سرور: مقطع من رواية طلال فيصل – قيد النشر

من آفات خبرة العمل الطويل في الصحافة أن كل تلك المسلسلات القديمة صارت محروقة بالنسبة لك؛ لم يعد هناك مجال للدهشة ولا مساحة للترقب. حين تحدّث معي مدير التحرير عن صفحة نجيب سرور أدركتُ فورا شكل الموقف الذي انتهى بهم لذلك الاقتراح؛ ثمة ملف ما – سياسي – لم يعد مناسبا للنشر، أو مقال رأي مُطول اعتذر عنه كاتبه أو أي موقف آخر من مواقف اللحظة الأخيرة في الصحافة تلك ترتّب عليه وجود صفحة خاوية على عروشها، وفورا، يتم استحضار اسم أحد الحمير الكتّيبة في الجريدة (عدة أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأغلبها معنا في الديسك) ثم يُطلب ملء فراغ هذه الصفحة بطريقة تختلف باختلاف الشخص: لو كان من رجال الشعر الأبيض – قدامى المحاربين كما أصبح يطلق علينا – فإما أن يطلبك رئيس التحرير ليناقش معك طريقة ملء هذه الصفحة ويعمل باقتراحاتك – هذا لو كنت من المقربين لسيادته، وإن لم تكن فيكون التعامل بالطريقة السالف ذكرها – تكليف صارم، واضح ومحدد، ولكن بصيغة مهذبة ومن خلال شخص تافه مثل مدير التحرير.

هكذا أنفقت عمري وبهجة أيامي في جرائد، قوميةً كانت أوحزبية أومُستقلة، في ضبط همزات الوصل والقطع لصحفيين – أو من يفترض أنهم صحفيون – لم يتعلموا أبسط قواعد الإملاء، وفي إضافة “أشار” و “أضاف” و”أكد” و”في سياق متصل” لتقارير عن وضع لا و لن يتغير، ثم أخيرا في ملء صفحات فارغة بملفات تحت دعوى أنها دور الصحافة الثقافي..

أفكر، لو كانت نرمين لا تزال في حياتي، لكانت قالت بصوتها النحيل المسرسع والمستفز “انت نجيب سرور بتاعك ده بوّظ لك دماغك..”

wpid-p1020500-2013-03-7-04-25.jpg

الصنعة بسيطة وسهلة. لن أكتب حرفا في هذا الملف؛ ربما أكتب مقدمة لا تزيد عن سطرين، بخلاف ذلك سأربط الحمار حيث يريد صاحبه. موضوع من ثلاثة أو أربعة مواضيع – حسب الاتفاق مع من سيقوم برسم الصفحة – كل منها من 500 لـ 600 كلمة. أحدها تقريري، بعض المعلومات من على الإنترنت يتم صبّها في صيغة صحفية، وهذا يمكن لأي شخص أن يكتبه وسأكتب له المقدمة والقفلة. موضوع ثان عن شعراء اصطدموا بالسلطة؛ أو اصطدموا بالسلطة والمجتمع، أو أصطدموا بالمجتمع فقط، أي شىء من هذا القبيل. سأنادي على أحد المحررين الشباب وأطرح عليه الفكرة ليقول فورا: أمل دنقل، محمود درويش، أحمد فؤاد نجم، مُظفر النواب. سيشعر أنه ذكي ومثقف وهو يردد تلك الأسماء، وأنا سأشعر بالإشفاق والحنين. غالبا سينسى نجيب سرور. سأذكره به وبشاعر آخر مجهول يدعى عبدالحميد الديب. سيفرح المحرر الصغير السن بالتكليف ويقضي طول اليوم يكتب في الخمسمائة كلمة ثم يبتهج بنزول اسمه على الموضوع عند نشره. ثم يضاف إليهما موضوع ثالث ما نتصل فيه ببعض أساتذة الجامعة وبعض النقاد نسألهم عن أي شىء ونتلقى أي إجابات ثم نربط الكلام ببعضه ونضع له مقدمة وخاتمة، وكان الله على كل شىء قديرا …

أين ذهبت بهجة الأيام القديمة؟ يقولون إن البهجة تزول وتحل محلها الحكمة، لكن أين هي الحكمة. يقول المغفور له عبدالحليم نقلا عن الأبنودي عليه السلام “أديكي عمري بحاله يا بوي واديني انت الفرحة يا عين”وأجدني أتساءل كلما سمعت تلك الأغنية: ما جدوى الفرحة إذا كان العمر قد انقضى …

هذا الملف سيقتلني غمّا قبل أن أنتهي منه!

وأعود لأذكر نفسي أنني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام، وأنه لا يصح لمن كان بصدد هذه المهمة الجليلة أن يترك مزاجه لتفسده تلك الأحداث التافهات.

wpid-p1020498-2013-03-7-04-25.jpg

اتصال تليفوني. صوت مهذب (يذكرني بصوت سكرتيرة الدكتور عبدالسلام محسن؛ والتي افترضنا أن اسمها بسنت)

- أستاذ طلال فيصل؟

وأعرف أن ترجمتي لكتاب “جنون المتاهة” صدرت وأنه بإمكاني الذهاب في أي وقت للحصول على العشرين نسخة الخاصة بي، والشيك لصرف مستحقاتي المالية.

يا فرج الله. هكذا يمكنني الذهاب للإسكندرية عدة أيام ألتقي فيها بالبحر، وبالأصدقاء القدامى، وبأقارب لم أرهم من زمن، ثم قبل كل ذلك وبعد كل ذلك، بالدكتور كمال الفوال، ثالث الثلاثة الذين أشرفوا على علاج نجيب سرور من الأطباء النفسيين، والذي أوصتني ساشا – وكذلك الدكتور جلال الساعي بزيارته.

آخذ نفسا عميقا تستعيد به الرئة هواء الإسكندرية النقي، والذي لن أستطيع الوصول إليه إلا عبر غبار أروقة هيئة الكتاب الكالحة.

وأجد في نفسي شيئا من الشجن، وأعود أذكّر نفسي أني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام!

wpid-p1020496-2013-03-7-04-25.jpg

في عام 1974 كتب نجيب سرور مسرحية نثرية ذات طابع ملحمي باسم “النجمة أم ديل” كان ذلك في فترة السنوات الثلاث التي قضاها في الاسكندرية – في مصحة المعمورة للطب النفسي – وبرعاية الدكتور كمال الفوال. عام 74 في حد ذاته مثير للتأمل؛ إنه العام الذي تبدأ فيه مرحلة المسخرة السياسية برعاية السادات الرئيس المؤمن (والتي تأبى أن تنتهي حتى الآن) وهو ذات العام الذي يعقب دخول “سرور” مصحة المعمورة، وهو هو نفس العام الذي تمّ تعيين نجيب سرور فيه مديرا للمسرح القومي (اسميا فقط، دون ممارسة اختصاصات حقيقية) وذلك كشكل من أشكال المساعدة؛ ليس حبا في سواد عيون نجيب سرور كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن عقب استغاثة زوجته السيدة ساشا بوزير الثقافة يوسف السباعي، والتي لم يسمح لها رجال مكتبه بالدخول إليه إلا لاعتقادهم أنها صحفية أجنبية جاءت لتجري حوارا معه! الرجل الطيب يوسف السباعي منحها كارت توصية لمحافظ الإسكندرية ليخصص لهم أحد شقق المحافظة ولكن تغيير المحافظ حال دون تحقيق هذا الحلم! المهم، في أحد مشاوير انتقال ساشا و شهدي – ابنه الأكبر – بين القاهرة والاسكندرية يستقلان تاكسي لاستلام مرتب نجيب من المسرح القومي – ولا داعي لتكرار أنه كان مبلغا هزيلا ليس له أي قيمة. تنزل ساشا من التاكسي ويتبعها شهدي. يغلق الباب بينما هي تحاسب السائق، يعطيها السائق الباقي وينطلق، ومع انطلاقته تدرك أنها نسيت فيه مخطوط مسرحية “النجمة أم ديل” المُعد للنشر …

وهكذا تكون قد ضاعت هذه المسرحية للأبد.

وأذكر أنني في لقائي بزوجته ساشا في مقهى ريش لم أسألها عن رد فعل الراحل نجيب سرور على ذلك؛ لم يسمح لي بكاؤها وهي تحكي تلك الحكاية بأن أسأل اي أسئلة من أي نوع.

wpid-p1020473-2013-03-7-04-25.jpg

في ذلك الزمان القديم، كنتُ لا أزال متزوجا من نرمين، أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أستعيد علاقتنا وأن أحافظ على ذلك الزواج. أتذكر أني قلت لها – وكانت تقشر البرتقال وهي تتفرج على مسلسل ما، لعله العائلة أو الجزء الخامس من ليالي الحلمية – إنني بدأت أقتنع أن ثمة مؤامرة فعلية كانت ضد هذا الرجل، وأن هذه المؤامرة لا تزال قائمة للآن. حكيت لها عن لقائي بسميحة أيوب – والتي كانت مديرة المسرح القومي ذلك الوقت ورفضها للكلام عن نجيب سرور بشكل واضح، واكتفائها بأنه “الله يرحمه عذب نفسه وعذب من حوله معه” ثم تعللها بمشاغل ما وانصرافها مسرعة. أتذكر أني توقعت أي رد فعل، اهتمام، سؤال، لا مبالاة، ربما حتى سخرية من اقتناعي بفكرة مثل أن هناك مؤامرة كونية ما لمحو نجيب سرور من التاريخ، لكني لم أتوقع أبدا أن يكون رد فعلها:

- هي سميحة أيوب لسة عايشة؟ شكلها ايه دلوقت؟

لا أجد تعليقا مناسبا. أجدني غاضبا بشكل غير مفهوم – حتى بالنسبة لي. أخرج للبلكونة لأدخن سيجارة – كنت قد عدتُ للتدخين، وكانت هي – بدورها – قد توقفت عن مطالبتي بعدم التدخين حرصا على صحتي، كما كانت تفعل قبل ذلك. غريبٌ هو أمر الذاكرة. كيف أتذكر بكل هذا الوضوح تلك الوقفة في البلكونة بعد كل تلك السنوات، أي الخواطر مرّ وقتها بالذهن، اي مشاعر انتقامية حمراء – تبدو الآن مضحكة وأنا أطلّ عليها من شرفة الزمان البعيد. لماذا تبدو الذاكرة دوما مثل المرأة صاحبة المزاج، تأتي بلا سبب وتغادر بلا سبب. لا أذكر توقيت الحوار إطلاقا، لكني أذكر الحوار نفسه بكل تفاصيله، وأذكر أن صوتها وهي تقشر البرتقال كان يستفزني، وأنّي أدرك الآن أن هذا ليس ذنبها…

أفكر أنها ربما في تلك اللحظة البعيدة كانت هي من يستحق الشفقة؛ وحيدة ضعيفة جالسة على الكنبة بمفردها، هل كان ذلك الحوار بيننا عقب فقدان الطفل أم قبلها؟ هل كانت بدأت تشكو من انشغالي عنها وأنّي لم “أعد أحبها مثل الأول”، قبل التعيين في الأهرام أم بعد، وهل كان ذلك قبل مشكلة أيتن أم بعدها؟

wpid-p1020341-2013-03-7-04-25.jpg

ماذا كنّا نقول؟ فُقدت مسرحية “النجمة أم ديل” للأبد. أمر سخيف؟ أليس كذلك؟ لكن الموقف بكامله يمكن أن يوضع تحت بند القضاء والقدر. السخيف حقا هو ما سيحدث لمسرحية “بابات قمرالدين محمد بن حنتيال في خيال الظل وظل الخيال” والتي نشرت في مجلة “مسرحنا” منذ عامين أو ثلاثة بشكل مختصر – ومُخلّ تماما. لم تنشر النسخة الكاملة لتلك المسرحية إلا في مجلة المسرح حين كان يرأس تحريرها صالح سعد. حاولت العثور على عدد المجلة الذي نشرت به تلك المسرحية – وبعد تيه وضياع لا يستهان به في أروقة هيئة الكتاب أصل لموظفة محجبة مسئولة عن المجلة. أستفسر عن العدد فتنادي على شخص ما بعصبية:

- عشان تعرفوا لما اقول لكم. الأرشيف اللي قلت مفتاحه يفضل معايا؛ أهو الناس بتسأل عن الأعداد القديمة، نعمل ايه دلوقت؟

يدور نقاش عبثي ما بينها وبين ذلك الشخص أدرك منه أنني لن أعثر على المجلة. أسأل يائسا:

- طيب هو رئيس التحرير وقتها كان صالح سعد، لو ممكن طريقة أوصل له بها؛ أكيد هو محتفظ بالأعداد.

لحظة صمت. تنظر المرأة المحجبة للشخص ما، ثم تجيب:

- صالح سعد مات في حريق بني سويف. الله يرحمه.

لا حول ولا قوة إلا بالله. كيف غابت عن بالي في تلك اللحظة تلك الحقيقة الموجعة، والموحية، والتي لا تخلو من دلالات بعيدة.

وأجدني أبتسم، وألقي عليها السلام مغادرا مبنى الهيئة إلى دار الكتب، لعل حظي هناك يكون أفضل حالا.

wpid-p1020941-2013-03-7-04-25.jpg

هل هو أينشتين الذي قال إن الغبي هو من يقوم بنفس الفعل في نفس الظروف وينتظر نتائج مختلفة؟ على كل حال، غبائي ليس في حاجة لشهادة السيد أينشتين. لم أعثر في دار الكتب إلا على كتاب واحد لـ نجيب سرور هو كتابه حادّ اللهجة – “هكذا تكلم جحا” أمّا باقي الكتب النقدية “حوار في المسرح” و “هموم في الأدب والفن” فلا أعثر عليهما هناك. يُظهر لي محرك البحث على جهاز دار الكتب العتيق أكثر من ست مرّات الدراسة الرديئة التي كتبها خيري شلبي عن نجيب سرور ومسرحه! رحم الله إلحاحه حيّا وميتا. ما علينا. أحاول مع قسم الدوريات في الدور الرابع – متوقعا أن يكون حظي هناك أفضل حالا – راجع تعريف الغباء. أحاول العثور على دراسته “تخطيطات في المسرح المصري” وهي من أوائل ما كتب نجيب سرور في النقد المسرحي؛ المفترض أن ملخصا وافيا نشره بنفسه في مجلة الآداب عام 1957. يأخذ مني الموظف رقم الدورية، اسمي، تاريخ العدد المطلوب ويغيب في سرداب مظلم. يخرج لي بعد ربع ساعة:

- للأسف يا افندم التركيبة عطلانة.

- بمعنى؟

- العلب التي تحفظ هذه الأعداد تلفت ولم تعد صالحة للاستخدام.

- يعني كل أعداد مجلة الآداب غير موجودة؟!

- لا، السنة التي طلبتها حضرتك فقط. الباقي سليم!

wpid-p1020087-2013-03-7-04-25.jpg

في حياة أخرى، سأجد كل حرف كتبه نجيب سرور، وسيكون هناك تسجيل لكل المسرحيات التي قام بتمثيلها أو تأليفها أو إخراجها. كل الكتب المفقودة، والمسرحيات التي ضاعت بفعل الإهمال، أو بفعل فاعل، كلها ستكون موجودة، وأنا، سأقرأ كل ذلك وأشاهده. سأشاهد كيف تعامل مع رواية “ميرامار” لـ نجيب محفوظ وقام بتحويلها لنص مسرحي، حقق نجاحا مدهشا وقتها – كأغلب أعماله المسرحية. سأشاهد مسرحيته “المصيدة” التي أعدها عن أحد أجزاء هاملت وقدمها على نطاق ضيق لطلبته في معهد الفنون المسرحية – وقال حماي السابق أنه شاهدها (وأغلب الظن عندي أنه يكذب) وطبعا، طبعا سأشاهد آخر دور لعبه على المسرح، قبل وفاته بشهور قليلة، دوره في مسرحية أوكازيون. الجميع يؤكدون أن أداءه في هذا الدور كان شيئا لا مثيل له، لن أنسى محسنة توفيق وهي تحكي لي، باكيةً، كيف كان يقوم بدور مشاهد مخمور يجد نفسه فجأة في مسرح ويبدأ يتعرف بالتدريج على المكان، ثم يكتشف؛ متذكرا، أنه فنان، أنه مؤلف ومخرج مسرحي فُرضت عليه البطالة أكثر من عشر سنوات. ثم يبدأ يناشد الفرقة الجوالة أن تأخذه معها وتعيده للمسرح أو تعيد المسرح إليه، ويصرخ مرتجلا: “رجعوني بيتي وبلاش الانتحار البطئ بالسبرتو ولا الانتحار السريع بسيانور البوتاسيوم اللي بيتباع في كل الأجزخانات. بلاش. خدوني معاكم بس بشرط. لا بيع ولا شرا ولا رشوة ولا دعارة ولا مزادات ولا أوكازيون”

في حياة أخرى لن يكون هناك هيئة كتاب ولا موظفات محجبات ولا مدير تحرير ولا تركيبة عطلانة و لا حريق بني سويف.

طلال فيصل

 

Best of #Hipstamatic-قصيدة: ما أطول الزراعي

ما أطول الزراعي

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

wpid-262961651832592421_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*


إلى مهاب نصر

كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛


بمنتهى الدماثة، كان سافلاً


وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط

ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.

كان أحقر من كلاب السكك


وهو يحبس “الشخرة” في حلقي


قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.


وعبر شبابيك غرف “مكمكمة” 
أضيق من أن تستوعب صراخك -


هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟ 
هل تعرفين معنى الالتحام؟ -


كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء


وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.

؎

يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.


لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.


وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء


قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات


من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.

ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!

؎


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -

ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل


سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته
”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛


شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر مهمهمين بروعته.

في اليوم التالي كان علي أن أسافر.


قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -


نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -

لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم


يحتاج “حنيّتي”،
وقفزت من أوسع نافذة في البيت

فاتحاً جناحي للتراب الساكن.

؎


لا يا مون، لم أقع؛

حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.

كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله


لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج

يتحسس المشهد نفسه براحتيه
ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد،

أو يصحو ميت ليخبرنا
بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،


كم نحن بحاجة إلى السباب.


وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

؎


جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛


الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

*نايف ومون شخصيتان في رواية “التماسيح” (دار الساقي، ٢٠١٢) للمؤلف

wpid-262904804408826453_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج:

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

؎

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في “رشدي”

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

؎

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في “الأظاريطة” لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

؎

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

؎

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

؎

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

؎

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

؎

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

؎

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

؎

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ “سيدي مجاهد” إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

(هذه القصيدة تزامنت مع رواية “التماسيح” وترجمة قصيدة “جينزبرج” المتضمنة في الرواية)

***

wpid-262960712576931862_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

قصيدة جديدة: ما أطول الزراعي

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري الهايواي مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

الأنبياء: قصيدة جديدة

wpid-243662334617721443_6860517-2012-07-26-23-36.png

“التوت”: تصوير يوسف رخا

.

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*



كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛

بمنتهى الدماثة، كان سافلاً

وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط


ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.

كان أحقر من كلاب السكك

وهو يحبس “الشخرة” في حلقي


قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.

وعبر شبابيك غرف “مكمكمة”

أضيق من أن تستوعب صراخك -

هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟

هل تعرفين معنى الالتحام؟ -

كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء

وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.


يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.


لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.


وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء


قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات

من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.


ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -


ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل

سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته


”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛


شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر


مهمهمين بروعته.


في اليوم التالي كان علي أن أسافر.

قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -

نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -


لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم

يحتاج “حنيّتي”،


وقفزت من أوسع نافذة في البيت


فاتحاً جناحي للتراب الساكن.


لا يا مون، لم أقع؛ حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.


كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله

لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج


يتحسس المشهد نفسه براحتيه


ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد، أو يصحو ميت ليخبرنا

بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،

كم نحن بحاجة إلى السباب.

وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛

الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

*نايف ومون شخصيتان في رواية التماسيح (قيد النشر عن دار الساقي) للمؤلف

الشعر غير الحر

ملحق النهار – السبت 11 حزيران 2011 – السنة 78 – العدد 24415

الشعر غير الحر في ذكرى دنقل / بقلم يوسف رخّا

هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

سيكون من قبيل الكليشيه المتواتر في خطاب الأدب المعاصر القول إن أشهر أعمال دنقل هي في الضرورة أسوأها: تلك “القصائد السياسية” التي، وإن التزم ظاهرها تعاليم تقضي بأن لا يتناغم الفن الرفيع مع “المباشرة” فتضمنت إشارات خاوية إلى التاريخ القديم والأساطير (حرب البسوس مثلاً)، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها دعاية للأحداث المزامنة لكتابتها. ولا غرو أن يشتبك الشعر مع الشأن العام بدرجة أو أخرى، في مساحة منه، إلا أن هذه القصائد تبدو كما لو أنها استبدلت حقائق الأدب المركبة بتصور ذرائعي عن الواقع – استبدلت الوعي الشعري بشيء يشبهه أو حقيقة الشعر بخرافة تجعل من الشعر دعاية سياسية وإن كانت “ثورية” أو هامشية – الأمر الذي يتفق إجمالاً مع نفعية الفكر العربي منذ عصر النهضة، وهي النفعية ذاتها التي ستسمح في ما بعد بالسعي إلى الثيوقراطية عبر صناديق الاقتراع في غياب شروط مبدئية للعملية الديموقراطية أو الدفاع عن النقاب بذريعة أنه ضمن حقوق “الحرية الشخصية” المفترضة ليس في الخلافة الإسلامية ولكن في الأنظمة الليبيرالية ذاتها التي يمثل رفضها دافع الدعوة إلى الخلافة.
لا شك في أن دنقل، مثله مثل محمود درويش، كصوت فريد في طليعة الشعر العربي زمن ذيوعه الأقرب، قادر على إنتاج خطاب مؤثر جمالياً؛ لكنه يمكن الذهاب، وباليقين ذاته، إلى أن جانباً من أعمال دنقل – كأعمال درويش – درج على تعهير الشعر لصالح السياسة. فإن “القصيدة السياسية” بوصفها شقاً أصيلاً من حركة الشعر الحر التي سادت الخطاب الشعري بلا منازع حتى تسعينات القرن الماضي، ساهمت في تكريس الاعتقاد الشائع بأن النشاط السياسي هو ساحة موازية للكتابة أو أن خطاباته البيداغوجية يمكن أن تتطابق مع خطابات الأدب. مع ذلك، فإن ما ينطبق جمالياً على قصيدة “لا تصالح”، ينطبق على أعمال أقل اشتباكاً مع الشأن العام مثل قصائد الحب المبكرة.
¶¶¶

يبدو السؤال الجذري، على عكس سؤال “أغراض” الكتابة، وثيق الصلة باختلال قواعد النهضة إثر حركات التحرر الوطني، في تصريفاتها “القومية” و”اليسارية”.
كان من شأن الرؤية التوفيقية السائدة منذ القرن التاسع عشر أن تقصر ما هو “شعر” على ما يتضمن امتداداً لعروض الخليل أو تنويعاً عليه، مكتفية بالمعيار التقني المتأكل ذاتياً أمام النموذج “الحديث” الذي كان طرحه المستعمر حتى قبل أن يتم استثمار ذلك النموذج على أي نطاق؛ وارتكنت تلك الرؤية فيما سوى التقني من اعتبارات – أسئلة المعنى والأسئلة الجمالية وأسئلة تراثية عن دور الشعر في مجتمع متجانس قسراً – إلى تصورات غير واقعية عن جذور الشعر الحر في تراث اللغة من ناحية وعن أهلية الشاعر لتغيير المجتمع من ناحية أخرى. هكذا انتهى الشعر – في معرض السعي النفعي، ومن ثم السطحي، إلى مزاوجة بين أفضل ما في الموروث “المحلي” وأفضل ما في الحداثة “المستوردة” – إلى خطاب، باطنه منزوع الصلة بالاثنين، وهو النموذج النهضوي السائد في شتى المجالات والسبب الأوقع لامتناع العرب عن المساهمة في إنتاج الحداثة عوض استهلاكها فحسب.
كان من تبعات تلك المزاوجة المؤلمة، أن تعتمد شرعية الشاعر كشاعر على التزامه الخطاب الشعري المشروع بوصفه خاضعاً لوصاية هامش أو متن استبدادي. فحتى في الشعر الحر غير المعني بالشأن العام (في أعمال صلاح عبد الصبور أو بدر شاكر السياب، مثلاً)، لا تدل الحركة في مجملها إلا على “أنصاف ثائرين” (بحسب عبارة يوسف إدريس) أقاموا نصباً أدبياً لمشروع وطني لم يتضح فشله بكامل جلائه حتى الشهور الأخيرة من 2010.
¶¶¶

بغض النظر عن كونه أثبت قدرة نسبية على حشد الجماهير، شأنه في ذلك شأن الخطاب الشعبوي ومن بعده الخطاب الإسلاموي، كان الشعر الحر جزءاً عضوياً من وعي خرافي هدفه ليس نهضة المواطن العربي ولا الوحدة العربية ولا دحض الرأسمالية العالمية ولا تحرير فلسطين، وإنما تعهير ذلك كله لصالح حكومات قادرة على إبادة شعوبها في الشوارع من أجل البقاء في الحكم.
¶¶¶

كان الشعر الحر جزءاً من وعي أنتجته نظم ومجتمعات تعسفية ستتعطل أدواتها بالكامل في مواجهة النظام العالمي الجديد، بما في ذلك الإسلام السياسي. على عكس ذلك الوعي الخرافي، فإن قصيدة النثر في مصر التسعينات، بوصفها رد فعل متطرفاً لتطورات حركة الشعر الحر ما بعد السادات، سواء حدث التطور من خلال النشاط السياسي أو استبدال “القصيدة السياسية” بقصيدة أدونيس المغرقة في استغلاقها وتعاليها على المجتمع، ساهمت في خلق وعي فردي وواقعي وحر في نفوره من الإيديولوجيا ومن ثم نجحت في ما أخفق فيه نجوم الستينات من أمثال دنقل ودرويش على طريق طرح نهضة محتملة ستكون أولى خطواتها التخلص من القمع وتبدية المواطن الفرد على مشروع مركزي لم يكن في مجمله سوى تكريس للواقع الاستعماري. لا مناص هنا من الإشارة إلى أن من أججوا الاحتجاجات التي أدت إلى تغيير لا يزال في مجمله رمزياً في تونس وفي مصر لم يكونوا من المثقفين التقليديين ولا المضطلعين بالنشاط السياسي.
لقد تجاوز الشعر العربي منذ السبعينات عثرات التفعيلة فعلاً ومجازاً، فأدرك أن المجتمع بتعريفه المبدئي كيان غير متجانس، وقبل بحتمية التاريخ في مقابل الحتمية التاريخية، كما كشف ضحالة الخطابات البيداغوجية بالمقارنة مع خطابات الأدب؛ وفي ذلك أثبت – بغض النظر عن ضعف الإقبال الجماهيري عليه – أن الحداثة الشعرية البديلة لمهاجرين من أمثال سركون بولص ووديع سعادة كانت، على رغم تفريطها في عروض الخليل، هي الأقرب إلى مشروع عربي نهضوي.
¶¶¶

لا يمكن وصف ما يجري في العالم العربي الآن بغير معركة الاستقلال الثاني التي ستناطح الهيمنة الأميركية بالضرورة، ليس من خلال الخطابات الحماسية للمقاومة، قومجية أكانت أم إسلاموية، إنما من خلال تعارض فعلي بين مصالح “الغرب” ما بعد الاستعماري ومصالح المواطن العربي وقد تخلص من وعيه الخرافي. ولا ضرورة في السياق الحالي لاستشراف احتمالات التصادم الناتج من ذلك، وآثاره، أو تحاشيه. يكفي القول إن الشعر لن يكون له أي دور.
في نص أشبه بالقصيدة السياسية تحت عنوان “أي ربيع عربي” للشاعر العراقي سعدي يوسف، أحد معلّمي الشعر الحر الباقين على قيد الحياة، ذهب الثوري العتيد إلى أن ما يحدث في العالم العربي الآن ليس سوى تمثيلية من تدبير واشنطن اعتمدت على آليات العصر الإلكتروني لخدمة أغراض استعمارية مناوئة للمقاومة. “قلب بطني” نص سعدي يوسف، لكنه بدا الأقرب إلى موقف الشعر الحر من الأحداث الحالية. ولم أستطع أن أمتنع عن التساؤل عما إذا كان دنقل سيوافقه الرأي.
المؤكد أنه لم يعد ممكناً غض النظر عن أن “الكعكة الحجرية” عائق على طريق الاستقلال الثاني أكثر منها تجلياً للثورة. ويوم نستقل، في ظني، لن نعود في حاجة لا للقضية ولا للزعيم حتى تراق دماؤنا وتكهرب أعضاؤنا التناسلية وبينما نمارس دعارات شتى من أجل نجاح منتهاه أن يمنحنا حق الوصاية، نصبح ممثلين خائبين في أفلام من نوع “رد قلبي”. يوم نستقل، لن يعود أحد يضطر إلى تمجيد لا صدام حسين ولا أسامة بن لادن… ولا حتى حسن نصر الله.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011