
ما تتضمنه الخواطر التالية هو رد ضمني على صديق أو اثنين، هذا لا يعني أنني أوجهه لهما تحديدا. بل لأن الواحد حين يكتب الآن لا يعرف من يخاطب، وهذا مربك جدا، مربك لدرجة أن الواحد يقف في منتصف غرفته موجها سبابته هنا وهنا، وكأنه يكلم أشباحا، وحين يضع رأسه لينام تفلت منه كلمة، هي جزء من حوار لم يحدث.
وضعت سؤالا من قبل “هل تكون الثورة ضد الشعب؟” وكان يجب أن استكمل الفكرة، لكنني لم أفعل. الآن أريد متابعة الكلام لكن دون التقيد بالعنوان السابق. رغم أنني كنت أعنيه حقا، أي أن ثورة تقوم الآن، ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، لابد أن تكون ضد الشعب. ولذلك لا مفاجأة إطلاقا في كون من يمثلونها أقلية، بل إنه مما يدعو للشك ألا يكون الوضع كذلك.
“حبة فوق وحبة تحت”
قبل قيام الثورة المصرية بسنوات كان قد استقر لدي احساس قوي بأن مصر لم تعد دولة، وتساءلت: وهل كانت كذلك قبل هذه السنوات؟ ولكن الأهم والمقلق أنني لم أرها “مجتمعا” أصلا. بل أفرادا وبقايا أشكال اجتماعية قديمة لم تعد قادرة على الفاعلية ولا المساندة، و”جماعات مصالح” ناعمة ومائعة تتحرك بسيولة مفرطة مع التحولات الاقتصادية قاصمة الظهر، ومع الفساد، وإمكان الارتقاء الطبقي وفق شروط غير شفافة، وظرفية، يغلب عليها الطابع الشخصي. يمكنك أن تكون موظفا ترتقي الى طبقة الأغنياء بعمليات رشوة أو اختلاس بالتعاون مع مديرين فاسدين، فجأة يصبح جلوسك على المكاتب نفسها مع زملائك الذين يدبرون من رواتبهم الشهرية “جمعيات” لشراء تلفزيون، أو سداد مبالغ دروس خصوصية، وجودا قلقا.
فمجتمع الاقتصاد غير الشفاف وغير التنموي، هو مجتمع الصدفة، هو المجتمع الذي قال عنه عدوية “حبة فوق وحبة تحت”.
هو المجتمع الذي تساند فيه لا مشروعية الكسب السلطة القهرية في أعتى أشكالها لكن أكثرها تحللا في الوقت نفسه، وهذا يحتاج إلى تفصيل.
الليبرالية مرض طفولي
بعض الفضلاء من اليساريين المتحولين (ولست يساريا بالمناسبة) والذين أقروا نهائيا باستحالة مقاومة الرأسمالية، مكتفين بزعم ترشيدها وفق تصورات نظرية جاءوا بها من الكتب لا من واقع الحال، أقول بعض هؤلاء الفضلاء الذين لا يمكن أن يكن لهم الواحد أي احترام، أيدوا ما تصوروه “رأسمالية وطنية” غير مدركين أن أوان هذه الفكرة قد فات “تاريخيا” ولا يمكن استعادته. كان هذا يعني بالنسبة اليهم أن يغرسوا بشكل دعائي وأخلاقي (كما يفعل الشعراء القدماء مع خلفاء المسلمين) وازعا طبقيا برجوازيا وطنيا مخلصا، وعلى طريقة “المؤدبين”.
أرادوا ومعهم نخبة ثقافية لا بأس بها ترشيد السفه الرأسمالي الاحتكاري المفرط وغير المتزن الذي يحمل داخله عامل خرابه الحتمي. لأنه بالذات لا ينهض بالتواطؤ مع قوى عمل وطنية يوسع دائرتها ليدخلها في “اللعبة” بل يعمد بغباء ونتيجة تكوينه الداخلي المعتمد على الريع والسمسرة ودوران رأس المال المالي، الى الاقصاء المتتابع لفئات وشرائح كاملة من المجتمع، تجد نفسها فجأة على الرصيف، وبلا رصيف أحيانا.
كما أن هذا الاقتصاد يدور بالتشابك مع استثمارات خارجية، وبتضافر نخب عالمية شبيهة، لها مصالح في استمرار الوضع.
لقد رأى فضلاء المؤدبين المسمون ب”اللبراليين” أن اقتصادا حرا مرشّدا، قادرا على فرض الديموقراطية، وهذا بالاتساق مع فرضية لم تثبت أبدا، وهي أن الديموقراطية رديف ملاصق للرأسمالية. هكذا كان بعضهم على استعداد لدعم نخبة جمال مبارك.
لكن أي تحليل بسيط كان سيظهر أن اقتصادا من هذا النوع سوف يدفع الى المزيد من احكام قبضة السلطة التي لا تعتمد على طبقة ولا فكرة ولا مشروع بل ما يشبه التكوين العصابي المتشعب، والذي يعيد تشكيل المجتمع كله وفق منطق التسلسل العصابي هذا.
سواطير وسنج
في أحد الأيام أواخر الثمانينات (لا أذكر التاريخ بالتحديد) كنت أمر بالقرب من محطة “الابراهيمية” في الاسكندرية، منطقة مشهورة للطبقة المتوسطة وشارع رئيسي مزدحم بالمحلات لا تستطيع السير فيه على قدميك، فجأة ظهرت شلة بلطجية غريبي الهيئة عن المكان، يحملون سواطير وسنج وسلاسل.
كان المشهد جديدا لكنه تكرر فيما بعد. وكانت الدولة في هذا الوقت تواجه بالقوة الأمنية الجماعات الاسلامية الراديكالية وبدا أنها انتصرت أخيرا. جاءتني فكرة يومها، أن القضاء على جماعات العنف المسلح ذات التوجه الأيدولوجي لن ينهي العنف، بل سيوزعه على المجتمع كله. وأعتقد أن هذا ما حدث بمنطق التسلسل العصابي.
كان الافراط في العنف يعني عدم وجود خطة، بل كونه رد فعل على العجز الشديد في تبرير العنف ذاته، أي في ايجاد فلسفة قانونية واخلاقية له. وفقر المبررات كان يدفع بالضرورة الى رشوة أشخاص كثيرين بتسريب جزء من سلطة العنف لهم. وهو ما عرفناه باسم البلطجة. المستشار البلطجي الذي يهدد عسكري المرور الغلبان، المقاول البلطجي صديق عقيد المباحث، استاذ الجامعة البلطجي الذي يرتدي ثوب أمن الدولة. التاجر الذي يستطيع تحصيل قيمة شيك من زميل مماطل عن طريق تأجير بعض البلطجية، ولي الأمر البلطجي الذي يدعي أن ابنه تعرض للضرب وفق تقرير مزور كتبه صديقه الطبيب البلطجي.
انهيار القوة او بالادق انهيار “تركيز القوة”، ولا شفافية الاقتصاد الاحتكاري المدعوم بالعنف، والغياب الفعلي للقانون مع بقائه الصوري (أي التمزق بالازدواج) كان يعني أنني أمام مجتمع يوشك أن يتحلل.
نارجيلة ما بعد الحداثة
لكن ثمة مساندة ثقافية أخطر لهذا التحلل. وهي أن المجتمع الفاقد فعليا لسياق العمل التضافري المترابط، وللنسيج الأخلاقي أو القيمي الشفاف، تستحوذ عليه نوبات هستيرية كالزوجة الملولة، أو الشاعرة بعدمية حياتها بشكل غامض، ومن ثم الباحثة عن ما نسميه: الأصل.. وهو دائما أصل زائف.
حين كنت ترى وله النساء الأربعينيات بكاظم الساهر في حفلاته وهو يحمل الدبدوب، كنت تشعر أنهن يردن الحياة في هذه التمثيلية “الرجل “الرجولي” لكن العاطفي حد السهوكة”، وأن هذا لا يعني أبدا أن إحداهن لديها أي ذرة وهم تجعلها تتمنى الزواج منه مثلا، كما هو حال عاشقات عبد الحليم حافظ، فلا أوهام لديهن بهذا الصدد، انهن يستهلكن صورته مثل العادة السرية، وهو يقبض الثمن محافظا على نقاء الصورة التي يستدعينها أثناء ممارسة العادة. انه ليس مغنيا، لا هو ولاعمرو دياب ولا أي أحد، انهم صور، وحياتهم مرهونة ببقائهم “في الصورة”.
بنفس الطريقة ولكن بشكل شرعي كان يفكر “العائدون الى الله” باستهلاك صورة عن عهد ذهبي للاسلام لم يحدث أبدا. وبقدر ما يمكن أن تكون امرأة متصنعة شرسة للغاية عند مواجهتها بتصنعها، فان متدينا على طريقة العادة السرية سيكون فظا للغاية إذا أيقظته من خياله في لحظة الذروة. بل هكذا كانت معظم النخب أيضا.
في مجتمع كهذا ليست المشكلة أنه لا يحدث شيء، فان هذا قد يدفع إلى “حدوث شيء” بل المشكلة أن كل شيء يبدو وكأنه يحدث، وهو لا يحدث. انه مجتمع: “كأننا نحب، كأننا نؤمن، كأننا نتعلم، كأننا كبرنا وتزوجنا، كأننا في خصومة وتصالحنا، كأننا مجتمع، كأننا دولة.. كأننا فقط”.
مجتمع “التشبيه” أو مجتمع “كأن” لا يفيق أبدا، بل يتكسر.
هنا جاءت ثقافة السبعينات والممتدة الى التسعينات لنخب “شعرية” ضعيفة، ولكن عديمة التأثير على نطاق واسع، لتدعم روح العدمية تحت شعار نخبوي مرة، وما بعد حداثي مرة: لا حقيقة، لا أفكار كبرى. كانت تتصور أنها تقرأ في كتاب ما بعد الحداثة وكأنها تبشر بما ينبغي أن يوجد لتكون في طليعته، مستعدة بدخان نراجيلها على المقاهي، وفي الواقع كانت هذه النخبة (المتنصلة كذبا من نخبويتها) هي في مؤخرة المجتمع الذي سبقها كثيرا بعديمته الأكثر التباسا، بكثير وأكثر حتى انسانية.
كان هناك تشجيع “للا مركزية الثقافة” وكأن هناك ثقافة أصلا ولها مركزية. وكان يعني هذا يقظة “البحث الزائف” عن هويات بأثر رجعي، حقوق المرأة.. الأقليات..وكل هذه القضايا التي لها أصل من الحقيقة يتم استثماره بما ينزع عنه حقيقته. مهاجمة “الدولة التسلطية” التي لم توجد أصلا.
هكذا حين جاءت الثورة كنت أفكر رغم كل السعادة والتصديق والفرح والدهشة، “أليس هذا تحللا أيضا؟”. انه التحلل الضروري، التحلل المنطقي والطبيعي، الذي منه يمكن أن تبدأ الأشياء.
تابع “المجتمع الصايع”
في خاطرة سابقة بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” حاولت أن أفهم طبيعة الافقار المتصل في خبرة مجتمع كان هامشيا “طرفيا” كما يقال بالنسبة للرأسمالية، واستمر كذلك في الصورة الأسوأ والأكثر تبعية، مع الوهم الدائم بالاستقلال “الشعاراتي”. الافقار في خبرة النمط الجديد من الاقتصاد يتأتى بسبب عدم الحاجة للكفاءات في مجتمع الاقتصاد “الصايع”، ومن ثم التراجع الدائم في مستوى الكفاءات والخبرات المهنية والحرفية المتوارثة، لا ينجو من ذلك السباك المنزلي ولا شاعر قصيدة النثر. يبدو المجتمع وكأنه يبدأ من جديد في كل مرة، ولأن هذا مستحيل بالطبع فهو يلجأ الى “استعارة الأشكال”، يبقى كل شيء موجودا في حده الأدنى، وغير القابل للتراكم أو التصحيح، على العكس الآيل للتحلل بقدر ما هو صوري.
الثورة مستمرة
الذين قاموا بالثورة ربما كانوا شبابا لم يتورطوا بعد في هذا التعقيد، لم يعوا به تماما، وعوا فقط بمحصلته المضطربة، وعوا بالازدواج المنافي للفطرة الانسانية، الازدواج الذي لا يعني صراعا واضحا وبطوليا بين المعاني، بل تمزقا رخيصا وبطيئا بلا معنى، ولتحصيل نفس النتائج.
حين قامت الثورة، اكتشف الناس هشاشة النظام وبدائية أساليبه، وعجزه الكامل عن الاقناع، وهو عجز مستمر الى الآن في صورة كل النخب التي لم تسقط ولكنها ساقطة فعلا، المجلس العسكري، الوزراء، الأحزاب، الاخوان، الأزهر، الكنيسة، المثقفون الكبار. الأكاديميون حاملي “المذكرات”، رجال القانون الحفظة أرباب الكتاتيب. التحلل مستمر. وهو ما يعني بالنسبة لي أن الثورة مستمرة، ولو بدون ثوار
مهاب نصر