عمر الباز: #نشتاء

تصبحون على وتن حر و شعب واعى #نشتاء

ولع شمروخ- ينشر حرية -(حاجة) زلام- يسقط نيزام #أرتراس

البحترية فى تنسيق مواطن السماحة فى ثوابت الأشياء التى لا تتقهقر بفعل الثورة و يتنامى عنها سلطة مرمرية تنام على افخاذ العذارى فى كوبا و يتشكل حولها عدة منمنمات مخملية تنساب فى جوارح الشعوب و يتجمع دمامل حول التنظيمات المستقرة دوريا و تتنامى هذه الظاهرة إلى التنظميات التى تسعى إلى سأسأة العمال فى مية الطحينة

.

wpid-img_3789-2013-03-20-19-06.jpg

احنا شيلنا نيزام موباريك الكمعى عشان فى الآخر يتسأسأ العمال فى مية الطحينة

سأصنع من عرق الكادحين عطرا… كس ام العفانة بجد

.

wpid-img_3825-2013-03-20-19-06.jpg

.
وتكمن معضلة الساورا المسرية فى عدم تلاحم مكنونتها الثانوية وعدم إستطاعة المواطنين الالتفاف فى دوائر الساورا السرمدية فينتج عنه انسداد فى جلدة الحنفية مما يؤدى بنا إلى انفجار معاميعى مسرطن يودى بالوطن إلى الهاوية التفتحية… وعدم وجود أليات تقدمية تتيح للمواطن السفرجة على مسارح التنوع التى لا تنتهى يؤدى إلى انشطار فى الجزيئات الكرموزمية مما يرينا التططرو الحادث فى البنية السيميائية لتناحر الأجداد على صينية الكوسة بالقطايف
لكى الله يا مسر
هحاول فى الايام الجاية اكمل تحليلى للساورا المسرية العظيمة على خلفية ما يتراءى من عصرجة فى ما وراء السامرية المتعطشة لانجلال حيوانات الكوالا البرية

.

wpid-img_5179-2013-03-20-19-06.jpg

.
و سفاحة ما يتم على مذبح كنيسة الازبكية….فما هو إلا إشارة على موسنة و حشرجة جموع المواطنين من طلبة و عمال و تجمعات ساوريا تشاهد افلام لطيبة الذكر جيانا مايكلز…..احرصوا على مسر يا اولادى الأعزاء

هل قمنا بساورا لاستبدال النظام الانقشاعى التقدمى بآخر يسرسل فى غياهب المدن؟ هل هكذا نكافىء من ماتوا؟ هل هكذا يكون الاستئدام فى وسائل الميكنة الحضرية فى استخراج السكر من محصول البنجر ؟انا بحاول احذر شبابنا قبل الانجرار إلى الفخاخ التى ينصبها لهم اعداء التمرس على سمرجة الأشياء

اعدائنا برده عملنلنا افخاخ من اسياخ الشاورمة السورى على الكورنيش اسكندرية فاحذروا يا شباب مسر يا الواعى

يا شباب ميسر الواعى ….انا داخل انام…فاقفلوا باب الحمام…واعلوا واحد تمام…واشربوا من مية السخان و شكرا

.

wpid-img_1096-2013-03-20-19-06.jpg

.

وشائج الحنين…. فى ربط حاجات الإبزيم

الموساكاف السردأى: عمر الباز – البحاث فى العلاقات الجزئية بين الفعل و الساورى و اللا وعى التداخلى

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

wpid-img_6400-2013-03-20-13-40.jpg

لكن بغض النظر عن ذلك أحس أن كتابتهم حاجة من اتنين:

إما دروس في الأخلاق نبرتها عقلانية و”وسطية” مصرقويتية مما يساعد بشكل أو بآخر على تأكيد “الثوابت” الإخوانية نفسها التي جعلت المجتمع شكله كده؛

أو تمرينات استعراضية تبالغ في الحركات بما يوحي أن كتابها بعد ما مضّوا طفولتهم بين مدن سكاندينافيا وأحياء لوس أنجيليس المثلية ذهبوا في بعثات طويلة إلى مدن الفضاء الخارجي ولم يجيئوا مصر إلى أن قامت الثورة.

wpid-img_6401-2013-03-20-13-40.jpg

باختصار:

أرى درجات عبث ولاجدوى كفيلة بجعلي أكف عن قراءة المقالات بعد أن كففت فعلاً عن متابعة التلفزيون والأخبار. ولا يعني هذا أي انتقاد للمقالات أو كتابها بالضرورة، فقط لجدوى الاشتباك بهذا الشكل مع القضايا المطروحة والمحسومة في ذهني وأذهانهم كما حُسمت منذ عقود أو قرون في العالم النظيف؛ اللهم إلا التربح من ورائها وهو ما أربأ بالحبايب عنه. أربأ أربأ يعني…

حتى لو السبب الوحيد في ذلك أني لا أرى كيف يمكن أن يتربحوا منه بدرجة مجدية.

wpid-photo-2013-03-20-13-40.jpg

(٢)

من الموتيفات المسيطرة على خطاب الصيبر العربي ما بعد “الثورات” فكرة العدمية، وفكرة الأناركية. أنا لن أخش في التفاصيل التاريخية والمعرفية لكل من الفكرتين ولن أسأل مجرد سؤال عن الهرتلة المعتادة في الكلام عن الفروق بين النظرية والتطبيق، أكثر من قول إني حقيقي اتخنقت.

wpid-img_4826-2013-03-20-13-40.jpg

اتخنقت ليس لأن كلاً من الفكرتين عبارة عن كليشيه ميّت يقدّم باعتباره مخرجاً من أزمة حياة، ولا لأنهما ينقصهما الحد الأدني “التنويري” من الموضوعية (فكل فكرة بهذا المعنى تشبه المنطلق الديني/الأخلاقي للإخوان المسلمين، لا يهم أنها قد تبدو على طرف النقيض لفظياً من “جماعة إصلاحية محافظة”)، ولا حتى لأنهما فكرتان بلا أفق… ولكن لأسباب، في الوقت نفسه، أبسط وأكثر جذرية.

فما معنى أن تتكلم عن العدمية وأنت غرقان في سبوبة وراء سبوبة وبصدد استبدال سيارتك التويوتا بواحدة بي إم الآن، أو أن يكون هذا – للدقة – هو الطريق الذي تتطلع إلى السير عليه (إلا أن تكون العدمية جانباً من الديكور اللاحق على عملية تسلق اجتماعي ناجحة)؟

وما معنى أن تتكلم عن العدمية كمبرر لاشتراكك في اشتباكات خرقاء مع الشرطة أو غير الشرطة تحدث تحت عنوان القصاص (وهو مفهوم ليس فقط غير متوائم مع “الفكر العدمي” ولكن أيضاً أقدم بكثير – تاريخياً – من المنظومة الحداثية التي أنتجت وضعاً يمكن أن تكون العدمية رد فعل عليه)؟

wpid-2013-02-1711-49-44-2013-03-20-13-40.jpg

أما بالنسبة للأناركية، مع شديد احترامي يعني، أناركية مين يا بني اللي إنت جاي تمارسها هنا؟ وإنت عندك دولة أصلاً عشان تثور عليها بالأناركية؟ ولما تلغي بواقي السلطة الموجودة – بافتراض إنك تقدر تعمل كده في شارعكو حتى – إيه اللي حيفرّقك عن لبنان قبل ١٩٩٠ أو العراق بعد ٢٠٠٣؟

لما يبقى عندك حد أدنى من الخصوصية أو رفيقات نضال ما هماش متبشنقين، لما تبقى إنت شخصياً قادر تتخلص من الإحساس بالذنب إنك ما بتقومش تصلي الفجر بالليل… والأهم من ده كله طبعاً لما تبقى شايف حواليك خدمات أساسية أو منظومة رأسمالية شغالة أو أي أمارة تانية على وجود مؤسسات ليها سطوة بأي معنى عملي أو إيجابي – مش مجرد عصابات بتطلّع ميتين ناس هما سامحينلها بكده – ساعتها ابقى فكر في الأناركية.

غير ده ما فيش أي مانع طبعاً تجري في الشارع بس ما تبقاش ترجع تعيط لما يحصل المفترض إن الأناركي متوقعه، ماشي؟

wpid-2013-02-2315-24-56-2013-03-20-13-40.jpg

(٣)

قد يكون مأخذي الأساسي على كل ذلك غير مرتبط لا بالعالم العربي ولا باللحظة الراهنة فيه – قد يكون كلامي فعلاً منفصلاً عن أي مكان/زمن، وهو ما يفسّره ويؤّكده بعدي عن الواقع أو إدراكي لذلك البعد الأعمق ربما، فقط ربما، من إدراك معارفي كتاب الرأي – لكن المهم في الموضوع، غير إني اتخنقت يعني، هو أني باستثناءات نادرة معظمها تائه على طريق التفاهة الممنهجة لا أرى في الكلام الدائر أفق حياة.

قصدي أن كل أو معظم ما يقال باتجاه النظافة في مجتمع يتضح كل يوم أنه أوسخ من فكرتي الوسخة عنه يساهم بلا قصد في الوساخة، ذلك أنه سواء كان “أخلاقياً” أو “جامد كيك” دائماً ما يتضح أنه مطابق للفكرة الدينية/الأخلاقية القديمة، حتى في موقفه الجمالي، ولذلك ينتهي إلى الهزيمة أمام الفكرة التلمودية في صورتها الخام وينتهي إلى الموت أو ما بعده بديلاً أوحد عن اللامسئولية أو استمرار الوضع على ما هو عليه: العدم المزعوم. ينتهي من قبل أن يبدأ.

لاحظ – أرجوك – أني لم أذكر أياً من القضايا المطروحة والدائر النقاش حولها. أنت تعرف رأيي فيها كما أعرف أنا رأيك، ولا أرى أي ضرورة من ثم لذكرها.

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

ويبدو أن المناخ الليبرالي السابق على الثورة (بكل مشكلاته) لم يكن صنيعة المجتمع المصري، ولا السلطة الي حبت لخيار اللبرالي، بل فرضه نوع من اقتسام الفضاء السياسي لم يسمح لهذه السلطة الممثلة في حكومات منتخبة باحتكار المجال من جهة وبالتالي باحتكار فكرة الضمير العام. وهو ما انعكس حتى على النشاط الذهني والثقافي عموما. فلا قيادة ثقافية تمثل مركزا للفعل والمرجعية، ولا “شلة” بالمعنى الذي شهده المجتمع الثقافي بعد الثورة، بل مثقفون وفنانون أفراد. ولأول مرة يتشكل زبون اجتماعي يتوجه إليه الكاتب: فمن تكتب لهم جماعة أبولو، غير زبائن مجلة الرسالة، وأنصار طه حسين يختلفون عن أنصار العقاد. وهكذا. ولا يعني أن هذا الزبون الاجتماعي كان جامدا.

من كانت له خبرة بسيطة ببائعي الكتب القديمة كان يعتاد أن يجد لدى بائع ما  مكتبة كاملة قام بشرائها أخيرا. تكشف المكتبات التي ينتمي أصحابها لأجيال عاشت قبل “يوليو” عن مزاج أصحابها، لقد كانوا محامين ومحاسبين، وموظفين إداريين ومعلمين..إلخ. وكانت مكتباتهم تشي بتوع كبير في الاختيارات مع نوع من التركيز يكشف هوى صاحب المكتبة الأصلي. ولم يكن قد جاء الوقت الذي تصبح فيه قراءتك لكتاب لمحمود شاكر مثلا (مجرد قراءتك) دليلا على الرجعية. ووضعه أمامك على طاولة  كاف ليطرد عنك بعض الأصدقاء أو ليثير التهكم، رغم أن قراءة كتاب، وهذا مفهوم بالضرورة، لا تعني أبدا تبني أفكاره، وهي مسألة في غاية السذاجة والسخف.

قلت يوما ما لصديق “مثقف” إنني أحاول إعادة قراءة العقاد لأنه… ولم أكمل عبارتي قبل أن يقاطعني باستياء: العقاد؟ وده ح تلاقي فيه إيه؟

والتساؤل يتضمن أكثر من مغالطة: مغالطة أنك تقرأ لتتبنى، ومغالطة أنك يجب أن تقرأ لصاحب أفكار مهمة، وليس مثلا لتستقرأ من خلفه طبيعة وعي اجتماعي وثقافي سائد وراهن أيضا. ومغالطة أهم  في شأن حريتك أن تقرأ من تشاء، ومغالطة في الاستهتار بذكائك في استخلاص ما له القدرة على الحياة والمعاصرة.

ولم يكن قد جاء الوقت الذي يتركز المثقفون وزبائنهم، بل يتلخصون، في حلقات اجماعية “تضامنية”، يصبح فيها الزبون منتجا والمنتج زبونا بالتتابع، وتنتشر فيها موجات القراءة بالعدوى، فهذا موسم كونديرا حيث من الغريب أن تقرأ  لكونراد، وهذا وقت ساراماجو حيث من المخجل أن تحمل رواية لبلزاك أو تكون كارها لقراءة اروايات من الأساس. وحيث يكون تبادل طأطأة الرؤوس، كعلامة اعجاب صامت وأكيد، دليلا على نوع من القهر التي تمارسه هذه المجموعات على أفرادها.

ليست مصادفة أن السنوات السابقة على “يوليو” هي التي كان يستدعيها أنصار “التنوير” منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، باستعارة مستحيلة، دون فهم أمرين: أولا شروط هذه اللحظة السابقة، وثانيا انهيارها السريع، رغم أنها بالمناسبة لم تكن، رغم ما حققته، عميقة ومبادرة بالقدر الكافي، كما أنه كان من المستحيل استعداتها لأن شروطها لم تكن أقل استثنائية عن الشروط التي صنعتها “يوليو” نفسها.

أتحدث عن الوسط الثقافي “المنتج” لا الرؤى الثقافية الاجتماعية بمعاتها الواسع لأن الأولى كانت تمثيلا للثانية في الواقع وإن حاولت بكل قوة أن تموه وتزيف هذا التمثيل أعني كونها أسيرة الوعي الشعبي الذي ترافق مع شكل من أشكال الحكم والسلطة ودعم كل منهما الآخر. وهي لم تكن أسيرة له فقط في منطق تفكيرها بل في طبيعة تكوينها من الأساس.

كما أن “الوعي الشعبي”، إذا صح هذا التعبير، كان يقبل بصورة ماكرة عملية التزييف المستمرة له، خاصة عن طريق الأشكال الثقافية الأكثر شهرة كالأفلام والأغاني، وهو ما حدث أيضا بعد ذلك من خلال الدين، أو المبادئ الأخلاقية المعلنة، بحيث يصعب ان تستقرئه مباشرة دون أن تقع في شرك خداعه.

wpid-2013-02-2220-36-03-2013-03-8-17-462.jpg

يوليو ومشكلة الصدق:

يعني اندماج معنيي التمثيل السياسي والأخلاقي في كيان واحد حاكم الوقوع في أزمة التناقض بين الزمني واللازمني، أو على الأقل بين الزمانية المرنة والنسبية للفعل  السياسي، والزمن التاريخي الممتد لفكرة “الشرعية”. فلا يمكن لسلطة أن تحتكر الفكرة الجوهرية لشرعية السلطة بكل ما تتضمنه من عبء أخلاقي ومبدأي، دون أن تجد نفسها بين أمرين:

1ـ الترهل لأنها تجد نفسها مطالبة طوال الوقت بتمثيل التاريخ (المتمثل أصلا في  ثقافة المجتمع) بكل تناقضاته، وبالتالي فهي لاتخلط فقط بين التراث العلماني والديني بل بين أشتات متناقضة من “صور” تحققهما في مراحل تاريخية ينفي كل منها الآخر. لتصبح السلطة كرنفالا أو على هيئة مهرج لا يمكن أن يكون مقنعا لأنصار أي صورة، وهو ما يحدو بهذه لسلطة في النهاية إلى العنف، إنه (العنف) جزء بنيوي من تركيبة عجزها وشعورها بالافتضاح.

2ـ يؤخر هذا من عمل السلطة المطلوب منها أصلا وهو إدارة البلاد، لأنها تكون متفرغة بدعم شرعيتها مستنفدة طاقة كبيرة غير لازمة كان ينبغي أن توفرها لأمور تقنية وإدارية، مما يسهم مرة أخرى في تقليص شرعيتها. وكأن ما بنته على رمال الشرعية بالتكويش على الأفكار، تهدمه هشاشة العنصر المكون منه البناء ذاته.

3ـ تسمح السلطة من خلال ذلك بتحويل مجرى النشاط السياسي إلى نشاط ثقافي ذي طبيعة أخلاقية، وهو ما سمح بدخول الجماعات الدينية على الخط بشكل طبيعي، والحقيقة أنه حتى اليسار كان يتسرب إليه النقد الأخلاقي للشرعية كطريق سهل أمام عدو مكشوف مما قلص قدراته، رغم أصوله الوضعية والمنهجية، على البحث الموضوعيين. فشعوره بالتفوق الأخلاقي على السلطة المشكوك فيها بسهولة وفر أن يتحدث بثقة عن فساد النظام بين كل نفسين من سيجارة.

ما علاقة ذلك بمشكلة الصدق؟ وبالمثل ما مشكلة الصدق هذه؟

حين تتجسد المعاني في كتلة بشرية بعينها لا يعود نقاش الأفكار والمعاني خاضعا لصدقها الموضوعي، بل لدرجة تمثيل  كل فرد من أفرادها للـ”فكرة”. الجماعات المعارضة بالذات تسلك سلوك “المستعمّر المهمَّش”، تبتدع لنفسها قانون للولاء الشخصي هو قانون “المطابقة” أو “الصدق”: ببساطة مصداقيتك كـ”أخ” أو “رفيق” هي في تمثيلك الشخصي للفكرة على مستوى السلوك اليومي.

يفتح هذا باب جهنم على هذه المجموعات، حيث الرقابة والمقارنة الدائمة، والمعايرة، والتراتب بأقبح صوره وأشدها فظاظة وتفاهة، وبالخطأ المرعب (كما حدث مع السلطة من قبل) بالجمع بين الزمني المحدود بقدرات كل منا الشخصية داخل تاريخ خاص، وبين اللازمني، أو التاريخي الأكثر امتدادا والمفتوح على الاحتمالات الممثل في “الفكرة”.

لقد كان غريبا جدا، بالنسبة لي على الأقل، انهيار السبعينيين أمام تراجع الفكرة الماركسية، وكأن سقوط الفكرة في مكان،هذا إذا كانت الفكرة نفسها هي التي سقطت، يعني سقوط المؤمنين في مكان آخر. والأكثر إدهاشا هو أن معظم مراجعات الجيل لم تكن للفكرة نفسها إنما مجموعة من المذكرات ذات الطبيعة الشعرية الأخلاقية، لتبرئة الذات. كان هناك شعور غريب بالاهانة وكأن “الفكرة” نزلت عليهم  ولهم. كأنهم “خدعوا”، رغم أن أحدا لم يخدعهم إطلاقا. لقد كانوا ماركسيين وجوديين بمعنى مضحك، أما نماذجهم الأساسية فلن تجدها في نصوص اجتماعاتهم أو مقالاتهم السياسية، ليس في ماركس ولا لينين ولا روزا لكسمبورج، بل في شخصيات دوستويفسكي المطاردة باللعنة.

بحيث يمكن أن تشير: هذا ميشكين، وهذه أجلايا.

يبدو أن “سبيعينيي” الشعراء والروائيين كانوا هامشا للهامش. هامشا لحلقات اليسار السبعيني، التي هي بدورها هامش السلطة، كانت تشعر بقهر حكات اليسار لها باعتبار الأخيرين “أصحاب كلمة وفعل” النموذج الأرفع للسلطة المتضمنة للشرعية، بينما كان الأخيرون يتهمونها نفس التهمة الموجهة للسلطة: احتكار الحقيقة. ومرة أخرى بدا هذا اتهاما سهلا لعدو سهل. بدورهم أسس السبعينيون الشعراء مجالا لسلطة شرعية أخرى استفادت من انهيارات اليسار، سلطة الشعر ذاته، سلطة اللازمني لكن بمعنى شديد المجانية والعماء، ومؤسس على قضية جاهزة وخاطئة من الأساس. هي أن السلطة تمثل الحقيقة فعلا أو انهما متلاومان. إذن لنكون “حقيقيين” أكثر فلا حقيقة، لأن كل حقيقة سلطة. هذا لم يمنع أبدا أن يكون الشاعر موظفا في دولة “الحقيقة” ويقبض راتبا حقيقيا جدا. وأحيانا  كان الواحد يتساءل ماذا لو ناول الصراف الشاعر السبعيني راتبه على هيئة دواوين لأصدقائه  كعقوبة قاصمة على ولعه بالـ”جمال”؟

الصدق بدا مضمونا وحيد البعد، إنه الصدق مع الذات. لإنه التطابق الهش الذي يضطر الواحد لخيانته لأنه مستحيل، إن لم أقل تافها وبلا مضمون. وهذا ما يجعل نموذجه الأساسي هو الانتحار. فالانتحار نوع من الابتزاز الأخلاقي للمجتمع، أو حتى للجماعة الصغيرة، باعتباره أعلى درجات التطابق.

ربما، مرة أخرى ربما، ورثت المجموعات الثقافية التي أعقبت السبعينيين نفس المشكلات، مع التقدم خطوة: لا جمال.. بل الحقيقة في الوجود المحض.. في الصياعة المجانية في الكتابة غير المبررة إطلاقا وغير الساعية إلى تبرير ذاتها، باختصار “الوجود” هو الحقيقة الواحدة للموجود. أو: الموجود حقيقي  لأنه موجود. لم تكن المشكلة في ذلك، بل المشكلة في أن كتابته تصبح فضلة، فما حاجتك إلى كتابة وجودك (مادام مكتفيا بذاته) إلا التنطع والتظاهر والكذب. ولأن الكتابة بهذا المنطق فضلة فلم يعد مهما ان تناقش بجدية ولا أن تلتفت إلى بنائها ومنطقها، ولأنها فضلة فهي ليست حصيلة الجهد بل الفراغ، والصمت الزائد عن الحاجة. ولهذا تخرج في صورة “عيّ” في صورة نوع من العجز والتأتأة، في عودة إلىى البدائية والركاكة.

يكذب الواحد على الواقع ليصدق نفسه، ثم يكذب على نفسه ليتقبل الواقع، وفي هذه المرة يكون قد خرب تماما لأنه يكذب بلا قضية، فوجود القضية يجعله كاذبا كذبا مضاعفا، إنه مدفوع إلى إنكارها وبالتالي إلى تحمل كذبه كرائحة تلازمه طول الوقت، كرائحة أصلية..

هناك حلقة تبدو مفقودة في علاقة كل ذلك بـ”ثورة” يناير. وتحديدا بالنشطاء الذي حركوا جمرها لكنهم لم يتمكنوا من السيطرة على الحريق. هناك مسألة تحتاج إلى معلومات عن الأماكن، والأوساط الاجتماعية، وحتى الافتراضية، التي ربطت بين مجموعات سياسية وثقافية، وسربت بالتبادل رؤى وأفكارا وأساليب أداء متشابهة في جوهرها. يمكننا مثلا فهم كيف كانت الحلقات اليسارية الصغيرة على صلة دائما بمناخات ثقافية وفنية، بل يمكننا أن نقول أنه بدأ من السبيعينيات تحديدا كان الميل “الجمالي” يتسرب إلى خطاب هذه الجماعات أو  بعض أفرادها المارقين. يمكننا أيضا فهم تحول بعض اليساريين إلى العمل في منظمات لحقوق الانسان كانت أيضا تستقطب بعض الشباب “المثقف”. لكن تبقى هذه ملاحظات غير كافية لتبرير تشابه اشكال الوعي والممارسة وتبادلها.

وتبقى قضية “الصدق” مركزا خفيا يشتغل حتى في غياب الفاعلين الأصليين، والأهم في غفلة عن طبيعة “النظام” الي أسهم في جعل هذه القضية هي المحك غير المرئي للفعل الثقافي والسياسي المعارض.

إن حالة استقطاب “الضمير” كانت إيذانا بفشل توسيع رقعة أي حوار اجتماعي أو حتى تأسيس هذا الفضاء الممكن للحوار، وحلت مكانه الإدانة الأخلاقية (العمالة مثلا)  التي لا يفهم دواعيها الجمهور العريض في غياب تأسيس لغة مشتركة.

فداخل الجماعة الصعيرة (السلطة أو المعارضة.. المركز أو الهامش)  كان التضامن على أساس مفروغ منه. المنتمون لجماعات الهامش خصوصا يبدون نظريا أكثر تماسكا، وتتحول اللغة المشتركة بينهم إلى رموز وإشارات.

والهدف من أي انجاز فردي موجه إلى الجماعة نفسها بالأساس. ومع الوقت لا تعود له أهمية إلا كدليل متجدد على الانتساب. يفقد بالتدريج النشاط الكتابي والكلامي خصوصا قدرته على السيطرة على الواقع ، ثم يغادره نهائيا باعتباره “فاسدا” بطريقة لا يمكن شفاؤه.

wpid-img_6097-2013-03-8-17-462.jpg

لظروف شخصية تماما، اعتبرت أروى صالح، الكاتبة وأحد رموز الحركة الطلابية في السبعينات، واحدة من أكثر النماذج الإنسانية المورطة والممثلة في الوقت نفسه لفكرة “الصدق”. ورغم أن اعترافي الذي سأذكره الآن مؤلم يطريقة، بالنسبة لي طبعا، إلا إنه حقيقي بالقدر نفسه:

قبل أشهر  قليلة من انتحار أروى كتبت نصا مطولا، نصا رغم تعقيده الذهني لم يستطع أن يخفي ضربة الغضب والانتقام اليائس. قرأت النص لصديق روائي  كان قد نصحني بعد انفصالي عن أروى بـ”البعد عن هذا المستنقع” ساءني التعبير جدا، وأدركت أنه لا يفهم مطلقا. كان هو نفسه على استعداد لأن يزم شفتيه كعادته ويربت على كتفي: “هذا قدرك” لو سقط حجر على رأسي وأنا إلى جواره. كان تروتسكيا يقرأ لرؤوف عبيد (صاحب مؤلفات ضخمة في علوم الأرواح) ويؤمن بأن مصائرنا الشخصية معلقة بالنجوم.

إذا كانت أروى “مستنقعا”، بحسب كلامه، فقد بدا لي هذا المستنقع  ومايزال نورا زائدا عن الحاجة، نورا معذبا ومجرما. كان يراها مستنقعا لأنها كانت تشف بجرأة انتحارية الموجة التي يقف هو على شاطئها جبانا يلمسها بأصابع قدميه ثم يجري إلى الرمال. وبالنسبة لي لم يكن لدي مانع أن أعيش في هذا المستنقع إلى الأبد.

مع هذا فقد كان النص الذي كتبته، استكمالا لشذرات نشر جزء منها حينها في الكتابة الأخرى، يتوقع انتحارها، يتوقع المسرحية الكاملة للانتحار ليس باعتبار أنه تنبؤ بما سيحدث، بل أنه ما يجب أن يكون حتى لو لم يحدث. كنت أخاف من لقائها بعد سنوات، أخاف أن تعيش أكثر لأنها عندئذ ستصل إلى الشاطئ الطبيعي للـ”صادقين”: الكذب المطلق.  وحينها سأفقد النور.

أهم ما بدا بعد انتحار أروى هو العدد الكبير من المقالات والرثائيات النبيلة التي انتفضت فجأة وكأنما بفارغ الصبر.

 أصحاب هذه الأقلام، مثل صديقي التروتسكي الروحاني، تركوا أروى لمرضها لسنوات تضرب فيها أبواب الوحدة بلا أمل، وحدتها داخل شقتها كما داخل وعيها الملتبس. اشتكت أروى لي بعد صدور  الكتاب من حالة من الحصار من رفاق الأمس، ومن الناشر نفسه، الذي قام، بعد انتحارها مباشرة، بطبع بوسترات لصورتها مع الطبعة الثانية من كتابها “المبتسرون”، وبرر بطبع هذه البوسترات سرقته لأموال تبرع بها البعض لأسرة مصرية فقدت عائلها اليساري.

ليست هذه القذارات ذات أهمية، لكن الأهم ومن بين كل ما كتب كان تعبير ملخص لعفن منطق “الصدق”، الذي يعني بطريقة ما أن تكون متطابقا مع نفسك.

“البتول” بهذا وصف أحدهم أروى في عنوان مقاله. لم أفهم هذا التعبير مع إنني في الوقت نفسه فهمته بطريقة ما. أعني فهمت انحطاط الذهنية التي تقف وراءه. فاليساريون الأحرار كان لابد (علنيا) ألا يبدو احترامهم إلا للتضحية الجذرية، للحرمان والتوحد والعصامية. تماما مثل أفلام ضابط الشرطة السرية في الأفلام الأميركية، أو السوبرمان في نسخته المبتذلة، “العدالة المكتفية بذاتها”. كلمة  “البتول”، بغض النظر عن عدم انطباقها مطلقا على أروى وكونه تعبير لا يشرف أحدا أصلا، كانت تحتقر إنسانيتها، تحتقر أن جزءا أساسيا من كفاحها مهما بدا مضطربا  كان موجها إلى السعادة وليس إلى الحرمان.

لكن من جهة أخرى بدا هذا وكأنه الرد الطبيعي على الصورة التي قدمتها أروى عن نفسها، أو بمعنى أدق كان النتاج الطبيعي والوجه الآخر أو الجزاء العادل لمن يتلاعب بفلسفة التعاسة.

“فلسفة التعاسة ستستقبل دائما بحفاوة من أصحاب الدم البارد، الذين من مصلحتهم ترويج هذه الطبعة المأساوية لصالح “التواطؤات الكبرى”. “لا تتورط” ها ما يقوله لك أصحاب الدماء الباردة، بل ما تقوله فلسفة التعاسة ذاتها وهي تقدم لك نبلاء مشعثي الرؤوس أطاح بأرواحهم “الوفاق التام مع الوجود”، فقط أذرف دمعة هنا ودمعة هناك، لتمر برحلة التطهير القذرة وأنت في بيتك، ودون أن تطالب نفسط بأي شيء” هذا ما كتبته إذن قبل أن يخبرني صديق آخر، كان يعلق أبياتا لشعراء كبار على حائط غرفته العاري تماما مثل بوسترات أبطال المصارعة في غرف المراهقين، أقول: قبل أن يخبرني أن جناحي الملاك المقصوصين سقطا من الدور العاشر في شارع شهاب، لكنني أنا الذي كنت أرتطم بالأرض، وأسأل عن النور.

wpid-2013-02-2318-06-04-2013-03-8-17-462.jpg

لكن ما الذي أضفى على هذه الصورة كل ذلك السحر؟. لا أتحدث عن أروى، بل الطبعة التي روّج لها.

ما الجمال في فكرة العصامية، وما حقيقتها أصلا؟ وكيف يمكن لماركسي، يعتقد أن التاريخ صانع البشر بقدر ما هم صانعوه، بل الأهم أنه يجعل مركز الفرد ضعيفا إلى درجة كبيرة داخل الحراك الجماعي والطبقي له، كيف يمكن لهذا الماركسي أن يصدق خرافة العصامية إن لم تكن قد تسربت له من الأدب. أي أنه قرأ الماركسية كحلم يقظة، وتحت شعار “المسيرة الكبرى” كان يحلم بمظاهرة يعتلي ظهرها، حيث يصبح قريبا من السماء، ويوشك أن يضرب من فوق موجة البشر بجناحية.

“المسيرة الكبرى” كان التعبير أو “الاستعارة” التي استخلصتها أروى من التجربة الماركسية، وهو بدوره تعبير استقته من رواية “خفة الكائن” لميلان كونديرا. لكن تحت ملائكة “المسيرة الكبرى” أو حلمها على الأقل كانت تركتب بشاعات لم تتمكن أروى من ذكرها مباشرة في كتابها المبتسرون.

كانت هي بدورها لا تحمل عاطفة قوية تجاه هذا الكتاب رغم استيائها الظاهر من نقاده. كان ثمة كتاب آخر تحكي عنه، أوراق كتبتها في أسبانيا في لحظة انتهت بانتكاسة مرضية، كانت تحكي عنها بسخونة وحميمية وألم باعتبارها الأصل الضائع للـ”المبتسرون”، وكانت هذه النورانية اللحظية التي تتحدث عنها تذكرني توا بالأمير ميشكين.

صور وراء صور.

على يسار الداخل إلى منزل أروى وهو منزل العائلة (أو قسم منه) كانت صورة لينين بلحيته المدببة ملصقة على مكتبة ذات ضلفتين من الزجاج. لكنها كانت تتحدث عن دوستويفسكي باعتباره الأب. وكانت تتساءل بحساسية حقيقية ربما تصل إلى حد الإدانة: كيف استطاع أن يحتمل كل هذا القبح؟ كيف استطاع أن يكتبه؟.

كانت تتساءل أيضا لماذا لم تستطع أن تكتب رواية رغم رصيدها الوافر من الحكايات. ولم أفهم إلا بعد ذلك أن هذا كان طبيعيا جدا، فقد كانت هي نفسها شخصية روائية، أرادت ذلك دون وعي، وأصبحت تعيش بين دفتي كتاب صنعته بنفسها.

لكن الصورة اللصيقة بحلم الحياة كانت في حجرة المعيشة المطلة على شرفة واسعة، تلك الشرفة التي تطلعت إليها أول مرة في ليلة شتاء باردة، بينما كانت أروى تترقبني مستندة إلى الإفريز، ومن ورائها نور الغرفة خفبفا وحالما.

الصورة كانت لببهاء النقاش، ملامح السبعينات بادية فيها، وجه مستطيل ذو قسمات بارزة ينتهي بتافحة آدم، الشعر وياقة القميص يدلانك على الزمن. بهاء كان حلما آخر، الحلم المستحيل لأن صاحبه لم يعد موجودا، تماما مثل الكتاب الضائع. لدرجة أنك تشك في كونه كان حلما في يوم من الأيام ولم يكن مثلا ندما بأثر رجعي؛ ندم هو نفسه يمكن الشك فيه. كانت تذكر بأسى أنها لم تشعر تجاهه إلا بالصداقة.

في كل مرة لا تشك أروى أبدا في طبيعة الصور التي تملي علييها رغباتها، وأحكام قيمتها. كانت تحمل مسرحها وتتجه به إلى الخارج بعنف المؤمن، وكان على الواقع أن يستجيب، أو أن يصبح مدانا. هكذا كان يمكن أنتطلع على رسائلها المليئة بتشريح أشخاص بمبضع نابه شديد الذكاء والقسوة. تحت إحدى هذه الرسائل التي أعادها (المرسل إليه) إلى أروى كانت الشخص المعني قد وضع خطوطا حمراء تحت اتهامات موجعة، كان عليّ أنت أستشعر حجم الإحساس بالمرارة والغبن التي تركتها في نفسه.

كانت أروى تشعر بهذه القسوة، بأن ثمة شيئا غير طبيعي، كانت ترتد إلى ذاتها في لحظات بالغة العذوبة، لكن من قلب عذوبة تأنيب الذات كانت تنبت مخالب جديدة للذات نفسها.

كانت ثورة تدور في يأس وسط المرايا، ومثل كل الحالمين أرادت أن تلغي الوسيط المعذب، تجطم الديكور وتعيد بناءه دون أن تلتفت إلى مصدره الجوهري، إلى جنون إلغاء الوسيط وجنون الاعتراف به كصورة للذات، هكذا ألقت بنفسها في إحدى هذه المرايا لتنهي عذاب الوساطة.

في كتاب أروى “المبتسرون” كانت هناك صورة أخرى، صورة ليست بالوضوح نفسه، صوت الشاب الأسمر جمال عبدالناصر. السلطة التي نما في ظلها “الجيل” ورسمت أمامه المعادل الشخصي للزعامة الوطنية،  الصورة المسؤولة بكل ملحقاتها عن حالات التشوه والانكسار.

أما الشعب فكتبت عنه عبارة في مقدمتها، ذلك الشعب الذي أسرع إلى الدخول في “حظيرة الإيمان” بعد هزيمة الناصرية. في هامش إحدى الصفحات أشارت أروى إلى أنها تشعر الآن بعديمة وطنية، وبالطبع كان هذا التعبير كافيا لهجوم الأغبياء من رفاق الجيل، الذين لا يقلون عدمية بالمناسبة و لايملكون الجرأة على قول ذلك.

بالنسبة لي بدا هذا التعبير منطقيا تماما فلا الشعب ولا المجتمع كان قضية الثوريين إلا في محررات رسمية وتنظيرات كان الهدف الحقيقي الذي تثمر عنه، دون مباشرة، هو إحراز مكانة شبيهة بمكانة الزعيم الأسمر داخل أحزاب لا تضم أكثر من عدد تلاميذ فصل في مدرسة. كانت مفرزا لإعادة التراتبية في أقبح صورها بين المنظرين والاتباع بين درجات النباهة والاخلاص للفكرة. وهو ما كان يمكن أن تجده بحذافيره في أجواء التجمعات الأدبية رغم عدم وجود تسميات صريحة. علام إذن يمكن أن يلام الاخوان مثلا؟

wpid-2013-02-2720-24-26-2013-03-8-17-461.jpg

الوعي المعذب بالتطابق هو وعي بداهات. لا يعني ذلك أن صاحبه يتجاهل المعرفة، لكنه يحطم قانونها، إن المعرفة لديه لا تنج سوى صور يقع هو في مركزها، ووعيه الدفاعي يقوده إلى استهلاك المزيد من المعارف، بالمعنى الرديء لكلمة “الاستهلاك”. إنه يفتح الكتب ليقرأ ذاته مجددا، ليتحسس وجهه أمام المرآة ويتأكد من وجوده في مكان الأمس.

علينا أن نتصور هذا “المناضل” كما لو كان كل مرة يجابه بداهة مغلقة  على نفسها: دوافع أصلية عمياء، ومن ثم مطلقة اليد في مصيره، وظرف عام يهيئ له قفزة في الفراغ بوعود وتأكيدات شبه دينية. وفي انتظار هذه الوعود، أو في طريقها، يمنحه “الكيتش” صورة يعانقها بدلا من الوسادة الخالية، ويظل مع هذا معتقدا أنه يبحث عن الحقيقة، وأنه يتقدم إلى الأمام بإرادة كاملة، وهو يبيت كل ليلة في حضن “المسيرة الكبرى” دون أن يتساءل عن علاقتها بالحقيقة التي ينادي بها. من الطبيعي ألا يخرج المناضل من تجربته إلا بـ”المسيرة الكبرى”، فهي الشيء الوحيد الي آنس وحشته. من أين يستمد المناضل نبله إذن، وهو الذي يعمل كآلة منومة، مأساتها بالذات تصورها عن حريتها؟ إنه يستمده من الفشل.

تدرك أروى بعمق مدهش المخاطرة الإنسانية في التماهي مع “الكيتش” حيث منطقة الجنون والعدم.

بين “الاستحالة” و”الفشل” يقع طريق المناضل، وها ما يعطي للنضال صبغته الشعرية الشائعة. طريق المناضل تنتهي بالـ”جمال” بسبب من فشلها تحديدا. فالجمال هنا هو شهادة الإعفاء من الخدمة، أي الطرد النهائي من كل إمكانية للتغيير.

لن نتساءل الآن ما إذا كان هذا هو المناضل حقا، إذ إن فرحة الاكتشاف التي تثدمها أروى (اكتشاف الكيتش) كنوع من استعادة المسافة الضرورية عنه، من التنفس بعمق في الفراغ الي يتركه، لم تتح للاكتشاف أن يصل إلى حدوده النهائية: لماذا كان أصلا؟ وما الذي يضمن ألا نسقط في غيره مجددا؟

تعتصم أروى بفكرة الحالم كديلي وحيد على النبل وسط عالم من العاجزين عن الحلم، من المخصيين روحيا (أو هكذا تتصورهم) من المتواطئين من الواقع. لكن هل صحيح أن “الحالم” ظاهرة تختص بجماعات بعينها؟ أم أن بإمكاننا وسم أي فرد بأنه “حالم”؟ فقط نحن لم نسأل آلاف العابرين عن أفكارهم التي سعوا إلى التطابق معها، وعن الاستعارات التي تكتموا عليها واحتفظوا لأنفسهم بعناقها. نحن لم نسأل آلاف الساقطين يوميا، والذين لا يملكون من الوقاحة ما يسمح لهم بأن يعدوا أنفسهم مناضلين أو شعراء، مع ملاحظة أن هاتين الصفتين ـ بوضعهما السابق ـ لا تشرفان أحدا.

عصمة الكيان الثوري أو  حتى “الجمالي” هو نوع من سحب السلطة من الجماعة الحاكمة إلى الجماعة الهامشية، وهي عصمة، في غياب قدرة الفعل، تتذرع بالبلاغة والرموز.

مثلا تصبح الصعلكة قيمة في مواجهة صورة السلطوي أو البيروقراطي أو المنسجم مع الجماعة الكبرى، صورة يسحب بها الصعلوك المصداقية في لعبة “الشرعية لمن؟”، ويذكّر بها جماعته الصغيرة بالنموذج “الانتحاري” المتطابق مع ذاته. لذلك سوف تجد في صفوف جماعات الهامش (حتى الدينية منها) هذا النموج دون أن تعرف ما هو إنجازه فعلا؛ أشخاص يسقطون على هذه الحلقات الصغيرة يمارسون عليها نفوذا مبهما بمطلق حضورهم:

المبادرون إلى صعود الأكتاف في المظاهرة، وضرب الطاولة بيد قوية، الغاضبون، وفق صورة مسبقة للنزاهة، تنتهي بالاضراب عن الطعام. الكل يعرف اللعبة، يعرف أن هذا لا معنى له على الاطلاق. فالرموز التي تخلق وسط جماعات من هذا النوع لا حياة لها خارجها، وليس باستطاعتها إقامة أي جسر مع الواقع والناس، فهي ليست لغة، أو لنقل لغة غير مكتملة ولا ناضجة، إنها شعارات انتساب، وأحيانا تشبه “السيم” الذي يستخدمه بعض أصحاب الحرف الخاصة. لا علاقة لهذا بالمعرفة ولا بالثورة، ولا يمكن أن ينتج “قيمة” إنستنية قابلة للتمثيل في الحياة، وليس مطلوبا منه ذلك في الحقيقة. إنه يصبح نوعا من “الأناقة”. أما فيما يتعلق بالخارج فهو لا يعني إلا السلطة: ممارسة العنف على الغير من خلال سحب الشرعية بانتحارية زائفة، ولغة عاجزة عن الحوار، لغة صنعت للحماية، حتى بما فيها من “هرتلة” محسوبة ومصطنعة إلى درجة تثير الاشمئزاز.

من الطبيعي مثلا، مادامت حقيقة الأمر هي العنف،أن يكون الحضور الجسدي هو الفيصل في النهاية.

يشعر اليساريون، منذ صعود الجماعات الدينية، بالدونية تجاهها لهذا السبب بالذات، رغم كل الحنق الذي يبدونه تجاهها، وحتى التهكم والسخرية. لأن العبرة في العدد والتماسك الداخلي (الذي فشل فيه اليسار) لا في الفكرة. أنا، أو الفرح الطفولي بالخراب العام. “الخراب” قيمة، طالما أننا لسنا هناك طبعا.

إن أسوأ ما في “الكيتش” أمران: الأول هو التكرار، تتغير الاستعارة لكن جوهر العلاقة بها يظل واحدا، ابدل الدين بالوطنية، أو “خيبر خيبر يا يهود” بأغاني الشيخ إمام.

فرح على هامش “الكيتش”:

يوم عقد قراني بأروى كان احتفال بسيط في منزلها دعي إليه عدد من رفاق الأمس والأصدقاء. شعرت بتوتر شديد بين هذه الوجوه التي تتجاهلني تقريبا. وربما لم يكن الأمر كذلك، فاللغة المشتركة تصنع السحن المشتركة أيضا التي تتعارف تلقائيا. لم يكن هناك ما يشير إلى أننا في “فرح” وإنما في جلسة هامشية بعد انتهاء اجتماع الحزب. بدا وكأن هناك خجل من أن يكون “الفرح” عاديا: زغاريد، أغاني، ضحكات..إلخ

انسحبت إلى غرفة المعيشة مستنجدا بوجود ببعض الأصدقاء سمعت إحداهن من الصالة تقول : ده العريس بيغني!

جاءت الجماعة والتفت في دائرة على الأرض في حجرة الجلوس. بعد أن انتهت أغنيتي، قدمت أسرة من “رفيقين” طفلتهما الصغيرة لتغني. فغنت أغنية عن فلسطين.

شعرت وقتها أنني أريد أن أتقيأ. وتذكرت فورا “الأخوة” الذين كانوا يغنون في الأفراح “الاسلامية”: لبيك إسلام البطولة كلنا نحمي الحمى/ لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما. فتردد الجماعة: سلما.. سلما.

امتدت يد الرفاق لتمسخ حتى الطفولة من أجل تكرار شعارها الكاذب والميت. فالكيتش لا يرحم

العنف الطبيعي:

المشكلة الأخرى للكيتش أو للعلاقة العصابية به، هو أنه نفي دائم لكل معرفة أو خبرة بشرية، فالكيتش أو الصورة (سمها ما شئت) التي نكونها عن أحلامنا هي المكان الجامع بين الخبرة التي تسربت إلينا من الحياة وما نعتبره قيمة، بين ما نعرفه “موضوعيا” وما نعتبره يخصنا ويمثل معنى. وحين يتم استهلاك الكيتش لا تسقط بالتالي قيمة الحياة فقط بل تسقط معها كل خبراتها الموضوعية. هكذا يمكنك أن تكتشف في “الحالمين” أن اعتمادهم المطلق على صفاء علاقتهم بالكيتش جعلهم عاجزين عن التواصل مع أي خبرة إنسانية لا يتضمنها. تفهم بالتالي لماذا ينزعج “الاسلامي” إلى حد الفزع الاسلامي من الموسيقى، لماا ينظر إلى رواية تحملها وكأنها شيطان سيبرز قرنيه في أي لحظة.

ليس ها فقط، فهو في حربه ضد أعداء “الكيتش” يصبح متفرغا تماما لما تفعله السلطة، وهي تنقية التشديد الدائم على طهارة الصورة، وفؤ الوقت نفسه محاولة إظهار أنها تعني كل شيء وأي شيء. فالاسلام تحدث عن البيئة والاسلام عالج مشكلة الاحتباس الحراري والاسلام كفيل بعلاج النقرس وحمى النفاس والاسلام صيغة للتعاون الدولي (بعد أن تكون قد قضيت على كل الشركاء). يصبح الكيتش كل شيء ولاشيء. ثم يتحول في النهاية إلى الخرس التام، لأنه كاف بذاته في التعبير عن ذاته. وعندها يصبح العنف طبيعيا جدا. انه ممارسة الكيتش للامتداد للتغلب على كل ما ينافيه أو يقلقه. وكلما اندفع الى الامام ازداد هشاشة وترهلا وعنفا.  

لكن يبقى السؤال هل تسرب هذا الوعي أو جزء منه على الأقل إلى “الثوار”؟ وبطريقة أخرى كيف كانوا يتصورون “الثورة”؟

wpid-img_6419-2013-03-8-17-461.jpg

أحسست ببساطة أنني مكلّف بشيء، لأول مرة في تلك الكاتدرائية الخالية في مكان ما من فرنسا، التي أمرتني فيها أن أحمل هذا العبء. كنت رجلا بلا شرف، وفجأة صار لي شرف، ذلك الشرف الذي ما تصورت أن يكون لي: شرف الله، شرف لا يُدرَك، شرف هش، كأنه مُلْك طفل مطارد..”… مسرحية بيكيت“- جان أنوي.

لا أريد أن أتحدث عن “الحالمين”، عن الذين يضربون رؤوسهم في الجدار، وحين يفشلون في اجتيازه، يصبون اللعنات على حياة لا تحتمل نبلهم، دون أن ينتبهوا أن هذا الجدار نفسه قد يكون من صنعهم هم. وأن حلمهم نفسه مصنوع بقدر ما هو أناني. بل أريد أن أتحدث عن أهميتهم لمجتمع “المهرجين”.

“الحالمون” سيظلون “ظاهريا” قلة واستثناء، لكن أهميتهم  في واقع الأمر أنهم يمثلون التكأة الخفية التي يستند عليها نوع رخيص من الواقعية.

يقدم الحالمون المبدأ الزائف المتمثل في الصدق الانتحاري الأعرج، الذي يتبناه شكليا “الواقعيون” باعتباره حقيقة لكنها مستحيلة، وبالتالي تسهل خيانتها كل يوم باسم “الواقعية”، أو بدعوى الضرورة. الضرورة مثلا منعت كل فصائل الثورة ومدعيها (بغض النظر عن الانتماءات) من الاعتراف بالأخطاء في تكوينها وفكرها ذاته، وفي درجة تأهيلها الحقيقية لتلولي أي مسؤولية. لقد دخلت أرض المعركة بدعوى الشرعية الأخلاقية بالأساس في مواجهة نظام فاسد، دون أن تسأل نفسها عن معنى هذا الفساد، ولا ما إذا كانت قادرة على تمثيل الجانب المقابل له، ولا عن مدى اسهامها هي نفسها في تكريس الفساد بتحويله إلى “شيطان” أو “شر غير مبرر” يقابله “طهر مجاني”. 

وحين تكتشف أن الواقع أكبر وأعقد بكثير من التضحية المجانية، لا تفعل أكثر من أن تتاجر بالتضحية علنا، وتساوم بها على حجز مكان من الواقع، هو مكان “التميز الأخلاقي”، وبه تستمر في الحياة بشكل طبيعي بين الوساخات وعليها، فقط مع إظهار التأفف الضروري. وهي في الحقيقة الطريقة التي عاشت بها النخب السياسية والثقافية منذ عقود ومن

“الواقعية” ستحاول دائما إلغاء الممكنات (أعني ما كان ممكنا) بالتركيز والمغالاة في استثنائيتها (مثل الـ 18 يوما الأولى من الثورة)  لصالح التعامل مع واقع الحال. وهو دأب كل الجماعات السياسية الآن، مع العلم أن ما هو واقع الآن انما أصبح كذلك بسبب التفريط المتواصل في “ما كان ممكنا”.

ستغالي دائما في القيمة الانتحارية، لأنها عاجزة تماما عن تقديم البديل: قيمة الحياة.

من المضحك مثلا أن يخرج المثقفون في مظاهرات رافعين صورا لسيد درويش أو أم كلثوم أو طه حسين، وكأنهم لا يجدون مبررا آنيا للحياة إلا في صور الموتى. من المضحك أن الثقافة بالنسبة إليهم هي رموز أيضا؛

متاجرة بالرموز والصور.

الحقيقة إن هذه الصور لا تقدم شيئا للناس ولا علاقة لها بالأسئلة الحارقة المطروحة للحاضر، والحقيقة إن هدف هذه الصور هو “تحصين” المجال  المسمى بالـ”ثقافي” أو بالأحرى ساكنيه، وذلك من خلال سياج رمزي يشعرهم ذأنهم “جماعة” وأن لهذه الجماعة تاريخا.

إن هذه الجماعة لا تستطيع أن ترفع صور أفرادها أو أغلفة كتبهم، وتعرف أن حضورها الشخصي لايمثل شيئا خارجها، وأن إنجازها الرمزي لا يقدم في معظمه رؤية حقيقية للناس، ولم يكن هذا شاغلها إلا فيما ندر، أعني عرض أسئلتها على الحياة الفعلية، وإنتاج رموز جديدة تسهم في الكشف عن هذه الحياة أو تطويرها، بل كان شاغلها إعادة انتاج ذاتها، وحجز المكان الفارغ الذي تخلى عنه المجتمع والمسمى بالـ”ثقافة” لتملأه هي بالرموز المستعارة. الأهم أنها لم تفكر في تجاوز “الرمز” إلى اللغة بمعناها الواسع، كمعترك تختبر فيه المعرفة نفسها، وإمكانيتها على التواجد خارج الجماعة المغلقة.

لم يكن بلا دلالة إذن أن يقع هذا الكرنفال الرمزي قريبا جدا من المقاهي التي جلس  عليها المثقفون طوال العقود السابقة، أي أنه كان “مظاهرة في البيت”.

ولا يبدو الإخواني أو السلفي أفضل حالا، بل ربما أكثر مأساوية، لأنه مطالب كل يوم بتبرير خيانته لرموز تخص عقيدته مباشرة، إنه مطالب بأن يبحث الآن عن دليل أن النبي كان “يسب” لأنه (الاخواني او السلفي) عاجز تماما عن الحوار. وأن النبي كان يخادع، لأنه (الاخواني أو السلفي) غير قادر على المواجهة الصريحة.  إنه مطالب كل يوم (بعد أن تحول من الهامش إلى السلطة) بامتهان رموزه بالذات، ليجد نفسه مهلهلا بصورة أسوأ بكثير من النظام الي رفضه، لأنه يصطدم باستعارته المستحيلة، فيسقط في أشنع أشكال الواقعية.

ومع هذا أعترف أن تعبير “الواقعية” غير جيد بالمرة، و لايصف بوضوح جحيم مجتمع “المهرجين”

wpid-img_6484-2013-03-8-17-461.jpg

مجتمع المهرجين هو مجتمع  “إياك أن تصدق”، وهو ما يعني بتعبير آخر إياك أن تؤمن إلى النهاية. لأنه مجتمع قاس جدا، مجتمع قوة، يستخدم الأفكار كأقنعة أو أدوات مساومة. وبالتالي لا تعتبر الأفكار لديه ذات قدرة تمثيلية مفتوحة على الواقع والناس. لكنها ذات قدرة استبدالية مرهونة بفكرة “النجاح” بكل ما تعنيه هذه الكلمة من قسوة ومجانية: نجاح من؟ ونجاح ماذا؟ وما هو هذا النجاح أصلا؟

يختلف سؤال النجاح عن سؤال السعادة مثلا. الغريب أن كلمة “النجاح”، كتعبير يدل على قيمة مثمنة في ذاتها، كانت، تراثيا، تحمل هذا  المعنى الضمني: “السعادة”، وليس التفوق أو الانتصار، وأن الظلال الجديدة للكلمة، وهي ظلال برجوازية اختلطت باليأس، تأصلت حتى داخل الجماعات الدينية والأصولية نفسها. لأن السؤال البرجوازي عن النجاح سؤال في جوهره عدمي، فما بالك إذا كان يائسا؟!

أحيانا يسأل الواحد نفسه: ماذا لو نجحت فعلا على طريقة من يتقدم إلى الأمام، ماذا لو نظرت فجأة فوجدت الآخرين كلهم ورائي؟ أحدهم يقول “أريد أن أحقق ذاتي، أن أجد نفسي” لكن ماذا لو وجدتها فعلا؟ أي صحراء تنظرك؟!

في حوار مليء بالشجن قالت أروى: أنت ستتجاوزني

لم أتعاطف أبدا مع العبارة. وجدتها حكما جاهلا وغشيما. وماذا إذا كنت لا أريد أن أتجاوز أحدا؟ ماذا إذا كنت سعيدا بالبقاء هنا، بالائتناس, بالوجود “معا “،  ذلك الوجود الوحيد الذي يحمل مبرره في ذاته؟   

ثم ما هي هذه القيمة العجيبة المسماة بالتجاوز؟ إنها في الحقيقة تعبير أدبي أعاد إنتاج تراتبية “النجاح” البرجوازي داخل الضمير الجمالي. هكذا يحرم الواحد نفسه من المساحة التي صنعت أصلا لصداقة البشر، لتتحول إلى مضمار ترابي للسباق مليء بالركل والرفس ودهس الساقطين.

في الحقيقة كانت العبارة مجرد اسقاط، يكشف عن القيمة التي كانت تحكم خيال أروى، والآن ظهرت لها على هيئة كابوس.

 من منا لم يحس بأن الطلاب المتفوقين في مدرسته  كان فيهم شيء مقيت لا يستطيع الاعتراف به حتى لنفسه، شيء تافه لا يحتمل. كانوا حاملي أثقال بوجوه باردة، يستخدمون معارف بشر حقيقيين جدا ليقفوا عليها بأقدامهم باحثين عن اسمائهم في لوحة  الشرف.

المدهش في “النجاح”، أو اعتباره قيمة، أنه قد لا يحتاج إلى أي موضوع، فهو ظاهرة عنف بالاساس. قد يتحقق  النجاح، بلعبة نفسية، مثلا باتسامة الثقة المقيتة لدى الإخواني (وليس اليساري أفضل حالا بالمناسبة). النجاح هنا لا يشترط موضوعا على الاطلاق، إنه يعود إلى خصيصته الأساسية كممارسة للاستعلاء، كتعويض عن صداقة البشر بابتلاع جثثهم. والبقاء مع ذلك في حالة من الجوع أشبه باللعنة. لعبة الابتسامات اللزجة تختفي تحت طاولتها مباشرة السكاكين.

يسعى الإخوان إلى النجاح، مدعومين، وهذا منطقي جدا، بالممثل الرئيس للفكرة المتمثل في القيادة الأميركية (أوباما نفسه رمز للنجاح في صورة مسخرة)، وفي طريق “النجاح” يتحول الإخواني إلى عدمي: لا جنة ولا نار: لا آخرة ولا ضمير، ولا إله: أي لا ظل لوجوده كمؤمن على الاطلاق.. إنه يخسر الجانب الآخر الذي كان يرجئه ويتعلل به طول الوقت. أليس منطقيا  أن يُظهِر إذن كل هذا العنف. إنه عنف مواز لعنف آخر يضمره تجاه نفسه، حين يكتشف مسخرة حلمه بالتطابق، ويبقى في العراء.

“الثوار” أيضا وضعوا أنفسهم بين فكرتين بوهم التضاد: التضجية، أو النجاح. وسيجدون أنفسهم إما مجبرين على المضي في الطريق الانتحاري، أو في الدخول إلى لعبة السياسة بمنطق النجاح نفسه. وهو ما يعني أنهم كما فشلوا في تحويل التضحية إلى فعل لانتاج الحياة، فشلوا أيضا في ابتكار معنى للسياسة باعتبارها “الحياة معا”، ماداموا غير قادرين على فهم الاشتراطات الصعبة لهذه الـ”معا”، وربما لم يحسبوا لها حسابا أصلا. 

من الطبيعي أيضا أن يتراجع اهتمام الشعب (والذي لم يكن حقيقيا في أي وقت) بهذا الفصيل أو ذاك، فالمعركة لا تعنيه. ويمكنه، بينه وبين نفسه، تبرير عدم الاكتراث باعتبار أن ما يدور هو صراع بين قيم مجردة وأفكار كبيرة (وزائفة) يتخفى وراءها كل فصيل.

هنا يخرج الشعب “المهرج” ورقته الرابحة، فيطلع عليك عبر شاشات الفضائيات مرتديا قناع “المواطن العادي” و”الانسان البسيط”. وهي الكذبة الأكثر خسة ودناءة في تاريخه، إن لم تكن هي المسؤولة أصلا عن خلق الصراع الوهمي بين “الحالمين” ومن أطاح بهم  “الوفاق التام مع الوجود”.

wpid-2013-03-0800-32-09-2013-03-8-17-461.jpg

 

في أول خطاب له بعد إعلان الفوز بالرئاسة وجه محمد مرسي حديثه إلى “الأهل والعشيرة”. بشكل ما بدا الأمر كما لو كانت الكلمتان تشيران إلى “جماعته”، غير أنه من الوارد، وهو ما أعتقده، أنه كان يخاطب “الشعب” فعلا، لكن بـألفاظ يعادل استخدامها داخل “الجماعة”، التي تربى فيها، النزوع الشعبوي لرؤساء يمكن أن يعدوا “علمانيين”، وهذا يسنجم أكثر برأيي مع تركيزه في الأخير على “أصحاب التكاتك”.

فشل محمد مرسي وجماعته، وعنفهما أيضا، لا يعود إلى ضيق فكرة “الجماعة” فقط، ولكن يعود أيضا إلى قاسم مشترك بينهما وبين السلطة الاحتكارية السابقة، بل بينهما وبين كل المتنازعين على السلطة الآن بنسب متفاوتة، وحتى المجتمع النائي بنفسه عن الموضوع، هذا القاسم المشترك هو التصور العام عن شيء يتم التفويض باسمه للمارسة الاحتكار وهو “الشعب”.  

في عدد قديم من مجلة “المصور” (وربما “آخر ساعة “) أعد موضوع عن الحياة اليومية لعبد الناصر في منزله بمنشية البكري، من خلال لقطات مصورة تبرز إفطاره البسيط الذي يتضمن قطعة جبن وخبز وشاي وطبق من الفول. لا حاجة إلى الإشارة إلى أن صور عبد الناصر في الصحف وهو يحيي مواطنين اقتربوا من سيارته المكشوفة، أو وهو يُميل خده لتقبله فلاحة بسيطة قبلة أمومية، كانت تتكرر باستمرار.

هذه الصور ستعود إلى الظهور مرة أخرى في حياة الرئيسين التاليين، وهي في النهاية لاتختلف عن الصور النمطية لزعماء أنظمة مشابهة، وسوف يعبر عنها محمد مرسي بطريقة لم تتخلص تماما من ثقافة جماعته والمنسجمة مع مصادر أيديولوجيتها التراثية المصطنعة ومنها طبعا اللغة.

طبيعي أن يشعر نظام احتكاري للسلطة وغير تمثيلي للمجتمع بحاجته الدائمة إلى الشرعية. ولكن، وبسبب حرصه على احتكاريته للسلطة، ونزاعه مع المجموعات التي أقصاها عن الحكم، فإنه لا يتخذ الخطوات الطبيعية  لتحقيق شرعيته، مثلا: بإعلان انحيازه الواضح إلى جملة من المبادئ، أو ببرنامج واضح المعالم لابد سيستقطب شريحة أو طبقة من المجتمع.

لا يريد النظام مغامرة كهذه تتدخله في الصف مع الجماعات الأخرى المتنازعة على السلطة، ومن ثم يلجأ إلى لعبة “الشعبوية”، تلك اللعبة التي تجعله ممثلا  لشيء غير محدد المعالم ولا يمكن قياس إرادته اسمه : “الشعب”، في غياب أي طبيعة مؤسسية تجعل له شكلا.

ولأن كلمة الشعب تظل مجردة ومائعة إلى حد أنها لا تحدد شيئا، على الأقل شيء يمكن تمثيله سياسيا، فإن الاستعانة بفكرة النموذج الشارح هامة جدا هنا، نموذج تمثيلي للشعب هو “المواطن البسيط”.  

لا تُعد فكرة “المواطن البسيط” بدورها دليلا حقيقيا علميا على تمثيل أي نظام للشعب بطبيعة الحال، وليس هذا مطلوبا منها أيضا؛ فمن قال أن قُبلة على خد الرئيس تعني أن “الشعب” يبايعه؟

 فكرة “المواطن البسيط” فكرة جمالية بالأساس، أي أنها شاهد شعري إذا صح التعبير. والحقيقة أن تكريس هذه الفكرة كان اللاعبان الأساسيان فيه هما الفن والأدب (بالمعنى الواسع) حتى قبل أن تظللنا  سنوات الزعيم الأوحد.

بدوره لا يشير تعبير “المواطن البسيط” إلى نموج تمثيلي حقيقي أو ثابت، فهو يمكن أن يكون الموظف الصغير، أو العامل، يمكن أن يكون اللص أو العسكري، الطبيب الذي يخوض صراعا في مستشفى تبيع الأعضاء، أو العاطل في حي عشوائي. لكن هناك خيطا جامعا بين كل هؤلاء الذين يتقلبون على أداء دور “المواطن البسيط” بحسب تغير التاريخ، وهو عنصرا الإدانة والتطهير. وهذا ما يؤكد الطبيعة الجمالية لللنموج.

يدين المواطن البسيط ما يراه انحرافا عن مبادئ أخلاقية مجردة ومستقرة في العرف العام دون أي تمثيل حقيقي لها. وبشكل بدائي تتشخصن المبادئ/ أو خيانتها، في  صورة نخبة أو جماعة أو فرد بعينه، يصبح هو/ أو هي المسؤول الكامل عن تمثيلها أو خيانتها.

ويعود المواطن البسيط للتصالح مع هه المبادئ، متجاوزا الصدع الي احدثته “الخيانة” بالانتقام أو الاعتراف.

وهو لا يناقش أيضا المبدأ الاخلاقي ذاته. فالأخلاق بالنسبة للـ”مواطن البسيط” هي قواعد واضحة ولا تاريخية على الاطلاق، وبالتالي فإن أي انتهاك لها ينبع من ميل شيطاني هو الطمع.

وما يميز المواطن البسيط من هذه الجهة هو التجرد من المطامع. بل انه في أغلب الأحيان (وليس كلها) يكون المواطن البسيط هو شخص بلا مهارة، ويتناسب ذلك مع  طرديا مع مطالبه الأخلاقية: فنجيب الريحاني في فيلم “لعبة الست” يجيب على صاحب المحل الذي يرغب في توظيفه محددا المؤهل المطلوب: “المهم عندي الزمة والامانة”، فيقول الريحاني: أهو ده الشيء الوحيد اللي متوفر في يا فندم.

أؤكد مرة أخرى أن “المواطن البسيط” لا وجود له واقعيا، بل هو نموذج مختلق (حتى لو حمل سمات واقعية) كبديل جمالي عن حوار أو صراع سياسي واجتماعي مكشوف وموضوعي، لأن هذا النوع من الحوار (أو الصراع) بدا وكأنه مستحيل إلا من خلال استعارات تعمل هي نفسها مضاعفة استحالته.

لعبة الست:

ربما كان نجيب الريحاني واحدا من أهم من شاركوا في  وضع حجر الأساس لهذه الشخصية، أو على الأقل بلور هذا النموذج  بكل خصائصة التي ستعرفها الدراما المصرية فيما بعد، بل التي ستستقر في الوعي العام باعتبارها حقيقىة، ويتم التنازع والمزايدة عليها بين الفصائل السياسية. بل إنها  أقنعت “الشعب” فعلا بأنه لا يتكون إلا من مجوعة مجهولة من “المواطنين البسطاء”.

وهناك ملحوظة غريبة بعض الشيء، وهي أن هذا النموذج قد ترسخ أساسا في الإطار الكوميديى بالذات، وهو ما ربط بين المواطن البسيط  و”المهرج” الذي تحدثت عنه من قبل، وكأن هذا النموذج يقول لك وهو يغمز: تعاطف معي، ولا تصدقني.

 يبدأ فيلم “لعبة الست” ويختتم، بالعبارة نفسها “إنما السعادة في الوفاء”. وقصة هذه العبارة بل قصة الفيلم نفسه تنبني على ما يشبه المحاكاة الساخرة. فلا شيء هنا يمكن أن يصدق.

يدخل الريحاني في بداية الفيلم وهو عاطل عن العمل إلى قاعة محاضرات يهتف فيها المحاضر بصوت جهوري “ليست السعادة كائنا ماديا، ليست لذة حيوانية، ليست شهوة بهيمية جسمانية، ليست في جمال النساء، ليست في الملابس البراقة والمآكل الشهيىة، أتريدون أن أدلكم أين هي السعادة أيها الاخوان؟ السعادة في الاخلاص، في التضحية، في إنكار الذات، السعادة في الوفاء”.

إن الحجة الوحيدة التي يناقض بها الريحاني هذه المبادئ هو كونها “ما تأكلش عيش” وكأنها مطلوب منها ذلك أصلا، كما أنه لا يتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لهذه المبادئ أو تؤكل خبزا فعلا، هو يصادق على التناقض ويدفع به. يسرق “بطاقة التوصية” وحين تحترق في جيبه، يقول لمستخدمه أن الشرف والأمانة هما صفتاه الوحيدتان. يسخر من مبالغات المحاضر الخطابية، لكنه يوجه خطبة أخلاقية مؤثرة إلى زوجته التي ترغب في الانفصال عنه للزواج بأحد الأثرياء.

لكن الخيط الحقيقي للفيلم والمطور الدرامي الأساسي ليس في أبطاله، ولكن في العملة “المبروكة” التي يعثر عليها الريحاني فتجلب له الحظ، الذي ينتقل بدوره إلى زوجته حين يهديها إياه، ثم تخسر هي بدورها كل شيء حين تتنازل له عن العملة بعد طلاقهما، بينما يرتفع نجمه ليصبح صاحب مجموعة المحلات بضربة واحدة. إن  عملة “الحظ” هي مكافأة مواطن بسيط بلا مؤهلات، وهي عملة تسقط في يديه جزاء فعل خير بسيط، أو لنقل جزاء لسلامة النية.

لكن هناك نقطة أيضا لا أعرف كيف أتجاوز حساسيتها، وهي حس الشهادة في صورة “المواطن البسيط” الذي يبدو عادة وكأنه ضحية، بكل ما في ذلك من ظلال مسيحيةـ أعيدت صياغتها في الاطار الكوميدي، وكأنها تسفه وتسطح أعمق ما في عقيدة الصلب. فصليب نجيب الريحاني  كان مرنا جدا، كان يتثنى ويرقص، كان صليبا للمساومة. 

ومع هذا تبقى أهيمة أخرى لهذا الصليب الوهمي، وهي تكريس مفاهيم البلاء والمحنة واحتقار الحياة، والتسامح من منطلق ازدراء الكل للكل. أو بمعنى آخر من منطلق عدمي تماما.

ما لا يصدقه أحد:

المهمة المتواطأ عليها للـ”مواطن البسيط” من قبل الجميع متعددة الوجوه، فهي تكذيب دائم للأفكار الكبرى (أليس لك ما سيقوله ما بعد الحداثي) ولكن بصورة تؤكدها في الوقت ذاته. ويكون البكاء والأحضان التي تنتهي بها الأفلام المروجة لهذه الفكرة ذات أهمية ضمنية عميقة، فهي لا تعبر عن التصالح فحسب بل عن الفجوة غير الممكنة التجاوز، عن الضعف الرخيص، والتساند على قاعدة احتقار الذات.

إن تطهيرها الجمالي يعبر عن استحالة تطهيرها في الواقع، بل الأصح أنه يعمل على تأزيم الواقع أكثر، وتوسيع الفجوة.

هذا يرضي جميع الأطراف، يفوز “المواطن البسيط” بالجمالية، ويفوز المواطن الفعلي بخيانة هذه الجمالية التي يكرسها في الوقت نفسه، وتستفيد النخب من “المواطن البسيط” (الصورة لا الأصل) في كونه أداة لسحب الشرعية الأخلاقية مضمونة وجاهزة، ولا يصدقها أحد. 

 

wpid-photo2-2013-03-8-17-461.jpg

لأكثر من مرة كانت أروى تعبر عن رغبتها في مغادرة شقة العائلة التي آلت إليها. “بيت على البحر”. الهذا كانت الرحلة إلى الإسكندرية؟ أحبت أروى المقاهي المطلة على البحر المفتوح، أحبت وشيش الموج والزبد الأبيض الفائر.. حين كنا نجلس في “كريستال” المطلة على الميناء الشرقي كان تبدو مستاءة من الحركة الزيتية الميتة للمياه. ككل الحالمين كان الشعور المضاعف بالطبيعة، الشعور العصبي، متصلا مباشرة بالأفكار.

بجوار مدخل شقتها في القاهرة كان ثمة ما يشبه الحائط لكن حين دققت للمرة الأولى بدت فرجة بامتداد هذا الحائط الوهمي الذ ي تبين أنه لم يكن بهذ ه الصلابة. لقد كان يفصل جزءا من الشقة الأصلية سكن فيها أخوها وزوجته.  

بني الحائط بعد صراع عائلي انتهى بتعهدات رسمية، لكنه ترك ظلا كئيبا على المساحة المتبقية رغم اتساعها النسبي، وشِقا، كالسِر، لايمكن معالجته.

رغم أنها كانت تقول إن شعورها تجاهي اختلط  بصورة أبيها (وهو ما ذكرته في رسالة سابقة إلى الشاعر أسامة الدناصوري)، فقد كانت ترى في هذا الأب الصاعد بدأب من البرجوازية الصغيرة إلى وكالة الوزارة، شيئا خانقا للحياة. كانت تبتسم بأسى وهي تتذكر “تحويشة العمر” التي ضاعت مع إحدى شركات توظيف الأموال، وكأنها جزاء حياة جبانة.

حضرت وأروى فيلم  “فورست جامب” عند عرضه بسينما  هيلتون رمسيس.  في تصعيد مفاجئ تقف البطلة على مسافة من بيتها القديم، تقذفه بالحجارة والوحل الذي كانت تتمرغ فيه في الوقت نفسه. أمسكت بيد أروى تلقائيا، أشبه بدمعة إذلال عصية.

في الواقع كان ثمة شيء مقزز يحدث في الجوار، لكني لا أستطيع التأكد منه دائما. مثل الأنبياء كان يُلقى أمام باب شقتها بالقاذورات. سألتني: هل يعني شيئا : الصرصار المقلوب؟، ذلك الذ ي تجده أمام بابها كل صباح. في مرة أخرى كان ثمة بول حقيقي (رأيت ذلك وشممته). كانت تجد أكياس قمامتها مفتوحة أحيانا. فتفزع من القاء أسرارها فيها. في المرات الأولى للقائنا كنا نكتفي باضاءة الشموع، وكان علي أن أكتم عطاسي تحت غطاء ثقيل، فنضحك دون صوت، كطفلين هاربين تحت سرير المجتمع.

في الصباح تقول لي اسمع:..

من الجوار يأتي صوت أغنية تتكلم عن الوحدة. تقول: “بترمي كلام”.

لم تنس أبدا صفعة الأخ الأكبر، لم تنس قولته وهو يغادر: ح تفضلي هنا لوحدك وتموتي زي صرصار كافكا.

كان “الإنسان البسيط” قذرا جدا في التعامل مع امرأة وحيدة من أجل مضاعفة وحدتها، من أجل انسحابها النهائي، من أجل نزع الحاجز والاستيلاء أخيرا على إرث العائلة كاملا.

لم يكن “الانسان البسيط” شبيها بـ “فورست جامب”، لكن حلم “فورست جامب” كان حلم أروى أيضا. كما كانت تحتاج في الوقت نفسه إلى لعنة، إلى إثم أساسي، إلى بيت ترميه بالحجارة كـ”حالمة”، لتبرر نزوعها إلي “فورست جامب”، حضن لا يذ كرها بأحد لأنه تقريبا أبله، عاجز عجزا أساسيا مثلها تماما، لكن في الاتجاه العكسي. الغريب أن الواقع أهداها هذا البيت فعلا، أما “فورست جامب” فكان العثور عليه أصعب بكثير.  

مهاب نصر

قصة محمد فاروق: القضية الفلسطينية

wpid-img_3206-2013-03-6-05-57.jpg

هناك سبب آخر خاصٌّ جدًّا يمنعني من الزواج، يجعل الرجال يهربون مني. هذا السبب هو اسمي. اسمي يسبب لي مشاكل إضافية. اسمي ليس “نرمين” يا مصطفى، وقبل أن تتهمني بالجنون تفضل بطاقتي، مدون بها اسمي الحقيقي: اقرأ… نعم. لا تفرك عينيك… هذا هو اسمي الذي تقرأه: القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري، رقم قومي: 2109876- سجل مدني بولاق- تاريخ الإصدار 17-10-2005… هل صدقت الآن؟؟

أنا امرأة عادية تحلم كأي فتاة، بذلك الفارس الوسيم القوي الذي يعبر الصعاب ليخطف قلبها، لكنها كأي فتاة أيضًا، ستقبل أن تتزوج من رجل بدين، أصلع، عابس، تستيقظ في الصباح على رائحة فمه، ويقض مضجعها فساؤه الليلي تحت اللحاف- ويتميز أنه دائمًا ما ينسى سوستة بنطلونه مفتوحة في المناسبات الاجتماعية المهمة.

كل مشكلتي، أني أريد الزواج؟ أريد أن أتخلص من هذا “النزناز”؟ أريد أن أرتاح؟ لماذا أنت مندهش؟ وهل عيب أن تعلن امرأة عن ذلك؟ لا ينقصني شيء لكي أتزوج، أنا جميلة كما ترى، ومتعلمة، وبنت ناس طيبيين، لكن الرجال يهربون مني بمجرد أن يعرفوا اسمي، سامحه الله أبي، قال إنه أسماني بهذا الاسم؛ لأنه يريد أن تكون القضية الفلسطينية حية في الوجدان!. طيب كيف ذاك، وكلنا سنموت يا مصطفى؟؟

أستحلفك بالله يا شيخ، لا تحملني ما لا طاقة لي به، لا تأخذ كلامي أنني أتحدث في السياسة – لا تعتبرني رمزًا للمقاومة، وللكرامة، والوطن السليب، وهذا الكلام الذي يسد النفس، أنا لا أحدثك عن مشكلة اللاجئين، بل عن امرأة لجأت إليك، تطلب العون. أنا لا أريد حصتي من الأنروا، أريد حصتي من الحياة، فهل هذا كثير، هل هذا كثير يا مصطفى؟ عاملني كأني إنسانة من لحم ودم، امرأة تريد أبسط حقوقها: أن تعيش بشكل طبيعي. هل فهمت يا مصطفى؟. أنا أحدثك عن مشكلة إنسانية- عن نفسي – عن القضية الفلسطينية الجالسة أمامك، وليس عن القضية الفلسطينية الحقيقية.

أنا عايزة أفضفضلك كصديق، ربما لا تتذكرني، لكني أعرفك منذ أكثر من عشر سنوات، لكن دعك من ذاك الآن، سأخبرك أين ومتى تقابلنا – فقط اتركني أعبر عن مشاعري، أريد أن أستلقي هنا على الكنبة، وأحكي لك، أريد من يسمعني- من يتعاطف معي، من يعطيني دواءً لحالتي. آه يا مصطفى، أنا امرأة عاشت مشاعر مبتورة، وقصصًا متشابهة غير مكتملة. كانت آخرها، وأقساها قصتي مع عادل.

“لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين، هذه الجملة التي نسمعها في الأفلام وتثير سخريتنا، يكون لها وقع مختلف عندما تسمعها المرأة، نظرت إلى عيني عادل، ورأيت لمعة الصدق فيهما، كان قلبه يقول نفس الجملة “لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين!”. فجاوبته سينمائيًّا أيضًا حتى أعيش تلك اللحظات الصادقة : “بجد يا عادل؟”..فضغط على يدي: بجد يا نرمين!

عادل يعمل موظفًا في إدارة التسويق في شركة كيماويات. شاب جاد، وطموح، ومتدين، ومن نفس مستواي الاجتماعي. تعرفت عليه عندما كنت أنشئ موقعًا إلكترونيًّا للشركة التي يعمل بها. آه نسيت أن أخبرك: أنا مهندسة برمجيات، أعمل في تصميم المواقع الإلكترونية. كان عادل يرسل إليَّ الإيميلات، يطلب تغيير شيء في التصميم، أو تعديل شيء آخر، ثم نجلس سويًّا نتحدث في كل تفصيلة، بعد شهرين انتهيت من إنشاء الموقع، وانتهى هو من إنشاء صورة له سلبت فؤادي. تقابلنا بعد ذلك كثيرًا، ثرثرنا، ضحكنا، صمتنا، حدثته عن كل شيء إلا عن اسمي، طلب مني أن أحدد له موعدًا مع بابا. فوجئت. لا أعرف لماذا هكذا نحن الفتيات بالرغم من التوقع، والتخطيط، فإننا نُفَاجَأ عندما نسمع هذا الطلب. كان عليَّ حينها أن أخبره بالحقيقة، “لو بيحبني لشخصي، مش هيفرق معاه موضوع الاسم”، أليس كذلك يا مصطفى؟

انتهزت فرصة الحرب على غزة لأفتح الموضوع – موضوع مستقبلي – مستقبل القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري – قلت له ما رأيك فيما يحدث في غزة يا عادل؟ – ولم أكد أكمل السؤال حتى انفجر في نوبة حماسة وطنية، لعن النظام الذي يحاصر غزة، شتم حركة فتح، وكان متحفظًا في تحميل حركة حماس المسؤولية، قال أنهم أنضف من حركة فتح، على الأقل دول متديِّنين- لكنه قال: لكن هذا إلى زوال إن شاء الله، والنصر قادم، وسنهزم إسرائيل، ثم قال: ليس بأيدينا الآن سوى أن ندعوا لهم، في المساء أرسل لي رسالتين الأولى تقول : حبيبي ماشي حافي الأرض بتلسعه\ يا ريتني كنت شبشب كنت أقدر أنفعه \ ورسالة الأخرى تقول : أحبتي في الله – أدعوكم إلى صيام يوم الاثنين، وتوحيد الدعاء عند الإفطار لأهلنا في غزة – حتى تنال الثواب، ويتحقق النصر.

لم أكن أعرف أن عادل لديه هذا الشعور النبيل نحو القضية الفلسطينية، أو لديه أي اهتمام بالشأن العام. لم أعرف أبدًا أنه له آراء سياسية، لم يقل لي من قبل على سبيل المثال: هبة أنا نفسي أحرر القدس، بل قال “فاطمة” أنا نفسي أشتري عربية هيونداي- من بنكCIB. لكن وطنيته الجميلة أذهلتني، لهذا صارحته بكل ثقة بعد أن اكتشفت هذا الجانب من شخصيته، وقلت له: عادل أنا ماسميش “نرمين” أنا اسمي القضية الفلسطينية.

wpid-img_3156-2013-03-6-05-57.jpg

بالطبع بدأ الأمر بنوبة ضحك، ثم ابتسام، ثم أمام ملامحي الجادة تحول إلى وجوم، ولما شاهد بطاقتي الشخصية، تحول الوجوم إلى غضب، والغضب إلى ثورة، لكنه قال ببرود وتلامة، وباقتباس سخيف من فيلم سينمائي لا أذكره: إذا كنت خبيتي عليا اسمك، يا ترى مخبية إيه تاني؟

حاولت أن أشرح له، أن أخبره، أن اسمي كان سيبعده عني، أقسمت أني لم أخف عنه شيئًا آخر، صمت، هجرني فترة، ثم عاد وقال لقد فكرت كثيرًا في موضوعنا، بصراحة إن اسمك سيمنعني من التواصل معك، فلا أتخيل مثلًا أن أقول لك: أحبك أيتها القضية الفلسطينية، أو شفتاك جميلتان أيتها القضية الفلسطينية. ثم أردف أن قناعته تمنعه من الزواج بامرأة تسمى القضية الفلسطينية. قلت له: كيف؟ فقال لي: لا أستطيع أن أتخيل أني، أضاجعك. الحقيقة أنه لم يقل ذلك قال شيئًا آخر، ولكن يمنعني الحياء.

حاولت أن أقنعه أنه لا علاقة لي بالقضية الفلسطينية الحقيقية من قريب أو بعيد، بل هو مجرد تشابه أسماء، فصمم على رأيه. قلت له أن يناديني نرمين، هويدا، فاطمة، مريم، فرفض، شعرت بإهانة بالغة من توسلي له، صرخت فيه: اذهب إلى الجحيم لا أريدك، لن أموت بدونك. ومضى، وبعد أن غادر بكيت… بكيت بكاءً مُرًّا، ولكنه ليس بمرارة الألم الذي تركه في نفسي.

عشت أيامًا كئيبة، تركت العمل، تسكعت في الشوارع التي شهدت حبنا- أتذكر أيامنا الحلوة معًا، هذه التسعة شهور التي مرت كلحظات خاطفة في حياتي، أقرأ الخواطر التي كنت أكتبها فيها- كنت أجهش بالبكاء بصوتٍ عالٍ، ولم أنتبه إلى أنني كنت أجلس في نفس المكان “سيلانترو” جامعة الدول، إلا عندما قال لي النادل: اتفضلي يا أفندم، الموكا والتشيز كيك اللي حضرتك طلبتيهم.

هكذا نسيني، فقدت الأمل، ومن ثم استبدت بي الشهوة. تقضي علي، وأتوهم أني أقضي عليها، فهي لا تنطفئ بالعبث بجسدك، فالخيالات تسبب الضجر بقدر ما تفرز السوائل، تثبط انتفاضة أعضائك، لكنها لا تريح القلب.

لو ولدت في زمن آخر، لبُذل فيَّ أغلى المهور. لهذا استسلمت لكلام أمي، ومررت كغيري على زواج الصالونات، فغشيني منه ما غشى غيري، فلا داعي للتذكير بما هو مكرر، إلا أنه كان أقسى عليَّ، وأشد على نفسي، يتركني الرجال بمجرد أن يعرفوا اسمي، يهربون، ويتذرعون بالنصيب. بكت أمي، حزن أبي، وقال ” مفيش حل لازم تغيري اسمك”. لكني رفضت بشدة، لقد صار الاسم جزءًا مني، لن أتنازل عن اسمي، رغم نصائح صديقتي ياسمين: “القضية مش في الاسم… لابد أن تفكري بشكل براجماتي وعقلاني”، لقد جاوزتِ الثلاثين، وفرصتك تقل في الزواج ” صدقيني اسمك ليس بهذه الأهمية… خالص”.

***

أرأيت، إن لي من اسمي نصيبًا، يا مصطفى، إلا أن القضية الفلسطينية الحقيقية أوفر حظًّا مني. القضية الفلسطينية ستحل إن عاجلًا أو آجلًا، نحن في آخر الزمان، وسيأتي فارس يخرج من هذه الظلمة، يقود الجيوش وينشر العدل، سيأتي المهدي المنتظر، ويحررها من اليهود، هذه قضية إيمان، ألستَ بمؤمن يا مصطفى؟

أما أنا فمن ينتظرني؟ لا أحد يريد أن يطبع العلاقات معي، أريد التطبيع يا مصطفى، التطبيع لا أكثر ولا أقل، لكن الوقت ليس في مصلحتي. القضية الفلسطينية لن ينقطع عنها الطمث يا مصطفى، لكن أنا سينقطع عني الطمث.

هيا امسك يدي، قبـِّل وجنتي، ضمني، راقصني يا مصطفى… راقص القضية الفلسطينية، أنا معجبة بك جدًّا، تزوجني يا مصطفى- أنا أحبك، أنا لست غريبة، أنت تعرفني. لقد التقينا من قبل كما أخبرتك، ألا تذكر؟ منذ عشرة سنوات. ألا تتذكر اليوم الذي وقعت فيه أمك من أتوبيس 4 بشرطة، ألا تتذكر الفتاة التي حدثتك في التليفون فأتيت وأنت مضطرب، “بالأمارة” كنت تقود سيارة ريجاتا بيضاء، وحملتها معك إلى مستشفى، هل تذكرتني الآن؟. كنت ألبس بلوزة خضراء، وجيب جينز طويلة، أنا الفتاة الشقراء، أنظر تحت الطرحة، نفس الخصلات الذهبية الطويلة.

نعم… أنا الفتاة التي جمعت حبات الخيار، والطماطم، وكيس المكرونة، والفرخة التي كانت تحملهم أمك قبل أن تسقط من الأتوبيس. أنا التي أمسكت بيد أمك، وأجلستها على كرسي السيارة، أنا التي وضعت الأكياس في شنطة السيارة، ألا تذكر يا مصطفى، شنطة السيارة كانت بها سجادة صلاة قديمة، وشبشب بني، وكانت مفروشة بالجرائد، ألا تذكر مانشيت الجريدة يا مصطفى: فوز الأهلي على مزارع دينا 3 صفر، كان يوجد أيضًا كتاب التشريح للفرقة الثالثة في كلية الطب، ألا تتذكر يا مصطفى، ألا تتذكر كتابك؟… أرأيت الآن أني أعرفك، وأعرف طنط سميرة، عرفتك عندما وجدتك استأجرت هذه العيادة في شارعنا منذ شهور، هيا يا مصطفى، أنا لم آتيك بصفتك طبيب نفسي، أنا أتيتك بصفتك رجل، أحضني يا مصطفى أرجوك، قبِّلني، لا تخف، لا تحدثني بالإنجليزية، أرجوك، لا تقل لي كما قال عادل :-

I cannot fuck you? I cannot fuck the Palestinian issue!

wpid-img_3153-2013-03-6-05-57.jpg

محمد فاروق (من مجموعة سينما قصر النيل، دار ميريت)

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-171.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-171.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-171.jpg

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-17.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-17.jpg

تدوينة “ابن الوسخة الدون”: تأملات في الشخصية المصرية

wpid-p1020537-2013-02-19-18-00.jpg



ابن الوسخة الدون ده أول نوع من أنواع ولاد الوسخة. ورغم إن كلمة “دون” ممكن تكون قديمة حبتين، أعتقد إنها مَسَبّة مهمة جداً لإن فيها فكرة الدونية. (هي طبعاً ليها مرادفات: واطي، مثلاً، أو ناقص؛ أو حتى خسيس ورمة. بس مش نفس الرمة. أقصد يعني إن ولا مرادف من المرادفات دي بنفس دقة كلمة “دون” في حد ذاتها.) لإن فكرة الدونية أو عقدة النقص هي اللي بتتحكم تقريباً في كل حاجة في مصر، وده بيوصّل لإنها ما بقتش عقدة قد ما بقت طريقة حياة



إن البنيآدم يبقى حاسس إنه زبالة، إنه قلوط مهما حصل. وحتى الحاجة الحلوة لما تحصل لي تبقى صدفة أو غلطة لإني ما أستاهلهاش؛ أنا بطبيعتي زبالة: هي دي في الحقيقة الحكمة أو المقولة أو يعني القاعدة اللي المصريين ماشيين عليها بشكل عام، والاعتراف بيها في اعتقادي خطوة ضرورية في اتجاه تغييرها. لو ما تغيرتش مش حنوصل لحاجة ولا بمية من أبو ثورة اللي شفناه وحنشوفه… بس دي قصة تانية



أنا قصدي إن المصريين حاسين إنهم قلاليط. ويمكن عشان كده تلاقيهم بيبالغوا قوي في التعبير عن اعتزازهم بنفسهم وحبهم للوطن اللي هما بيكرهوه. لإن الوطن وكل اللي بيكرهوه في الوطن بيفكرهم ويأكدلهم إنهم ناس دون. ولما ابن الوسخة الدون يلاقي حاجة بتفكّره إنه دون مش بس بيتعرف على نفسه في الحاجة دي لأ، ده كمان تلاقيه بيقول عليها حاجة راقية وجميلة وفاتك نص عمرك ياللي ما شفت مش عارف إيه. ليه؟ عشان لو ما عملش كده حيبقى مضطر يعمل حاجة من اتنين: يا إما يغير نفسه وإحساسه بنفسه اللي هي مسألة في غاية الصعوبة، يا إما يعترف إنه ابن وسخة دون، وبكده يبقى طيزه عريانة ويبقى مرعوب من اللي جاي؛ عشان أول ما يعترف إنه دون مش حيبقى دون، وهو ما عندوش أي فكرة اللي مش دون ده ممكن يشوف الدنيا إزاي ولا يعمل بروحه إيه.

خليني أقول بالمناسبة، قبل ما أكمل كلامي يعني، إنه طبيعي كل واحد منا يلاقي جواه ولاد وسخة من أنواع مختلفة بدرجات مختلفة لإننا اتكوّنا هنا – الفرق يمكن في إن ولاد الوسخة اللي هما ولاد وسخة فعلاً ما بيبقاش جواهم حد تاني غير ابن الوسخة ذات نفسه – وأكتر ابن وسخة حنلاقيه جوانا كلنا وبأعلى درجات محتملة هو ابن الوسخة الدون

إيه بقى مواصفات المخلوق ده؟

هنا يحضرني كلام شاعر صديق طول عمره طلعان ميتينه من الأوساط الأدبية وبيشتغل دلوقتي صحفي في الخليج. الراجل ده موهوب فعلاً، وصادق في كلامه لإن عنده إحساس دائم بأهمية الصدق. يحضرني إنه مرة كتب على الفيسبوك يقول: عند متسوى معين من الانهيار لا يعتبر الناس أنفسهم أوساخاً لأنهم يرتكبون حقارات، بل هم يرتكبون الحقارات من شدة إيمانهم بأنهم أوساخ



شوف يا أخي عبقرية الصياغة! وده بجد على فكرة: المشكلة الأساسية في ابن الوسخة الدون إن هو حاسس إنه ابن وسخة، والإحساس ده عميق ومتجذر بطريقة مش مخلياه حتى يتصرف زي البنيآدم اللي كان يفضّل يكونه حتى لو هو عايز يعمل كده، ولا مخلياه يواجه نفسه بحقيقة دوافعه اللي هي ببساطة شديدة إنه ابن وسخة دون

لما توفيق عكاشة مثلاً بيقول إنه زيه زي البرادعي وأحسن منه كمان، هو مش بيقول كده عشان هو فعلاً شايف حاجة بيتنافس عليها مع البرادعي (يعني هو ما لقاش حاجة يتفوق فيها غير طريقة تزغيط الوز وسعر البارك بتاع البقرة، وهو أكيد مهما كان غبي واخد باله قد إيه الحاجات دي مش بس تافهة وبرة الموضوع إنما كمان بتأكد فكرة واحدة بس: إن هو ابن وسخة دون). توفيق عكاشة بيقول كده في الحقيقة عشان هو عارف إنه ابن وسخة دون، ووجود البرادعي في الحياة بيخليه برضه عارف إن الناس بتبص للبرادعي وترجع تبصله فتعرف إن هو واطي وزبالة وما لوش أي تلاتة لازمة. توفيق عكاشة فعلاً عارف ده عن نفسه حتى لو عمره ما يقدر يعترف بيه

ودي أهم صفة في ابن الوسخة الدون: إنه عارف نفسه، وعارف إن الناس عارفاه.

تاني صفة بقى ممكن التعبير عنها يختلف من واحد للتاني: ممكن تاخد شكل الفشر والنعر ومديح الذات المتواصل، وممكن تاخد شكل التريقة الدايمة والسخرية من كل حد وكل حاجة. كمان ممكن تاخد شكل إنك تقول عكس اللي مفروض تقوله في كل مناسبة عشان الناس يتهيألها إنك متميز أو مختلف، أو إنك تبقى عدواني مع اللي بتتكلم معاهم وكإنك عارف اللي هو مش عارفه وزهقان من جهله. ممكن تاخد أشكال كتير، لكن هي دايماً تعبير عن نفس الاحتياج لإن الناس تلتفتلك وتحس بوجودك. وسواء إنت عارف ده أو مش عارفه – كونك ابن وسخة دون – كل اللي إنت بتعمله عشان الناس تلتفتلك بيخلي الناس تقرف منك وتبقى مبضونة من حضورك اللي إنت فرضته عليها، زي بالظبط ما القلوط المرمي تحت الكوبري بيطلع ريحة تخليك تعرف إنه موجود… ما حدش ممكن يتجاهل الخرا، بس كل الناس تفضّل لا تشوف الخرا ولا تشمه

تالت صفة ودي آخر حاجة حأقولها النهارده: ابن الوسخة الدون وجوده معتمد على وجود حد أحسن منه، زي ما العالم التالت تالت على اعتبار إن فيه عالم أول وعالم تاني. لو ما كانش فيه في الدنيا غير ابن الوسخة ده، ما كانش حيبقى ابن وسخة

ولا دون

أهمية أن تكون طائفياً: تحديثات الحالة

wpid-img_6785-2012-09-21-06-38.jpg

.

أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.

الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)

.

معليش في كلمة حازقاني في وسط الأخبار والتعليقات المتلاحقة: عمرنا ما حنخلص من تسييس الدين من غير ما نخلص من الدين.

الدين في زمن تاني أو مكان تاني أو بـ”فهمه الصحيح” ممكن يبقى حاجة كويسة، كلام جميل بس ما لوش أي تلاتة لازمة.

الدين هنا دلوقتي عبارة عن طائفية وقمع حريات وإنكار حقوق وعدوان وتعريص وسفالة. بس. ده اللي بيتغذى عليه الإسلام السياسي (والرأسمالية العالمية برضك، بالمناسبة يعني)، مش أي حاجة تانية. وده ما لوش أي مبرر أو تفسير غير إن الدين بيشجع عليه أو بيسمح بيه أو بيخلي اللي يعترض عليه وحش عشان بيعترض ع الدين.

كفاية بقى، كفاية بجد يعني…

.

على فكرة حضرتك كده ما دافعتش عن الرسول، إنت خليت منظره وحش ونفخت إخواتك في الإسلام زيادة عن ما هما منفوخين. وبعدين لما الرسول “سيد الخلق” أساساً – و”باعتراف الغرب” برضك يعني مش أي كلام – تفتكر هو ممكن يتأثر بالهجوم عليه أو يبقى محتاج واحد شبهك كده يدافع عنه؟

.

بعد الاستماع إلى “تعليق الشيخ وجدي غنيم على فيلم خنازير المهجر”، أنا كواحد من الناس لا أشعر إلا بتعاطف شديد مع صانعي الفيلم الذي لم أره وخوف شديد من أن يتمكن أمثال هؤلاء من أحد أو شيء في أي مكان أو تحت أي مسمى وغيظ شديد من أن هناك أي شيء على الإطلاق – الجنسية، أو الديانة – تربطني “بالشيخ وجدي”. فما بالك بشعور واحد مسيحي أو واحد من مجتمع حر؟ إذا كان هذا الخطاب يمثل المسلمين، فالمسلمون فعلاً يستحقون الإبادة. والعزاء من قلبي لمن ستقع على كاهله تكلفة إبادتهم.

.

من تصريحات المتظاهرين عند السفارة الأمريكية بيقول لك “دلوقتي إحنا حاسين إن الدولة إسلامية ففي ردود كتيرة والشعب أصلاً الحمد لله يرفض الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام” و”اللي نزلوا في الفن عشان إلهام شاهين، ما شفناهمش دلوقتي عشان نصرة النبي صلى الله عليه وسلم” و”كرامة الرسول من كرامتنا”…

ويُذكر في السياق نفسه إني لما ضربت صورة مسيئة لعبد الناصر يوم ٢٣ يوليو اللي فات كان فيه مظاهرة غضب عندي هنا ع الصفحة بس على صغير. وفيه ناس نطت فوق سور الصفحة وحرقت الكافر فوتو وعملتلي آنفريند أو عملت بلوك للعلاقات الدبلوماسية وكانت عايزة تعمل ديليت لصورة البروفايل اللي هي السفير، وفيه ناس أعقل فكّرتني بفضل الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم على الأمة والخلق أجمعين.

.

وبغض النظر عن ضعف أو سفاهة فيلم بعينه (أو النوايا الوضيعة لرواية ناجحة على سبيل المثال)، وبغض النظر عن وجوب مبادرة المنتمين إلى الأديان والرموز والمقدسات بازدرائها والإساءة إليها بأنفسهم تجنباً لتحويل الموضوع إلى صراع طائفي أوسخ من أي شيء، تبقى حقيقة أن الإساءة والازدراء لكل ما هو ثابت ومتحجر وقمعي من علامات القوة والحرية والشجاعة… ليس العكس

.

ويوماً عن يوم، تزداد حدة المزايدة على التخلف… كما توقعنا تماماً. ويوماً عن يوم، تتحول “الثورة” التي بررت صعود الإخوان إلى حجة مثالية لممارسة التخلف نفسه بلا ضوابط، وشيطنة من يشير إلى التخلف ليقول إنه تخلف، وتوريط “الآخر” المتقدم في تسييد التخلف بعيداً عنه. الذي يبرر ما يحدث بأن عند “هذه الشعوب” حساسية دينية أعلى أو أن لهم “خصوصية” في طريقة تعاملهم مع المقدسات هو جزء من الكارثة الحضارية التي نعيشها وهو يساهم ربما أكثر من المتخلفين أنفسهم في الأوضاع المنحطة للشعوب المعنية.

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

ثورة ٢٠١٢ أو الأذان بالفيديو: من انتخابات الرئاسة إلى عدم الانحياز

العدالة التاريخية: أن يكون عدم الانحياز قد آل إلى صراع طائفي بين “قوتين” داخل الديانة الواحدة. منذ أيام وأنا أفكر في العلاقة بين “القومية” (الناصرية باختلاف درجاتها) والإسلام السياسي: توجهان يقدَّمَان باعتبارهما ضدين بينما الواقع أن ما في الأول من تدين وكراهية للآخر وانحياز لصالح طائفة ضد أخرى ثم فشل ذريع في التنمية منطقي أن يؤدي على خط امتداده إلى الثاني. وحسبك أن مثل عبد الحليم قنديل، بعد أن يعطي صوته لمرسي، يطلع على التلفزيون ليقول لك بالفم الملآن (مدللا بذلك على أنه حافظ عهد الصراع مع الاستعمار): “أنا لست علمانياً.” الآن عندك رئيس يذهب إلى إيران ليؤكد هويته السنية في مقابل هوية مضيفه الشيعية ويساند ثورة سوريا ليس دفاعاً عن الحرية وإنما تأكيداً للولاء الطائفي فلا يكون من المترجم إلا أن يحرّف كلامه لصالح ثوابت نظامه الشيعية ونظام الأسد! إذا لم تكن قادراً على رؤية ما يحدث بوصفه النتيجة المرجحة لطرح العهد الناصري في هذا الظرف تحديداً فهل تظن نفسك قادراً على رؤية أي شيء؟

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟

وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”

ولم نفهم – في السياق ذاته – أن الإسلاميين قد يتعرضون إلى ما تعرضنا إليه من قمع وتضييق ولكن ذلك لا يجعلهم في الموقف الثوري أبداً، لا وهم قريبون من الحكم ولا وهم بعيدون عنه، ليس فقط لأنهم شراميط مثل شراميط مبارك ولكن لأنهم شموليون ومحافظون في تفكيرهم بما يناقض أي فكرة محتملة عن الثورة، ولأن علاقتهم بثورتنا عملياً لم تتعد استغلالها للحصول على مزيد من الحكم الذي يمارسونه بالطريقة ذاتها التي مارسه بها شراميط مبارك (قارن بين الكتاتني وسرور – قارن بين حازم شومان وتوفيق عكاشة) ولا يعنيني على الإطلاق في هذا الصدد أن بعض الإسلاميين قد تكون لهم بعض النوايا الحسنة بينما كل المباركيين كل نواياهم سيئة

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟

قبل أيام سألت أمي المتدينة “الوسطية” الكارهة حقيقة لحكم الإخوان (علماً بأنها مثل أكثرنا لا تستغني عن التكييف في الصيف): هل مخترع مكيف الهواء غير المسلم أفضل أم مسلم صالح لم يضف شيئاً للحياة ولكنه لم يقصر في أداء التكليفات والنوافل؟ قالت: هذه مسألة فقهية تستوجب مشورة العلماء، ولكن عندي أنا من قال “لا إله إلا الله” أفضل. كيف أو لماذا يصبح من قال “لا إله إلا الله” أفضل؟

***

٢٠١١

النادي الأهلي مساء العيد

This slideshow requires JavaScript.

صراع “التنوير” في الإسلام لم يكن أبداً مع “التطرف” وحده: تدوينة

أتابع هذه الأيام – وبمناسبة العفو الرئاسي عن الشخص الذي أطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً – أحاديث وكتابات فرج فودة؛ كما تابعت من قبل باستفاضة أكبر كتابات وأحاديث نصر أبو زيد. وأرصد ظاهرتين واضحتين أولهما أن صراع دعاة “التنوير” في الإسلام من أمثالهما لم يكن أبداً مع “الجماعات المتطرفة” وحدها وإنما كان دائماً، وربما بدرجة أعلى، مع “علماء” الأزهر؛ وأن التوجه “الوسطي” المحافظ (وقد نسميه المتخلف، الرجعي: الرافض للتطور) والممارسات الرقابية على الفكر والإبداع وأي نشاط يتضمن إعمال العقل أو حرية التعبير عن المشاعر (الروحانيات) هي سمات أصيلة لمؤسسة الأزهر من قبل صعود التأثير الوهابي (أو “السلفي”) الملازم للإسلام السياسي. وثانيهما أن ما أدى إلى عقاب هذين الشخصين (بالقتل والنفي) هو – بالتحديد – تجرؤهما على ممارسة حق أظنه مشروعاً لكل من وُلد على الإسلام ولم يخيّر في اعتناقه شأن المسلمين الأوائل هو إبداء وإعلان الرأي ليس في العقيدة نفسها بالضرورة وإنما في الخطاب الديني السائد والمؤثر في المجتمع والذي يتحكم في حقوق الشخص المعني وحرياته؛ ومن ثم فالأمر يتعلق ليس بإيمان المسلمين بما يؤمنون به أو محتوى عقيدتهم أو ماهية اعتناقهم لها وإنما بعلو صوت من شأنه أن يقطع الطريق على نشاط اجتماعي-اقتصادي احتكره أشاعرة الأزهر لقرون حتى التسعينيات ثم ورثه منهم سلفيو المدرسة الجزيرية. يبدو لي من خلال هذين الملاحظتين أن الخطأ الأكبر لـ”التنوير” هو نفسه مقصده النبيل إلى توعية الناس بدينهم أو السمو بمستوى تعاطيهم معه، وأن الهدف كان يجب أن يكون أكثر جذرية وأقل فرضاً للوصاية، ليس فقط تحاشياً للجدل العقيم مع أناس يحافظون على مصالحهم ألف مرة قبل أن يتحروا الصدق مرة واحدة ويفضلون الثبات والتحجر على الحركة والتطور وإنما أيضاً سعياً إلى تأسيس مساحة اجتماعية-سياسية موازية تجاور مساحة السلطة الدينية (الموالية للسلطة السياسية والمنبثقة عنها أو العكس) هي مساحة السؤال عن موقف من ولد على الإسلام ويريد أن يحتفظ بعقيدته لنفسه (فلعله ارتد عنها في قلبه ولعله اعتنقها بطريقته) دون أن يلتزم بشروط الخطاب الديني السائد أو يتدخل فيه. هذا الشخص غير معني باختراق المنظومات السلطوية للتدين التي يحترمها، لكنه يحتفظ بحقه في حياة خالية من تأثيرها وإنتاج خطابات تخصه على هذا الأساس. هذا الشخص تعريفه “علماني” أو “لاديني”، وهو شخص موجود بأعداد لا يستهان بها في مصر. كيف يمكن صياغة تصنيف لهذا الشخص داخل “المجتمع الإسلامي” يحدد حقوقه وواجباته ويستند إلى مبدأ الذمية أو آلية مشابهة؟ أظن هذا السؤال أجدى وربما أسلم لمن يطرحه من سؤال تطوير الخطاب الديني أو عقلنة وعصرنة العقائد والشرائع

ثلاث ملاحظات سريعة على حوار الرئاسة في شبكات الاتصال

wpid-2012-05-2909-53-28am-2012-05-29-08-25.png

        

انقضاض الإخوان على السلطة منذ انتخابات مجلس الشعب – وأثناء انشغال “الثوار” باحتجاجات كان واضحاً أنها لن تكون مؤثرة – من ناحية، وعدم استعداد المجلس العسكري لتسليم الحكم لجهة مدنية بعد افتضاح جرائمه من ناحية أخرى، ثم فشل المجتمع المدني في تكوين جبهة ذات ثقل تتخذ على عاتقها مهمة استلام السلطة والتصدي للاستبداد المجتمعي قبل السياسي كلها عوامل أدت إلى اختزال “التحول الديمقراطي” واقعياً في صراع عسكري-إسلامي زيّفه الخطاب الثوري بحديثه الدائم عن صراع ثوري-فلولي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي منح التيار الإسلامي “شرعية ثورية” زائفة (تمثلت على أوضح صورها في التفاف قسم كبير من “القوى المدنية” حول حملة عبد المنعم أبو الفتوح، ظناً منها أنه المرشح الأقوى من حمدين صباحي) كما ساهم في تهميش أهداف الثورة من حقوق وحريات وتطلعات حتى لم تعد هذه الأهداف مطروحة أساساً.

الكلام عن نزاهة الانتخابات أو عدمها ليس وارداً أصلاً في ضوء (١) قبول “الشعب” متمثلاً في “مرشحي الثورة” بخوضها تحت إشراف المجلس العسكري من قبل تسليم السلطة (والذي بات يعني تمكين الإخوان من احتكارها) أو صياغة دستور يضمن الحقوق والحريات (كان الإخوان أيضاً هم العثرة الرئيسية في استصداره)؛ (٢) رفض قطاعات ضخمة من الناخبين لمعطيات التيار الإسلامي، واحتمائهم منه برموز “العهد البائد” في غياب بدائل سياسية ملموسة؛ (٣) غياب الإصلاحات القضائية اللازمة لضمان شفافية العملية الديمقراطية فضلاً عن سوء سمعة القائمين على اللجان المعنية وانضوائهم تحت لواء المجلس، ثم عدم اعتراض المرشحين ولا حملاتهم ولا المتحمسين لهم على جعل مصير الانتخابات في يد هؤلاء؛ (٤) وجود آليات حشد غير ديمقراطية في القطاعين “الفلولي” والإسلامي لا تختلف عملياً عن التزوير لم يتم التعامل معها تشريعياً أو تنفيذياً.

يشير رد الفعل على نتائج الانتخابات إلى تناقض مربك بين “الشعب” كطاقة احتجاجية معارضة للسلطة بل ومستعدة للتضحية من أجل إسقاطها وبين “الشعب” ككتل تصويتية تكرّس للسلطة نفسها وبالدرجة نفسها من الاستماتة، فمن قبل بفساد العملية الديمقراطية ظناً منه أنها ستُنجِح مرشحه الفاسد يتكلم الآن عن نتائج معدة مسبقاً ومن اتهم المقاطعين بالسلبية بل والخيانة في خضم حماسه لأبو الفتوح يحشد الآن لمرشح الإخوان “الاستبن”… وقد يساعد تراث المعارضة الشعبوي غير المسئول على تفسير ذلك، حيث لا يستند رفض الوضع القائم (وهو ما تمثله الإرادة الثورية) على امتلاك رؤية قابلة للتنفيذ لاستبداله بوضع أفضل منه ولا حتى على رغبة صادقة في أن يتغير فعلياً، مقارنة بالرغبة في استعراض السعي إلى تغييره (وهي ما تمثله الإرادة “الديمقراطية”) فإذا بالنشاط الاحتجاجي وقد ثبتت عزلته عن الشعب في أحداث العباسية يطابق بين الثورة والإخوان، وإذا بنصف الناخبين أو أكثر ينحازون ليس فقط لمرشح المجلس العسكري ولكن لأقرب المرشحين شبهاً بـ”المخلوع”… فهل يحق لمعسكر الثورة – المسئول عن وصولنا إلى ما نحن فيه – إنكار ذلك على الشعب الذي يتحرك باسمه الآن؟

تغريدات فترة النقاهة

wpid-img_2771-2012-05-26-08-03.jpg

حين تكون الجهة المقموعة قمعية الطابع، لا يمكن اختزال مناهضة القمع في مناصرة المقموعين #ثورة

صحيح أن الإسلاميين فزاعة الاستبداد، لكن صحيح أيضاً أنهم مفزعون #ثورة

الإسلام السياسي كأنه مصنوع خصيصاً لتبرير القمع #ثورة

يعني لو كانت “أمريكا وإسرائيل” والأنظمة العربية فكرت في طريقة تخلي الشعوب دي كإنها مش موجودة، ما كانتش حتلاقي أحسن من الإسلام السياسي #ثورة

النداء الأخير لحملة صوتك لأمك: ما تنتخبش الفلول ولا القومجية، ما تنتخبش الإسلاميين. أمك أولى بيك #انتخابات_الرئاسة

ومن أقواله الخالدة: شوف حضرتك هو أنا خدتها على شقين إيييه: تجيب برة وتجيب جوة #شفيق

ومن نتايج الـ #ثورة و #الانتخابات إن كان فيه ناس كتير بأعزهم أو أحترمهم حتى لو ما أعرفهمش شخصياً بقوا كإنهم مش موجودين

والمرعب إن سيناريوهات #النضال الواقعة بتاعت الستينات والسبعينات بيُعاد إنتاجها بحذافيرها وبكل ما فيها من كذب وخواء #ثورة

أظرف حاجة في #انتخابات_الرئاسة إن ما عدناش حنشوف الخلق الوسخة اللي الناس مبدلة بيها صورها دي، أو هكذا نتمنى

ليس أحقر من استغلال صور القتلى للتأثير على نتيجة الانتخابات، والله العظيم ما فيه أحقر #انتخابات_الرئاسه

ويخلق أناساً شايفين الدنيا من طيزها، ويخلق ما لا تعلمون #انتخابات_الرئاسة

قال لك #الرئاسة خطوة في “الفرز” لأ وإيه، اللي عنده تصور مخالف لتقيحات “العدالة الاجتماعية” يبقى وعيه من بقايا النظام “القديم”

أنتم براز التاريخ #انتخابات_الرئاسة

من أجل هذه اللحظة… اللي هي لا هي “هذه اللحظة” ولا ليها أي تلاتة معنى من أساسه

وبعون الله حيجيلك مرسي ينفخ تلاتة دين أمك يا ابن الهبلة

شكراً شهداء الوطن: على جثثكم نختار بين اتنين مخابيل طائفية وتلاتة معرصين

تتأسس “المعارضة” على خيالات معزولة عن الواقع بما يكفي لتكون آلية لتكريسه عن طريق تزييفه حتى لا يعود لها أي معنى زائد على حنجرة النضال #ثورة

كل واحد يحترم القدر اللي قدامه بحجم قدره #شفيق

لسبب إن أنا يعني كل واحد في مكنونه قدرات… بأقول له كفاك و… لا معنى إنك إنت – إيه الحكاية… إن أحمد شفيق لو اترشح يبقى الثورة… ثورتك؟ #شفيق

في انتظار النتائج الأولية للدوري الممتاز #انتخابات_الرئاسة_المصرية

أظن لو كانت المنافسة بين أيمن الظواهري و(الله يرحمه) زكريا محيي الدين، كان برضه حيقول لك المقاطعة خيانة لدماء الشهداء #انتخابات_الرئاسة

والله يا رفاق ما عندكو أي فكرة أنا قرفان من أشكال أهاليكو قد ايه #انتخابات_الرئاسة

أنباء عن تقدم أبله القرية، وسقوط اللحية المشذبة لصالح اللحية غير المشذبة… وقطاع كبير من الناخبين في انتظار عودة المومياء #انتخابات_الرئاسة

وعيل ابن دين كلب بهيمة يقول لك اللي مقاطع كإنه انتخب الفلول – يللا ياد خد ثورتك دي صرّفها بعيد عن هنا #انتخابات_الرئاسة

معرصين النظام، وعلوق الثورة #انتخابات_الرئاسة

ثورة ضد فلول (كويس، ولكن) عسكري ضد إسلامي (مش كويس، وفي النهاية) وعي ديمقراطي (شعبوي) ضد وعي استبدادي (أهطل)… ماذا يمكن أن تكون الحصيلة؟

شفيق ومرسي حبيته فيييك شفيق ومرسي

حمدين وتتح بعيد عليييك شفيق ومرسي

يا ثورة قولي بلوفر قولي وكل عجلة استبن وبس

سؤال صادق للي مش مقاطعين: لو الإعادة بين شفيق ومرسي حتعملوا إيه؟ #انتخابات_الرئاسة

سؤال صادق: لو الإعادة بين شفيق ومرسي هل الوفاء لدماء الشهداء يعني التصويت لمرسي؟ #انتخابات_الرئاسة

سؤال صادق للي مش مقاطعين: لو جه مرسي رئيس بعد إعادة بين شفيق ومرسي حيبقى إيه موقف كس أم الثورة؟ #انتخابات_الرئاسة

#الثورة فضلت مجيدة وساكتة سنة ونص، يللا

الوساخة بقى إيه؟ شفيق نجح والثورة قامت تاني، طب ما هي المرة دي حتبقى ثورة إخوانية على أبوه #انتخابات_الرئاسة

قال لك العالم كله أُمْبُهُر، أُمبُهُر بالـ #ثورة

أبو الفتوح وحمدين وعمرو موسى والعوا وخالد علي هما اللي دخلوا الانتخابات بجد، والإعادة اللي بجد بين حمدين وأبو الفتوح #انتخابات_الرئاسة

وده يعلمنا إن الإخوان والحزب الوطني تصريفين لنفس الفعل الوسخ… اللي لا له علاقة بالديمقراطية ولا بالدولة الحديثة من أساسه #انتخابات_الرئاسة

يعني “الفلول” الحقيقيين هما الإخوان، اللي قواعدهم الانتخابية هي قواعد الحزب الوطني اللي ورثها المجلس العسكري #انتخابات_الرئاسة

والنبي اللي كاتب مينا دانيال أهلك باعوك يا بني ده يتشتم يتقال له إيه؟ #انتخابات_الرئاسة

أهي بدأت أهي: واحد ثوري قال لك صوتي لمحمد مرسي #انتخابات_الرئاسة

الفجيعة #انتخابات_الرئاسة_المصرية

وحلمنا ورد مندي

انا على مقاطعتي بس بخصوص نظرية مرسي ولا مبارك، لأ مبارك

الدفاع عن الحقوق الشخصية هو مسئوليتنا فككوا بقى من الهطل ده واللي عنده طاقة يستغلها في المعارك اللي تخصه #انتخابات_الرئاسة

يعني مؤسف ومقيئ الحقيقة “الثوار” اللي قالولك صوتي لمرسي – من مجمل أسباب الهزيمة #انتخابات_الرئاسة

شدوا حيلكم يا شباب… والله العظيم حاسس إننا لازم نعمل صوان ناخد عزا مصر

نفسي أفهم #الأسواني ده لازمته إيه في الحياة؟ نفسي

بدل ما تنتخب مرسي، قاطع يا جاموسة، قاطع يا تور، قاطع يا قلوط يا أبو ريحة #انتخابات_الرئاسة

ندرٍ عليا لأعمل فرح وأوزع بيبس يوم ما أشوف حكومة الإخوان بتنفخك ياللي رايح تنتخب مرسي

دلوقتي عدد اللي نفسي أشوفهم عريانين وبيجروا من هيئة النهي عن المنكر وهما بيحاولوا ينفذوا فيهم الحد زاد من ٤ لـ١٠ #انتخابات_الرئاسة

بلاه شفيق، خد مرسي #جاتها_نيلة_اللي_عايزة_خلف

الحمد لله الذي عفانا (نحن “#الفلول”) مما ابتلاكم (أنتم “الثوريين”) به #انتخابات_الرئاسة

وعلى أعتاب خيمة العزاء

تدوّي الشماريخ

تتحول إلى شهب

في سماء بات سقفها

أوطى من رأس الفقيد

#قصيدة

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.

“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.

الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟

wpid-untitledmosaicstandardqualitypresetcheatersheaven-2012-04-28-07-09.gif

لكل هذه الأسباب أنا طبقي وابن كلب

wpid-wtf-retro40-2012-04-22-03-59.jpg

أنا طبقة متوسطة معفنة وضد الثورة وابن دين كلب للأسباب التالية:

- مش موافق على قرارات من قبيل تقنين ختان الإناث وتحميل مسئولية التحرش الجنسي على ضحاياه وحجب المواقع الإباحية والخمرة والملاهي الليلة والمايوهات

- مش شايف أي معنى للشريعة الإسلامية في السياق السياسي المعاصر، ومش شايف إن التأسلم السياسي له أي علاقة بالإسلام اللي ممكن أنتميله

- حاسس إن الإخوان والسلفيين أداءهم في البرلمان لا يبشر بالخير لا من ناحية محتوى سياستهم ولا طريقتهم في تطبيقها ولا نهمهم للسلطة

- شايف إن السياسيين الإسلاميين بشكل عام ولاد كلب كدابين وأخلاقهم وسخة، والناس بتنتخبهم لإنهم بيتاجروا بالدين مش لإنهم بيساعدوا الطبقات الفقيرة

- بأكره المظهر الخليجي/الأفغانستاني وبأكره الحجاب اللي مش شايفله أي معنى في معظم الحالات غير بادج طائفي، وبأحتقر اللي بيتصور إن اللي مربي دقنه وحالق شنبه يبقى عارف ربنا بغض النظر عن طبقته

- بأعتبر النقاب امتهان للمرأة وللإسلام ولكل اللي بيشوفه فضلاً عن اللي بيلبسه

- بأعتقد إن لولا الانفتاح النسبي في الثقافة (الغربية) ووسائل الاتصال ما كانش ممكن تقوم ثورة، وإن ما حدش استفاد من الثورة إلا إسلاميين ما يختلفوش في أخلاقهم عن اللي كانوا في السلطة قبل الثورة

- بأعتبر العدوان على حرية التعبير وخصوصية الفرد جريمة تساوي حرمان الإنسان من الأكل والشرب والتعليم ومش لازم حد يتخير بين الحاجتين

- شايف إن أبو الفتوح بغض النظر عن موقفه من الإخوان على الأرض إخواني الفكر والتوجه وإن سياسته مش حتختلف على الإطلاق عن سياسة حد زي عمرو موسى إلا فيما يخص الحريات العامة والشخصية

- مش شايف أي معنى لانتخابات رئاسة في غياب دستور ولا أي معنى لدستور يحتكر صياغته الإخوان

البلد: قصيدة

إلى مهاب نصر…

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت

نحن لا ننفع لها يا صاحبي

مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم

أن نندس وسطهم

بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى

وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر

لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين

ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

*

wpid-img_2070-2012-03-11-17-28.jpg

*

wpid-img_2061-2012-03-11-17-28.jpg

*