معرفة

مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

حوار ناصر أبو عون

wpid-france177-2011-06-23-06-10.jpg

الشاعر يوسف رخا من ميدان التحرير لـ(أصوات الشمال) حاوره : د. ناصر أبوعون

في مدونته (شمال القاهرة غرب الفيليبين2009) عن “دار رياض الريس”، تشم منهما رائحة التاريخ كما يراه هو من نافذة الجرح وصولا إلى رائعته الروائية (كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ) الصادرة عن دار الشروق،٢٠١١وهو من مواليد (المحروسة/القاهرة) يوسف رخا صحافي وأديب مصري، درس منذ نعومة أظفاره في المملكة المتحدة، يشيد عمائر من النصوص، أبدع العديد من المدونات التي تنظم (الشعر والنثر) في سلك واحد تحت عنوان عريض يسمى (الأدب)، ويعمل في الصحافة العربية الصادرة بالإنجليزية / (الأهرام ويكلي)، وصدر له عن (دار العين) مؤخرا كتابه «كل أماكننا» شعري/ نثري، ويضم ديوانين صغيرين هما (اسم الوالد السعيد) و “قائم بأعمال السمك” تفصل بين زمن كتابتهما أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى عدد من النصوص النثرية الطويلة والقصيرة. وقبل ذلك بسنوات خرج علينا بـ(أزهار الشمس) وهي مجموعة قصصية أعقبها بـسِفره الأقرب إلى أدب (سيرة المكان) البعيد كليا عن أدب الرحلة تحت عنوان (بيروت شي محل2006) ومُثنيًا بسرديته (بورقيبة على مضض2008) وقد التقيناه عبر الإنترنت ودار الحديث عن شعر الثورة وثورة الشعر وحلول ميدان التحرير (الرمز) في قصيدته وتطرق الحديث حول إشكاليات الحداثة وقصيدة النثر
• تعد الصورة الشعرية في نصوصك (بؤرة النص ومداره) ؛ بل تمثل فسيفساء تغطي مساحة النص وتطغى على بياض الورق ..هل هذه محاولة منك لاستبدال الإيقاع العروضي في القصيدة التقليدية بالصورة في نصوصك النثرية ؟
يوسف رخا
لم أسع إلى ذلك إلا في حدود شديدة الضيق. لا أستبدل الإيقاع ولا أحس بحاجة إلى استبداله. أحياناً يكون خلو النص من أي موسيقى – دعك من “الدَقّة” العروضية – أقوى تأثيراً. لتقسيم النص إلى سطور أو عدمه ولشكل الكلمات على الصفحة دور ربما، لكنني كما سبق لم أتبحر في هذا الجانب من جماليات الشعر أو أنتبه إليه كثيراً. الصورة كمعنى صرف أهم بالنسبة إلي من الاستعارة. المجاز لا غنى عنه لكنني أنشدّ إلى المعنى البدائي للمجاز، إلى كون اللغة كلها مجازاً. روعة الشعر بالنسبة إلي في اللحظة التي تشعر فيها أن الجملة تقال لأول مرة في تاريخ الإنسانية.

• لوحظ أنك تشتغل كثيرا على اللغة ؛ بل تمارس فعلك في اللغة بما يتوازى مع حركية الحياة الإنسانية .. هي (فعل يحيل إلى الواقع) ؛ كيف من وجهة نظرك أن تصبح اللغة مشاعا إنسانيا لاحتمالات التغيير ؟
يوسف رخا
** هذه مسألة شديدة الصعوبة وأظن لها علاقة بالأمانة، بأن لا نقول إلا ما نصدّقه ونريد بالفعل أن نقوله وبأن لا تستهوينا الشعارات. أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة تبالغ كثيراً في تصوراتها عن دور الشعر في تغيير المجتمع أو إمكانية أن يكون للشعر أثر مباشر على الحراك الاجتماعي. أعتقد أن المبالغة في تلك التصورات إنما تقوّض وتعهّر الشعر وتخطئه، كما تساهم في انعزال الشعراء. العثرة الأساسية في العالم العربي هي الأمية بكل تجلياتها، وكون الأدباء اعتادوا أن يخاطبوا السلطة لا الناس. رهاني “الثوري” يظل على التغيير التدريجي البطيء للوعي، وبينما أقوم بما علي لا أعول كثيراً على كسب الرهان.

• مطالعة إنتاجك النثري يؤكد أنك تدعو إلى انقلاب ثوري ينطلق من فكرة، ترى الشعر (كشفا ورؤيا)، أليس هذا غير منطقي ويعلو على الشروط الشكلية للشعر التقليدي؟
يوسف رخا
** أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

أرى الكتابة معرفة وأرى الشعر ببساطة درجة أصفى أو أكثر تكثيفاً لفعل الكتابة مما يكون عليه في أشكال أدبية أخرى، أصفى أو أحدّ ولكن ليس أرقى أو أقيم في حد ذاته. الشعر هو الكتابة في أشد صورها حدةً أو صفاءً، الأمر الذي يجعله معقداً بالمقارنة مع ما سواه من أشكال أدبية لكنه عندما يتحقق – وهذا هو أحد ألغاز الشعر – يصبح أسلس وأسهل مما سواه هكذا بلا مجهود إضافي. أعتقد أن نظرتي إلى الكتابة من واقع ممارستها منطقية تماماً، ولا أرى أنني منعزل عن امتدادها الزماني والمكاني في اللغة العربية. أنا لست معنياً بغير شروط واقعي كما أراه ولا ألتزم بالشروط الشكلية لأي شيء “تقليدي” فلماذا ألتزم بالشروط الشكلية للكتابة؟ في جانب منه يبقى الطموح كلاسيكياً لكن العلاقة بالتراث تأتي في عمق وتنوع ما يمكن أن يطرحه من أسئلة، ليس في استنساخ تقنياته. أنا شخص يرتدي القميص والبنطلون ويستعمل الموبايل واللابتوب، يقود سيارة ويحتسي المياه الغازية ولا يستطيع أن يعيش بلا إنترنت. ماذا يمكن أن يعنيني في الالتزام بشروط القديم أو إعادة إنتاجه؟

• كتابتك النثرية وخاصة في قصائدك المنشورة في مجلة (نزوى) تدعو إلي مزيد من الحرية، التي تجعل الشكل يمَّحي أمام أي قصد أو هدف، من أجل البحث في وظيفة الممارسة الشعرية التي تعتبر طاقة ارتياد وكشف تتجاوز في قدرتها الأشكال المؤسسة .. إلى أين يأخذ يوسف رخا القارئ في زمن الثورة على كل التقاليد العربية ومنها تقاليد الشعر؟
يوسف رخا
** الشكل شيء أساسي. لا أقصد النوع الأدبي وإن كان انتماء نص ما إلى نوع أدبي معين أو ادعاؤه أيضاً يؤثر على الشكل. الشكل هو من صلب النص وليست الحرية من دواعي اختلاله. وعليه فإنني أدعوك إلى اختيار أي جملة كتبتُها في أي سياق وسأستطيع أن أشرح لك كيف أنها جزء من بناء كُتبت بداخله ومن أجله، كيف أنها تساهم في تكوين شكل بقدر ما تعبر عن مضمون. أي جملة: أستطيع أن أشرح لك الوظيفة التي تؤديها لتحقيق الشكل الذي يحتويها، وإلام تستند من كتابات وأشكال كتابة سابقة على كتابتها. هذا أيضاً أمر مهم وإن لم يكن في صلب السؤال: أن لكل جملة تاريخ من الجمل المكتوبة قبلها من جانب آخرين قرأتَ لهم أو لم تقرأ؛ وحتى داخل اللغة الواحدة، بالرغم من التلاقح الدائم للغات، أنت عندما تكتب لا تقفز في الفراغ. أنت تعيد كتابة شيء قرأته أو كنت تود قراءته. من هنا أظنني أصاحب القارئ على دروب دائرية قد تقوده حتى إلى كتابة أقدم من كتابتي. لا أريد أن “آخذ” أحداً إلى مكان! أرى الكتابة طريقة للتواصل الصادق مع أناس لا أعرفهم، ولإعادة صياغة جمل لابد أنها صيغت من قبل لكنها لا تعنينا بالقدر نفسه قبل أن نعيد صياغتها. سأكتفي، رداً على عبارتك الأخيرة، بقول إن تقاليد الشعر تتجاوز عروض الخليل. ولو أن صياغتي للجمل التي أختارها تستلزم عدم الالتزام بالعروض، فذلك لا يعني أنني مقطوع الصلة بالمنجز الخلاب لأمثال أبي فراس الحمداني والنابغة الذبياني وأبي نواس والمتنبي وابن الفارض…

• جيلك من شعراء قصيدة النثر (في التسعينيات من القرن العشرين) متهمون بأنكم مثل معظم تمثيلات الانتلجنسيا العربية ما زلتم تتعاطون مع مفهوم الحداثة من طريق القصر على الوسائل والأدوات دون تشرب حقيقي لفلسفتها، بما هي فكر وسلوك ونمط حياة. وحين تغدو الأفكار الجديدة انتقاء تتأبد أزمة المحاكاة والبرانية فماذا تقول ؟
يوسف رخا
** أولاً أنا لا أنتمي إلى جيل. في الآونة الأخيرة أعتقد أنني فهمت من أين أتى هذا المفهوم إلى دوائر الأدب العربي وماذا كانت ضرورته – في غياب أي دعم معنوي أو مادي لإنتاج الأدب كان لزاماً على من تقاربت أعمارهم وظروفهم الاجتماعية أن يتكتلوا لكي تحافظ الكتابة على الحد الأدنى من المصداقية أو هكذا ظن عدد كاف من الناس عبر موجات متلاحقة بامتداد القرن العشرين – لكن بشكل “موضوعي” لا أظن مفهوم الجيل ينطبق عليَّ. كان لي صلة سطحية بجماعة “الجراد” ربما وهي أحد “جيتوهات” الهامش الثقافي المفترض – لست مقتنعاً بثنائية الهامش والمتن التي استُغلت ببذاءة في هذا السياق، لكن لا يمكن وصف جماعات التسعينيات إلا بالجيتوهات – وبدا ما يكتبه أعلامها قريباً إلى ذائقتي أو فكرتي عن ما يجب أن يُكتب. لكنني لم أكن مجايلاً لهؤلاء ولا مشاركاً لهم في السلوك ونمط الحياة. كان ما يشدني إليهم في جزء منه على الأقل هو الشعور بأنهم يكتبون أشياء حاصلة في الواقع دون اللجوء إلى متكآت مفاهيمية كالحرية والعدالة والإخاء أو الحب والخير والجمال. كانوا يتحدثون عن الخبرة الروحية وخبرة المكان دون أن يقولوا قال الله وقال الوطن. ولم يكن خطابهم يعتمد على ذرائع جمالية أو سياسية. الآن فقط أعرف أن فردية “التسعينيين” لم تكن عاملاً في انجذابي إليهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا فرديين. كان وجودهم في جيتو هو ما ينفرني، بالمقابل.

وخلاف أن يكون المقصود بكلمة حداثة هو تلك الفردية أو تجاوز المقدسات، أستطيع أن أقول بصدق إنني لا أعرف ماذا تعني الكلمة أو ماذا يُقصد بها في السياق العربي. من ذا الذي نحاكيه؟ هل تعلم مثلاً أن الكثير جداً من الشعر “الغربي” المعاصر موزون ومقفى؟ أين إذن الحداثة النثرية المفترض أنها وافدة إلى شعرنا؟ وبأي منطق تقابل أي “حداثة” محتملة مفهوم “الأصالة” أساساً؟ هل المبتغى أصالة مفاهيمية (أيديولوجية) أم أمانة فردية؟ بسبب تعليمي في إنجلترا واتقاني للإنجليزية منذ عمر مبكر، لا أظنني أدعي إذ أقول إنني “أعرف” الغرب. ولا أظن “هم” مختلفين عن “نا” أو متفوقين علينا أدبياً في أي شيء سوى درجة تغلغل الكتابة في المجتمع الذي ينتجها، والمدعومة بنسق رأسمالي عام يستلزم أنواعاً من “المهنية” ليست دائماً في صالح الأدب، لكنها بالطبع مدعومة أيضاً بنسب بتوفر أسباب القراءة الاقتصادية والتعليمية والسياسية بدرجات أعلى بما لا يقاس. أعتقد أن الإشكال عندنا يكمن في الجهل بالسياقات الغربية والافتراض المسبق أنه أفضل أو ما يشبه إحساساً ملازماً بالدونية ولذلك أسباب تاريخية واضحة، لكن قناعتي أن التفاعل أياً كان هو بتعريفه نشاط ندي. الكتابة فضاء ندي شئنا أم أبينا، وليس سؤال البرانية أو العصرية (المعاصرة) سؤالاً ثقافياً؛ أقصد أنه ليس سؤالاً يطرحه اختلاف ثقافة عن أخرى. قناعتي أنه سؤال أخلاقي، بمعنى أن الشعر تمثل لحقيقة ما داخل واقع ما من المفترض أن تلتزم بهما الكتابة ومن ثم تحفظ مصداقيتها. فهل تخرج الكتابة من احتياج صادق إليها وهل تُستقبل بنزاهة أدبية؟ أظن هذا هو المهم، ولا أظنه مرتبطاً لا بالحداثة ولا بالتطابق مع مصدرها.

• يقول بعض شعراء قصيدة النثر (لا توجد قاعدة ولا جمهور لقصيدة النثر) إذن لمن تكتب؟ أليس هذا إقرار بعجز قصيدة النثر عن التفاعل مع الجمهور ؟ هل تعلم أن قصيدة العامية والنمط الكلاسيكي والتفعيلي كان حاضرا ومتجاوبا ووسيلة من وسائل ثورة 25 يناير وسجلت قصيدة النثر انسحابا مخزيا كانسحاب قوات الشرطة من الميدان فانتصرت الثورة؟

** الكلام عن غياب الجمهور مهم جداً، أما مقارنة “قصيدة النثر” بانسحاب الشرطة فلا يعني شيئاً. يبدو لي أن سلطة التقليد ووضع شروط تقنية للممارسة الأدبية أقرب بكثير إلى نسق الدولة البوليسية منها إلى فعل الثورة؛ إن شرطة العروض هي التي انسحبت أمام ثورة النثر وإن كان أكثر الثوار غائباً عن الواقع الشعري بما يحجب عنه هذه الحقائق. يمكنني أن أدافع عن نصي في سياقه – وقد كتبت قصيدتين من داخل الأحداث وعنها (ملحق أدناه) – لكنني لن أدافع عن مفاهيم أو افتراضات مجردة؛ ولا أفهم الكلام عن نوع أدبي (هو الآخر مفترض) وكأنه كيان أحادي قائم بذاته في مواجهة كيانات منافسة. الحاصل منذ عشرين سنة على الأقل هو أن شعر النثر أكثر رواجاً في الدوائر الأدبية بما لا يقاس من الشعر الموزون؛ والدوائر الأدبية على علاتها تعنيني أكثر من التلفزيون على سبيل المثال.

أظنه أمراً مفروغاً منه أن لا نحكم على القصيدة بناء على ما إذا كانت تحقق لأناس غير معنيين بالشعر أفكاراً مجتزأة وقديمة عن طبيعة الخطاب الأدبي أو اختلافه عن خطاب التفاعل اليومي مثلاً. لكن المهم في كل ذلك هو أن الشعر بأي تعريف لا يمكن أن يكون وسيلة، ولا يمكن أن يكون وسيلة سياسية بالذات؛ الدعاية أو الشعارات وإن اتفقنا على ضرورتها ليست شعراً. يبدو لي هذا بديهياً، ولا أريد أن أخوض في الفرق بين الشعر والنَظم؛ لا أريد أن أدافع عن نص لمجرد أنه ليس عروضياً، أو أنجر إلى التعبير عن احتقاري الشديد للشعر الحر (التفعيلة) كحل تقني جبان لم يكن جذرياً بما يكفي ولم يساهم بما يكفي في عقد الصلة بين “جمهور” لا يزال يستسيغ الإيقاع من ناحية وتراث “عمودي” جبار من ناحية أخرى، بل أبقى الفرد معزولاً عن تراثه دون أن يمنحه حرية تجاوز ذلك التراث وكان تمثلاً جلياً لـ”نصف الثورة” التي قامت عليها نهضتنا التوافقية برمتها، مستنداً في مجمله – مثله في ذلك مثل كل أسباب النهضة – إلى سلطة الحكم والقوة لا سلطة المعرفة والذيوع… توجد قواعد وإن لم يمكن قياسها بالمسطرة كما هو حال قواعد العروض، ويوجد قارئ وإن لم يوجد جمهور.

• يرى هنري ميشونيك بأنه إذا تغيرت نظرية الإيقاع تغيرت معها نظرية اللغة بأكملها .. ونحن في ظرف استثنائي الآن حيث فشلت قصيدة النثر في إقرار قواعد راسخة لها بل مازالت تسميتها عاجزة عن التأصيل .. هل ترى بصيص أمل في أن تستطيع قصيدة النثر ممارسة الفعل الثوري وتغيير نظرية اللغة؟

** ليس في النثر إيقاع، هذا ما يجعله نثراً! علينا أن ننظر إلى “القصيدة” باعتبارها شكلاً أدبياً وكفى. كما سبق وذكرت، القواعد تتبع الممارسة لا تسبقها، في الأدب وفي اللغة على حد سواء. وبعد أن انعزلنا عن الأشكال التراثية ثم أعدنا اكتشافها، بعد أن استهلكنا الأشكال المستوردة دون أن نقتع بالأفكار التي أنتجتها، علينا أن نبتدع أشكالنا. علينا أن نبتدع أشكالاً يأتي من بعدنا نقاد ومدرسيون يستشفون منها القواعد ليحددوها فتتأسس وتسود إلى أن يتم التمرد عليها مجدداً. ولا أعرف ما هو الفعل الثوري في هذا السياق. أعتقد أن الكتابة كلها ثورة بمعنى ما، ثورة ذهنية وأخلاقية وهذا – الأمر الذي يتضح لنا أكثر فأكثر في مصر الآن في أعقاب الأحداث الأخيرة – أهم بكثير من الثورة السياسية. كل كتابة تأسيسية هي إعادة اختراع للغة وتعديل على نظريتها. نحن نعيش بالكلام أكثر بكثير مما نعيش بأي شيء آخر، وبحسب عمق هذا الكلام وتفرده يكون عمق وتفرد حياتنا.

• كان الشعر بحضرتك (ليلة 28 يناير) وعبر (مسيلة للدموع) جاء المشهد فادحا وجنونيا…

** ( كان يسقط ماء من عيونهم.. من نظراتهم المصممة وحناجرهم.. قبل أن يرتموا على ظهورهم.. متشنجين فوق سلالم العمارات.. مفزوعين باحتقان وجوههم.. بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ.. حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة.. تفتح عيونها بالخارج.. كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون.. وبينما يحتمون بأبواب العمارات.. كان يسقط من عيونهم ماء.. يبرق بين أقدام اللاحقين)

• في (مساء ١١ فبراير)‬ جاءت (صلاة شكر) لتختصر المشهد في لقطات مجازية وتركت القارئ يقوم بعملية (المونتاج) يحذف ويضيف ويقص ويستخدم فنيات الإضاءة الذاتية ويعيد مشاهدة المسرح على طريقته..

** (بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المدرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك‫)