حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

أن تغادر المكان



فاصل من مقالي عن الجامعة في العدد الأخير من مجلة أمكنة

واحد = ثلاثة

ممكن أن أخبرك مثلاً أن سنوات الجامعة بالنسبة لي هي أيضاً سنوات تحقق حلم الذهاب إلى المكان الثاني، إلى إنجلترا. لا أتذكر بوضوح متى تكوّن في رأسي مفهوم مكان ثانٍ بمعنى المهرب أو البوابة، غير أن علاقاتي توطدت ببعض مدرسي البريطانيين في المرحلة الثانوية ولابد أن نظرتي لنفسي تغيرت في حضورهم ومن خلال رحلات سابقة إلى أوروبا ومعرفة جيدة بالإنجليزية. منذ عمر السادسة عشر، وربما قبل ذلك، كنت كارهاً لأشياء كثيرة؛ وكانت الأشياء التي أكرهها تجتمع في مكان يمكنك أن تسميه، تجاوزاً، مصر. لعل أول تجليات المكان الثاني، إذن، أنه ليس مصر. اليوم بينما أجد نفسي حائراً في تحديد الأشياء الطاردة التي كانت تجسد مصر أو تُطابِقُها، أو أجدها أعقد وأوسع من أن تُذكر أو يُدلَّل عليها ببساطة، يظل للمكان الثاني في رأسي مواصفات أدق جعلته مرغوباً لذاته وليس فقط لأنه خال من هذه الأشياء. من ضمن تلك المواصفات مثلاً أن المُعلّم هناك يصطحب تلميذه إلى الباب ليشاركه البيرة بعد انقضاء المحاضرة بدلاً من أن يمارس عليه عقده النفسية، أن الشرطي لا يملك على الشخص الماشي في الشارع حق الاحتجاز والإهانة، أن سهرة ختامها الاختلاء بفتاة هي نشاط مشروع لا ضرورة لمداراته أو الانتباه إلى أنه محظور، أن الكتب والعروض والأفلام التي يمكن أن تقرأها وتحضرها وتشاهدها أوفر وأحسن، أو أن حواراً طويلاً وعميقاً بين أكثر من ثلاثة أشخاص يمكن أن يبدأ وينتهي كله دون أن يأتي على ذكر الدين. عندك هنا خمسة نماذج على ما يرغّب واحداً بلغ منتصف عقده الثاني من الحياة في المغادرة. بحساب ما، كانت هذه النماذج الخمسة أكثر أهمية من مواصفات أخرى كالنظام والنظافة واستقلالية الفرد والتطور التكنولوجي، وأظنها – النماذج –  تعطي انطباعاً أصدق عن أسباب سخطي على المكان الأول. لكنها مهما بيّنت من نقائص، ستظل أبعد بكثير من أن تنقل لك إلى أي حد كان الشخص الذي يكبر في مكان يحتقره موهوماً بجدوى الانتقال إلى مكان أرقى، أو كم كان يحمل ذلك المكان الأرقى له من وعد. كنت بإصراري على المغادرة كأنني أتبرّأ من نفسي، النفس المحبوسة في الأشياء التي أرفضها، المحكومة بإعادة إنتاج الرفض سواء أدركت ذلك أو لا. وكانت المفارقة أن مبرر المغادرة – ضرورة الحصول على شهادة جامعية وكون المستقبل كله رهن هذه الشهادة – هو نفسه شرط من شروط المكان الأول، تماماً مثل المعلم الذي يتعالى على تلميذه والشرطي الذي يقطّع (بطاقة) مواطن سيستجوبه بلا وجه حق، ومثل التعاليم والفرائض المقحمة على كل حديث مهما كان موضوعه: شروط مصر. طبعاً كان يمكن أن أكمل تعليمي في كلية السياسة والاقتصاد التي دخلتها بسهولة بعد إتمام الدراسة الثانوية على المنهج البريطاني في مدرسة (أجنبية) ألحقني أهلي بها ليوفرا أفضل تعليم ممكن لابنهما الوحيد؛ كانت نتائجي في الآي-جي-إس-إي تعادل أعلى مجموع محتمل. بشكل ساذج ومدلل، مع ذلك، كنت واثقاً من أنني سأصبح كاتباً. ولا أعرف ماذا كان يدور في رأسي عن احتمالات الكتابة كمهنة علماً بأن الناس وقتها كانوا ما يزالون يمجدون أشياء كالطب والهندسة دون وعي بانحدار مستوى التعليم في هذه التخصصات ولا البطالة التي تنتظر خريجيها. ولم يكن يخطر لأحد أن الكتابة يمكن أن تكون أكثر من هوى أو هواية. أبواي، عن نفسيهما، كانا متفهمين. وعندما قررت أن أستبعد الكليات العلمية مبكراً، طمأنا نفسيهما بأنني فضلاً عن إجادة الإنجليزية ستكون معي شهادة محترمة في مجال أحبه. قيل في ذلك الوقت إن السياسة والاقتصاد تقدم تعليماً رفيع المستوى في الآداب، لكن بعد الخبرة بنظام تعليم يشجع على المبادرة ومدرسين يعاملون النجباء من طلابهم كأنداد أو أصدقاء، لعله كان طبيعياً أن أُحبط في مناهج جامعة القاهرة وأسلوب التلقين المتبع في تدريسها وبالذات أداء أساتذتها الذي لا يختلف جوهرياً عن أداء (أبلة) الحضانة أو (فقي) الكتاب. كان الموضوع من أوله إلى آخره في (الملازم) التي يؤلفها (الدكتور) ويبيعها بطريق غير مباشر: لا كتب ولا مناقشات، لا بحث ولا كتابة. فقط استذكار ببغائي لمحتوى هذه الملازم، ومتى أمكن أيضاً تملق وتمسح في مؤلفها بهدف النجاح في الامتحانات – وهي مهارات كان يجيدها الطلبة الآتون من الأرياف أكثر من غيرهم – لأن نتيجة الامتحانات تعتمد ليس على معرفة الطالب بالمادة أو اجتهاده في مطالعة المراجع وإنما على مزاج الدكتور الذي يدرس له. وكان الدكاترة إجمالاً يقلقون من أي بادرة اهتمام بموادهم خارج حدود الملازم. وكأنك لو قرأت كتاباً، خاصة لو كان إنجليزياً، ستفضح جهلهم وخيابتهم؛ وكأن أي سعي إلى المعرفة لا يحدث من خلالهم شخصياً هو بالضرورة انقلاب فوضوي على نظام حكمهم العتيد. هكذا كانوا فعلاً، أو هكذا أتذكرهم: رجالاً صغاراً خائفين ضيقي الصدر والأفق، مقطوعين لسلطتهم التي بدت لي غير مستحقة. لحد الآن وأنا أتكلم هكذا مجرد كلام، لا تزال في حلقي مرارة القهر والقرف من أستاذين أو ثلاثة كنت احتككت بهم بشكل سطحي قبل أن أكف عن حضور المحاضرات و(السكاشن)، وصدمت في استخفافهم المجاني بأي كلام جاد يمكن أن يقوله طالب سنة أولى عن أي شيء. حالة الانتفاخ التي كانوا يظهرون عليها، كأنهم قبل دخول المدرج يحقنون أصداغهم بالنشاء، تشعرني بأنهم ليسوا معلمين بل ممثلين درجة ثالثة جيء بهم ليمثلوا هذا الدور، وبأنني أنا الآخر علي أن لا أكون طالب علم بل ممثلاً في دور طفل جاهل ومستهتر لا يمكن أن يشفع له سوى الرياء أو وساطة (حد كبير). ذات لحظة بدا لي أن البقاء يعني نهاية العالم، أو أن العالم الحقيقي ليس هنا ولكن في إنجلترا أو أمريكا، هناك. وظللت أسعى بلا جدوى لتدبير منحة أو تنسيق (معونة مالية) حتى أتمكن من السفر دون أن أجهد أبوي. أعتقد، بعد كل هذه السنين، أن ما كنت أبحث عنه هو مكان يمكنني أن أعبّر فيه عن نفسي، بمعنى أن أعيش قناعاتي بشكل يشعرني بالامتلاء. وكانت ضرورة الحصول على تعليم جامعي كهدف مرحلي للحياة كلها في مركز هذه القناعات. ومع كل هذا، ما إن تحقق حلم المكان الثاني حتى خفّت حدة احتياجي للتعبير عن النفس، شيئاً فشيئاً. في السياق الجديد أصبحت أهمية القناعات التي كنت أريد أن أعيش بها أقل فأقل، حتى بدت قناعاتي كلها بلا أهمية على الإطلاق. وحدث هذا بشكل أشعرني، بالتدريج، أن نهاية العالم قد لا تختلف جذرياً عن استمراره. يعني هنا، باختصار، ليس أعظم كل هذه العظمة من هناك. في مصر كان عندي ما أعبر عنه وربما من أعبّر له أيضاً، لكن السعر بدا أعلى من قدرتي الشرائية؛ ولعل التربية على قيم الطبقة المتوسطة هي التي صبغت الحياة بألوان الحذر والترقب. لكي أعيش قناعاتي المعرفية، مبدأياً، كان لابد من تهميش الدراسة الجامعية بالكامل وقضاء ربما عشر سنوات بدل الأربع المقررة لتأمين الشهادة. كما شغلني كيف سأعيش خلال هذه الفترة. أن تفطر في رمضان أو تنام مع امرأة لم تتزوجها: حتى في ذلك العمر، بدا الحصول على هذه الحقوق أخطر من أن تستقيم معه الحياة. أما مناخ جامعي يوفر الحد الأدنى من احترام العقل ومكافأة التفوق، فلم يكن مطروحاً من الأساس. في منتصف التسعينات كان البديل الوحيد عن جامعات الدولة المتفق على ضعف مستواها هو الجامعة الأمريكية في القاهرة. وفضلاً عن أنني كنت واعياً بانخفاض ترتيبها على مقياس الجودة التي تقرره المؤسسة التعليمية الأمريكية، غير مطمئن لاختلافها عن جامعة القاهرة ونافراً من التفرنج السطحي والثراء غير المسئول عند غالبية الملتحقين بها ممن أعرفهم – إلى اليوم تصيبني كلمة “إيوسييان” بالغثيان – لم تكن تكلفتها تقل عملياً عن تكلفة التعليم في أي “يونيفرسيتي كوليج” في إنجلترا أو أي جامعة محترمة في أمريكا. أعتقد أنني بالضغط على أبوي حتى ينفقا كل قرش معهما على دراستي في جامعة هل في شمال شرق إنجلترا، بالفعل وجدت المكان الذي كنت أبحث عنه، مكاناً للتعبير والقناعات. وإلى اليوم لا يراودني شك في أن معضلة التعليم الجامعي لم يكن ليحلها إلا السفر. تراودني الشكوك حول كاختيار – كنت قُبلت كذلك في جامعة بريستول ، لكن تكلفة الحياة في هل أهون قليلاً – وكثيراً ما أتساءل أيضاً إن كانت إنجلترا هي النموذج الأمثل للدنيا الحلوة التي أردت أن أهرب إليها. أتساءل وأتساءل وأتساءل عن جدوى الهرب نفسه، طبعاً. لكن لا أشك لحظة في أن السفر هو الذي جعل للتعليم الجامعي في حياتي معنى، ونجّاني من أمراض اجتماعية و(ثقافية) ما كانت مناعتي التي أضعفتها المدرسة الأجنبية ستتحملها في هذه السنين. المشكلة أنني حين أصبحت في المكان الثاني، كما سبق، فوجئت من فوري بأنني لم يعد عندي ما أعبر عنه أو من أعبر له ويفهم أو يهتم. وكانت صدمة هذا الاكتشاف من القوة بحيث تدخلت في نظرتي لكل شيء لاحق عليها، في ذكريات المكان الأول وتقييم المكان الثاني وطريقة التعامل مع المكان الثالث الذي عدت إليه فور حصولي على بكالوريوس الآداب في الفلسفة والأدب الإنجليزي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف وثلاث جوائز والكثير من الثناء. لأنني حين عدت بعد ثلاث سنين تخللتها إجازات كثيرة، كان طبيعياً أن لا أعود إلى المكان الأول وإنما إلى مكان ثالث لعلني كنت أتصالح معه تدريجياً دون أن أعلن لنفسي عن هذه المصالحة. المكان الثالث – هو الآخر مصر – أصبح اليوم أشبه بالبيت الذي وإن لم تحبه كله تشعر بألفة حقيقية معه وتكون مستعداً للتعود على بلائه، بشكل ما. الآن دون أن أتعمد الاستعادة وأجتهد في ذلك – وهو المهم – لا أكاد أتذكر شيئاً من أهم ثلاث سنين في حياتي. أتذكر ملامح المكان الأول بوضوح تام، كما أستطيع أن أسرد – بالتوازي مع مسار حياتي كشخص حاصل على شهادة جامعية – كل ملامح تطور المكان الثالث ومشاويري عبره منذ 1998، سنة عودتي. أما المكان الثاني الذي وهمت به قبل أن أذهب إليه وزال عني وهمه أثناء وجودي فيه، فلا أكاد أحتفظ لصوته بأي صدى. دون أن أجتهد في الاستعادة لا أكاد أتذكر شيئاً، بالفعل. لكن ربما الأدق أنني أتذكر أكثر بكثير من أن أميز ما يجب أن أتذكره لأتكلم عنه، أو أي وزن يجب أن أعطيه لأي ذكرى في الكلام. أصداء صوت المكان الثاني من هذه الناحية متضاربة وبطيئة، فضلاً عن أن الزمن جعلها مكتومة مثل صوت الطبلة حين تُسد فتحتها بالقماش. ولولا الارتباط الشَرطي بين كوني هناك وكوني أحصّل العلم – الأمر الذي أثقلني على ما أظن، حيث كان هاجس التفوق حاضراً ومختلطاً بالذنب تجاه أهلي حيال ما قررا أن يستثمراه في مشروع ربما لا يأتي عليهما في النهاية بالربح المرجو – لولا هذا الارتباط الشرطي، أقول، ما كانت اقترنت ذكرياتي عن إنجلترا بالدراسة الجامعية أساساً، الأمر الذي كان ليجعل أيام الجامعة ثقباً أسود في فضاء وعيي المبطن بهذه الذكريات. على سيرة الجامعة مع أصدقاء من عمري وأكبر أو أصغر قليلاً، مازلت أشعر أن تلك المرحلة حاضرة في عقولهم أكثر بكثير مما يمكن أن تحضر عندي، أن الحياة التي يعيشونها اليوم وأعيشها معهم وإن كانت نقطة انطلاقي لاحقة على نقاط انطلاقهم هي الامتداد المباشر لخبرتهم بالجامعة: مسافة قطعوها في علاقتهم بمكان واحد ربما غادروه أو عادوا إليه ولكن دون أن تحوله أي رحلة من رحلاتهم إلى مكانين. بالنسبة لي، على العكس، الجامعة خانة خاوية وحدها، أو على أحسن الفروض مشهد من فيلم آخر غير الفيلم الذي أعيشه مع هؤلاء الأصدقاء. محزن بعض الشيء أن أكتشف ذلك الآن، محزن ومحير، لأن الفصلة بيني وبين أصدقائي لا تقتصر على أن خبرة دراستي الجامعية نفسها مختلفة عن خبرتهم: أيام الجامعة في حياتي، بأكثر من معنى هنا، مشوار مبتور. واليوم حيث لا علاقة باقية بين مصر ما قبل ومصر ما بعد إنجلترا، لا تبدو الجامعة أكثر من جب يفصل مكانين دونما يتصل بأيهما بشكل كامل. وكأن ذهابي إلى إنجلترا جعل من الواحد ثلاثة على غرار سر الثالوث في العقيدة المسيحية: خط الذاكرة الأقرب لا يمتد إلى ما قبل عودتي من أصله، ولهذا كثيراً ما أحس كأن وجودي في إنجلترا هو فاصل شارد من ذاكرة شخص غيري وجد طريقه إلى رأسي بالغلط. الغريب – في الحقيقة هذا هو ما أردت أن أتكلم عنه من البداية – هو أن ذلك الشخص الآخر، كاره مصر الظافر بمغادرتها، يبدو بكل تفصيلة من تفاصيل حياته مغلوباً على أمره في المكان الذي غادر إليه. كأنه طوال إقامته في إنجلترا لا يريد أن يكون هناك. عقاب من يصر على مغادرة المكان: في مدينة فقيرة تغرقها رائحة كيميائية على ساحل بحر الشمال، مدينة هي نموذج حي للوضع ما بعد الصناعي… وبالرغم من أن فيها جامعة تحقق له كل تطلعاته، أن يتغلب الملل والقلق على الإنسان


سر المكان

معنى أن تغادر…

موضوع قد يستغرق الأبد.

أن تغادر المكان الذي ألفتَ زواياه كأنها في

خبايا فكرك انعطافات الحلم الذي لا يلوي على شيء –

المكان الذي سره أبداً لم يُستكشف، لأنه صار أليفاً وأنت

لن تقبل إلا بما لا تعرفه، قابلاً لما تعرف لكن عارفاً أن هناك

شيئاً خبيئاً وراء بابك، شيئاً لن تطاله الأضواء التي

لن تعرف سرها ولن تراها…

أن تغادر المكان الذي يلتف سره بالأحاجي

لأنه صار أليفاً، والأليف حين يُستكشف يُطرح جانباً في العادة؛

قد يحدث هذا، ذات يوم، عندما تركب قطاراً

إلى الريف أو المنفى:

أن تجد كل طريق، كل حقل، كل بيت

مغتسلاً برونق بهاء ليس سوى بعضاً من ترنّقه

في مرآة الترف: اللون، والشكل، زوايا التظليل، إطار المتعة

الباذخة في العين – حصان يرعى في المخيلة.

جسر يتجسد فوق ضفتين، ما وراء النظر

لكنك ترى في غفلة

ظله العابر.

وإذ تعبر بالبركة (في أية قرية!)

وتحجز في نظرتك الماء الساكن، وباحات البيوت

والقارب المقيّد بالحبل

إلى رصيف المرفأ، وتفكر، ولا تدري أنك فكرت إلا فيما بعد:

«كم ساكن هذا الظل وأسود في الماء»

فإنك تدرك، في الحال، أن المرأة الملفعة بعباءة

سوداء في الحديقة، تبكي لأن أحدهم أجبرها

على أن تقبل بالحقيقة.

ولستَ متأكداً إن كان هذا جزءً من الحلم، أو شهادة

سمعت تفاصيلها ذات مرة

لكنك تدري أن ما جاهدتَ أن تدريه في تلك اللحظة

شيء يمكن لك الآن، في عمرك هذا، أن تعرفه أكثر

لأن الخليقة وضعتك في هذا الموضع بالذات

حيث ترى، وتمتلك الرؤية.

إنك آنذاك، حين يتقمصك الوضوح، وتكون في

حال من فرط انجلائها، أنك لا تفكر حتى بأن تفكر:

آنذاك قد يحدث أن تحدس السر الذي لم تستكشف طواياه

في المكان الذي غادرته، ذلك الشيء الخبيء ما وراء أستار وأبواب

ذلك الشيء الذي لن تطاله الأنوار التي رأيتها في منامك.

تلك التي لم ترها سوى في منامك.

(نص قصيدة سركون بولص من «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، دار الجمل 2008)

سر الإحباط

فيما يخص المغادرة عندي صياغتان إضافيتان لمفهوم الإحباط الكاسر الذي ينتج عن زوال الوهم

ورغم أنهما في الأصل ضمن تعليقات ساخرة تتردد عن المدينة التي كنت أسكنها

أجدهما بليغتين جداً

Hull = Hell                                            Hull is dull

علماً بأن الإحباط المقصود هو ذلك الذي تعبر عنه كلمة

disillusion

Enhanced by Zemanta

حوار محمد شعير في الأخبار البيروتية

يوسف رخا: الحياة في خدمة الأدب

تصالح متأخّراً مع التراث ويكتب خارج هاجس السلطة


لعلّ «الذاتية» هي كلمة السرّ لولوج عالم هذا الكاتب الذي ينتمي إلى حساسيّة خاصة في الأدب المصري الراهن… كتابه الجديد يجمع بين النثر والشعر، والمفاجأة المقبلة باكورة روائيّة بعنوان «الطغري»

القاهرة ــــ محمد شعير
خمسة كتب لا يسهل تصنيفها: بين رواية وشعر وأدب رحلات وتصوير فوتوغرافي. هكذا يبدو يوسف رخا (1976) «خارجاً على دولة الأدب» على حدّ تعبير القاصّ هيثم الورداني. يفرح رخا بالتوصيف: «فيه بلاغة. لأنّ الأدب بالفعل تحوّل إلى دولة أو مؤسسة فيها كل الملامح القمعية». يحاول صاحب «أزهار الشمس» كسر حالة التخصّص في الكتابة. «لا أجد فرقاً بين القصة والشعر. حتى حين أكتب للصحافة. المهم أن يكون لديك شيء تقوله. أن تجد إيقاعاً مناسباً للكتابة وتترك فراغات يملأها القارئ». بدأ رخا الكتابة بمجموعة قصصية هي «أزهار الشمس» (1999). ثم توقف خمس سنوات، كان يكتب خلالها نصوصاً بالإنكليزية، قبل أن يعود ليكتب «بيروت شي محل» (كتاب أمكنة ـــــ 2005)، و«بورقيبة على مضض» (رياض الريس ـــــ 2008)، ثم «شمال القاهرة غرب الفيليبين» (الريس ـــــ 2009). تنتمي الكتب الثلاثة إلى أدب الرحلة. وأخيراً، أصدر رخا نصوصاً نثرية وشعرية في«كل أماكننا» الذي صدر منذ أيام (دار العين ـــــ القاهرة). لكن لماذا كانت فترة الكتابة بالإنكليزية؟ يجيب: «بعدما صدرت «أزهار الشمس». كنتُ أشعر بأنّ هناك كتّاباً أكثر مما ينبغي في الثقافة العربية». في تلك الفترة، سافر إلى بيروت لكتابة نصّ لمجلة «أمكنة»، فإذا به يكتب نصاً ليس قصة أو قصيدة أو رواية، بل ينفتح على كل ذلك، ويستفيد أيضاً من منهجية الصحافة. نص بيروت أراد من خلاله رخا فهم الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما قام به قبلاً صنع الله إبراهيم في روايته «بيروت بيروت»، فما الفرق بين العملين؟ يجيب رخا: «لم أفهم نص صنع الله. كان دافعي للكتابة أن أفهم حكاية الحرب. لكن في نصه المكتوب كرواية، كان لدى صنع الله قناعة بأنه يؤدي دوراً سياسياً. والوظيفة السياسية والاجتماعية للأدب، ليست في ذهني تماماً». يوضح: «عند صنع الله، الشكل محدد قبل الكتابة. وهو يستخدم الشكل للوصول إلى الهدف. أما أنا، فهدفي بسيط، هو مجرد الفهم، بعد ذلك، تأتي التقنية. أنا أوظف الحياة لصالح الأدب، بينما هو يوظف الأدب لصالح أشياء أخرى». لكن هل يمكن الكتابة أن تفارق السياسة؟ يجيب «الدور السياسي الحقيقي للكاتب هو تجنّب أن يكون سلطة».
لكن هل يعدّ ما كتبه ينتمي إلى أدب الرحلة؟ يجيب: «الروائي إبراهيم فرغلي كتب مقالاً عن كتابي «شمال القاهرة غرب الفيليبين» وصف فيه رحلاتي بأنّها «سياحة روحية» في المدن. وهذا التصور هو نقيض لما أعنيه. ليس لديّ ادعاءات كبيرة. لكن أدب الرحلة على تعدد أشكاله، مثل ابن بطوطة، أو الأميركي بول ثيرو، مختلف عن النصوص التي أكتبها، وإن تقاطع معها في بعض الأشياء». يضيف «أعتقد أنّ أهم شيء هو «الذاتية». عندما كتبت عن الإمارات، لم أكتب سيرة لي أو للمدينة، بل كتبت عن إماراتي. الأهم هو النظر إلى الأشياء بعمق لا الاكتفاء بالسطح». كتابه «شمال القاهرة غرب الفيليبين» يختلف عن كتابيه السابقين عن بيروت وتونس. لا نقع فيه على ذلك التشظّي، أو على العناوين المكررة، كما في النصين السابقين. لذا يمكن اعتبار الكتاب نصاً انتقالياً، قاده إلى الرواية التي يعمل عليها الآن بعنوان «الطغري»، وهي أيضاً رحلة في القاهرة «واستحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001، وتأملات في انحدار الحضارة الإسلامية».
يُشغل رخا في روايته الأولى بموضوع الهوية، ويستخدم فيها لغة تراثية من كتب الثرات العربي مثل «بدائع الزهور» ونصوص الجبرتي… عن تلك المقاربة يقول: «علاقتي بالتراث ليست أصيلة، جاءت بعد بحث وعناء ومحبة. الكارثة الحقيقية أنّ الديماغوجيّة القومية نجحت في جعلنا نكره كل ما هو جميل في تراثنا». ويضيف: «موضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي. أعتقد أنّه سيكون موجوداً في كلّ كتاباتي. فأنت في بلد فقير، وثقافة استهلاكية، ومناخ لم ينتج فكراً ولا فلسفة على مدى مئات السنوات، ولديك تطلّع إلى العالم الأقوى والأعلم. لا بد من أن تطرح سؤالَ ماذا

روايته المقبلة رحلة خياليّة في القاهرة، وتأمّلات في انحدار الحضارة الإسلامية

لديك لتقوله للإنسانية؟». ويقارن الكاتب المصري بين عمارات القاهرة الحديثة وعمارتها في العصور السابقة: «في شارع ممتد مثل فيصل، لا يمكن أن تقف أمام مبنى واحد وتقول إنه جميل، على عكس عمارة العصور السابقة». الهوية ليست أزمة بالنسبة إليه، هي مجرد موضوع يفرض نفسه وليست شرطاً تاريخياً… أزمته الحقيقية يراها في «الفكر القومي عموماً».
لكن لماذا لم يكن الغرب حاضراً بقوة في كتاباته، هو الذي قضى سنوات طويلة في لندن؟ يجيب: «ذهبت إلى إنكلترا حين كنتُ في الـ17من العمر. كنت أكره كل شيء هنا: العروبة ومصر والدين. لكن هناك حدثت صدمة حضارية بالمعنى المعكوس. كنت أتوقع أن أجد درجة عالية من التحضّر والحرية. لكن لم أجد ذلك، بينما فقدت أشياء بسيطة كنت أجدها هنا مثل الود والمشاعر». هل حدثت المصالحة مع الشرق بعد عودته؟ «حدثت بشكل طبيعي وليس بناءً على قرار مسبّق».


«أقرب إلى ميكانيكي»!ضحك يوسف رخا حين قالت له الصحافية منى أنيس لدى نشر صورته في إحدى الجرائد: «تبدو في الصورة أقرب إلى ميكانيكي منك إلى أديب». لم يغضب من التشبيه: «أحاول أن أتجنّب أفكار الجماعة عن شكل الأدباء». لذا، يرفض ما قاله القاصّ محمد المخزنجي بأن الأديب يجب أن يكون محترماً. يوضح: «أهمّ أدب لم ينتجه كتّاب يجلسون على مكاتب. وأعتقد أنّ أهم أديب عربي في القرن العشرين هو المغربي محمد شكري، الذي كان متشرّداً. وجزء من أهمية ما كتبه أنّه كشف ذلك في كتابته. ويستهويني أيضاً جان جينيه». ويوضح: «أنا لستُ كذلك، لكن هذا نموذج يختلف تماماً عن الأديب الذي يصبح وزير ثقافة لاحقاً. من الطبيعي أن يكون لدى الكاتب الجرأة على المغامرة بروحه، وعيش تجارب لا يمكن الآخرين أن يعبّروا عنها مثله إذا عاشوها».

عدد الثلاثاء ٩ شباط ٢٠١٠ 

Reblog this post [with Zemanta]