لنسم الأشياء بأسمائها

IMG_1896

.

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

***

تقول الشعارات الإسلامية: “ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟” ولنفرض أننا لم نكن قد رأينا. أمس، يوم ٥ ديسمبر في مصر الجديدة، رأينا “شريعة الله” على الأسفلت. رأينا الإخوان المسلمين والسلفيين والجهادين – تحت أعين الشرطة – يقتلون المتظاهرين المناهضين للرئيس “الشرعي” محمد مرسي والمحسوبين على الثورة بدم بارد.

رأيناهم يأسرون ويسبون ثم يحتجزون ويعذبون سباياهم وأسراهم ضرباً وخنقاً وطعناً وصعقاً بالكهرباء بل وتعليقاً على أسوار قصر الاتحادية حيث كان المحتجون قد كتبوا تنويعات مختلفة على رسالة القطاع الأوسع من المصريين المدينيين إلى مرسي: “ارحل يا ابن الجزمة”. وإذا أطلقوا سراحهم فليسلموهم إلى الشرطة بتهمة البلطجة، حيث يصبح قرابة مئتي مجني عليه متهماً وماثلاً أمام نيابة باتت – بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم ٢٢ نوفمبر وانطلقت في إثره الاحتجاجات، محصناً قرارته ضد الطعن القضائي – في خدمة الجماعة وتحت أمرها.

ليس هذا وحسب: إن قوادي “الحرية والعدالة” (كما صرت، عن نفسي، أعرّف “قيادات الإخوان”) بلغ بهم التبجح حد التلاعب الإعلامي والطائفي بهوية القتلى لكي ينسبوا الضحايا إلى أنفسهم… هكذا رأينا شعب الريف الكادح يزحف على المدافعين عن أبسط حقوقه باسم الله ليمارس عليهم أقسى أنواع القمع الرسمي بصفة غير رسمية، ورأينا دعاة “شرع الله” من المتنطعين على الثورة، بلا خجل، يسبغون على سياسي حنث اليمين وثبت عليه الكذب على نحو قاطع عصمة الأنبياء إن لم يكن القداسة الإلهية. هذا ما رأيناه أيها “الفصيل السياسي” الشريك…

***

قبل شهور كان واضحاً أن ثنائية الثوار والفلول السائدة إذاك – تحت “حكم العسكر” – ليست سوى إيماءة شعاراتية طارئة سرعان ما سوف تنهار أمام صراع أكثر جذرية بين الإسلام السياسي وما سواه من توجهات، لأن الإسلام السياسي من الشمولية والعنف والرياء بحيث لا يستوي وجوده متجاوراً مع “فصائل” أخرى.

واليوم، بينما يُحشد الرعاع والإرهابيون من الأقاليم المظلمة في “تظاهرات تأييد” قاهرية لا يميّزها عن تظاهرات بلطجية مبارك سوى وساختها الريفية وتبجحها الوقح بإرادة السماء، يتهم قوادو الحرية والعدالة ميدان التحرير المحتشد تلقائياً ضد الأخونة والتخليج، ضد تقويض القضاء والتمهيد للسيطرة على الإعلام، بأنه صار قبلة الفلول (علماً بأن الحكومة الإخوانية، ووزارة الداخلية بالذات، قائمة بالأساس على من كانوا يتقلدون مناصب في “العهد البائد”؛ علماً بأن الإخوان كانوا أول من تفاوض مع نظام مبارك وفي تاريخهم السابق على الثورة أكثر من واقعة تحالف مع الحزب الوطني المنحل). لقد بلغ جهل وغباء الإسلاميين في مصر حد التهديد بالعصيان المدني “تأييداً لقرارات الرئيس”؛ ومتى كان التأييد من وظائف الحراك الاحتجاجي؟ ومتى…

عشية الاعتصام عند الاتحادية، وإثر هروب الرئيس من باب خلفي للقصر المحاصر ثم التناقص التدريجي لأعداد المعتصمين هناك، أرسل الإخوان مسلحيهم المنظمين لفض اعتصام الاتحادية وعقاب “الثوار”… وبعد أن دفعوا لآخرين مقابل التحرش بالنساء وافتعال العنف سواء أفي التحرير دار الثورة أو في ماسبيرو مركز الحراك القبطي.

***

ثم إننا رأينا “مؤيداً” على “يوتيوب” يسب المعتصمين أنفسهم بِغِلٍ غير مفهوم بعد فض اعتصامهم، رأيناه يستدل بعلبة “جبنة نستو” وجدها في إحدى الخيام على أن “بتوع حمدين والبرادعي” اللذين يكرههما (لأسباب هي الأخرى غير مفهومة) ليسوا سوى خونة ممولين من الخارج (ومن ثم، أو إلى ثمة، “ضالين” ممن تذكرهم فاتحة القرآن).

إن ما يثبته مثل هذا المشهد هو أن الإسلامي المتحمس ليس في حاجة إلى حقائق/معلومات مطابقة للواقع التجريبي ولا إلى أي منطق نظري مهما كان بسيطاً ولا حتى إلى الحد الأدنى من أدنى حد لإعمال القوى الذهنية العادية لكي يقيم حجة تبرر له غضباً ينفث من خلاله كراهيته لذاته والتي يعبر عنها من خلال التشبث بالغواغائية الشعبوية وسواها من أشكال التخلف من جهة، وعبر رفض كل ما يمكن أن يذكّره بدونيته من جهة أخرى (وهو العالم الواسع بما فيه احتمالات التقدم).

دعك إذن من أن المتظاهر ضد مرسي هو بالضرورة، بالنسبة إلى ذلك الإسلامي، “بتاع” أحد سواه؛ إن الجبنة النستو التي يأكلها الجميع، إسلامياً أكان أو غير إسلامي، هي الدليل الدامغ على العمالة والخيانة ومناهضة “الشريعة” وكل ما من شأنه أن يهدد “الإسلام” في خطابه الساعي إلى يوتوبيا هو يعلم قبل غيره أنها لا يمكن أن تكون.

***

واليوم؟ اليوم يكبّر غلمان السلف داعين “أمير المؤمنين” الجديد أنْ “اضرب ونحن معك”، رافعين أعلام السعودية والقاعدة، محرضين “خرفانهم” على قتل رموز المعارضة في القضاء والإعلام بوصفهم “فاسدين” و/أو “كفرة فجرة”. واليوم يتطوع هؤلاء الغلمان والمتعاطفون معهم – بأوامر من القوادين – لأداء أدوار جلادي “أمن الدولة” في إعادة هزلية لمسلسل القمع البوليسي المفترض أنه مورس على الإسلاميين من قبل، ولكن أمام عدسات الهواتف في الشوارع، وفي أكشاك الشرطة العسكرية، وفي غرف داخل أسوار القصر.

وبينما يحدث ذلك، يقبع اليسار المدجن في محبسه “الوسطي” وقد أخرسته التطورات وإن استمر في ترديد شعارات الثورة على الفساد والتوافق الوطني كالمنوم مغنطيسياً، ملتمساً أعذار الجهل والكبت وحداثة العهد بالسلطة، محذراً من “حرب أهلية” لا سبيل إلى تجاوز هذه المرحلة المنحطة – وقد مسك الكلب عظمة – إلا بشيء مثلها… حرب قد بدأها الإسلاميون بالفعل رافعين شعار “قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة”، وبإيعاز من “القيادات” الميليشياوية الفاسدة والفاشلة التي لا تزال تتغنى بديمقراطية الصناديق واحترام رغبة الشعب.

يحدث هذا، وفي اليوم التالي يلقي الرئيس خطاباً رسمياً يغربل فيه نظرية المؤامرة المخابراتية المعتمدة منذ منتصف القرن فيقول إن بلطجية النظام السابق اعتدوا على متظاهرين سلميين؛ إن البلطجية في خدمة سياسين حان وقت محاكمتهم، وإنهم قد اعترفوا بجرمهم أمام الشرطة. لا يتعرض ولو بكلمة للفرق بين المحتجين و”المؤيدين”. لا يتعرض ولو بكلمة لجرائم الإسلاميين وتواطؤ الشرطة عليها. إن عدد البلطجية الذي يذكره مطابق لعدد المعتصمين الذين أوقفهم الإخوان وعذبوهم ثم سلموهم؛ ومع ذلك، رغم النفوذ الإخواني في النيابة، لا يستطيع أحد أن يثبت عليهم أي جرم حتى يطلق سراحهم بعد مماطلة في اليوم الثالث. ولا يعرف أحد عمن كان يتحدث الرئيس.

***

“حماية الثورة”: قل ما تشاء يا رفيق. أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنَفَس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه السفن الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

- ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢ إثر صدور الإعلان الدستوري

***

ومع ذلك، ورغم ذلك: لدى التوافقيين والوسطيين وقطاع كبير من “الثوار” كما لدى الإسلاميين أنفسهم، يظل الإسلام السياسي مضطَهَداً حتى حين يكون في السلطة؛ يظل قومياً حين يعمل لصالح إسرائيل، وتوافقياً حين يستبد بالقرار، وديمقراطياً حين يكرس للشمولية؛ يظل “فصيلاً” ضمن الفصائل حين يحتكر لا القرار السياسي فحسب وإنما الدستور ذاته… كما يظل الممثل “الشرعي” للشعب حين يُقصي ثلاثة أرباع ذلك الشعب نوعاً إن لم يكن كماً ويغامر بالدولة بعد أن غامر بالمجتمع والثقافة الوطنية بكل معانيها المحتملة على مدى عقود.

هكذا يأتي ناشط نجم ممن بادروا إلى انتخاب مرسي، وهي الخطوة التي أدت مباشرة إلى ما نحن فيه؛ وبدلاً من الاعتذار عن قصر النظر والمساهمة في صعود الاستبداد الظلامي وتسهيل مهمة التخلف الممنهج أو إعلان موقف واضح من الديكتاتورية الدينية التي تمثلها الرئاسة، إذا به يشير إلى جذر الخلاف في الجمعية التأسيسية الموالية ورئيسها فيغرد قائلاً: “أنا مش نازل أسقط مرسي، أنا نازل أسقط الغرياني.”

لماذا إذن لا نقول إن الإسلام السياسي يحقق أهداف الثورة بالفعل ونحن نراه يستعملها وإيانا للانقلاب على ما بقي من المؤسساتية واستبدالها بشمولية عشائرية أبشع ألف مرة من “نظام مبارك” الذي ثرنا عليه؟ طالما لا تسعى “الثورة” لحساب نفسها باستبعاد أمثال ذلك الناشط من الأصوات المعبرة عن رواسب الوعي النضالي الأخرق ودعارات البطولية الاستعراضية بكل ما فيها من جهل وغباء ولامسئولية إجرامية، لعل ما يفعله مرسي كمسئول ملف الرئاسة في جماعة الإخوان المسلمين هو “ثورة مصر” بالفعل. ولعلنا جميعاً بمن فينا ذلك الناشط فلول.

***

وعن خ. ع. عن المكفهر ا.ح. عن الشيخ ع. أنه قال: ويومذاك نزل ع. ب. إلى ميدان النهضة فحشر أحدهم في دبره علماً للسعودية ملفوفاً كالبلجدق (قيل وما البلجدق، قال: الخازوق ذو الرأس المدببة) فإذا بـ ع. يجاهد في إخراج العلم من دبره ولا يفلح حتى أعياه الجهد فسقط منهكاً ولما يقم حتى ولد من دبره ضفدعاً كلما نق قال “مرسي اه”، وقيل “وامرساه”؛ قال الشيخ م. هادم الأصنام: وكانت من معجزات عصر الدولة الإسلامية. رواه ص. ح.

- ٤ ديسمبر ٢٠١٢

***

أمس في مصر الجديدة تأكد ما كنا نعرفه، أو انهار ما كانوا يكذبون به علينا – ومازالوا – من أن هناك مساحة تقاطع حقيقية بين الإسلام السياسي والديمقراطية أو الوطنية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية أو أي قيمة أخرى نادت بها “ثورة يناير”؛ أو أن ما يتهددنا في هذا المنعطف التاريخي هو الشمولية العسكرية أو استمرارها. ولا أهمية الآن لتوجيه السؤال إلى الرفاق ممن صوّتوا لمرسي: ماذا كنتم تتوقعون؟

إنها أدوار ورثها أصحابها – وإن طوروها – من قوميي الانقلابات ودعاة مناهضة الاستعمار واليسار الذي بادر من ثم إلى موالاة “الشيوخ”… هنا القاهرة وهذا ما وصلنا إليه: ملتحون يقمعون الاحتجاج في حماية “الرئيس الثوري”، قاصمين ظهر أي منظومة مدنية محتملة، متاجرين ليس فقط بالعقيدة وإنما أيضاً بدماء مواطنيهم؛ مدن تعلن استقلالها عن حكم الإخوان؛ و”ثوار” لازالوا يدافعون عن انتخاب مرسي بوصفه “النار” التي فضلوها على “عار” شفيق حرصاً على “المصلحة الوطنية”! فهل كان شفيق ليجرؤ على إصدار إعلان دستوري مثل الذي أصدره مرسي ثم إرسال ميليشياته لقمع الاحتجاج عليه؟ أتمنى عليك أن تجيبني، أخي في الثورة.

ولو كان في البلاد مؤسسة عسكرية “وطنية” متماسكة، هل كانت لتسمح بتسليم الدولة لجماعة سرية إرهابية تمارس القمع المجتمعي والعنف السياسي ونشر التخلف بانتظام منذ عشرينيات القرن الفائت؟ ولو كان للإسلام السياسي أي صلة بالديمقراطية، هل كان ليخرج في “تظاهرات تأييد”؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ لا أهمية للإجابة عن هذه الأسئلة، أقول. الأهمية للاعتراف بأن الإسلاميين هم رعاع الأمة، ومنظريهم نخاسوها، وقادتهم أثرياء حربها من زعماء عصابات الملتحين… لنسم الأشياء بأسمائها معترفين بفشلنا الذريع مرة وإلى الأبد. ولنقل مثلما قال الرئيس مرسي في نهاية خطابه: والله من وراء القصد.

.

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta

المقامة الحاكمية أو المنتحر 20

حدّث راشد جلال السيوطي قال:

أن تفتح كبّوت عربتك بعدما تقف منك على الطريق، فتجد جثَّةً منطويةً في وضع جنيني مكان الموتور، تخيل! ليس هذا ما حصل بالضبط، لكنْ قياسًا إلى أن هذه أول زيارة أعملها للقاهرة من ثلاث سنين، ما حصل كان على نفس درجة الغرابة.

بعد ذلك، بعدما أعرف بالذي مرَّ به صديق عمري مصطفى نايف الشوربجي، وجعله يغادر القاهرة قبل وصولي بأسبوع – أنا لن أعرف حكاية مصطفى لحد ما أرجع لحياتي الطبيعية كطبيب احتياط في مستشفى بيثنال غرين، شرق لندن، حين يبعث لي بالإيميل “پي-دي-إف” مخطوطة ضخمة دوّن فيها انفصاله عن امرأته وما تلاه، مع سطر واحد في شبّاك الرسالة يتساءل إن كنت بعدما أقرأ المرفقات سأظنُّه مجنونًا*، سيتأكد لي أني لم أخترع تلك الليلة على طريق صلاح سالم، تحت ضغط مشروع زواجي أنا، والإكثار من التفكير في أكبر عقبة أمامه. يعني أنا أسكن جوار عملي في بيثنال گرين، ومن وقت انتقلت إلى هناك سنة 2005، قبل سنتين تقريبًا، وأنا أعيش مع زميلة درزية أحبّها وكان زماني تزوجتها لولا أن أهلها مستحيل أن يخلّوها تتزوج غير درزي، فلما طلع لي شبح المنتحر لحمًا ودمًا يقول إنه التجسًد رقم 19 لروح الإمام الحاكم بأمر الله الذي يؤلّهه الدروز، شككت بأني أهلوس نتيجة التفكير في ذلك والقراءة عن تلك الديانة المجهولة،  وأن هذا سبب حرماني من تأسيس أسرة مع حبيبتي. أصلًا ساعات ينتابني الفزع من أن أكون، بعلاقتي مع البنت هذه، فعلًا تعديت على حرمة ما أو قداسة. ومع أن المكتوب في “پي-دي-إف” مصطفى ما كان يمكن أن يخطر لي أثناء وجودي في القاهرة، فطنت بعد مكالمتي الثانية لوالدته – الشخص الوحيد الباقي لمصطفى صلة حقيقية به هناك – إلى أن ما جرى له قد يشبه ما رأيته أنا في الليلة تلك.

“ومن أقرّ أن ليس له في السماء إله معبود، ولا  في الأرض إمام موجود، إلا  مولانا الحاكم جلّ ذكره، كان من الموحدين، الفائزين”.
من نص عهد الدعوة الدرزية لحمزة بن علي المعروف بـ”ميثاق ولي الزمان”.

ليلتها عرفت أن اختفاء سادس وأغرب أئمة بني عبيد الله (الفاطميين) – ذلك الطاغية المتقشّف الذي حرّم على الناس أكل الملوخية، وألزم النساء البيوت، ثم عمل “جينوسايد” صغير في مدينة مصر القديمة (كان يقوم بتصفية كلِّ من تقرَّب إليه) – اختفاء هذا المجنون الملهم لم يكن إلا انتحارًا تلى ظهور الدعوة الدرزية، التي قالت إنه التجسُّد البشري للإله الواحد. أن توقن بأنك أنت الله – هكذا قال لي المنتحر – لا بد أن يؤدي ذلك إلى الانتحار، فكيف يعيش الله بين الناس حتى لو كان إمامهم؟ والانتحار هذا – شرح لي – يتكرّر مرّةً كلَّ خمسين عامًا منذ حدوثه الأول سنة 1021 تكون روح الحاكم حلَّت بشخص عادي له جذور في القاهرة المعزِّيَّة، وبعد أن ينتحر بدوره يتجلى لوريثه، ويكون مرَّ على انتحاره خمسون سنة بالتمام، ليخبر ذلك الوريث أنَّه التالي في الترتيب. تذكَّرْت ساعتها أن أبي وأمي ولدا وعاشا عمرهما كلَّه إلى أن تزوَّجا غير بعيد من جامع الحاكم، ذي المئذنة التي تشبه ذَكَرًا مختونًا منتصبًا يطل وراء حائط مفرود كالملاءة، وأن جدي لأبي كان يدَّعي أنه من نسل شيخ حارة برجوان (ذلك المكان المسمى على اسم أشهر خصيان الحاكم، وأحد ضحاياه) فيقول الرجل العجوز نصف مازح إن تاريخنا في المنطقة يعود لأيام المماليك.. هكذا في أول زيارة بعد غياب ثلاث سنين إلى مسقط رأسي وأحلى أيَّامي – وأنا عاشق درزيَّة – كان علي أن أتخيَّل نفسي أموّت نفسي بسيف الإمام العزيز بالله، أبي الحاكم، بصفتي (ويا خرابي) المنتحر 20.

ثم استطرد راشد السيوطي يتذكر حديث المنتحر:

الذي يموت وحده، لا يعرف، لا يرجف بالمفاجأة أو يعميه البريق. (هذا ما قاله لي المنتحر 19 في طريق الرجوع، لما وقفت العربة، كأن كهرباءها فصلت على طرف الطريق بموازاة القرافة، وكان مكانًا مظلمًا، لكني شددت الفرامل وخرجت أفتح الكبوت فإذا بضوء السماء يتغير لحظيًا، كأن الصبح طلع لمدة ثانية ثم غاب، برقت خلالها حجارة جبل المقطَّم من فوقي كأنها أصبحت فوسفورية، وشيء ككفِّ اليد يخزني في كتفي، لما نظرت حولي لم أجد له أثرًا. حين عدت إلى مقعد القيادة، أحاول أن أدير المحرِّك يائسًا، فإذا إلى جواري شاب مهندم في بدلة كاملة موديل ريترو وفي يده مسبحة… بدأ يتكلَّم على الفور.) الذي يموت دون أن يملك موته في يده، لا تهزّه البهجة الخرافية لمغادرة الحياة. وحده المنتحر هو الخالد الباقي، ومن أين لغيره بفرحة اليقين؟!.. أنا أكلِّمك عن خبرة، صدّقني: أنت لن تموت ككافة الناس. ستُموّت نفسك بنفسك في اللحظة الحاسمة، واللحظة الحاسمة دائمًا فيها الآخرون. أكلِّمك، مع أني لم أدبّر لذلك، لأنّي متُّ بحضور أبي وأختي وخليلي، في الحوش الحاوي قبر أمي أيضًا وراء باب النصر، حيث كانت القاهرة المعزِّيَّة قبل وقت طويل – الآن هنا طبعًا لا شيء اسمه وقت، لكن ليس غير لغتكم للتفاهم – وكانت أختي تظنني أقتلها بالسيف وأبي مريضًا بالداخل، لكني سأناديه حتى يخرج قبل موتي بدقيقة واحدة. كلُّ الأرواح السائحة على روحي، أقول لك، شهدتني أعبر. بحسابكم كان عمري وقتها أربعة وعشرين، ولولا أني جل ذكري من النسل المقدس، ما كنت فطنت لروعة الذهاب مبكرًا، أو علمت أن كلَّ شيء حدث، حدث لكي يؤدي بشكل لا يقلِّل من حتميته أنه غير واضح وغير منطقي، إلى لحظة واحدة فقط من سنة 1958، لحظة ثبّتُّ رأس السيف في النقطة التي حدَّدها لي سلفي بدقَّة، تحت ثديي الأيسر وعلى بعد عقلة إبهام إلى اليمين. كانت يداي حول المقبض وذراعاي ممدودتين، كأن جذعي النحيل في الجلباب الأسود أصبح قوسًا مشدودًا، ومتشبثًا بقدمي الحافيتين في الأرض الرملية، مرّة واحدة، شددت. أنا الكامل الذي يجيء موته منه، الحامل من ساعتها سيف العزيز بالله، اسمع حكايتي.
ومحاكيًا الهمذاني والحريري، قال:

جئت القاهرة في زيارة. وصحبة صديقي الحقيقي مصطفى، نويت أمشي من حارة لحارة. كان هذا ما اتفقت عليه وإياه: أن نشاهد ما بقي في القاهرة من مجد إسلامي وجاه. وأنا لي في إنكلترا سبع سنين، نزعت أثناءها عصب الحنين. “إنه من زمان أول لقاء بدرش، تقولش سلطان راجع إلى العرش”. فراعني أن لا أجده في الديار، وكأن مدينتي زايلها العمار. نقض اتفاقنا ابن القديمة، فأسلمتني الدهشة لأحزان عظيمة. بحنين تخيَّلتنا في غبرة وتراب، وسط قاهرة المعز بين باب وباب. حتى قلت في عقل بالي: ملعون أبو مصطفى، سأستأنس بالكاميرا والسجائر وكفى. وأخذت عربة أبي ذات ليلة ذاهبًا، فما كدت أذهب حتى رجعت تائبًا. فإن ما رأيته في زيارة باب الفتوح، يخيف أبا الهول نفسه لو يبوح. وحتى أكتشف أن مصطفى  هو الآخر معذور، إذ له مع الجنون قبل دوري دور… (لكن شيئًا لا يدفع على حكي الحكاية، إلى أن تتسنى قراءة الپي-دي-إف/الرواية.) من غير ترتيب ولا تمحيص أقول، وقد أصاب أعضائي، من الرهبة، الخمول:
مَنْ بِطَيْفِ الْمَوْتِ يَشْقَى          كَاْنَ فِيْ دَرْبِ الْنُشُـوْرِ
مِنْ دَوَاْعِيْ قَـتْلِ نَفْـسِي        أَنْ أُعَـجِّـلْ بِالْعُبُـورِ

أمضيت خمسة أيام فقط بعد الحدث في القاهرة، ومهجتي بصدمة اللقاء ورهبته حائرة. وانتظمت في جلسات الأقارب على الموائد، مداريًا كلَّ ما ألم بزيارتي من شدائد. طَوال  الوقت لم يلهني شيء ظهر أو خفى، عن مواصلة التفكير في غيبة مصطفى. ومنذ وجدت موبايله مقفولًا ليلة وصولي، ليس سوى والدته أرمي عليها حمولي. كلَّّمتها على الفور في وقت متأخِّر من الليل، فإذا في صوتها إلى البؤس والحيرة ميل. ثم عدت وكلَّمتها بعد ظهور وريث الإمام، وقد بقي على عودتي إلى إنكلترا ثلاثة أيام. فكررتْ علي كيف غادر مصطفى فجأة في إبريل، بعد ثلاثة أسابيع منذ أن وجد إلى بيتها السبيل. وكان رجع يعيش معها بعد انفصاله عن زوجته، ثم سارع بالطلاق تعبيرًا عن نقمته. بعد مغادرته – هكذا روت لي – لم يتَّصل سوى مرّة من بيروت، يطمئنها على حاله، ويؤكد لها أنه لن يموت. وفكَّرت وأنا أسمعها تحكي معي بكَبَد: إحساسها أنها فقدته إلى الأبد. الأمر الذي أكده اختفاؤه المريب، وأنه على “إيميلاتي” ظل لا يجيب.

حتّى عاد مجددًا إلى حديث المنتحر:

لن يهمَّ اسمي أو نسبي. المهم أن جثماني اختفى حال موتي بسيف العزيز. لتعلم أن السيف سيصلك أنت أيضًا، وحال تغرسه في مكانه لا يُعثر لك على أثر. أنا وثمانية عشر منتحرًا قبلي نثبت لك ذلك بالدليل. بوسعك أن تعرف إن سألت، فحدث واحد كلّ خمسين سنة لا يلفت إليه الأنظار الفانية. أنت خائف لأنك لم توقن بعد أنك الخالد الباقي، ولا أنّ كلّ شيء يحدث في تلك الغرفة الضيقة التي تظنُّها حياتك، بما فيه تماثلي أمامك وشكَّك في وجودي وارتباكك من مشهد الجبل في ضوء عينيك – لن يتجلَّى الضوء ثانيةً، حتى تموت، فيصير بصرك القدسي – كلّ شيء يحدث، يحدث لكي يؤدي إلى لحظة واحدة من سنة 2008 (هكذا مضى المنتحر يحدثني فيما كنت، برعب يرجُّ جسدي ويشلُّه تباعًا، لا زلت أنكر وجوده إلى جواري فلا أنظر إليه وأعافر بلهْوَجة مع الكونتاكت حتى يدورَ المحرك. ضحك المنتحر ضحكةً واحدةً قصيرةً ثم مدّ يده، ليريني البقعة التي يجب أن أغرس فيها سيف انتحاري. وشعرت إثر ملامسة إصبعه صدري بدغدغة لم أجرِّب شيئًا مثلها طول حياتي. في الملامسة متعة، دون أن تنطوي على جهد أو غريزة أو تكون معرَّضة للانتهاء، كأنها الأورجازم.) عليك أن تمسك المقبض الذهبي المرصَّع بكلتا يديك، وتكون صوّبت طرف النصل إلى صدرك، تحت ثديك الأيمن مباشرة ولكن على بعد مسافة عقلة إبهامك إلى اليمين. عليك أن تميل كالقوس وتثبّت قدميك في الأرض ثم، مرّة واحدة، تشد. (وما كاد يسحب يده حتى أنشد يقول:

لم أبدأ أفهم حتى اعتقدت أني فهمت
وصرت أرى الأشياء كأنما بعيني بوذا
تلك الرسمة الطفولية الشاخصة بأحجام ضخمة
على الجدران الخارجية للمباني
ترى من كلِّ شيء كلَّ شيء).

لعلهما ظنَّاني مصدومًا فيهما، أختي وخليلي، لأن موقفي بالسيف تلى اكتشافي لهما في ظلام الحوش قبل ليلة واحدة بالتمام، حين دخلت حافيًا وكلوب الگاز في يدي لأجدَ ساقيْ أختي كأنهما مرفوعتان على شيء واطئ تحت جلبابها المنحسر، وكانت ممدَّدة على ظهرها في الأرض، فلا أثر لنصفها الأعلى من بعيد، تتأوه بحرقة كأنها تنتحب. عرفتهما، ساقيها. (هكذا واصل المنتحر بعدما أمرني بابتسامة فاترة أن أدير المحرك، فانطلقت العربة فعلًا وإذا بصلاح سالم كأنه يقول: أنا أسوق بسرعة عالية كي أخرجَ من هذه المنطقة المظلمة ، لكنِّي أظل سائقًا ولا أتقدم سنتمترًا. حين ينتهي من كلامه، دون أن أدري، سيعود صلاح سالم إلى طبيعته، وأعرف أني خرجت فعلًا من البقعة التي التقيته فيها… ودون أن أدري أيضًا سيكون قد اختفى) فلم أتبين ما يسندهما من أسفل حتى اقتربت وانحنيت: كان خليلي يزحف على بطنه كالحيَّة ورأسه مدفون بينهما، كتفاه تحت الفخذين. ولمَّا شهقتُ فرفعها، رأيت فرج أختي الحليق محمرًًّا ومنتفشًا في ضوء الكلوب، ولعاب خليلي يقطر من حوله، وقد علق بجذور الشعر. صرخت فيهما: تزوَّجا، تزوَّجا! ثم استدرت. لقد تزوَّجا فعلًا دون أن يعرف أبي بالواقعة… لكن كان عليهما أن ينتظرا سبع سنين بعد انتحاري المفاجئ. وسيظلُّ في قلبيهما شكٌّ حتى يموتا بأن السبب هو سرُّهما الدفين.

ثم مرتدًًّا إلى بداية حكايته، حدّث قال:

من أول يوم كنت قررت أن أؤجل الأوضاع العائلية التي تنتظرني مع كلّ زيارة، فتحجّجت بأنّي أفضّل الانفراد بأمّي وأبي وإخوتي بعد الفراق. وأمضيت أسبوعًا أتنقل بين بارات الزمالك وقهاوي وسط البلد، أستعمل عربة أبي “الرينو” المركونة معظم الوقت، بعدما كشف عليها الميكانيكي – وكان أداؤها يُعتمد عليه بشهادته وتجربة أسبوع – حتى جاء في بالي أن أذهب وحدي إلى باب الفتوح فحدث ما حدث.
نسكن في مصر الجديدة، في عمارة بنيت أواخر الخمسينات، أيام عاش المنتحر 19 في باب الفتوح، جنبًا إلى جنب مع أبي الذي بلغ الخامسة والسبعين قبل سنة. نعم، هذا ما خطر لي أولًا، حتى تذكّرت حكاية كانت تتردد بتنويعات مختلفة في العائلتين دون أن أتأكَّد من صحِّتها، حكاية كانت أمي تنفيها بغضب كلَّّما فتحت معها الموضوع، وأبي ينفي معرفته بها باقتضاب غريب عليه: أن خالي فتحي، الوحيد بين إخوة أبوي الذي لم أره ولا مرة، لأنه مات شابًّا، والمفروض أنه مات في حادثة سيَّارة، رغم أن الغموض المحيط بموته من النوع الذي يقترن بجرسة أو شيء يخيف، وليس ثم ما ينفي بشكلٍ قاطع أنه انتحر. كان خالي فتحي ضبط أبي وأمِّي معًا في وضع مخلّ وهما بعد شابان لا تربطهما معرفة معلنة، بينما أبي صديقه الروح بالروح. هناك من يقول إنه مات كمدًا بعد أن تأكَّد من خيانة صديقه وفجر أخته الصغرى، وهناك من يقول إنهما تخانقا فقتله أبي وعتَّمت العائلتان على الجريمة لأنهما قريبتان وحريصتان على تجنُّب الفضائح. لم أكن متأكِّدًا من الذكرى مئة في المئة، لكن تهيَّأ لي أيضًا أني سمعت من يقول إن خالي فتحي رجل مبارك وإنه حين مات تبخَّرت جثَّته، فصعدت مباشرة إلى السموات، فقد رفعها الله إليه كما رفع عيسى النبيَّ. ما أكد شكِّي أن جدَّتي لأمي فعلًا ماتت حين كانت أمِّي لا تزال طفلةً صغيرةً، وأن قبرها في الأرض التي كان يملكها جدي بباب الفتوح. (لم أفلح خلال جولتي في الوصول إلى قبر جدتي لأمي.) الصراحة: خفت. وزاد الخوف في قلبي لدرجة أني لم أجرؤ على ذكر أي شيء لأبي أو أمِّي، خلال أيامي الخمسة الأخيرة في القاهرة.

نسكن في مصر الجديدة، أقول، ومن أكثر الأشياء التي كنت أفتقدها في إنكلترا إحساس طريق صلاح سالم الذي لا بدَّ من المرور ولو على جزء منه في أي رحلة أعملها من أو إلى بيتنا بالعربة: أنك فوق جسم الثعبان الذي يسعى على ظهر القاهرة كلِّها – من الشّمال حيث نسكن إلى جزيرة الروضة المحاذية لمصر القديمة في الجنوب – وكأنّه عمود فقري قابل للانخلاع… أنا ركنت بعيدًا على الجانب المقابل من الشارع ناحية مطعم زيزو المشهور بالسجق، ثم عدَّيت بحذر، ومددت الخطى فلم أعد إلا بعد ثلاث ساعات. كنت أتفرَّج على المباني القديمة كأني عشت فيها أيام عزِّها، وأحسست بألفة عنيفة مع مكان لم أعرفه إلا لمامًا.

“ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية، وقصد إلى جبل المقطَّم، ثم لم يُر بعد ذلك قط لا حيًا ولا ميتًا، ولم يعرف مصيره قط، ولم يوجد جثمانه قط، ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة، أيَّة رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه”
“الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية”، محمد عبد الله عنان1983

مرّت الآن ثلاثة أشهر وهناك ابتهاج زائد في علاقتي بحبيبتي. كنت فكّرت فيها طويلًا ويدي تحتك بالجدران التي حلمتْ برؤيتها منذ كانت طفلة في مدينة السويداء، سوريا، وحتى بعدما جاءت إلى مانشستر مع أسرتها في الخامسة عشرة (هي لم تزر مصر أبدًا مع أن حكاية الحاكم طبعًا حاضرة عندها، بالذات نهايته: أنه خرج بحماره يتطلّع في النجوم على المقطَّم ولم يعد، ثم لم يجدوا له أثرًا إلا الجباب السبع التي كان يلبسها، أزرارها لم تفك ومعكوكة بالدم. كانت ملقاة في الخلاء وقيل تحت ماء بركة في حلوان). لكن إلى الآن ما زلت أتجنب أي حديث معها عن زيارتي الأخيرة إلى القاهرة. في البداية ما كان يخطر لي أن طلوع المنتحر ممكن أن يكون أهمَّ عندي من زواجنا، لكن مع الوقت – وبعد أن انتهيت من قراءة پي-دي-إف مصطفى، بالذات – بقيت شبه متأكد أنه صار فعلًا أهم. ما هالني – بعد ذكرى أو اثنتين لأشياء لم تحدث لي أصلًا – أن أجدني مطمئنًا، إن لم أكن متحمسًا، لفكرة قتل نفسي، بالضبط كما تنبأ المنتحر. أول من أمس، في الذكرى السنوية الثانية لقرارنا أن نسكن سويًا من وراء أهلها، جاءتني حبيبتي بهديَّة لم أتوقعها منها بالذات ولم أتوقع أبدًا أن تفرحني إلى هذا الحد. كنت مشغولًا أمام الكمبيوتر حين دخلت الشقة، فرحبت بها دونما أرفع عيني عن الشاشة وإذا بقطعة معدن مستطيل تلمع أمام عيني. هي تسحّبت من وراء ظهري وطوَّقت رأسي بذراعيها وفي يديها ما كاد يغمى علي حين نطقت اسمه: سيف العزيز. ثم وضعته على الطاولة تقول إن أباها مصدق أنه كان ملك العزيز بالله بالفعل، مردفة أن عمره لا يمكن أن يكون أكثر من ألف عام بالقياس على الحالة الجيدة التي هو عليها. كانت عثرت عليه في خزينة أبيها وتوسّلت إليه حتى أعطاه لها، فخبأته في كبوت عربتها حتى يوم عيدنا. ببطء مددت يدي أرفعه من المقبض الذهبي المرصع وبدا جديدًا كأنما صنع أمس. وقرّبت نظري من النصل فظهر لي أنه أمضى من أن يكون صنعه بشر. سرحت قليلًا وبدا وجه حبيبتي ملائكي الجمال حين أفاقتني سائلة: أعجبك؟

http://www.scribd.com/doc/25761835/Youssef-Rakha

Reblog this post [with Zemanta]