من آفات خبرة العمل الطويل في الصحافة أن كل تلك المسلسلات القديمة صارت محروقة بالنسبة لك؛ لم يعد هناك مجال للدهشة ولا مساحة للترقب. حين تحدّث معي مدير التحرير عن صفحة نجيب سرور أدركتُ فورا شكل الموقف الذي انتهى بهم لذلك الاقتراح؛ ثمة ملف ما – سياسي – لم يعد مناسبا للنشر، أو مقال رأي مُطول اعتذر عنه كاتبه أو أي موقف آخر من مواقف اللحظة الأخيرة في الصحافة تلك ترتّب عليه وجود صفحة خاوية على عروشها، وفورا، يتم استحضار اسم أحد الحمير الكتّيبة في الجريدة (عدة أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأغلبها معنا في الديسك) ثم يُطلب ملء فراغ هذه الصفحة بطريقة تختلف باختلاف الشخص: لو كان من رجال الشعر الأبيض – قدامى المحاربين كما أصبح يطلق علينا – فإما أن يطلبك رئيس التحرير ليناقش معك طريقة ملء هذه الصفحة ويعمل باقتراحاتك – هذا لو كنت من المقربين لسيادته، وإن لم تكن فيكون التعامل بالطريقة السالف ذكرها – تكليف صارم، واضح ومحدد، ولكن بصيغة مهذبة ومن خلال شخص تافه مثل مدير التحرير.
هكذا أنفقت عمري وبهجة أيامي في جرائد، قوميةً كانت أوحزبية أومُستقلة، في ضبط همزات الوصل والقطع لصحفيين – أو من يفترض أنهم صحفيون – لم يتعلموا أبسط قواعد الإملاء، وفي إضافة “أشار” و “أضاف” و”أكد” و”في سياق متصل” لتقارير عن وضع لا و لن يتغير، ثم أخيرا في ملء صفحات فارغة بملفات تحت دعوى أنها دور الصحافة الثقافي..
أفكر، لو كانت نرمين لا تزال في حياتي، لكانت قالت بصوتها النحيل المسرسع والمستفز “انت نجيب سرور بتاعك ده بوّظ لك دماغك..”

الصنعة بسيطة وسهلة. لن أكتب حرفا في هذا الملف؛ ربما أكتب مقدمة لا تزيد عن سطرين، بخلاف ذلك سأربط الحمار حيث يريد صاحبه. موضوع من ثلاثة أو أربعة مواضيع – حسب الاتفاق مع من سيقوم برسم الصفحة – كل منها من 500 لـ 600 كلمة. أحدها تقريري، بعض المعلومات من على الإنترنت يتم صبّها في صيغة صحفية، وهذا يمكن لأي شخص أن يكتبه وسأكتب له المقدمة والقفلة. موضوع ثان عن شعراء اصطدموا بالسلطة؛ أو اصطدموا بالسلطة والمجتمع، أو أصطدموا بالمجتمع فقط، أي شىء من هذا القبيل. سأنادي على أحد المحررين الشباب وأطرح عليه الفكرة ليقول فورا: أمل دنقل، محمود درويش، أحمد فؤاد نجم، مُظفر النواب. سيشعر أنه ذكي ومثقف وهو يردد تلك الأسماء، وأنا سأشعر بالإشفاق والحنين. غالبا سينسى نجيب سرور. سأذكره به وبشاعر آخر مجهول يدعى عبدالحميد الديب. سيفرح المحرر الصغير السن بالتكليف ويقضي طول اليوم يكتب في الخمسمائة كلمة ثم يبتهج بنزول اسمه على الموضوع عند نشره. ثم يضاف إليهما موضوع ثالث ما نتصل فيه ببعض أساتذة الجامعة وبعض النقاد نسألهم عن أي شىء ونتلقى أي إجابات ثم نربط الكلام ببعضه ونضع له مقدمة وخاتمة، وكان الله على كل شىء قديرا …
أين ذهبت بهجة الأيام القديمة؟ يقولون إن البهجة تزول وتحل محلها الحكمة، لكن أين هي الحكمة. يقول المغفور له عبدالحليم نقلا عن الأبنودي عليه السلام “أديكي عمري بحاله يا بوي واديني انت الفرحة يا عين”وأجدني أتساءل كلما سمعت تلك الأغنية: ما جدوى الفرحة إذا كان العمر قد انقضى …
هذا الملف سيقتلني غمّا قبل أن أنتهي منه!
وأعود لأذكر نفسي أنني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام، وأنه لا يصح لمن كان بصدد هذه المهمة الجليلة أن يترك مزاجه لتفسده تلك الأحداث التافهات.

اتصال تليفوني. صوت مهذب (يذكرني بصوت سكرتيرة الدكتور عبدالسلام محسن؛ والتي افترضنا أن اسمها بسنت)
- أستاذ طلال فيصل؟
وأعرف أن ترجمتي لكتاب “جنون المتاهة” صدرت وأنه بإمكاني الذهاب في أي وقت للحصول على العشرين نسخة الخاصة بي، والشيك لصرف مستحقاتي المالية.
يا فرج الله. هكذا يمكنني الذهاب للإسكندرية عدة أيام ألتقي فيها بالبحر، وبالأصدقاء القدامى، وبأقارب لم أرهم من زمن، ثم قبل كل ذلك وبعد كل ذلك، بالدكتور كمال الفوال، ثالث الثلاثة الذين أشرفوا على علاج نجيب سرور من الأطباء النفسيين، والذي أوصتني ساشا – وكذلك الدكتور جلال الساعي بزيارته.
آخذ نفسا عميقا تستعيد به الرئة هواء الإسكندرية النقي، والذي لن أستطيع الوصول إليه إلا عبر غبار أروقة هيئة الكتاب الكالحة.
وأجد في نفسي شيئا من الشجن، وأعود أذكّر نفسي أني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام!

في عام 1974 كتب نجيب سرور مسرحية نثرية ذات طابع ملحمي باسم “النجمة أم ديل” كان ذلك في فترة السنوات الثلاث التي قضاها في الاسكندرية – في مصحة المعمورة للطب النفسي – وبرعاية الدكتور كمال الفوال. عام 74 في حد ذاته مثير للتأمل؛ إنه العام الذي تبدأ فيه مرحلة المسخرة السياسية برعاية السادات الرئيس المؤمن (والتي تأبى أن تنتهي حتى الآن) وهو ذات العام الذي يعقب دخول “سرور” مصحة المعمورة، وهو هو نفس العام الذي تمّ تعيين نجيب سرور فيه مديرا للمسرح القومي (اسميا فقط، دون ممارسة اختصاصات حقيقية) وذلك كشكل من أشكال المساعدة؛ ليس حبا في سواد عيون نجيب سرور كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن عقب استغاثة زوجته السيدة ساشا بوزير الثقافة يوسف السباعي، والتي لم يسمح لها رجال مكتبه بالدخول إليه إلا لاعتقادهم أنها صحفية أجنبية جاءت لتجري حوارا معه! الرجل الطيب يوسف السباعي منحها كارت توصية لمحافظ الإسكندرية ليخصص لهم أحد شقق المحافظة ولكن تغيير المحافظ حال دون تحقيق هذا الحلم! المهم، في أحد مشاوير انتقال ساشا و شهدي – ابنه الأكبر – بين القاهرة والاسكندرية يستقلان تاكسي لاستلام مرتب نجيب من المسرح القومي – ولا داعي لتكرار أنه كان مبلغا هزيلا ليس له أي قيمة. تنزل ساشا من التاكسي ويتبعها شهدي. يغلق الباب بينما هي تحاسب السائق، يعطيها السائق الباقي وينطلق، ومع انطلاقته تدرك أنها نسيت فيه مخطوط مسرحية “النجمة أم ديل” المُعد للنشر …
وهكذا تكون قد ضاعت هذه المسرحية للأبد.
وأذكر أنني في لقائي بزوجته ساشا في مقهى ريش لم أسألها عن رد فعل الراحل نجيب سرور على ذلك؛ لم يسمح لي بكاؤها وهي تحكي تلك الحكاية بأن أسأل اي أسئلة من أي نوع.

في ذلك الزمان القديم، كنتُ لا أزال متزوجا من نرمين، أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أستعيد علاقتنا وأن أحافظ على ذلك الزواج. أتذكر أني قلت لها – وكانت تقشر البرتقال وهي تتفرج على مسلسل ما، لعله العائلة أو الجزء الخامس من ليالي الحلمية – إنني بدأت أقتنع أن ثمة مؤامرة فعلية كانت ضد هذا الرجل، وأن هذه المؤامرة لا تزال قائمة للآن. حكيت لها عن لقائي بسميحة أيوب – والتي كانت مديرة المسرح القومي ذلك الوقت ورفضها للكلام عن نجيب سرور بشكل واضح، واكتفائها بأنه “الله يرحمه عذب نفسه وعذب من حوله معه” ثم تعللها بمشاغل ما وانصرافها مسرعة. أتذكر أني توقعت أي رد فعل، اهتمام، سؤال، لا مبالاة، ربما حتى سخرية من اقتناعي بفكرة مثل أن هناك مؤامرة كونية ما لمحو نجيب سرور من التاريخ، لكني لم أتوقع أبدا أن يكون رد فعلها:
- هي سميحة أيوب لسة عايشة؟ شكلها ايه دلوقت؟
لا أجد تعليقا مناسبا. أجدني غاضبا بشكل غير مفهوم – حتى بالنسبة لي. أخرج للبلكونة لأدخن سيجارة – كنت قد عدتُ للتدخين، وكانت هي – بدورها – قد توقفت عن مطالبتي بعدم التدخين حرصا على صحتي، كما كانت تفعل قبل ذلك. غريبٌ هو أمر الذاكرة. كيف أتذكر بكل هذا الوضوح تلك الوقفة في البلكونة بعد كل تلك السنوات، أي الخواطر مرّ وقتها بالذهن، اي مشاعر انتقامية حمراء – تبدو الآن مضحكة وأنا أطلّ عليها من شرفة الزمان البعيد. لماذا تبدو الذاكرة دوما مثل المرأة صاحبة المزاج، تأتي بلا سبب وتغادر بلا سبب. لا أذكر توقيت الحوار إطلاقا، لكني أذكر الحوار نفسه بكل تفاصيله، وأذكر أن صوتها وهي تقشر البرتقال كان يستفزني، وأنّي أدرك الآن أن هذا ليس ذنبها…
أفكر أنها ربما في تلك اللحظة البعيدة كانت هي من يستحق الشفقة؛ وحيدة ضعيفة جالسة على الكنبة بمفردها، هل كان ذلك الحوار بيننا عقب فقدان الطفل أم قبلها؟ هل كانت بدأت تشكو من انشغالي عنها وأنّي لم “أعد أحبها مثل الأول”، قبل التعيين في الأهرام أم بعد، وهل كان ذلك قبل مشكلة أيتن أم بعدها؟

ماذا كنّا نقول؟ فُقدت مسرحية “النجمة أم ديل” للأبد. أمر سخيف؟ أليس كذلك؟ لكن الموقف بكامله يمكن أن يوضع تحت بند القضاء والقدر. السخيف حقا هو ما سيحدث لمسرحية “بابات قمرالدين محمد بن حنتيال في خيال الظل وظل الخيال” والتي نشرت في مجلة “مسرحنا” منذ عامين أو ثلاثة بشكل مختصر – ومُخلّ تماما. لم تنشر النسخة الكاملة لتلك المسرحية إلا في مجلة المسرح حين كان يرأس تحريرها صالح سعد. حاولت العثور على عدد المجلة الذي نشرت به تلك المسرحية – وبعد تيه وضياع لا يستهان به في أروقة هيئة الكتاب أصل لموظفة محجبة مسئولة عن المجلة. أستفسر عن العدد فتنادي على شخص ما بعصبية:
- عشان تعرفوا لما اقول لكم. الأرشيف اللي قلت مفتاحه يفضل معايا؛ أهو الناس بتسأل عن الأعداد القديمة، نعمل ايه دلوقت؟
يدور نقاش عبثي ما بينها وبين ذلك الشخص أدرك منه أنني لن أعثر على المجلة. أسأل يائسا:
- طيب هو رئيس التحرير وقتها كان صالح سعد، لو ممكن طريقة أوصل له بها؛ أكيد هو محتفظ بالأعداد.
لحظة صمت. تنظر المرأة المحجبة للشخص ما، ثم تجيب:
- صالح سعد مات في حريق بني سويف. الله يرحمه.
لا حول ولا قوة إلا بالله. كيف غابت عن بالي في تلك اللحظة تلك الحقيقة الموجعة، والموحية، والتي لا تخلو من دلالات بعيدة.
وأجدني أبتسم، وألقي عليها السلام مغادرا مبنى الهيئة إلى دار الكتب، لعل حظي هناك يكون أفضل حالا.

هل هو أينشتين الذي قال إن الغبي هو من يقوم بنفس الفعل في نفس الظروف وينتظر نتائج مختلفة؟ على كل حال، غبائي ليس في حاجة لشهادة السيد أينشتين. لم أعثر في دار الكتب إلا على كتاب واحد لـ نجيب سرور هو كتابه حادّ اللهجة – “هكذا تكلم جحا” أمّا باقي الكتب النقدية “حوار في المسرح” و “هموم في الأدب والفن” فلا أعثر عليهما هناك. يُظهر لي محرك البحث على جهاز دار الكتب العتيق أكثر من ست مرّات الدراسة الرديئة التي كتبها خيري شلبي عن نجيب سرور ومسرحه! رحم الله إلحاحه حيّا وميتا. ما علينا. أحاول مع قسم الدوريات في الدور الرابع – متوقعا أن يكون حظي هناك أفضل حالا – راجع تعريف الغباء. أحاول العثور على دراسته “تخطيطات في المسرح المصري” وهي من أوائل ما كتب نجيب سرور في النقد المسرحي؛ المفترض أن ملخصا وافيا نشره بنفسه في مجلة الآداب عام 1957. يأخذ مني الموظف رقم الدورية، اسمي، تاريخ العدد المطلوب ويغيب في سرداب مظلم. يخرج لي بعد ربع ساعة:
- للأسف يا افندم التركيبة عطلانة.
- بمعنى؟
- العلب التي تحفظ هذه الأعداد تلفت ولم تعد صالحة للاستخدام.
- يعني كل أعداد مجلة الآداب غير موجودة؟!
- لا، السنة التي طلبتها حضرتك فقط. الباقي سليم!

في حياة أخرى، سأجد كل حرف كتبه نجيب سرور، وسيكون هناك تسجيل لكل المسرحيات التي قام بتمثيلها أو تأليفها أو إخراجها. كل الكتب المفقودة، والمسرحيات التي ضاعت بفعل الإهمال، أو بفعل فاعل، كلها ستكون موجودة، وأنا، سأقرأ كل ذلك وأشاهده. سأشاهد كيف تعامل مع رواية “ميرامار” لـ نجيب محفوظ وقام بتحويلها لنص مسرحي، حقق نجاحا مدهشا وقتها – كأغلب أعماله المسرحية. سأشاهد مسرحيته “المصيدة” التي أعدها عن أحد أجزاء هاملت وقدمها على نطاق ضيق لطلبته في معهد الفنون المسرحية – وقال حماي السابق أنه شاهدها (وأغلب الظن عندي أنه يكذب) وطبعا، طبعا سأشاهد آخر دور لعبه على المسرح، قبل وفاته بشهور قليلة، دوره في مسرحية أوكازيون. الجميع يؤكدون أن أداءه في هذا الدور كان شيئا لا مثيل له، لن أنسى محسنة توفيق وهي تحكي لي، باكيةً، كيف كان يقوم بدور مشاهد مخمور يجد نفسه فجأة في مسرح ويبدأ يتعرف بالتدريج على المكان، ثم يكتشف؛ متذكرا، أنه فنان، أنه مؤلف ومخرج مسرحي فُرضت عليه البطالة أكثر من عشر سنوات. ثم يبدأ يناشد الفرقة الجوالة أن تأخذه معها وتعيده للمسرح أو تعيد المسرح إليه، ويصرخ مرتجلا: “رجعوني بيتي وبلاش الانتحار البطئ بالسبرتو ولا الانتحار السريع بسيانور البوتاسيوم اللي بيتباع في كل الأجزخانات. بلاش. خدوني معاكم بس بشرط. لا بيع ولا شرا ولا رشوة ولا دعارة ولا مزادات ولا أوكازيون”
في حياة أخرى لن يكون هناك هيئة كتاب ولا موظفات محجبات ولا مدير تحرير ولا تركيبة عطلانة و لا حريق بني سويف.
طلال فيصل






























