مصر

حكاية مصر الآن

13426432025_9a543cbc84_b

.

ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديمقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه. بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية.

Continue reading

الهوية كالزئبق متى أمسكت بها سممتك

2013-08-11 05.03.40

في الطريق إلى عزل محمد مرسي والإنهاء المبكر والمحمود لفيلم هابط عنوانه الإسلاميون في السلطة، طرحت الأطراف المعادية‫ للإسلام السياسي مفهوم الهوية المصرية كقيمة يجب الحفاظ عليها في ‬مواجهة الاحتلال الإخواني؛ وبعيداً عن أي اعتراف ممكن بأن ما يسمح أصلاً بمثل ذلك الاحتلال هو عسكرة الوعي السياسي وأسلمة الوعي الاجتماعي على صعيدين متوازيين ومتداخلين اعتمد كل منهما على الآخر طوال ستين عاماً منذ الاستقلال، قدمت هذه الأطراف وطنية الجيش ووسطية الأزهر باعتبارهما ضمانتي الهوية. لم يكن مطروحاً في هذا السياق الالتفات إلى أن التطرف الإقصائي خارج في الحالتين من شوفينية معادية للغرب الاستعماري على أساس المظلومية سواء اتخذت هذه الشوفينية تصريفاً قومياً عربياً أو أممياً إسلامياً أو قطرياً وطنياً؛ وباختلاف نسب عسكرتها وأسلمتها من تصريف إلى آخر، فكلها توجهات طائفية من حيث افتراضها لغلبة المذهب السني وإصرارها على فرضه، وكلها حريصة على تحجيم العلم والإبداع ودسترة الكبت الجنسي والتعنت الأخلاقي في مواجهة المفاهيم المعاصرة للحرية والتعددية إذ تنفي الهوية الاختيارية للمواطن الفرد والحقوق المدنية المترتبة عليها لصالح هوية جامعة وقسرية.

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

ولا إنت البعيد بتستعبط: تحديثات الحالة مايو ٢٠١٣

الحالة “الثقافية” في مصر زيها زي الإلحاد وانتفاضة المرأة العربية بالظبط (ويبدو لي إنها بالمعنى ده مطابقة للثورة وإن كان على مستوى تاني): كإنك قاعد في أوضة مفروض إنها جوة بيت والبيت جوة حي والحي جوة مدينة كبيرة ومليانة سكان من النوع اللي إنت بتحبه وبتحترمه. هي الأوضة اللي إنت قاعد فيها فعلاً زحمة والناس اللي قاعدين معاك عمالين يجاملوا بعض ويفقعوا زيريبوات في بعض من تحت لتحت ويتقاتلوا على المساحة المسموح لهم يقعدوا فيها جوة الأوضة… وكلهم بيتكلموا على اعتبار إن دي مجرد أوضة من ملايين الأوض اللي زيها في المدينة، بس إنت أول ما تخرج م الأوضة بتكتشف إنه مش بس ما فيش مدينة ولا حي ولا بيت لأ ده ما فيش أصلاً سكان، وإنت ماشي في خرابة مالهاش آخر شايل مجاملاتك وزيريبواتك وبتتكلم بهستيريا عن الثقافة (أو الإلحاد، أو انتفاضة المرأة، أو الثورة)… ووجودك بالشكل ده كإنه بس بيأكد مشهد الخرابة.

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

قصة محمد فاروق: القضية الفلسطينية

wpid-img_3206-2013-03-6-05-57.jpg

هناك سبب آخر خاصٌّ جدًّا يمنعني من الزواج، يجعل الرجال يهربون مني. هذا السبب هو اسمي. اسمي يسبب لي مشاكل إضافية. اسمي ليس “نرمين” يا مصطفى، وقبل أن تتهمني بالجنون تفضل بطاقتي، مدون بها اسمي الحقيقي: اقرأ… نعم. لا تفرك عينيك… هذا هو اسمي الذي تقرأه: القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري، رقم قومي: 2109876- سجل مدني بولاق- تاريخ الإصدار 17-10-2005… هل صدقت الآن؟؟

أنا امرأة عادية تحلم كأي فتاة، بذلك الفارس الوسيم القوي الذي يعبر الصعاب ليخطف قلبها، لكنها كأي فتاة أيضًا، ستقبل أن تتزوج من رجل بدين، أصلع، عابس، تستيقظ في الصباح على رائحة فمه، ويقض مضجعها فساؤه الليلي تحت اللحاف- ويتميز أنه دائمًا ما ينسى سوستة بنطلونه مفتوحة في المناسبات الاجتماعية المهمة.

Continue reading

نصائح المرحلة + ملاحظتان

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

Continue reading

تدوينة “ابن الوسخة الدون”: تأملات في الشخصية المصرية

wpid-p1020537-2013-02-19-18-00.jpg



ابن الوسخة الدون ده أول نوع من أنواع ولاد الوسخة. ورغم إن كلمة “دون” ممكن تكون قديمة حبتين، أعتقد إنها مَسَبّة مهمة جداً لإن فيها فكرة الدونية. (هي طبعاً ليها مرادفات: واطي، مثلاً، أو ناقص؛ أو حتى خسيس ورمة. بس مش نفس الرمة. أقصد يعني إن ولا مرادف من المرادفات دي بنفس دقة كلمة “دون” في حد ذاتها.) لإن فكرة الدونية أو عقدة النقص هي اللي بتتحكم تقريباً في كل حاجة في مصر، وده بيوصّل لإنها ما بقتش عقدة قد ما بقت طريقة حياة

Continue reading

أهمية أن تكون طائفياً: تحديثات الحالة

أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.

الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)

Continue reading

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

ثلاث ملاحظات سريعة على حوار الرئاسة في شبكات الاتصال

wpid-2012-05-2909-53-28am-2012-05-29-08-25.png

انقضاض الإخوان على السلطة منذ انتخابات مجلس الشعب – وأثناء انشغال “الثوار” باحتجاجات كان واضحاً أنها لن تكون مؤثرة – من ناحية، وعدم استعداد المجلس العسكري لتسليم الحكم لجهة مدنية بعد افتضاح جرائمه من ناحية أخرى، ثم فشل المجتمع المدني في تكوين جبهة ذات ثقل تتخذ على عاتقها مهمة استلام السلطة والتصدي للاستبداد المجتمعي قبل السياسي كلها عوامل أدت إلى اختزال “التحول الديمقراطي” واقعياً في صراع عسكري-إسلامي زيّفه الخطاب الثوري بحديثه الدائم عن صراع ثوري-فلولي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي منح التيار الإسلامي “شرعية ثورية” زائفة (تمثلت على أوضح صورها في التفاف قسم كبير من “القوى المدنية” حول حملة عبد المنعم أبو الفتوح، ظناً منها أنه المرشح الأقوى من حمدين صباحي) كما ساهم في تهميش أهداف الثورة من حقوق وحريات وتطلعات حتى لم تعد هذه الأهداف مطروحة أساساً.

Continue reading

تغريدات فترة النقاهة

wpid-img_2771-2012-05-26-08-03.jpg

حين تكون الجهة المقموعة قمعية الطابع، لا يمكن اختزال مناهضة القمع في مناصرة المقموعين #ثورة

صحيح أن الإسلاميين فزاعة الاستبداد، لكن صحيح أيضاً أنهم مفزعون #ثورة

الإسلام السياسي كأنه مصنوع خصيصاً لتبرير القمع #ثورة

يعني لو كانت “أمريكا وإسرائيل” والأنظمة العربية فكرت في طريقة تخلي الشعوب دي كإنها مش موجودة، ما كانتش حتلاقي أحسن من الإسلام السياسي #ثورة

النداء الأخير لحملة صوتك لأمك: ما تنتخبش الفلول ولا القومجية، ما تنتخبش الإسلاميين. أمك أولى بيك #انتخابات_الرئاسة

ومن أقواله الخالدة: شوف حضرتك هو أنا خدتها على شقين إيييه: تجيب برة وتجيب جوة #شفيق

ومن نتايج الـ #ثورة و #الانتخابات إن كان فيه ناس كتير بأعزهم أو أحترمهم حتى لو ما أعرفهمش شخصياً بقوا كإنهم مش موجودين

والمرعب إن سيناريوهات #النضال الواقعة بتاعت الستينات والسبعينات بيُعاد إنتاجها بحذافيرها وبكل ما فيها من كذب وخواء #ثورة

أظرف حاجة في #انتخابات_الرئاسة إن ما عدناش حنشوف الخلق الوسخة اللي الناس مبدلة بيها صورها دي، أو هكذا نتمنى

ليس أحقر من استغلال صور القتلى للتأثير على نتيجة الانتخابات، والله العظيم ما فيه أحقر #انتخابات_الرئاسه

ويخلق أناساً شايفين الدنيا من طيزها، ويخلق ما لا تعلمون #انتخابات_الرئاسة

قال لك #الرئاسة خطوة في “الفرز” لأ وإيه، اللي عنده تصور مخالف لتقيحات “العدالة الاجتماعية” يبقى وعيه من بقايا النظام “القديم”

أنتم براز التاريخ #انتخابات_الرئاسة

من أجل هذه اللحظة… اللي هي لا هي “هذه اللحظة” ولا ليها أي تلاتة معنى من أساسه

وبعون الله حيجيلك مرسي ينفخ تلاتة دين أمك يا ابن الهبلة

شكراً شهداء الوطن: على جثثكم نختار بين اتنين مخابيل طائفية وتلاتة معرصين

تتأسس “المعارضة” على خيالات معزولة عن الواقع بما يكفي لتكون آلية لتكريسه عن طريق تزييفه حتى لا يعود لها أي معنى زائد على حنجرة النضال #ثورة

كل واحد يحترم القدر اللي قدامه بحجم قدره #شفيق

لسبب إن أنا يعني كل واحد في مكنونه قدرات… بأقول له كفاك و… لا معنى إنك إنت – إيه الحكاية… إن أحمد شفيق لو اترشح يبقى الثورة… ثورتك؟ #شفيق

في انتظار النتائج الأولية للدوري الممتاز #انتخابات_الرئاسة_المصرية

أظن لو كانت المنافسة بين أيمن الظواهري و(الله يرحمه) زكريا محيي الدين، كان برضه حيقول لك المقاطعة خيانة لدماء الشهداء #انتخابات_الرئاسة

والله يا رفاق ما عندكو أي فكرة أنا قرفان من أشكال أهاليكو قد ايه #انتخابات_الرئاسة

أنباء عن تقدم أبله القرية، وسقوط اللحية المشذبة لصالح اللحية غير المشذبة… وقطاع كبير من الناخبين في انتظار عودة المومياء #انتخابات_الرئاسة

وعيل ابن دين كلب بهيمة يقول لك اللي مقاطع كإنه انتخب الفلول – يللا ياد خد ثورتك دي صرّفها بعيد عن هنا #انتخابات_الرئاسة

معرصين النظام، وعلوق الثورة #انتخابات_الرئاسة

ثورة ضد فلول (كويس، ولكن) عسكري ضد إسلامي (مش كويس، وفي النهاية) وعي ديمقراطي (شعبوي) ضد وعي استبدادي (أهطل)… ماذا يمكن أن تكون الحصيلة؟

شفيق ومرسي حبيته فيييك شفيق ومرسي

حمدين وتتح بعيد عليييك شفيق ومرسي

يا ثورة قولي بلوفر قولي وكل عجلة استبن وبس

سؤال صادق للي مش مقاطعين: لو الإعادة بين شفيق ومرسي حتعملوا إيه؟ #انتخابات_الرئاسة

سؤال صادق: لو الإعادة بين شفيق ومرسي هل الوفاء لدماء الشهداء يعني التصويت لمرسي؟ #انتخابات_الرئاسة

سؤال صادق للي مش مقاطعين: لو جه مرسي رئيس بعد إعادة بين شفيق ومرسي حيبقى إيه موقف كس أم الثورة؟ #انتخابات_الرئاسة

#الثورة فضلت مجيدة وساكتة سنة ونص، يللا

الوساخة بقى إيه؟ شفيق نجح والثورة قامت تاني، طب ما هي المرة دي حتبقى ثورة إخوانية على أبوه #انتخابات_الرئاسة

قال لك العالم كله أُمْبُهُر، أُمبُهُر بالـ #ثورة

أبو الفتوح وحمدين وعمرو موسى والعوا وخالد علي هما اللي دخلوا الانتخابات بجد، والإعادة اللي بجد بين حمدين وأبو الفتوح #انتخابات_الرئاسة

وده يعلمنا إن الإخوان والحزب الوطني تصريفين لنفس الفعل الوسخ… اللي لا له علاقة بالديمقراطية ولا بالدولة الحديثة من أساسه #انتخابات_الرئاسة

يعني “الفلول” الحقيقيين هما الإخوان، اللي قواعدهم الانتخابية هي قواعد الحزب الوطني اللي ورثها المجلس العسكري #انتخابات_الرئاسة

والنبي اللي كاتب مينا دانيال أهلك باعوك يا بني ده يتشتم يتقال له إيه؟ #انتخابات_الرئاسة

أهي بدأت أهي: واحد ثوري قال لك صوتي لمحمد مرسي #انتخابات_الرئاسة

الفجيعة #انتخابات_الرئاسة_المصرية

وحلمنا ورد مندي

انا على مقاطعتي بس بخصوص نظرية مرسي ولا مبارك، لأ مبارك

الدفاع عن الحقوق الشخصية هو مسئوليتنا فككوا بقى من الهطل ده واللي عنده طاقة يستغلها في المعارك اللي تخصه #انتخابات_الرئاسة

يعني مؤسف ومقيئ الحقيقة “الثوار” اللي قالولك صوتي لمرسي – من مجمل أسباب الهزيمة #انتخابات_الرئاسة

شدوا حيلكم يا شباب… والله العظيم حاسس إننا لازم نعمل صوان ناخد عزا مصر

نفسي أفهم #الأسواني ده لازمته إيه في الحياة؟ نفسي

بدل ما تنتخب مرسي، قاطع يا جاموسة، قاطع يا تور، قاطع يا قلوط يا أبو ريحة #انتخابات_الرئاسة

ندرٍ عليا لأعمل فرح وأوزع بيبس يوم ما أشوف حكومة الإخوان بتنفخك ياللي رايح تنتخب مرسي

دلوقتي عدد اللي نفسي أشوفهم عريانين وبيجروا من هيئة النهي عن المنكر وهما بيحاولوا ينفذوا فيهم الحد زاد من ٤ لـ١٠ #انتخابات_الرئاسة

بلاه شفيق، خد مرسي #جاتها_نيلة_اللي_عايزة_خلف

الحمد لله الذي عفانا (نحن “#الفلول”) مما ابتلاكم (أنتم “الثوريين”) به #انتخابات_الرئاسة

وعلى أعتاب خيمة العزاء

تدوّي الشماريخ

تتحول إلى شهب

في سماء بات سقفها

أوطى من رأس الفقيد

#قصيدة

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

Continue reading

ثمانية عشر

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

Continue reading

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

Continue reading

مسيل للدموع: فيديو

كان يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجين

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

ليلة الجمعة، 28 يناير

***

(صوت: هبة النحاس)

لتحميل يظهر ملاك

الريفييرا والدبابات

مارس

هؤلاء ناس يستطيعون أن يقولوا لك بكل صفاقة هناك شمسان في السماء أو لا يوجد سمك في البحر… اسمع: الوطنية هي المواطنية… الوطن مرسوم على جلد كل مواطن – “منصف المرزوقي” لـ”فيصل القاسم” في ديسمبر 2009

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150510629010473.660013.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150474434730473.657482.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150469070440473.655775.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150464841930473.654285.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150463256240473.653652.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150453434945473.650395.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150448478250473.648825.805615472

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. يومان من التراب ثم يهبط، ثم يعود يملأ الجو مرة ثانية. منذ الجمعة 28 يناير، في القاهرة، أي شيء يحترق يستدعي الغاز المسيل للدموع. عندما يهبط التراب، يأتي دخان الحرائق الصغيرة.

لا ترى هذه الحرائق، فقط يأتيك دخانها؛ لوهلة، تحس كأنك استنشقت الغاز. تبدأ الأعراض في التداعي إلى أن تدرك أنه مجرد حريق.

في الأيام التالية على إعلان “تخلي” مبارك عن منصبه (11 فبراير)، زاد عدد النساء في مقاهي شارع شمبليون بطريقة تُفرِح (وأين، منذ 25 يناير، كان السلفيون؟) الشباب يعزفون ويغنّون على الرصيف لأطول وقت ممكن قبل حظر التجول الذي يبدأ مع موعد رجوع سندريلا والذي فرضه المجلس العسكري بعد أن أنشأ صفحة على “الفيسبوك” وبدأ “يهيب” بنا في رسائل نصية قصيرة. يهيب بـ”المواطنين الشرفاء” أن، وأن. لكي تتعطل أو تتوقف الاعتصامات. ويطمئن الناس على الفيسبوك. حتى أن إحدى الرسائل كان نصها: من الجلس الأعلى للقوات المسلحة، انتظرنا ثلاثين عاماً فلا مانع من الانتظار قليلاً فالقادم أفضل.

ماذا والنبي يمكن أن تعني هذه الرسالة؟

*

ليلة ذهبتُ أقابل “شعير” (17 فبراير)، كان شيء رائق في محيط وسط البلد لا يزال. لكن الناس قليلة، تتحرك بخفّة وتحمل أكياساً. أوقفني واحد ليشعل سيجارته من سيجارتي. لا أحد حولنا؛ معه صديق، ولوهلة خطر لي أنه “سيثبّتني” بالسلاح ليأخذ ما معي ويذهب. كيف لو ثبتني تثبيتاً؟ فجأة أفقت على ابتسامته وكانت ابتسامته ساحرة. أنا أيضاً تأثرت بأجواء انتشار الجريمة في غياب الشرطة؟

الحقيقة أن كل شيء أأمن في غياب الشرطة – وخطة أن تولّد السلطات فتناً وجرائم وتنشر شائعات لكي يخاف الناس من الفوضى والأذى والأجانب فيعادوا الثورة ويحتموا بالأمن، كيف “تَخِيل”؟ – حتى التنفس في التراب يا أخي أسهل بلا شرطة.

ثلاث مرات قبل 25 يناير تعرّضتُ للجريمة شخصياً لكنني لم أفكر أبداً في اللجوء إلى الشرطة. ولا أذكر حادثة واحدة رأيتها أو سمعت بها تصدى فيها البوليس لجناية ضد مواطن أو قام لنجدته. الواحد يتجنّب البوليس تماماً كما يفعل مع المجرمين: على الأقل المجرم سيتركك ليهرب؛ الشرطي قد لا يتركك.

قال شعير: الثورة المضادة الآن من خلال الإخوان المسلمين وهذا في حد ذاته يسعدني (لا يقصد الثورة المضادة ولكنْ خوف الناس من حكم الإخوان). قلت له إن التحرش بالبوليس ضرورة وعلينا أن نُسقط مباحث أمن الدولة كما أسقطنا الأمن المركزي. كأنني أسمع أحد الأصدقاء يقاطعني (الآن في رأسي دائماً أصوات الأصدقاء): ششش، اسكت! ألا تعرف أن الثورة المضادة الآن من خلال التحرش بالبوليس؟

*

اليوم (28 فبراير)، شاهدتُ على الفيسبوك فيديو لرجل قصير يؤدّب بضعة شباب في فناء مسكن نائب حزب وطني، كما سيتضح، يُدعى “مختار رشاد”. القصير من خُدّام ذلك النائب، وفي النهاية يظهر مختار باشا شخصياً بهيكله الجسيم ويقول شيئاً لم أفسّره للمذنبين. الخادم يكرر على أسماعهم: لازم تبوسوا رجله عشان تروّحوا. واضح أن المسكن يقع وسط منطقة نائية، ربما زراعية؛ هناك أناس في جلابيب يسدون أحد المنافذ. المذنبون في وجوههم جروح منمنة، تظهر عليهم علامات الفزع والخنوع؛ لأحدهم لحية طويلة على الطريقة السلفية، في ظَهْر قميصِه بقع دم مشعشة بالماء.

يبدأ الفيديو بخروجهم من المكان الذي كانوا يُضرَبون فيه أو بعد ذلك بقليل، والقصير يسوقهم كخراف متخبطة إلى طلمبة مياه وراء سور واطئ ليغسلوا وجوههم ويعودوا من أمامه. لا يبدو مختلفاً عن أي “شرطي شريف” يؤدي وظيفته، ما يبرر الألفاظ النابية والقسوة المتعمدة في الأداء. واحداً واحداً يدير الشباب المذنبين إثر انتصابهم واقفين بصعوبة ويأمرهم بالثبات. وبمطواة صغيرة في يمناه، بعد أن ينزع البنطولن عن المؤخرة جزئياً، يحفر جرحاً عميقاً في إحدى الإليتين. ثم يدفعهم إلى الوقوف في صف وأيديهم وراء ظهورهم في انتظار مجيء الباشا. يتقدمون بخطى عرجاء ومضحكة بعض الشيء.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. أمام مكتبة “الشروق” مساحة مفروشة بشعارات الثورة. ورغم أن المكتوب على اللافتات أكثر تعقيداً وأخف دماً من الهتافات، الهتافات هي التي تتردد في رأسي: “حرية” و”آه” و”يا رب”، “ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ف كل شوارع مصر”، “باااطل”، “ارررحل”، و”يا جمال قل لأبوك المصريين بيكرهوك”، “يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان”، فضلاً عن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان مع اللافتات بعض صور الذين قتلهم الجنود والضباط والمجرمون العاملون لدى الداخلية والحزب الوطني ورجال أو كلاب أو أبالسة أمن الدولة. “إحنا آسفين يا ريس”؟

“آسفين يا ولاد الوسخة”!

وكان مراهق يبيع “ستيكرز” على شكل لوحة سيارة أرقامها 25 وحروفها ي ن ا ي ر. قبل أن أذهب قال لي: مش عايز كارت الشهداء يا باشا؟ لم أنتبه إلا لاحقاً إلى المكتوب أسفل صور الشباب على خلفية ألوان العلم: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة. في شارع قصر النيل أردت أن أمزّق الكارت، أن أنزع عن وجوههم هذه العبارة. لم أستطع أن أخرج الكارتون من غطائه البلاستك.

باتجاه مؤسسة الأهرام الصحفية، في الصباح التالي، كان المرور مستحيلاً. من شباك السيارة سمعت بائع ستيكرز ينادي: خمسة وعشرين يناير بجنيه.

*

الدبابات واقفة في الميادين وأنا أضحك من الذين لم ينزعوا شارات الداخلية عن “الملّاكي”؛ أكثر من مرة فكرت في الصياح: وإنت فاكر النسر ده هينفعك؟ لكن الذين يبروزون طواقي الشرطة في الزجاج الخلفي لسياراتهم، استبدلوها بسترات للجيش على الشبابيك.

ألاحظ أنك اليوم كلما أبديتَ اعتراضاً على سلوك حتى أكثر الناس تورطاً مع الكذب والقتل لحماية الفساد، يقال لك بثقة شديدة ونبرة مجروحة: لا تزايد علي. زايد يزايد مزايدة: الكلمة الأعلى مبيعاً في ربيع هذا العام.

أكثر من زميل في الأهرام يتحدث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الكيان الحاكم، وحيث كان الرئيس مبارك في الأخبار الرسمية يفعل، ويفعل، المشير طنطاوي هو من يفعل الآن. آلاف لم يتعودوا على الحياة بلا أصنام والذي لم يعد يعرف مَن يعرّس عليه يمكنه أن يعرس على المجلس العسكري – أو “الشهداء”.

في المصعد تذكرتُ أن بائع المخبوزات الجائل هو الآخر كان يزعق: رحمة على الشهداء.

*

أكتب الآن من الريفييرا الفرنسية. حيث يجري الناس بمحاذاة الشاطئ للتريض – ولأن الشوارع نظيفة وبها حارة للدراجات… حركتها منظمة، لأن الهواء صاف والصحة حاضرة – كل الكلام مؤقت. كل ما قلتُه أو سأقوله عن الثورة والشعب (الثورة المضادة والبلطجية)، عن الإسلاميين والمثقفين (المتدينين واللا-دينيين) وعن الأشياء المفرحة (“الأحداث المؤسفة”) التي حصلت من ميدان التحرير وإليه بطول ثلاثة أسابيع كانت فعلاً كالأحلام… كل شيء – في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية (19 مارس) – سيصبح مؤقتاً.

لعل فكرة الكتابة كلها هي أن تتفرج على الحياة دون أن تُفْرط في التركيز على نفسك. لكن هناك واجباً أخلاقياً يحتم عليك أيضاً أن تعيش. أن تعيش وأنت تتفرج يعني أن تركز على نفسك. هذا إذن هو تحدي الكتابة: كيف لا تركز على نفسك دون أن تهمل الواجب الأخلاقي القائل بأن لا تكف عن ممارسة الحياة.

ومع ذلك… حيث يجري الناس بدلاً من أن يدخنوا ويحتسون نبيذاً طيباً في المساء، ليس سوى نصف كلام أو لا-كلام أو كلام إلى حين.

*

اليوم (3 مارس)، أقيلت حكومة أحمد شفيق فريق الجيش “الشيك” ووزير الطيران المدني – الفاسد هو الآخر، طبعاً، وإن بدرجة أقل – والذي عيّنه مبارك رئيساً لوزارة جديدة استبدل فيها “حبيب العادلي” بواحد أوسخ يدعى “محمود وجدي” وأبقى على “أحمد أبو الغيط” و”عائشة عبد الهادي”، تلك المرأة “الدون” التي لفتت الأنظار بتقبيل يد “سوزان مبارك” في إحدى المناسبات. إلى آخر لحظة كانت تأتي الأخبار عن أن شفيق يطمئن على صحة مبارك تليفونياً بشكل يومي وقد زاره مرة في شرم الشيخ.

أمس أطلقوا عليه “علاء الأسواني” ومعارضين آخرين في حلقة من برنامج تلفزيوني على المحطة المملوكة لـ”نجيب ساويرس”، رجل الأعمال الأقرب إلى الثورة. علاء الأسواني كالثور الهائج وشفيق فرخة مسلوخة وسط الصياح؛ لن تمر الليلة حتى تُعلَن استقالته لتأتي حكومة “عصام شرف” الصورية؛ والناس الذين يدافعون عن رجال الشرطة وكانوا يدافعون عن مبارك، سيقولون إن شفيق رجل محترم وعيب على الأسواني أن يهزّئه هكذا.

أمس فكرت أن مختار رشاد نفسه لو ظهر على التلفزيون سيكون مثل شفيق مؤدباً وهادئاً وعلى نفس درجة “الشياكة”؛ وسيقول أولئك بنبرة مجروحة إنه رجل محترم وعيب على الأسواني قلة أدبه معه.

*

من حيث أكتب يخطر لي أن “التخلي” مكان “التنحي” مثل “النكسة” مكان “الهزيمة”، وأن هذا ليس غريباً على أعراف البلاد.

*

اليوم (6 مارس) أفقت من كابوس: الأمن المركزي تبدّل بالجيش وديناصور السنين رجع من شرم الشيخ لا ليُحاكَم بل ليَحكُم إلى أن يسلّم السلطة لابنه “جمال”. صحته جيدة. وقيادات الأهرام يقفون على رؤوسهم ليقولوا إن رجوعه شيء جيد وعظيم وليس أفضل منه تأميناً للاستقرار والسلام.

أشباح برتقاليو اللون يفرّقون “المليونية” القائمة في وجه عودة آل مبارك إلى الحكم بالعصي الكهربائية كما فعل الجيش مع المعتصمين ليلة السبت 26 فبراير؛ العصي في الأيادي الفوسفورية كأنها طائرة في الهواء. و”عمر سليمان” رئيس المخابرات السابق ثم نائب مبارك الوفي إثر اندلاع الثورة، بعد أن يشرف على إغلاق معبر رفح المفتوح منذ التنحي، يعلن حملة إبادة العملاء والإرهابيين المسئولين عن “فتنة 25 يناير”.

لم أكن أعرف أن الكابوس سيتحقق.

*

الدبابات واقفة وكثيراً ما تراودني شهوة الإبادة. الإبادة الجماعية حل رائع لأزمة المكان. الذي يخيفني من الحرب الأهلية أنني أجدني مستعداً للقتال.

مِن المحتجين مَن أجبرهم ضباط جيش على الهتاف بحياة مبارك بعد سقوطه بشهر تحت تهديد الضرب وهم على بطونهم في مجلس الوزراء. وبعد شهر ونصف، قوانين ضد البلطجة ستطال المتظاهرين سلمياً (بل وقوانين ضد الاحتجاج والتظاهر سيتم تمريرها أيضاً، فيما يبدو)، والبلطجية المنوطون بتفريق اعتصامات التحرير ما بعد إعلان الحكومة الجديدة – على كلام “فادي” الذي كان هناك – نقلتهم سيارات قوات مسلحة. الشباب يُعتقلون ويُعذّبون ويتعرضون لمحاكمات عسكرية (بل ويُكشف على بكارة المتظاهرات الشابات في معسكر الهايكستب بعد صعقهن بالكهرباء واعتقالهن، هكذا سأعرف بعد أن أغادر. لماذا يكشف على بكارة المتظاهرات؟ ماذا يُفعل بمن يتضح أنها فقدت بكارتها قبل أن تتظاهر؟)

وبدلاً من لحن الوفاء الذي يتفنن “المناضلون” في عزفه تأكيداً لكذبة أن المجلس العسكري هو الثورة أو أن سطوته هي الواقع الوحيد الممكن، أجدني أتساءل لماذا لم يقصفنا الجيش من أول يوم؟ لماذا سمحت قياداته باستمرار العصيان؟

*

ذات ليلة أثناء العودة من ميدان التحرير – هذا أيضاً أريد أن آخذ نفساً عميقاً لأذكره – مررت من جنب كهل “غلبان” يخاطب أحد المارين في خروجه:

ما فيش جواسيس ولا فلوس ولا حاجة م اللي بيقولوا عليها دي خالص. بس ناس طيبين يعني بيوزعوا أكل من عندهم عشان الولاد اللي قاعدين في الميدان بيبقوا جعانين وكده. ما إدونيش غير كباية شاي ولقمة جبنة، وفيه جماعة تانية إدوني حتة حلاوة أهي (وأخرج اللفافة من جيبه ليشهد من يخاطبه)، ده أنا حتى قلت أشيلها للعيال.

وكما أن “المصريين البسطاء”، ملح الأرض (يعني ولاد البلد، يعني الجدعان قوي، يعني الأصالة الريفية) كانوا يسبون معتصمي التحرير ويبصقون في وجوههم لأن الاعتصام عطّل أشغالهم بعض الشيء (سمعتُ بأذني أكثر من سائق وأكثر من عامل بوفيه وأكثر من بائع جائل يقول إن “شباب التحرير” أولاد قحبة وإن مبارك لم يخطئ في غير بخله على الناس: بس هو يدينا فلوس بس ويبقى يكمع بعد كده زي ما هو عايز)، انضم إلى الاعتصام “بلطجية” العشوائيات ممن لم يسعدهم الحظ بنائب حزب وطني مثل مختار رشاد أو مأمور قسم يغدق عليهم مقابل ترويع الأحياء السكنية أو قتل الثوار.

خالتي “فايزة” المستاءة من اضطراب المرور وتعطّل ماكينات الصرف قالت: كنا عايشين في أمان، إيه يعني بيسرق! وأضافت بصوت باك: مش زي أبوهم ده اللي عمالين يشتموه ده؛ عيال قلالات الأدب! والنبي يا أختي صعبان عليَّ قوي. لكن أمي حملت إلى قلالات الأدب هؤلاء أكياس الشاي والسكر وبكت وهي تشاركهم الصراخ.

*

هنا حان وقت الاعتراف بأن حب مصر لا يعنيني. لا القومية من قناعاتي ولا “الوطنية” قيمة في ذاتها. لكنني كما أكره كل ما جاءت به “ثورة يوليو”، لا أحب علم الجمهورية ولا النسر الذي يتوسطه. من 25 يناير إلى 11 فبراير كان العلم رمز نظام مبارك بقدر ما كان راية وطن الثوار. لم أنس لحظة أنه لم يكن موجوداً قبل انقلاب الضباط الأحرار، قبل الزحف العلماني ما بعد الاستعماري، وقبل الاستقلال ذاته الذي جاء بنا إلى هنا. ويوم بدأ العلم في الظهور بكثافة وسط لافتات ميدان التحرير، انتابتني أول شكوك الثورة المضادة.

الدبابات في الميادين – أظنها لا تزال – وأنا، في الريفييرا، بصدد أمور حلمية. لا أقصد كون الحياة هنا بعيدة عن اليقظة المألوفة (وإن كانت فعلاً كذلك): الخضرة والخلاء والمعمار البمبي في ظل شاتو هو بحسب مخيلتي مسكن أحد نبلاء العصور الوسطى؛ لا ينقص سوى سرج مرصع ثم، على رخام الممر، صهلة عاتية. الفيلا التي أسكنها محروماً من التدخين محاطة بالشجر، وهناك طعام بديع ونبيذ طيب؛ خلاف ملعب جولف قيل لي إنه الأقدم على ساحل اللازورد ثم بضع كافيهات، لا أحد أو شيء.

يوم غاص حذائي وأنا أصوّر الأمواج من خلف أقواس الحجر وإلى يميني تلة سوداء كأنها السنم الناتئ لجمل عملاق لم يسعه البحر يوم غرق – كان النبات قد استوطن محجراً ضحلاً في الجانب الأقرب إلي – أو يوم نقّت الشمس لون المياه (“ياسين عدنان” رفيقي الوحيد هنا كتب: كأنه أحمر)، أو حين بدت تدرجات الأخضر في حديقتنا الصغيرة من العمق وهي على أكثر من ارتفاع بحيث شعرتُ، ذات ظهيرة غائمة، بأنني تائه وسط غابة يعلوها طريق – “وحدي في غابة،” هكذا كتب سركون بولص، “والغابة أنا؟” – أو صعوبة التدخين في البرد وحين يتواصل المطر، أو على البحر – “كأنه أخضر” – أو المطر…

*

أكتب الآن من باريس. نهاية هدنتي الفرنسية مع الواقع. وبينما أستكشف امتداد وإيقاع المدينة التي لم تكف عن إلهام الناس، يخطر لي أن السبب في استمرار الواقع – استمراره، أقصد، وليس قبولنا به – هو أنه يمنحنا ما ينافيه دورياً، عن طريق منام أو حدث يشبه المنام، بالوهم أو بطاقة اللحظة، بسوء الفهم، بحب أو خداع الذات؛ ولا يعدو اعترافنا بأنه واقع أو خضوعنا لذلك أن يكون انتظاراً للمنحة الـ(غير) محتملة، باليأس أو بالأمل: انتظاراً لما لا يشبه ما عرفناه.

أكتب ويخطر لي أنه عن طريق صدفة كالمعجزة، دورياً، يتفتت واقعنا من داخله ومعه معرفتنا، يعيد تكوين نفسه أو ينهار تكوينه كما يحدث في فيلم “ذا ميتريكس” فينزاح عن ما يبدو كأنه واقع آخر أو مواز أقرب إلى رغبتنا لكنه على الأرجح لا شيء.

هل لهذا السبب، حتى في أسعد لحظاتنا، تكون التعاسة قريبة إلى هذا الحد؟

المهم أن الواقع يتبدل، هذا ما يخطر لي وأنا أكتب. ينزاح عن شيء رائع ويظهر ملاك (هكذا يفتتح سركون بولص أحد نصوصه وهو ما سرقته عنواناً لمجموعة نصوصي الأخيرة: يظهر ملاك). يظهر ملاك بـ(احتمال) الغرام أو يظهر الله بـ(احتمال) الثورة. وكالحلم أو السموات، نرحب به ونعتنقه. نعتنقه بمعنى أننا لا نتكئ عليه، لأنه لا يمكننا أن نتكئ على شيء مناف للواقع؛ ووقت نسعى إلى ذلك نصير شخصيات تراجيدية تبعث على ضحك البراجماتيين.

*

الآن ومن قلب الثورة المضادة لم يعد هناك مجال للتشكيك في اعتمادنا على متكآت من الواقع غير قادرة على توفير السند الضروري، على عكس الملائكة التي ننتظرها دون أن ندري أو الله. متكآت كالعائلة والعمل والدواء: قرية ظالمة نحملها معنا ونسميها الواقع لكي نعرف من نحن، وربما لو ما حملناها لكُنا فعلاً آخرين.

لكن ليس سواها في غياب المنحة التي تبدينا حقيقيين وخلابين مثل سموات الريفييرا وتلوّح لنا بحدود أوسع وأعمق لما تعلمنا أن نسميه الإمكان.

 أخبار الأدب

Enhanced by Zemanta

ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات


المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11

القاهرة ـ يوسف رخا
لماذا أفكر الآن أكثر من أي وقت مضى في ما تعنيه كلمة مثقف؟ في كونها أشبه بوظيفة أو مرض. كأن تقول: سبّاك؛ أو: بعيد عنك عنده الكلى. وفي أن الأقرب إلى معناها كما تُستخدم هو متعلم. إنها حتى بهذا المعنى زائفة لأن المثقفين الذين تصفهم لم يتعلموا جيداً نتيجة استيلاء النظام على المدارس والجامعات منذ الخمسينيات؟ وأفكر في السر وراء إخفاق من تصفهم هذه الكلمة في تحمل ولو جزء تافه من المسؤولية التي اضطلعوا بها دون أن يطالبهم أحد بذلك. إخفاقهم المتكرر على المستوى العام والخاص، وحتى على مستوى إنجازهم الشخصي: لماذا يقع سهم المثقفين دائماً بين أقدامهم، ولماذا دائماً يوجهونه إلى هدف خارج المساحة التي يشغلونها؟
لعلها الغباوة ببساطة، أفكر: إن الخيال محدود فعلاً، والعلاقة بالكتب وأنماط الحياة “المتحضرة” مفتعلة ومستحدثة. لكن هناك شيئاً حقيراً في اليأس أو عدم الثقة اللذين يجعلانك تشكّك في تحقّق الأهداف بينما الأهداف تتحقق أمام عينيك: لم يكن المستحيل هو محاكمة آل مبارك وحل أمن الدولة. لم تكن المشكلة في “الالتفاف” على شيء من ذلك من جانب عملاء محددين وواعين بدورهم للثورة المضادة. المستحيل والمشكلة كان في القدرة على تخيل عالم بلا مؤامرات أو في الإصرار على محاولة تخيل ذلك العالم، كما في الإصرار على أن مصر دولة مدنية، بلا اعتبار للمحيط الأوسع. المستحيل والمشكلة في شخص ينظر إلى مواطنيه من ارتفاع دون أن يختلف عنهم في شيء أكثر من هذه النظرة. لعلها الغباوة، أقول.
هناك كراهية ذات تتجاوز الوعي بها. كما عند السلفيين كذلك عند المسلمين من كارهي الإسلام. كان حقيراً مثلاً أن يتصرف “اليساريون” الأكبر سناً بما يفضح رغبتهم في تولي وزارة الثقافة، وفي الوقت الذي تبدت فيه لأول مرة فرصة حقيقية لتحرير النشاط الثقافي من وصاية الدولة بإلغائها، وإن على المستوى الذهني: لماذا نطلق أجيالاً أخرى تظن الثقافة شيئاً مرتبطاً بالدولة وصلاحها في كنفها؟ لم يصمم أحد على أن وزارة الثقافة مثلها مثل الإعلام التي أُلغيت بالفعل هي إحدى صور الدولة البوليسية. كان السؤال الرائج هو من سيتولاها. وكأنك وهو ما لاحظته بطول وعرض الجماعة “الثورية” بعد أن تأكدت من ذيوعه خارجها لا تعترض على الفتوة الظالم إلا لتسبتدله بفتوة “أجدع” منه… كأنك ورغم كل كلامك عن حياة تجاوزت الفتوة أو كان يجب أن تتجاوزها لست مستعداً لأن تتحمل مسؤولية نفسك أو تفترض في أهل حارتك القدرة على أن يتركوك في سلام. حتى وأنت مثقف تقدمي إلى الأمام ثورة ثورة حتى وأنت امرأة مستقلة مثلاً لابد من فتوة يسرقك ليضمن سلامتك مثل رب عائلة يبقيك حيث أنت ليصرف عليك.
يخطر لي الآن أن المثقفين في تمسكهم بفكرة الثورة المضادة إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم هم، عن المكان الذي استمدوا منه طاقة وجودهم منذ انقلاب 1952 و”الاستقلال الوطني” مع كل تداعياته التي بررت جهلهم وتعالمهم والتفافهم على القيم التي يدعون الحياة بها، ثم كون خطابهم مطابقاً للخطاب “الإسلامي” في شموليته وكونه في جوهره طريقة لممارسة السلطة على من سواهم والتنافس على أمجاد صغيرة في ما بينهم.
منذ السبعينيات أو في أعقابها انعزل الخطاب “المثقفيني” عن “السياسة” فعلاً، ما جعل السياسة حكراً على “الإسلاميين”، لكنه ورغم التباهي بالخاص على حساب العام والمبالغة في الترويج لفكرة الفرد في غياب مجتمع يسمح بالحد الأدنى من الفردية، لم يتجاوز نهم الوصاية والسعي إلى تمايز مستبد، إن لم يكن عن طريق “المركز” الاجتماعي صريحاً فعن طريق الحرمان من ذلك المركز والتظاهر برفضه… لحظة يتحول الوضع القائم بالفعل أو يكون على وشك التحول، لو لم يظهر في المتون “تحول مضاد” يتمرد عليه المثقفون من مواقعهم في الهوامش لو لم يصبح الواقع الجديد مؤامرة لا يقدر على كشفها إلا وعيهم ماذا يبرر وجود “مثقفين” أصلاً؟ وما الفرق بين انحياز المثقفين للجيش – عملياً – ومنطق “اللجان الشعبية”؟
يخطر لي الآن أن الناس انقسمت منذ أول يوم وإن بدا أن الشعب الذي يمكن أن نسميه شعباً كله في ميدان التحرير. وقبل حتى إثارة البلبلة وتكثيف الخطابات الموجهة إلى عقليات جاهزة للارتعاب والانتماء القبلي، تقديس الرموز وتصديق الخرافات، عقب الهزيمة المنكرة للشرطة والتي لم يعلن فرد واحد من أفرادها انضمامه للمتظاهرين بالمناسبة، ولا فرد كان أول رد فعل للنظام هو الترويج للفوضى والجريمة قولاً وفعلاً وجعل اشتراكك في الاعتصام يمثل تهديداً (حقيقياً أو متخيلاً) على بيتك بما ومن فيه، الأمر الذي أدى إلى انطلاق شعارات مثل: يا أهالينا ضموا علينا. يخطر لي أن اللجان الشعبية بغض النظر عن “تجاوزاتها” كانت التعبير الأصدق عن الأبوية البوليسية نفسها التي قامت الثورة ضدها، ورغم أن الانشغال بحماية الممتلكات والأرواح لم يكن حكراً على المعادين للتحرك: القيم التي مثلتها اللجان الشعبية كانت بحذافيرها قيم الثورة المضادة. يخطر لي ذلك وأشعر بانقباض، كلما حدست أن البلد أقرب من معتصمي التحرير إجمالاً إلى اللجان الشعبية. وإلى الآن كلما تأكد الحدس أذكّر نفسي بأنه عبر أنحاء مصر في الثامن والعشرين من يناير 2011، ظهر الله. وإلى أن ينجر الخائفون إلى كلام يشبه كلام النظام الذي سقط عن أن هناك مصالح استراتيجية لدول تستهدف أمننا وسلامتنا أو “أجندات” نحن طبعاً فل الفل دائماً، وعلى اعتبار أن حكومتنا لم تنفذ أبداً، وضد رغبة شعبها، أجندات دولة لا تزال تُعرّف في الأدبيات الرسمية بكلمة “العدو”، لا يمكن أن يحدث عندنا شيء سيء إلا لو كانت هناك مؤامرة لإيذائنا من جانب جهات خارجية تستغل سذاجة المتحمسين، وعلى اعتبار أن الانفلات الأمني وتعطُّل “عجلة الإنتاج” شيء سيء، بل وعلى اعتبار أن القمع مقبول طالما أنه يأتي من الجيش الذي حمى الثورة سيخطر لي أنه الجنون ذاته الذي يصيب أباً فقيراً ليس في بيته شيء ذو قيمة وهو يبالغ في تأمين البيت خوفاً من الحرامية، وعندما يضج أبناؤه بالحياة التي يعيشونها معه لا يتردد في الاستعانة بصديقه أمين الشرطة ليبيتهم ليلة في الحجز حتى يقدّروا النعمة التي هم فيها فيكون قد لقنهم درساً يعينهم على صعوبات الحياة.
ومع ذلك فإن المثقفين والمسيسين حين يتحدثون عن الدولة المدنية، لا يضعونها على نقيض الدولة العسكرية القائم تهديدها بشكل مباشر؛ المدنية التي يقصدونها هي اللا-دينية (أليس مضحكاً أن يحدث تحالف بين الجيش والإخوان المسلمين بل وبين الإخوان المسلمين وبقايا الحزب الوطني من أجل تمرير التعديلات الدستورية؟) وهو ما كان المثقفون والمسيسون مشغولين به دون النظر إلى المجتمع المحيط بهم من قبل حتى أن يتنحى مبارك: المادة الثانية من الدستور، والدولة اللا-دينية. ومدفوعاً بتضامني الصادق معهم، أنا، وجدتُني أتساءل: عندما تصبح مصر دولة مدنية بحذف المادة الثانية من الدستور، هل يعني ذلك أنه لن يكون فيها ذقون ولا مخابيل ولا جيران يحشرون أنوفهم في شؤون جيرانهم أو بوليس آداب؟ هل أن مصر ستكون خالية من حاملي “السنج” المكشوفة صدورهم وقد “ضربوا” برشاماً تحت أعين آباء متقيحين من واجبنا احترامهم وهم يدفعوننا على سلالم العمارات مفضّلين أن نموت على أن نستمتع بمباهج الحياة؟ هل يضمن الدستور حق الاعتراض على التفاهة والغباوة في الأوساط والعياذ بالله الفكرية؟ وماذا عن أمي وغيرها من المتدينين العاديين جداً في الحياة؟ (أمي نفسها التي كانت ترفض وبشدة إلغاء المادة الثانية من الدستور ستقود فيلقاً كاملاً من أصدقائها وأقاربها مع الخادمات والبوابين إلى صندوق الاقتراع ليصوّتوا جميعاً بـ “لا” للتعديلات الدستورية، وفي يوم هكذا سيخبرني الجميع إثر عودتي فاقت فيه سعادة “الناس العاديين” سعادتهم بالثورة، لأنهم ولأول مرة في حياتهم ظنوا أنفسهم يشتركون فعلاً في تقرير المصير… والمصير لا يقرره إلا المضطلعون الذين لهم سنوات طويلة بـ”العملية الانتخابية” من ذقون وفلول وأناس يحملون الهراوات.) مصر دولة مدنية؟ طيب! بين يوم وليلة إذن سيكف البنات عن التحجب من تلقاء أنفسهن، وستكف القوادة باسم التحضر في المقابل بين طلائع لن يكونوا جهلة ومستهترين ولن يضحوا برغباتهم الأصدق من أجل المناظر والمكاسب. سيمكنك أن تقبّل حبيبتك على النيل دون أن تكون من مُلّاك السيارات ودون أن يظهر لك مخبر أو واحد يعرض عليك، بسعر ابتزازي، “قعدة عائلية”. وستتخذ الصلة بالغرب أشكالاً غير نموذج “الخرتي” الراغب في الهجرة بأي ثمن، مؤجّر جسده في سبيل “الحرية”. وحتى العلاقات المثلية عابرة الثقافات أو الطبقات ستكون بين ندين فعلاً بدلاً من أن تظل بين غني عجوز وفقير شاب ليس بالضرورة مثلياً… هكذا بين يوم وليلة… بمجرد حذف المادة الثانية من الدستور، لأن مصر الآن دولة مدنية. لا للتخلف. لا لقمع الحريات. لا للدولة الدينية. وقّعنا البيان الألف وخمسمائة ومليون وخرجنا نبحث عن خمرة ونسوان بينما زوجاتنا يُرضعن العيال في البيوت هيييييييييييييييييييييه! مصر دولة مدنية. ليس عن تعاطف مع الفكر أو النشاط الإسلامي أبداً، خمس مرات في اليوم كنت أردد: اللهم إني أبرأ إليك من الثقافة والمثقفين. وعلى “الفيسبوك”، من الكويت، انتبهتُ إلى “إبراهيم” يقول إن هناك الكثير من ضباط البوليس الشرفاء ومثلهم في المجالات كلها التي كان يسيطر عليها النظام. كتبت لإبراهيم رداً على ذلك أنه في بلد من العادي فيه أن يتحول المجند إلى خادم منزلي لدى ضابط شرطة هو نفسه بالكاد يجد قوت يومه، من الصعب الكلام عن مواطنين شرفاء؛ لم أكتب أنني لا أعرف، في السياق، ماذا يمكن أن تعني كلمة شرفاء. ومن ينطق بكلمة وعي أمامي، من الآن فصاعداً، سوف ألكمه في وجهه بلا تحذير.