوماسية المصرية زمن التسعينيات تحاول الرهان علي “تملص” تكنيكي للسياسة الرسمية الخارجية من أنبطاح كامل أمام طغيان أسرائيل، مجرد دور في مقدمة صور الفوتوغرافيا للمرحلة، بينما الخلفية الحقيقية كانت للتفاهمات الصلبة لأجهزة المخابرات، وكاريزما موسي لاتبدو منبتة الصلة عن تكنوقراطي أصيل لا مؤسسي، أستغل هامش التخصص وأحتياج خلفية النص السياسي إلي سخونة فتمدد في أحراش الجوع إلي بطل، يمكن رسم بورتريهه جنبا إلي جنب مع إجراءات سماح نظام مبارك لتظاهرات داعمة للشعب الفلسطيني، أو مظاهرة الأخوان في أستاد القاهرة لدعم القدس، إجراءات أثبتت نتائج التفاوض اللاحقة أنها كانت لخدمة صورة النظام تبدو مناسبة أكثر للتغطية والتمويه علي حقيقة موقعه التزلفي من أمريكا وأسرائيل.

عبد المنعم أبو الفتوح أبن لحظة تأسيس مشابهة، في قانونها العام لا في مشاهدها المسطحة، فإبن جيل السبعينيات في الأخوان أدرك قبل ثلاث سنوات وتحديدا في إنتخابات مجلس شوري الجماعة، أن ريفية الجماعة القائمة علي تقديس الطائفة لقانونها التنظيمي قد لفظته، وهو كان الأقرب إلي تحويل الجماعة بجيله إلي مايشبه تيارا للإسلام السياسي المنفتح، ابو الفتوح أبن هامش حركة الجماعة الإضطراري للعمل في النقابات المهنية زمن الثمانينيات، بما يعنيه ذلك من مجال سياسي وسيط مطلوب فيه التنسيق مع كفرة التيارات الأخري بشكل برجماتي، كان إقصاؤه مع محمد حبيب هو تعبير عن كراهية جسد الجماعة البدائي للسياسة خارج العلاقة السادية المازوخية بنظام مبارك، بل مثل أبو الفتوح نموذجا لشرائح شباب الأخوان المدينية، حيث أكتسب موقعه لا بمجرد الأخلاص البابوي ليد المرشد في لحظة التقبيل، بل لقدرته علي تأكيد نجاح الإسلاميين في المجال العام، أي أسلمته دون غضاضة القطيعة مع المدنية، النجاح الساحق لشيزفرينيا مفادها كما يقدم برنامجه الإنتخابي: لقد غرزنا التدين وسنسمح للمجتمع بإكمال دورة أسلمته علي أسس ديمقراطية، طريق طويل غير صدامي يراهن علي المستقبل، لا يضع في رأسه حصاد لحظة التمكين كما تتمناها الجماعة بإنقلاب، أبو الفتوح مخلص بوريتاني لحسن البنا، فيما الجماعة أكثر إخلاصا لمؤامرة قطب.

المرشحان الأوفر حظا الآن وفقا لمؤشرات اللحظة، التي تتعالي علي كل غثاء الإجراءات الركيكة والتخبط في المسار الإداري للإنتخابات نفسها، المرشحان كفكرة تتجاوز ماستشهده مصر من “هرتلة” حتي وصولها للإعادة، يؤكدان علي ما يكاد انكاره أن يكون كفرا ثوريا، أي القطيعة اللانهائية مع مشهد ما قبل الثورة، يتحرك الضمير الثوري بأمل أن تكون الثورة قادرة علي إزاحة النظام بالكامل، نواته القمعية في الجيش، وبقاياه النثرية في الفلول، وأخيرا قواه الإنتهازية ممثلة في الحركة الإسلامية، ورغم أن عام ونصف من الضحايا والإنتخابات والمناورات يؤكد أن تطهير المستقبل من الماضي يكاد يكون أمرا مستحيلا، إلا أن ضمير يحتفي بذكري رومانتيكية عن الـ18 يوما يأبي أن يصدق أن “تصفصف” الثورة علي خيارات رئاسية بهذه الرجعية، بهذا الإنشداد إلي الماضي، وعدم أستيعاب أن مرحلة الإنتقال قد تطول لسنوات يرعب هذا الضمير، خوف مفاده أن تتحول الثورة إلي ذكري امام دخول الحياة السياسية مرحلة التسييس الإجرائي المستمر والمتعرج بل والإنقلابي في لحظات تالية.

عبر عام ونصف مرت الثورة بحركات من قبيل إدخالها الميكروويف ثم أخراجها إلي الفريزر، نواتها الضميرية تكاد تكون غير مصدقة أن عمق مجازها بسيط، غير قابل علي الإمحاء في مطابخ السياسة الإجرائية العاجلة، نواتها أن قمعا أمنيا بمواصفات ماقبل الـ25 من يناير لن يعود، وأن رئيس قادم لن يكون محميا بأي توازنات إلا صندوق الإنتخابات وقدرته علي “خدمة” الجميع بدرجات متفاوتة، وأن البسطاء كما المسيسين قد عرفوا أخيرا أن جيشهم أضعف من فرض الأمن بالقوة، وأفشل من أن يعمم نمط شركاته الفاسدة علي إقتصاد متهاو، وأن طبقة سياسية كاملة تتعلم بالتجربة والخطأ فلا يملك أسلامها حلولا جاهزة، ولا بيروقراطيتها المدينية خيالا خارج دفاتر ارشيف الأحكام القضائية المتضاربة، وفي الطريق إلي تثبيت وتلوين تلك الحقائق علينا احتمال أنفجارات فقاعة الخراء المسماة دولة، والتي كنا نتخيلها وحشا فظهره كيف أنها أميبا وحيدة الخلية، تملك الحفاظ علي معدتها الهاضمة وتخاف التخصيب وتحتفي بالخرافة الحيوية، دولة لم يستطع مكونها الأكثر رعبا أن يضبط أجراءات ترشحه القانونية، أو كما تقول ليلي أرمن علي تويتر: في الثورة القادمة، حين نقتحم أقبية جهاز المخابرات، سنجد موظفين بائسين يجلسون أمام تلال من الأوراق ويحلون الكلمات المتقاطعة.

لقد دفع المكونان الكبيران في لحظات عندهما الحيواني بآخر الأوراق، الشاطر وسليمان هما أستعادة الماضي الضحل بكل فجاجته، فلم يقو أي من الطرفان علي تخيل نفسيهما في مواجهة هذه الخلاصة الحجرية للتهافت، تاجر الميني فاتورة التركي في مواجهة ملك الأطلال الشبحية، لقاء سحاب عصر مبارك لم يكن ليستعيد عصره، بل ليكتبا سويا شهادة وفاته النهائية، لذا وفر القضاء تراجعا لكلا الطرفين إلي حدود المتاح من إعادة لملمة المنفلت.

لن يكون الدستور أو إنتخابات الرئاسة إلا تثبيتا كلاشيهيا لمعالم خارطة الإنتقال، فنحن الآن نبني مؤسسات تشبه المؤسسات، “نلصم” شرعيات الثورة بالمتاح من مواد التشكيل، الدستور لن يكون نهائيا، والرئيس سيكون صنما من العجوة، ومجلسي الشعب والشوري سيكملان العرض العام لرثاثة الأداء، المضمون الوحيد فيما تعتمل هذه المكونات المتضاربة هو أن جمهورا جديدا من الناس سيكون مدعو إلي مشاهدة خدع الساحر التافهة ليضحك عليها، أو أن قطاعا آخر من الجماهير المعتصمة سيدفع ثمنا لنضال إجتماعي طبقي يتصاعد بخبرات خارج كاتلوج السياسيةف كما فهم في ستين عاما، أي أن المجتمع الذي غيب عن عمد وحضرت أشباحه، سيكون موصولا بحقن الأمصال في الوريد أمام نفسه، دون مسلسلات تلفزيونية أو هتاف وطني مكلوم، وتجربة الشهر الأخير وحدها جديرة بتأكيد هذا التأرجح العام.

في ثلاثين يوما لا أكثر، عبرت الرثاثة الشعبوية للمرشح السلفي حازم أبو أسماعيل عن مجمل ملامح المشروع السلفي في مصر، من حيث هو أحتفاء بالجهالة القانونية، وأفراز هيولي لحالة من الوعي التآمري الساذج، فاشية منمنمة علي طراز الجهالة البدوية العصامية، التي لا تحفل فقط بعدم أحتواء كذبها السافر علي منطق، بل وتمحورها المرضي الزعامي حول محامي بسيط الأمكانات، لايستعصم فقط بجهله بجنسية عائلته، بل قادر علي دفع آلاف المؤمنين به إلي حافة الأحتراق التطهري أمام عتبات هيئة قضائية تكنوقراطية، فشل حتي في إدارة معركته معها بالأوراق الرسمية مستعصما بسذاجة المؤامرة الكونية ضده، سينسحب أنصاره من المعركة الدرويشية إلي قارعة اللعنة والأحقاد في فضيحة مجلجلة.

عبر ثلاثين يوما، قدم الأخوان مرشحين أثنين يثبتان للجميع عقم الجماعة الكاريزمي، وكيف تبدل خطابها من أبتزاز الصبر علي البرلمان وتكفير الميدان، إلي النزول مرة أخري إلي الميادين بحثا عن شرعية جديدة، ناهيك عن الرعب والرجفة التي رصدها الجميع مع إطلالة عمر سليمان القصيرة والكارثية، ثم لملمة إجراءات ثورية رفضوها من قبل علي هيئة مشاريع قوانين كقانون العزل، كيف يحاولون التراجع وضغط المسافات مع القوي الثورية دون جرأة الأعتذار، لن ينسي جمهورهم التلكؤ حول الجمعية الدستورية التي كانت بداية مارش التصعيد الخائب، وكيف أستقبلوا بمهانة حكم الإدارية العليا بلاشرعية أنفرادهم بها، والحقيقة أن تكسير المشروعية الأخلاقية لهم سيؤتي ثماره في السقوط المدوي المتوقع لمرشحهم الأحتياطي محمد مرسي، وهو ما تستحقه جماعة أثبتت الثورة قزمية وخيبة التوقعات فيها.

خلال ثلاثين يوم، أسدل المجلس العسكري ستائر نسيانه مكتفيا بفضح ملخص أحتياجاته من المجتمع، مرة بالتأكيد علي عرقه المبذول في اكتناز ثرواته، ومرات في التأكيد علي خواء جعبته من الحيل، بات حتي بالنسبة لجمهوره الهيستيري علي شاكلة أبناء مبارك أو ممثلي الكتلة الصامتة موطنا للطعن، مستسلما لرفاة بؤس منظريه علي شاكلة مصطفي بكري أو توفيق عكاشة، وقد تسرب مؤيده من منظري صلابته شيئا فشيئا إلي صفوف معاداته، فاقدا غطاءا نخبويا هاما، كان إلي وقت قريب قادر علي تسويف غموضه وقمعه اللانهائي، ليثبت انه خير سلف لأتلف مؤسسة تهيمن علي مصير مصر السياسي منذ 60 عاما، بماتملكه فقط من قدرة مدهشة علي إشاعة الفراغ وهندسة الخراب.

بموازاة العبور الهادر للثلاثين يوما، يتأكد صدق الثوار الأخلاقي و طبيعية عجزهم الإجرائي، في الإتفاق حتي علي مرشح أو مجلس ثوري رئاسي، والحقيقة أن بعضا من هشاشتهم بنيوي ومتسق مع اللحظة، فما الذي يجمع مشاريع أبو الفتوح بحمدين صباحي بخالد علي؟ هل مجرد الوقوف في الميدان والدفاع عن الثورة يصلح لكولاج بهذا التناقض؟ هل وحدة العدو الفلولي او الأخواني أو العسكري قادرة علي تقديم بديل متماسك؟ أم ان التناقضات علي الضفة الأخري لابد لها من وقت لإنضاج التمايز؟ أليست رومانتيكية ولاواقعية خالد علي اليسارية، في رهانها علي الفقراء تحتاج إلي صراع إجتماعي أقتصادي مستقبلي، تتصادم فيه مع غموض المشروع النهضوي لأبو الفتوح، والذي هو بطبيعته مزجا لليبرالية طوباوية لم توضع علي محك الأختبار، أو أن يتصادم هذا كله بخواء إعادة أنتاج المشروع الناصري علي يد حمدين صباحي.

ما تثبته الأيام الماضية هو الأنكشاف العميق لتصحر المجال السياسي، فإن كانت الثورة قد أزاحت الكتلة المجنزرة الصدئة السطحية لتحجر هذا المجال، فإن عملية إعادة صهر وتشكيل المحتوي تحتاج زمنا من الصراع، من التوافيق والتركيبات والنكسات عبر مسيرة طويلة، دون إفراط في الأمل بتجسير الفجوة الزمنية لإنضاج الظروف، أو الصبر الميؤس من إنضاج تلك الظروف وفقا لقواها الذاتية، دون الرهان علي قطيعة كاملة مع الماضي، أو تيبس مفاصل المتصارعين بفعل الأجواء المتضاربة للمستقبل، فأخيرا ثمة مستقبل يمكن الرهان عليه فقط بالعمل، أخيرا ثمة إثارة في بلد لم تحدث فيه أشياء مثيرة منذ 7000 عام.

هاني درويش