- إذا كانت الرواية أطول من ٧٠ صفحة يبقى فيها مط وتطويل غير مبرر
- إذا اختلطت العامية بالفصحى أو حصل أي شغل على لغة الكتابة غير النحنحة الشاعرية و/أو الاستظراف الصحفي يبقى فيه مشاكل في الأسلوب (بفتح الهمزة طبعاً)
- إذا تحدثت عن دوافع الشخصيات أو جعلت الشخصيات تتحدث عن دوافعها يبقى إبداعك التبس بحكم القيمة وإنت بتمارس الإدانة الأخلاقية والتورط الأيديولوجي، وهو الأمر الذي يضعف العمل ويقلل من قيمته بطبيعة الحال
- إذا صرّحت برأي (سياسي أو اجتماعي أو جمالي) أو صرحت إحدى شخصياتك برأي فيبقى إيه ده، دي كتابة مباشرة قوي يا أخي
- إذا كان في العمل أحداث، وبالذات لو كانت أحداث خيالية، تبقى كتابة تقليدية و/أو إفراط في الصنعة على حساب صدق العاطفة وعفوية العبارة الملهمة (بفتح الهاء)
- إذا وضّحت تاريخ الأحداث أو مكان حدوثها أو أي تلاتة ميتين أم أي معلومة مفترض إن القارئ يبقى عارفها عشان يفهم السياق، لأ عيب
- إذا كنت بتفهم في الأدب، لازم تكون بتعرف لغة عربية زي الفقي بالظبط؛ أو العكس: إذا كنت بتفهم في الأدب، أكيد ما بتعرفش تكتب جملة على بعضها صح
- فاروق جويدة بيكتب شعر تقليدي، وكل مشكلته يعني إنه تقليدي. وأدونيس رغم عمق وعبقرية شعره إلا إنه مش مستساغ عند العامة للأسف – حتى عامة قراء الشعر على فكرة اللي هما مش عامة خالص – بس ده عيب هامشي يعني (بعبارة أخرى: اللي بيكتبه فاروق جويدة ده شعر؛ أدونيس ما هواش عرضحالجي بيستمني في بير السلم)
- قصيدة النثر يعني تكتب أي كلام على الإطلاق بس تقسمه سطور وتحطله التشكيل ولما تتكلم عنه صوتك يتحشرج وإنت بتقول “الشعر”
- التريقة على الكليشيه/الكيتش المفترض ما هياش في حد ذاتها كليشيه/كيتش أبضن تلاتين مرة من الكليشيه/الكيتش اللي هي بتتريق عليه
- بلال فضل كتابته بتضحك (كاتب ساخر)، وعلاء الأسواني بينقل صورة مقنعة للواقع (كاتب واقعي)، ويوسف زيدان أديب (كاتب كبير)
- البلاغة يعني الفصاحة وبما إن الفصاحة حرام فيبقى البلاغة تودي النار
- الأديب شخص مسيس (في الحياة)، لكن الأديب الحق ما يتكلمش أبداً في السياسة (في كتابته)… إلا إذا ضرب مقالة شبه الأبحاث الأكاديمية بس ما هياش بحث أكاديمي طبعاً: ساعتها بس ممكن ينوّرنا باستيعابه للتاريخ
- أنا قلبي مساكن شعبية. Continue reading
Tag Archives: مثقف
سرور: مقطع من رواية طلال فيصل – قيد النشر
من آفات خبرة العمل الطويل في الصحافة أن كل تلك المسلسلات القديمة صارت محروقة بالنسبة لك؛ لم يعد هناك مجال للدهشة ولا مساحة للترقب. حين تحدّث معي مدير التحرير عن صفحة نجيب سرور أدركتُ فورا شكل الموقف الذي انتهى بهم لذلك الاقتراح؛ ثمة ملف ما – سياسي – لم يعد مناسبا للنشر، أو مقال رأي مُطول اعتذر عنه كاتبه أو أي موقف آخر من مواقف اللحظة الأخيرة في الصحافة تلك ترتّب عليه وجود صفحة خاوية على عروشها، وفورا، يتم استحضار اسم أحد الحمير الكتّيبة في الجريدة (عدة أسماء لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وأغلبها معنا في الديسك) ثم يُطلب ملء فراغ هذه الصفحة بطريقة تختلف باختلاف الشخص: لو كان من رجال الشعر الأبيض – قدامى المحاربين كما أصبح يطلق علينا – فإما أن يطلبك رئيس التحرير ليناقش معك طريقة ملء هذه الصفحة ويعمل باقتراحاتك – هذا لو كنت من المقربين لسيادته، وإن لم تكن فيكون التعامل بالطريقة السالف ذكرها – تكليف صارم، واضح ومحدد، ولكن بصيغة مهذبة ومن خلال شخص تافه مثل مدير التحرير.
هكذا أنفقت عمري وبهجة أيامي في جرائد، قوميةً كانت أوحزبية أومُستقلة، في ضبط همزات الوصل والقطع لصحفيين – أو من يفترض أنهم صحفيون – لم يتعلموا أبسط قواعد الإملاء، وفي إضافة “أشار” و “أضاف” و”أكد” و”في سياق متصل” لتقارير عن وضع لا و لن يتغير، ثم أخيرا في ملء صفحات فارغة بملفات تحت دعوى أنها دور الصحافة الثقافي..
أفكر، لو كانت نرمين لا تزال في حياتي، لكانت قالت بصوتها النحيل المسرسع والمستفز “انت نجيب سرور بتاعك ده بوّظ لك دماغك..”

الصنعة بسيطة وسهلة. لن أكتب حرفا في هذا الملف؛ ربما أكتب مقدمة لا تزيد عن سطرين، بخلاف ذلك سأربط الحمار حيث يريد صاحبه. موضوع من ثلاثة أو أربعة مواضيع – حسب الاتفاق مع من سيقوم برسم الصفحة – كل منها من 500 لـ 600 كلمة. أحدها تقريري، بعض المعلومات من على الإنترنت يتم صبّها في صيغة صحفية، وهذا يمكن لأي شخص أن يكتبه وسأكتب له المقدمة والقفلة. موضوع ثان عن شعراء اصطدموا بالسلطة؛ أو اصطدموا بالسلطة والمجتمع، أو أصطدموا بالمجتمع فقط، أي شىء من هذا القبيل. سأنادي على أحد المحررين الشباب وأطرح عليه الفكرة ليقول فورا: أمل دنقل، محمود درويش، أحمد فؤاد نجم، مُظفر النواب. سيشعر أنه ذكي ومثقف وهو يردد تلك الأسماء، وأنا سأشعر بالإشفاق والحنين. غالبا سينسى نجيب سرور. سأذكره به وبشاعر آخر مجهول يدعى عبدالحميد الديب. سيفرح المحرر الصغير السن بالتكليف ويقضي طول اليوم يكتب في الخمسمائة كلمة ثم يبتهج بنزول اسمه على الموضوع عند نشره. ثم يضاف إليهما موضوع ثالث ما نتصل فيه ببعض أساتذة الجامعة وبعض النقاد نسألهم عن أي شىء ونتلقى أي إجابات ثم نربط الكلام ببعضه ونضع له مقدمة وخاتمة، وكان الله على كل شىء قديرا …
أين ذهبت بهجة الأيام القديمة؟ يقولون إن البهجة تزول وتحل محلها الحكمة، لكن أين هي الحكمة. يقول المغفور له عبدالحليم نقلا عن الأبنودي عليه السلام “أديكي عمري بحاله يا بوي واديني انت الفرحة يا عين”وأجدني أتساءل كلما سمعت تلك الأغنية: ما جدوى الفرحة إذا كان العمر قد انقضى …
هذا الملف سيقتلني غمّا قبل أن أنتهي منه!
وأعود لأذكر نفسي أنني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام، وأنه لا يصح لمن كان بصدد هذه المهمة الجليلة أن يترك مزاجه لتفسده تلك الأحداث التافهات.

اتصال تليفوني. صوت مهذب (يذكرني بصوت سكرتيرة الدكتور عبدالسلام محسن؛ والتي افترضنا أن اسمها بسنت)
- أستاذ طلال فيصل؟
وأعرف أن ترجمتي لكتاب “جنون المتاهة” صدرت وأنه بإمكاني الذهاب في أي وقت للحصول على العشرين نسخة الخاصة بي، والشيك لصرف مستحقاتي المالية.
يا فرج الله. هكذا يمكنني الذهاب للإسكندرية عدة أيام ألتقي فيها بالبحر، وبالأصدقاء القدامى، وبأقارب لم أرهم من زمن، ثم قبل كل ذلك وبعد كل ذلك، بالدكتور كمال الفوال، ثالث الثلاثة الذين أشرفوا على علاج نجيب سرور من الأطباء النفسيين، والذي أوصتني ساشا – وكذلك الدكتور جلال الساعي بزيارته.
آخذ نفسا عميقا تستعيد به الرئة هواء الإسكندرية النقي، والذي لن أستطيع الوصول إليه إلا عبر غبار أروقة هيئة الكتاب الكالحة.
وأجد في نفسي شيئا من الشجن، وأعود أذكّر نفسي أني أكتب شيئا رائعا هذه الأيام!

في عام 1974 كتب نجيب سرور مسرحية نثرية ذات طابع ملحمي باسم “النجمة أم ديل” كان ذلك في فترة السنوات الثلاث التي قضاها في الاسكندرية – في مصحة المعمورة للطب النفسي – وبرعاية الدكتور كمال الفوال. عام 74 في حد ذاته مثير للتأمل؛ إنه العام الذي تبدأ فيه مرحلة المسخرة السياسية برعاية السادات الرئيس المؤمن (والتي تأبى أن تنتهي حتى الآن) وهو ذات العام الذي يعقب دخول “سرور” مصحة المعمورة، وهو هو نفس العام الذي تمّ تعيين نجيب سرور فيه مديرا للمسرح القومي (اسميا فقط، دون ممارسة اختصاصات حقيقية) وذلك كشكل من أشكال المساعدة؛ ليس حبا في سواد عيون نجيب سرور كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن عقب استغاثة زوجته السيدة ساشا بوزير الثقافة يوسف السباعي، والتي لم يسمح لها رجال مكتبه بالدخول إليه إلا لاعتقادهم أنها صحفية أجنبية جاءت لتجري حوارا معه! الرجل الطيب يوسف السباعي منحها كارت توصية لمحافظ الإسكندرية ليخصص لهم أحد شقق المحافظة ولكن تغيير المحافظ حال دون تحقيق هذا الحلم! المهم، في أحد مشاوير انتقال ساشا و شهدي – ابنه الأكبر – بين القاهرة والاسكندرية يستقلان تاكسي لاستلام مرتب نجيب من المسرح القومي – ولا داعي لتكرار أنه كان مبلغا هزيلا ليس له أي قيمة. تنزل ساشا من التاكسي ويتبعها شهدي. يغلق الباب بينما هي تحاسب السائق، يعطيها السائق الباقي وينطلق، ومع انطلاقته تدرك أنها نسيت فيه مخطوط مسرحية “النجمة أم ديل” المُعد للنشر …
وهكذا تكون قد ضاعت هذه المسرحية للأبد.
وأذكر أنني في لقائي بزوجته ساشا في مقهى ريش لم أسألها عن رد فعل الراحل نجيب سرور على ذلك؛ لم يسمح لي بكاؤها وهي تحكي تلك الحكاية بأن أسأل اي أسئلة من أي نوع.

في ذلك الزمان القديم، كنتُ لا أزال متزوجا من نرمين، أحاول بكل ما أوتيت من قوة أن أستعيد علاقتنا وأن أحافظ على ذلك الزواج. أتذكر أني قلت لها – وكانت تقشر البرتقال وهي تتفرج على مسلسل ما، لعله العائلة أو الجزء الخامس من ليالي الحلمية – إنني بدأت أقتنع أن ثمة مؤامرة فعلية كانت ضد هذا الرجل، وأن هذه المؤامرة لا تزال قائمة للآن. حكيت لها عن لقائي بسميحة أيوب – والتي كانت مديرة المسرح القومي ذلك الوقت ورفضها للكلام عن نجيب سرور بشكل واضح، واكتفائها بأنه “الله يرحمه عذب نفسه وعذب من حوله معه” ثم تعللها بمشاغل ما وانصرافها مسرعة. أتذكر أني توقعت أي رد فعل، اهتمام، سؤال، لا مبالاة، ربما حتى سخرية من اقتناعي بفكرة مثل أن هناك مؤامرة كونية ما لمحو نجيب سرور من التاريخ، لكني لم أتوقع أبدا أن يكون رد فعلها:
- هي سميحة أيوب لسة عايشة؟ شكلها ايه دلوقت؟
لا أجد تعليقا مناسبا. أجدني غاضبا بشكل غير مفهوم – حتى بالنسبة لي. أخرج للبلكونة لأدخن سيجارة – كنت قد عدتُ للتدخين، وكانت هي – بدورها – قد توقفت عن مطالبتي بعدم التدخين حرصا على صحتي، كما كانت تفعل قبل ذلك. غريبٌ هو أمر الذاكرة. كيف أتذكر بكل هذا الوضوح تلك الوقفة في البلكونة بعد كل تلك السنوات، أي الخواطر مرّ وقتها بالذهن، اي مشاعر انتقامية حمراء – تبدو الآن مضحكة وأنا أطلّ عليها من شرفة الزمان البعيد. لماذا تبدو الذاكرة دوما مثل المرأة صاحبة المزاج، تأتي بلا سبب وتغادر بلا سبب. لا أذكر توقيت الحوار إطلاقا، لكني أذكر الحوار نفسه بكل تفاصيله، وأذكر أن صوتها وهي تقشر البرتقال كان يستفزني، وأنّي أدرك الآن أن هذا ليس ذنبها…
أفكر أنها ربما في تلك اللحظة البعيدة كانت هي من يستحق الشفقة؛ وحيدة ضعيفة جالسة على الكنبة بمفردها، هل كان ذلك الحوار بيننا عقب فقدان الطفل أم قبلها؟ هل كانت بدأت تشكو من انشغالي عنها وأنّي لم “أعد أحبها مثل الأول”، قبل التعيين في الأهرام أم بعد، وهل كان ذلك قبل مشكلة أيتن أم بعدها؟

ماذا كنّا نقول؟ فُقدت مسرحية “النجمة أم ديل” للأبد. أمر سخيف؟ أليس كذلك؟ لكن الموقف بكامله يمكن أن يوضع تحت بند القضاء والقدر. السخيف حقا هو ما سيحدث لمسرحية “بابات قمرالدين محمد بن حنتيال في خيال الظل وظل الخيال” والتي نشرت في مجلة “مسرحنا” منذ عامين أو ثلاثة بشكل مختصر – ومُخلّ تماما. لم تنشر النسخة الكاملة لتلك المسرحية إلا في مجلة المسرح حين كان يرأس تحريرها صالح سعد. حاولت العثور على عدد المجلة الذي نشرت به تلك المسرحية – وبعد تيه وضياع لا يستهان به في أروقة هيئة الكتاب أصل لموظفة محجبة مسئولة عن المجلة. أستفسر عن العدد فتنادي على شخص ما بعصبية:
- عشان تعرفوا لما اقول لكم. الأرشيف اللي قلت مفتاحه يفضل معايا؛ أهو الناس بتسأل عن الأعداد القديمة، نعمل ايه دلوقت؟
يدور نقاش عبثي ما بينها وبين ذلك الشخص أدرك منه أنني لن أعثر على المجلة. أسأل يائسا:
- طيب هو رئيس التحرير وقتها كان صالح سعد، لو ممكن طريقة أوصل له بها؛ أكيد هو محتفظ بالأعداد.
لحظة صمت. تنظر المرأة المحجبة للشخص ما، ثم تجيب:
- صالح سعد مات في حريق بني سويف. الله يرحمه.
لا حول ولا قوة إلا بالله. كيف غابت عن بالي في تلك اللحظة تلك الحقيقة الموجعة، والموحية، والتي لا تخلو من دلالات بعيدة.
وأجدني أبتسم، وألقي عليها السلام مغادرا مبنى الهيئة إلى دار الكتب، لعل حظي هناك يكون أفضل حالا.

هل هو أينشتين الذي قال إن الغبي هو من يقوم بنفس الفعل في نفس الظروف وينتظر نتائج مختلفة؟ على كل حال، غبائي ليس في حاجة لشهادة السيد أينشتين. لم أعثر في دار الكتب إلا على كتاب واحد لـ نجيب سرور هو كتابه حادّ اللهجة – “هكذا تكلم جحا” أمّا باقي الكتب النقدية “حوار في المسرح” و “هموم في الأدب والفن” فلا أعثر عليهما هناك. يُظهر لي محرك البحث على جهاز دار الكتب العتيق أكثر من ست مرّات الدراسة الرديئة التي كتبها خيري شلبي عن نجيب سرور ومسرحه! رحم الله إلحاحه حيّا وميتا. ما علينا. أحاول مع قسم الدوريات في الدور الرابع – متوقعا أن يكون حظي هناك أفضل حالا – راجع تعريف الغباء. أحاول العثور على دراسته “تخطيطات في المسرح المصري” وهي من أوائل ما كتب نجيب سرور في النقد المسرحي؛ المفترض أن ملخصا وافيا نشره بنفسه في مجلة الآداب عام 1957. يأخذ مني الموظف رقم الدورية، اسمي، تاريخ العدد المطلوب ويغيب في سرداب مظلم. يخرج لي بعد ربع ساعة:
- للأسف يا افندم التركيبة عطلانة.
- بمعنى؟
- العلب التي تحفظ هذه الأعداد تلفت ولم تعد صالحة للاستخدام.
- يعني كل أعداد مجلة الآداب غير موجودة؟!
- لا، السنة التي طلبتها حضرتك فقط. الباقي سليم!

في حياة أخرى، سأجد كل حرف كتبه نجيب سرور، وسيكون هناك تسجيل لكل المسرحيات التي قام بتمثيلها أو تأليفها أو إخراجها. كل الكتب المفقودة، والمسرحيات التي ضاعت بفعل الإهمال، أو بفعل فاعل، كلها ستكون موجودة، وأنا، سأقرأ كل ذلك وأشاهده. سأشاهد كيف تعامل مع رواية “ميرامار” لـ نجيب محفوظ وقام بتحويلها لنص مسرحي، حقق نجاحا مدهشا وقتها – كأغلب أعماله المسرحية. سأشاهد مسرحيته “المصيدة” التي أعدها عن أحد أجزاء هاملت وقدمها على نطاق ضيق لطلبته في معهد الفنون المسرحية – وقال حماي السابق أنه شاهدها (وأغلب الظن عندي أنه يكذب) وطبعا، طبعا سأشاهد آخر دور لعبه على المسرح، قبل وفاته بشهور قليلة، دوره في مسرحية أوكازيون. الجميع يؤكدون أن أداءه في هذا الدور كان شيئا لا مثيل له، لن أنسى محسنة توفيق وهي تحكي لي، باكيةً، كيف كان يقوم بدور مشاهد مخمور يجد نفسه فجأة في مسرح ويبدأ يتعرف بالتدريج على المكان، ثم يكتشف؛ متذكرا، أنه فنان، أنه مؤلف ومخرج مسرحي فُرضت عليه البطالة أكثر من عشر سنوات. ثم يبدأ يناشد الفرقة الجوالة أن تأخذه معها وتعيده للمسرح أو تعيد المسرح إليه، ويصرخ مرتجلا: “رجعوني بيتي وبلاش الانتحار البطئ بالسبرتو ولا الانتحار السريع بسيانور البوتاسيوم اللي بيتباع في كل الأجزخانات. بلاش. خدوني معاكم بس بشرط. لا بيع ولا شرا ولا رشوة ولا دعارة ولا مزادات ولا أوكازيون”
في حياة أخرى لن يكون هناك هيئة كتاب ولا موظفات محجبات ولا مدير تحرير ولا تركيبة عطلانة و لا حريق بني سويف.
طلال فيصل
فيكتور بيليفن في مجلة العربي
لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.
فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!
*
ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.
في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:
“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”
سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.
وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…
في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟
*
في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:
بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.
يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.
لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.
*
لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…

عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!
القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي
بالنسبة إلى مَن يقولون إنهم مثقفون في مصر؟

2011-12-31
الثقافة والثورة
سأكون صريحاً ومختصراً في هذا الشأن:
أولاً، اقتراحي أن يتخلى الخطاب كلياً عن كلمة “مثقف” ويعيّن ألفاظاً أوضح وأدق للمقصود بالجماعة البشرية المعنية. ثانياً، دعنا من الاعتبارات الأخلاقية. ثالثاً – وهو الأهم – عندي سؤال عن شرطية العلاقة بين الفنون والآداب من ناحية والاضطلاع بالشأن العام أو “النضال” من ناحية أخرى. في ظل الاستبداد درجنا على افتراض أن جانبين من جوانب الوعي – الفردي والجمالي في مقابل الجماعي والنفعي، إن أردتَ – هما وجها عملة؛ وكذلك حدث مع الانتماء العقائدي، للمفارقة: أصبح جانب من الوعي لا يمكن (في هذا العصر) إلا أن يكون شخصياً – الخبرة الروحانية أو القناعة الدينية أو الالتزام بطقوس مقننة للعبادة – هو شرط أي تحرك اجتماعي؛ الأمر الذي نقضته على الأرض احتجاجات “ليبرالية” (أي لسيت للوهلة الأولى مناهضة لنظام مبارك) أدت إلى أول خطوة حقيقية على طريق تغيير ذلك النظام، تماماً كما نقضت عقوداً من “العمل السياسي” المسمى يسارياً (والمناهض، من ثم، للنظام ذاته) والذي ظل منبطحاً نتيجة اعتماده على جماعات مشغولة أو يجب أن تكون مشغولة أساساً بالفنون والآداب، ومن ثَمّ معزولة عن “أغلبية” لا يعنيها من ذلك سوى نشاطات ترفيهية تجارية تقاطعت، في شعبويتها، مع “معارضة” تساهم في تكريس الوضع القائم أكثر مما تُشْكِل عليه. هناك مفارقة أعمق إذن: إن فرضية اقتران الثقافة بالسياسة لا تعكس “المثقفين” أنفسهم بقدر ما تعكس النظرة إليهم داخل مجتمعات مخلية من عظام القدرة على الفعل، ويلعب “المثقفون” فيها، بالتالي – كما سيلعب المتأسلمون من بعدهم – دوراً زائفاً ومعزولاً عن حقيقتهم الفردية (أو العقائدية، في حالة الإسلاميين). إنها مجتمعات، كأكثر مجتمعات العالم المعاصر، ربما – باستثناء الربح المادي – لا نية لها بالمعنى الفلسفي للنية؛ وهو ما يفسّر أن مبادرة التحرك بتلك المجتمعات نحو المستقبل المنظور – وبغض النظر عن رأيك في طبيعة ذلك المستقبل أو جدواه أو علاقته بالهوية – مبادرة التحرك نحو المستقبل لم تأت إلا عبر جماعة (وإن كانت متعلمة ومعاصرة ومتعددة اللغات نتيجة أنها “مستريحة” مادياً) ليست “ثقافية” أو “يسارية” بالمعنى التقليدي، ولا “إسلامية”.
وانطلاقاً من قول إن المثقفين ضمير الأمة، ما هو مكان ذلك الضمير مما حدث ويحدث بعد التعليق عليه أو (كما يقول صديقي الشاعر مهاب نصر، متسائلاً عن “ما فعله الكتاب بثورة يناير”) “استثماره في صور شخصية شاعرية”، إثر المشاركة فيه بقدر سيظل محدوداً لأن الكتاب والفنانين و”الليبراليين” عموماً ليسوا انتحاريين ولا مسلحين ولا مدربين على مقاومة جرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة ووزارة الداخلية يومياً في وسط القاهرة؟ أولاً، يجب السؤال عن معنى الأمة المعنية: هل هي أمة الغالبية الساحقة من عموم الناس المتذمرين من احتجاجات واعتصامات يرونها تعطّل مصالحهم، المتنكرين لضحايا التعذيب والشهداء، المناصرين للسلفيين والإخوان المسلمين ممن صعدوا على أكتاف هؤلاء “ديمقراطياً” بينما هم ضد الثورة فكراً على الدوام وفعلاً أكثر الوقت؟ ثانياً، مَن يمكن أن يمثّل ضمير مثل تلك الأمة بتعريفها؛ أليس ذلك الضمير أقرب في الواقع إلى اللاهثين كالكلاب وراء عظمة مقاعد برلمان يقام تحت الحكم العسكري في ظل قانون الطوارئ؟ أليس أقرب إلى حقد وسادية الساعين إلى كسر نفوس المتظاهرات ورقابهن أكثر حتى من قمع المتظاهرين الذكور بدعوى حفظ الاستقرار والذود عن “الدولة”؟ ثالثاً، كيف نعرف”المثقف” بعيداً عن وظيفته المرجح أن تكون رهن “الدولة” ذاتها التي تحتكرها مؤسسة عسكرية قادرة على قتل المواطنين في الشوارع ثم تحميل خطيئتها على “طرف ثالث” لم يتكمن أحد من تعريفه وهي تمشي في جنازات القتلى؟ اقتراحي أن نعترف بأنه إن وجد وعي “ثقافي” يتقاطع مع الثورة، فإن ذلك الوعي لا يمثل الأمة ولا ضميرها. علينا أن نعترف بأن “ضمير الأمة” متمثلاً في الأديب والفنان (مهما استاء مثل هذا الضمير مما يحدث أخلاقياً ومهما شارك مادياً أو معنوياً في ثورة بادر بها جمهوره المحدود جداً من الناشطين على الإنترنت) لن يكون سوى متفرج. وعلى نقيض الكثيرين من أندادي وسواهم من داخل معسكر الثورة، أصبحت أرى اعتراف “المثقف” بأنه متفرج هو أنزه وأصدق ما يمكن أن يقوم به، بغض النظر عن مشاركته في الثورة من ناحية، ومن ناحية أخرى عن موقفه من دولة باتت تجسداً للثورة المضادة
.
الثقافة والإسلام السياسي
ومن قبل، حين دُعيتُ إلى المساهمة بشيء عن الثقافة والإسلاميين – بعد وصولهم إلى الحكم في أنحاء الرقعة العربية، كما قيل لي، ديمقراطياً – وجدتُ عندي كلمتين أقولهما كذلك:
إن هناك العالم، وهناك الهوية؛ وإنهما – فيما يفرضه الطرح “الإسلامي” سلفياً كان أو جهادياً أو إخوانياً أو حتى إيرانياً شيعياً – متناقضان. كمسلمين بالولادة (وبغض النظر عن اقتناعنا بالعقيدة)، حقنا أن نعيش في العالم بهويتنا؛ أن تكون لنا حقوق الآخرين وما لهم من رفاه دونما نضطر إلى إسقاط تلك الهوية. والحاصل أن حقنا مسلوب – بدرجة أو أخرى – منذ انتصرت هوية أخرى؛ إلى هنا نتفق. لكن هل يوجد مخرج من هذا المأزق التاريخي؟ المشكل أن الهوية الأخرى هذه، بانتصارها، إنما صاغت العالم الذي نشارك أصحابها العيش بشروطه، شئنا أم أبينا: شروطهم. ولم يعد في هويتنا عملياً سوى اسمها، إضافة إلى بعض المميزات المعنوية المذمومة إجمالاً، كالطائفية والطغيان والهوس الجنسي والاستهانة بالحياة. فهل يسعى الإسلام السياسي إلى إعادة صياغة العالم كلياً بما يبرر أو ينشر هذه الصفات؟ لأنه بالتأكيد لا يسعى إلى مناهضة الرأسمالية العالمية ولا المساهمة في الحضارة كما نعرفها حتى نحن في العصر الذي نعيش فيه… فهل يسعى إلى فرض هوية لا يميزها سوى أنها، في مساحة منفصلة عن كل أسباب الحياة بما فيها الأخلاقي منها، غير متسقة مع العصر – وهل هناك من يعتقد أن هذا ممكن؟ – أم أن الإسلام السياسي، بينما يكتفي بقمع حريات من شأنها أن تجعلنا أنداداً لمن صاغوا عالمنا (العقلانية والعلم والإبداع، المواطنة وحقوق الإنسان وتداول أو تجاوز السلطة)… أم أن الإسلام السياسي، أقول – بينما يكتفي بقمع الحريات – يختزل فكرتنا عن الهوية في طقوس ومظاهر وخطابات لا يفصلها عن الحياة العصرية ذاتها سوى أنها تعتذر عن الصفات سالفة الذكر وتتخذ من الهزيمة التاريخية سبباً للوجود أو العداء؟ الشريعة الإسلامية لازالت لم تحرم الرق ولا التجارة في أجساد النساء بدعوى تعدد الزوجات، ولا حتى قطع أيدي ورؤوس المذنبين أو رجمهم حتى الموت (مجرد أمثلة)؛ البيعة ليست انتخاباً والشورى ليست ديمقراطية، كما أن الإلحاد ليس كفراً بالضبط ولا غير المسلمين من سكان البلاد ذات الأغلبية الإسلامية أهل ذمة… لا أظن التصور “الإسلامي” لحياتنا يمكن أن يتسع للثقافة حتى في تقاطعها مع الإسلام بمعناه التاريخي أو الحضاري، ولا أظن المضطلعين بالثقافة على استعداد لممارستها في ظل ذلك التصور. لكن – هكذا أعود فأتساءل – ما دخل الإسلام بالسياسة المعاصرة أصلاً، دعك من الثقافة المعاصرة على خلفية سياسية؟
***
تعويذتان ضد التأسلم
(١)
أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه البنات
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال
(٢)
نحن أبناء أباليسكم
يا من تكتفون بأسماء الأسماء
سنظل نذكّركم
بأن المئذنة قضيب والقبة نهد
والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين
يا من تكتفون بطقوس الطقوس
نحن ملائكة متخفون
وقد حلفنا أن نلفظكم
عند أول إشارة مرور
في الطريق إلى الجنة
جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً
![]()
ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات

المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11
|
|
|
|
القاهرة ـ يوسف رخا |


