ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

وصلنا قبل هبوط المساء. بزغت حلب من قلب البراري، بيوتاً بيضاء مشربة بلون وردي وقد انعكست عليها إشعة الشمس الغاربة، وفهمت سر تسمية المدينة بالشهباء. قضيتُ ليلتي في حي يعرف بـ”الدبلوماسيين”، بجوار مستشفى يحمل اسم الطبيب العربي القديم أبو بكر الرازي. وفي الصباح التالي ذهبت لزيارة المدينة القديمة و”خان الصابون” وقلعة حلب؛ جددها السلطان المملوكي الغوري، على الرغم من أنه جركسي بوضوح كان يتكلم التركية الطورانية، إلا إني حسبته مصرياً لما له من عظيم صنع في المعمار حدانا في القاهرة، وشعرت حيال ذلك البناء الصرحي بقرابة روحية، وجلست بأحد مقهيين تحت أقدام الحصن أحتسي القهوة وأطلق أفكاري في الهواء.

wpid-img_0187-2013-04-23-03-16.jpg

واصلت المشي بالجوار. مشيت ومشيت، حتى بلغتُ مقبرةً تقع في قلب حي سكني. شواهد القبور فيها نُحِتت بشكل فني وقد تم طلاؤها بألوان متعددة مع نقوش بأسماء الموتى وتواريخ ميلادهم ووفياتهم. وتتدرج أرض الجبانة من أعلى لأسفل، فتبدو الشواهد كأنها تصطف صفوفاً خلف بعضها، الأعلى خلف الأدنى في تدرج متناسق وبألوان مبهجة تدحض كآبة الموت وتحيلها متعة بصرية.

أخذني السير حتى بلغت حياً بدا كما لو كان في مكان ما بالاتحاد السوفيتي السابق.. لافتات المحال مكتوبةٌ بالروسية إلى جوار العربية. طبعاً: الشريك التجاري الأساسي لسوريا البعث. ولكن بعد مسيرة دقائق طالعتني لافتات تحمل اللغة الأرمنية التي تشبه حروفها اللغة الأمهرية. شطحت في العلاقة بين الأرمنية والأمهرية الحبشية. بين أرمينيا وأثيوبيا. كلتاهما دولتان مسيحيتان أرثوذكسيتان في محيط من الجيران المسلمين. وتقف كل منهما في تاريخ الحضارة الإنسانية بمفردها، معزولةً تقريباً عن محيطها. و هناك فوق ذلك تشابه خط الكتابة لديهما. حيث الحروف تشبه قطعاً من الحبال. فلو كانت الكتابة في بلاد ما بين النهرين القديمة بالخط المسماري، فهذا هو الخط الحبالي.

wpid-img_0190-2013-04-23-03-16.jpg

الغرض.. أدركت أني أسير في الحي الأرمني الشهير بحلب، المدينة الواقعة على تخوم آسيا الصغرى. والتي استقبلت موجتين كبيرتين من اللاجئين الأرمن في بدايات القرن الماضي، حتى أصبحوا يشكلون ـ في فترة ما ـ ربع سكانها. ولفرط ما سرت انتابني جوع عنيف.. قلت سأبحث عن أقرب مطعم لأتناول شيئاُ. فإذا بي أمام دكان صغير تحمل لافتته اسم “هاكوب”، مكتوب تحتها بخط أدق “بسطرمة ونقانق وكفتة” قلت هذا هو عين المطلوب، ودخلت إلى المكان بعد أن نزلت درجتين إلى أسفل. كان المطعم من الداخل صغيراً شبه مظلم.. وقد وقف في عتمته خلف ثلاجة زجاجية شابان يتكلمان بلغة ليست العربية. سألتهما مبتسماً: هل هذه هي اللغة الأرمنية؟ رد على أحدهما بجهامة نافياً وقال: “لا.. نحن أكراد!”. تطلعت إلى الثلاجة وسألته عما هو جاهز لديه من طعام . فرد عليّ بأنهم لا يبيعون الآن. كان هناك شيء ما في الموقف يقول أنه كاذب، وأنه يمتنع بشكل ما من العمل.. وعندها ظهر رجل مُسن شديد البياض، عرفت فيه الأرمني صاحب المحل. نهر الشاب وقال له “بعه ما يريد”. انصاع الشاب وسألتي عمّا أريد.. وأردف معتذراً “أنا آسف.. ظننتك سودانياً”. جاء يكحلها فعماها. تذكرت أن بشرتي سمراء، وهو أمر غير مألوف في هذه البلاد. وتذكرت أني في مدينة المتنبي، الذي أخذ على الوالي الإخشيدي كافور لونه الأسود ضمن ما أخذ، وتذكرت متنبئاً آخر معاصر من هذه البلاد أيضاً أسمى المصريين إبان الوحدة مع سوريا بـ”غربان أفريقيا الجائعة”. نعم، كنت في هذه اللحظة غراباً أفريقياً جائعاً في أزقة الشهباء.. وأنقذني من الجوع والغبن تدخل الأرمني الشيخ. فكرتُ في مغادرة المكان وقد ارتفع مؤشر غضبي، لكنني فضلت البقاء احتراماً لتدخله، وتذوقت أفضل بسطرمة أكلتها في حياتي مخلوطةً بطعم العنصرية البغيض. ونفحت الكردي الشاب بقشيشاً سخياً، كنوع من رد الإهانة.

***

لا يوجد قمر فوق بوربون ستريت

اليوم هو “ثلاثاء الدسم” أو “ماردي جرا” كما ينطقها أهل المدينة بالفرنسية، التي لم تعد هي لغة الشارع هنا. نعم، هذه مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتكلم الفرنسية.

هو الثلاثاء الذي يسبق أربعاء الرماد في المعتقد المسيحي، حيث من المفترض أن يأكل الناس وجبةً دسمة قبل الصوم الكبير. تتكون عادة من أرز “الچامبالايا” بالسجق وحبات الفاصوليا الحمراء وأهلة الجمبري الذهبية. بالمدينة أيضاً طابع كاريبي يسيطر على طريقها الساحلي. بالطبع أنا لم أقصد أن أصل إلى نيو أورليانز في يوم كرنفالها، ولكن السائحين، وأنا منهم، يجعلون من كل يوم من أيام هذه المدينة كرنفالا، أو”ماردي جرا” دون أن يعقبه بالضرورة أربعاء رماد أو صوم كبير.

محال كثيرة بشوارع “الحي الفرنسي” تبيع فولكلوريات السحر، وأدوات طقوس الفودو الغامضة، سواء للاستعمال الشخصي أو للتذكارات السياحية: عرائس صغيرة من الخزف أوالعاج، بشعور مضفرة كالحة السواد، وعيون من خرز تعكس نظراتها رعباً صامتاً. لو رصصت هذه العرائس وفقاً لنظام معين قد تؤثر في مصير شخص ما. هناك أقنعة لموتى، وجماجم بأحجام مختلفة من مادة بيضاء تشبه العظم، وجفنات فرعونية محشوة بأحشاء المومياوات، وخفافيش من مواد لزجة بدماء سائلة على خطومها الجرذية.

wpid-img_0191-2013-04-23-03-16.jpg

أتخيل نفسي مصاص دماء يهيم على وجهه بعد انتصاف الليل بهذه المدينة السحرية، متلفعاً بمعطف أسود طويل، يختبئ وجهي خلف ياقته العالية تطاردني تلك الأغنية القديمة متسربة من زمن الثمانينيات. نحن الآن في عام 2009، وذلك الفتى الإنجليزي الذهبي الذي كان في وقتها مُدرساً متمرداً يقارب حركات البانك، يبدو الآن كنجم عاطفي يلهب قلوب العذارى على طريقة عبد الحليم حافظ، فيما أنا مواطن مصري يسير مُجرجراً خطواته في شوارع مدينة أمريكية يتباطأ عندها نهر المسيسبي قبل نهايته في مستنقعات موحلة تسكنها تماسيح القاطور الضخمة… “إنك لن ترى أبداً ظلي.. ولن تسمع وقع خطوتي.. عندما يكون القمر ساطعاً فوق بوربون ستريت..”

جئت إلى هذه المدينة تلاحقني شهرة شارع بوربون ستريت، بنوادي الموسيقى وبارات الاستماع؛ هذه مدينة الچاز، وهنا منشأ هذه الموسيقى الساحرة أعظم ما أنتجته الولايات المتحدة. كل من هم في هذا الشارع من السائحين، وتستطيع تمييزهم بسهولة، أمريكيين وأجانب. الأمريكيون تسيطر عليهم روح السياحة أكثر من الأجانب. جاءوا من مدن الغرب الأوسط المحافظة، حيث “الرقاب الحمراء” ورعاة البقر وقد فقدوا أسطورتهم، إلى هذه المدينة المتحررة، يجرعون البيرة في أكواب بلاستيكية من مقاس “الباينت” على قارعة الطريق، وهو ما لا يتاح في مدن وبلدات البراري. الأضواء الحمراء، ونساء خرجن من روايات فلوبير يقفن على أبواب البارات يدعونك للدخول. “لا أملك خياراً سوى أن أتبع للنداء”.

wpid-img_0226-2013-04-23-03-16.jpg

لو أنك تعرف مدينة شرم الشيخ المصرية، فهناك بها شارع اسمه “خليج نعمة”. هو ليس شارعاً في الحقيقة، هو ديكور منقول من استوديوهات هوليوود في الخمسينيات لشارع على نمط أفلام الويسترن: واجهة شارع، أو شريطان متقابلان من واجهات المحال: بارات طبعا، وصالونات حلاقة وأندية للقمار.. هناك تغسل أكثر من مافيا أموالها وتديرها في اقتصاد معزول عن الاقتصاد الحاضن.. واجهات المحال، تعكس فكرة تعميق ما هو سطحي، وفقاً لمصطلح رولان بارت، فذلك الشريط الرفيع من الواجهات تغوص خلفه بطون علب الليل الساهرة على تدوير عجلة اقتصاد المتعة المسروق من سياق ملتهب.. وهنا في بوربون ستريت، نفس التعميق لما هو سطحي، وإن كان أكثر أصالة وإيغالاً في العمق لبطون تلك العلب التي تتمحور حولها عجلة اقتصاد أكبر حجماً.

لم يعد الچاز هو الموسيقى المنتشرة بنوادي الشارع الشهير، فباراته تقدم نوعاً رخيصاً من الروك آند رول السياحي. وعليك إذا أردت أن تستمع إلى چاز حقيقي أن تبتعد قليلاً.. فررت من شارع “بوربون ستريت” بصخبه الملون، وانزلقت منحرفاً إلى شارع بإضاءة خافتة، الجو مُشبَّع بالندى.. “أري وجوهاً بينما هي تمر تحت أضواء الفوانيس الشاحبة”.. ربما إلى شارع “فرينش مِن”، أي الرجال الفرنسيون. الإنسان هنا لا يقابل المراهقين الصاخبين كباقي المدن الأمريكية، من تراهم في الأغلب كهول فوق الأربعين من الجنسين.. ومن الجنبات يتردد نعيب ساكسفون سوبرانو يبكي إعصاراً ضرب هذه المدينة مخلفاً مئات الضحايا والمشردين، وكانت حتى ذلك اليوم، لا تزال تتعافى من آثر ذلك الحدث الجلل.

wpid-img_0227-2013-04-23-03-16.jpg

ثلاثيات ورباعيات وخماسيات من العازفين في نوادي الفرينش مِن، بيانو وجيتار ودرامز، وساكسفون أو ترومبيت، وكونتر باص غليظ يطن بأوتار كالحبال. هنا التقليد القديم للچاز. يجلس المنصتون يحتسون مشروباتهم بانهماك في السماع. ويدخلون في عاصفة من التصفيق في أعقاب كل وصلة ارتجال. ينفرد عازف، وليكن البيانيست بالتيمة الأساسية للّحن، ثم يبتعد عنها بمقدار خطوتين.. ثم ينوع على هذا الابتعاد، ثم يبتعد بمقدار أربع خطوات.. وينوع أيضاً.. ويوغل في الابتعاد بارتجالات متطرفة حتى تكون قد نسيتَ اللحن الأصلي، فإذا به يعود إليه مرة واحدة ويعزف التيمة الرئيسية بمفرداتها المكتملة، لتنفجر عاصفة التصفيق ويعود شمل العازفين ليلتئم في مجرى المقطوعة. وتكون قطعة ثلج قد ذابت في كأسك.

عند عودتي بنهاية الليل، أمر بمقهى ساهر، فأقرر أن أشرب قهوةً للطريق، لتستجمع أصداء الموسيقى قبل أن يطويها النوم. القهوة الأمريكية رقيقة كالشاي، لا يصدمك كافيينها بدفقة الإفاقة المشعة، ولا تُذهب النوم من العيون، هي فقط تضع النقاط فوق حروف الكؤوس التي جرعتها الليلة. في الداخل ينعس على أحد مقاعد المقهى مشردٌ بملابس رثة؛ بالتأكيد لا ينتمي لجمهور الچاز الوقور، ولا لصخب المدينة السياحي. ربما كان ينتمي لإعصار كاتارينا الذي ضرب المدينة منذ ثلاث سنوات. فوق رأس النائم كان ثمة ملصق كبير يعلن أن الاحتفال الشعبي الخاص بانتهاء الكرنفال قد تم نقله من ساحة المدينة إلى فندق الماريوت، وذلك للظروف التي خلفها الإعصار! وهكذا تستعيد الرأسمالية الديثرامب المسيحي الأفريقي الأغريقي بفضل الطبيعة وغضبها لتدعم معابدها الشامخة…

* الجُمل بالفونط الثقيل من أغنية “القمر على بوربون ستريت 1985“، للموسيقي البريطاني جوردون سَمنر الشهير بستينج.

ياسر عبد اللطيف

يونيو (حزيران) 2003

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

wpid-img_6400-2013-03-20-13-40.jpg

لكن بغض النظر عن ذلك أحس أن كتابتهم حاجة من اتنين:

إما دروس في الأخلاق نبرتها عقلانية و”وسطية” مصرقويتية مما يساعد بشكل أو بآخر على تأكيد “الثوابت” الإخوانية نفسها التي جعلت المجتمع شكله كده؛

أو تمرينات استعراضية تبالغ في الحركات بما يوحي أن كتابها بعد ما مضّوا طفولتهم بين مدن سكاندينافيا وأحياء لوس أنجيليس المثلية ذهبوا في بعثات طويلة إلى مدن الفضاء الخارجي ولم يجيئوا مصر إلى أن قامت الثورة.

wpid-img_6401-2013-03-20-13-40.jpg

باختصار:

أرى درجات عبث ولاجدوى كفيلة بجعلي أكف عن قراءة المقالات بعد أن كففت فعلاً عن متابعة التلفزيون والأخبار. ولا يعني هذا أي انتقاد للمقالات أو كتابها بالضرورة، فقط لجدوى الاشتباك بهذا الشكل مع القضايا المطروحة والمحسومة في ذهني وأذهانهم كما حُسمت منذ عقود أو قرون في العالم النظيف؛ اللهم إلا التربح من ورائها وهو ما أربأ بالحبايب عنه. أربأ أربأ يعني…

حتى لو السبب الوحيد في ذلك أني لا أرى كيف يمكن أن يتربحوا منه بدرجة مجدية.

wpid-photo-2013-03-20-13-40.jpg

(٢)

من الموتيفات المسيطرة على خطاب الصيبر العربي ما بعد “الثورات” فكرة العدمية، وفكرة الأناركية. أنا لن أخش في التفاصيل التاريخية والمعرفية لكل من الفكرتين ولن أسأل مجرد سؤال عن الهرتلة المعتادة في الكلام عن الفروق بين النظرية والتطبيق، أكثر من قول إني حقيقي اتخنقت.

wpid-img_4826-2013-03-20-13-40.jpg

اتخنقت ليس لأن كلاً من الفكرتين عبارة عن كليشيه ميّت يقدّم باعتباره مخرجاً من أزمة حياة، ولا لأنهما ينقصهما الحد الأدني “التنويري” من الموضوعية (فكل فكرة بهذا المعنى تشبه المنطلق الديني/الأخلاقي للإخوان المسلمين، لا يهم أنها قد تبدو على طرف النقيض لفظياً من “جماعة إصلاحية محافظة”)، ولا حتى لأنهما فكرتان بلا أفق… ولكن لأسباب، في الوقت نفسه، أبسط وأكثر جذرية.

فما معنى أن تتكلم عن العدمية وأنت غرقان في سبوبة وراء سبوبة وبصدد استبدال سيارتك التويوتا بواحدة بي إم الآن، أو أن يكون هذا – للدقة – هو الطريق الذي تتطلع إلى السير عليه (إلا أن تكون العدمية جانباً من الديكور اللاحق على عملية تسلق اجتماعي ناجحة)؟

وما معنى أن تتكلم عن العدمية كمبرر لاشتراكك في اشتباكات خرقاء مع الشرطة أو غير الشرطة تحدث تحت عنوان القصاص (وهو مفهوم ليس فقط غير متوائم مع “الفكر العدمي” ولكن أيضاً أقدم بكثير – تاريخياً – من المنظومة الحداثية التي أنتجت وضعاً يمكن أن تكون العدمية رد فعل عليه)؟

wpid-2013-02-1711-49-44-2013-03-20-13-40.jpg

أما بالنسبة للأناركية، مع شديد احترامي يعني، أناركية مين يا بني اللي إنت جاي تمارسها هنا؟ وإنت عندك دولة أصلاً عشان تثور عليها بالأناركية؟ ولما تلغي بواقي السلطة الموجودة – بافتراض إنك تقدر تعمل كده في شارعكو حتى – إيه اللي حيفرّقك عن لبنان قبل ١٩٩٠ أو العراق بعد ٢٠٠٣؟

لما يبقى عندك حد أدنى من الخصوصية أو رفيقات نضال ما هماش متبشنقين، لما تبقى إنت شخصياً قادر تتخلص من الإحساس بالذنب إنك ما بتقومش تصلي الفجر بالليل… والأهم من ده كله طبعاً لما تبقى شايف حواليك خدمات أساسية أو منظومة رأسمالية شغالة أو أي أمارة تانية على وجود مؤسسات ليها سطوة بأي معنى عملي أو إيجابي – مش مجرد عصابات بتطلّع ميتين ناس هما سامحينلها بكده – ساعتها ابقى فكر في الأناركية.

غير ده ما فيش أي مانع طبعاً تجري في الشارع بس ما تبقاش ترجع تعيط لما يحصل المفترض إن الأناركي متوقعه، ماشي؟

wpid-2013-02-2315-24-56-2013-03-20-13-40.jpg

(٣)

قد يكون مأخذي الأساسي على كل ذلك غير مرتبط لا بالعالم العربي ولا باللحظة الراهنة فيه – قد يكون كلامي فعلاً منفصلاً عن أي مكان/زمن، وهو ما يفسّره ويؤّكده بعدي عن الواقع أو إدراكي لذلك البعد الأعمق ربما، فقط ربما، من إدراك معارفي كتاب الرأي – لكن المهم في الموضوع، غير إني اتخنقت يعني، هو أني باستثناءات نادرة معظمها تائه على طريق التفاهة الممنهجة لا أرى في الكلام الدائر أفق حياة.

قصدي أن كل أو معظم ما يقال باتجاه النظافة في مجتمع يتضح كل يوم أنه أوسخ من فكرتي الوسخة عنه يساهم بلا قصد في الوساخة، ذلك أنه سواء كان “أخلاقياً” أو “جامد كيك” دائماً ما يتضح أنه مطابق للفكرة الدينية/الأخلاقية القديمة، حتى في موقفه الجمالي، ولذلك ينتهي إلى الهزيمة أمام الفكرة التلمودية في صورتها الخام وينتهي إلى الموت أو ما بعده بديلاً أوحد عن اللامسئولية أو استمرار الوضع على ما هو عليه: العدم المزعوم. ينتهي من قبل أن يبدأ.

لاحظ – أرجوك – أني لم أذكر أياً من القضايا المطروحة والدائر النقاش حولها. أنت تعرف رأيي فيها كما أعرف أنا رأيك، ولا أرى أي ضرورة من ثم لذكرها.

اغمض عينيك تراني أمامك: جواب غرامي

بيروت-بشري-بيروت، 15 نوفمبر؛ ذكرى الواحات البحرية، 10 نوفمبر

Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your Flash plugin.

لم أدر ما طيب العناق على الهوى حتى ترفق ساعدى فطواك

وتأودت أعطـاف بانك في يدي واحمر من خفريهما خداك

beirutbsharre

12.07: “أبو شادي” يزفر، على جسر “سليم سلام”. لازلت، لاهثاً، أتوق إلى منقوشة. “العجقة”، يكرر. سينقّ طوال السكة؟ على الأقل، سمح لي أن أدخن. السيجارة بلا طعم من غير قهوة. “وين بدنا نروح من هون”؟ منذ لمحت كوعه على الـcase فيHotel Cavalier وأنا متوجس خيفته، هذا القصير الماكر؛ لو كنتُ فقط “تروقت” قبل أن أجلس جواره! كأنه بطل مصارعة أقزام. يتعاطى كأمير إمارة عفى عليه الزمن. لن أنسى نبرته يخبرني، لاحقاً، أنه يتحدث الفرنسية والإنجليزية “بتلااااااكة”!

لكن المطر كف وها هي “العجقة” تنفك. تتعثر “المرسيدس” عبر الطاقة القريبة، عكس السير. كففت عن الانتباه لدمدمته. متعباً، أصير لا أتحمّل. فقط “جبران خليل جبران” في رأسي، دونكِ. و”كاميون” جيش يصرخ وراءنا. دقائق وأبرح إلى المقعد الخلفي، على أية حال. جوار رفيقة دربي، “ليلى”، سنضحك. لا تمضي دقيقتان، صحبة “ليلى”، دون أن نضحك. رفيقة دربي التي لستِ أنت. متى أعترف أن الحنق مصدره غيابك؟ “أبو شادي” مُسَلٍ، لكن بلا كافيين؟ لا أعرف كيف أستحضركِ وسط هذه الملابسات. “ليلى” ستلهيني، أفكر. وعند دكان “قبلان” أُفْلِت بحجة انتظارها. حمرة خرافية على وجهك تتشبث بعينيّ.

wpid-p1040225-2013-03-18-17-15.jpg

12،15: نزوم، ممتقعين، عبر مرفأ بيروت. تأخرت الضحكات؛ لعله عوز النوم. وحده القزم الأرستقراطي يبقبق. عن أي موضوع مداخلته؟ لـ”ليلى” أن تجيبه، إن أرادت. على غير هدى تلفحني فتنة “ليلى”؛ كلما طالَعتُها فتنتني؟ لعله عوز النوم. لِمَ لا يعدي “أبو شادي” سكوننا، مع ذلك؟ “هو إحنا هنفضل كدا زي اللي قاعدين ف دكان حلاقة”، أسألها. صوتها من تحت اللحاف، بعد مدة: “إنت اللي شكلك قرفان بصراحة”! الطعام، والراحة. أنتحي الجهة المقابلة إذ يتبدّى البحر. في الظُهر تبرّح بي القهوة؟ الجوع والإدمان. الغيوم نزعت عباءتها. لؤلؤ على الأسفلت. من جديد يسعل السائق؛ أظنه سينكتم فيزاول.

أسترق النظر إلى “ليلى”. لا تستوقفني فتنتها – أف! طائر منمنم فوق برج بعيد. أطوي غلاف الدفتر الراقد في راحتي منذ “رياض الصلح”. على رأس الصفحة: “الحج إلى بيت جبران”. كيف، وقد أقصيتُك يائساً، انقلب صاحب مزارنا شفيعي؟ هنيهة لأستدرج أسطورة جبل لبنان من مخبأها، رغم أنفك: اليوم أختبر الشيء الذي أسمع عنه دون أن أراه. لكن بِركةً وامضة تتمثل عينك. خليج آخر يستشف جذعك من وراء. حتى وشوشة الريح كأنها اللهاث الذي نصدره سوياً – كم مرة أعدت إنتاجه في غير سياق؟ – وقت تبارينا على صعود تلة جير. سبقتك، ثم غلبتيني. أكاد أعطس ثم ألتفت ورائي. كم مرة ستتكرر المباراة؟

ولقد مررت على الرياض بربوة غَنّاء كنت حيالها ألقاكِ

12.20: Fade out تدريجي. استراحة قصيرة ثم يبدأ العرض. لا يبقى سوى الحركة. ذكراك وتهويمات باطنية. إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه، وإن كان وعر المسالك، زلق المنحدر. ويوغل الـFade out حتى تنزعني الهواجس: سوف تحبينني؟ معقول، أنا الذي ستحبين؟ “ليلى” تهبّ إلى صليب طائر. لاح “يسوع الملك”؛ قبل أن أتحقق من شكله يغيب، كل مرة. وإذا حدثكم فصدقوه، وإن كان لصوته أن يعصف بأحلامكم مثلما يعصف ريح الشمال بالبستان. “التلفريك” قصعة صفراء مثل صحن طائر وئيد الالتفاف. تليه قصعة بيضاء طبق الأصل، ثم أخرى؛ فقط اللون يتبدل.

على البعد ظِل قصر يميل. زجاج مضبب وقرميد زهر.

wpid-p1040231-2013-03-18-17-15.jpg

12.26: من الأمام مداخلات “أبو شادي” متصلة. بندول في جوفي. أتنهد. “هو الباشمهندس نظامه إيه معانا الليله دي” – أهمس لـ”ليلى” – “مش ناوي يتخرس حبتين”؟ الطيبة ضحكة عينيها. تشغفني محبة كالرمل. الصحرا البيضا، أتذكر. صفاء الرقاد والمجرات خرائط. ولوهلة، خلل “جونية”، يُمسَخ المشهد فيلم خيال علمي حيث المسير على طريق “بشري” يدنيني من خيمة تحتويك. رفقة fairy ضحكوك من كوكب الفاتنات، أدنو، يقود مكوكَنا فضائيٌ ثرثار. بيته كان في نجم إمارة الأقزام حتى اندثر ثقباً أسود. “يعطيك العافية أبو شادي”، أصيح. و”ليلى”، مخافة طوفان الضحكات، تتنحنح في وجه الشمس. يحمر جيدها، ألاحظ.

إلى متى أستوثق من حزني كي لا تخلّيني الحاجة؟ حتى مغارة “جعيتا”، صباح أمس، لم تكن إلا ميناء أقلعت منه إلى سباتك. ذقني على حافة الزجاج، أستنشق أنفاسك الهاربة. كل هذه المعالم وأنت في “ميدان التحرير”؟ أنبش الهيولى عن إناء يجمع دموعنا. لتبنِ بخيالك خميلة في الخلاء، قبل أن تقيم داراً وراء أسوار المدينة؛ فكما تعود إلى دارك مع الغسق كل مساء، كذلك الهائم الطواف فيك يئوب من أفقه البعيد وحيداً. رقبتي تقفو ذقني، حتى تفاحة آدم. وأنت لستِ لي. أفق يرقطه السنديان.

wpid-p1040405-2013-03-18-17-15.jpg

12.31: غادرنا “جونية”. “ليلى” تكبس أنفها في الزجاج. لم أتوقع أن ترتدي زياً رياضياً. “الله”! تصطنع الدهشة إذ أعلّق. “إنتو مش قايلنلي فيه ماتش”؟ في العودة من الواحات، كنتِ إلى يساري؛ هي، تفصلنا فسحة، إلى اليمين. “أنا أسمع كلمة جبل تلاقيني ضربت التِرِنْك وقمت نازلة”! أخيراً همد “أبو شادي”؛ لعلها اللهجة: يشيح عن مزاحنا. “ليلى” تغالب النعاس.

مازلتِ وكأنك في محط ثلاثتنا. حيث الأرزة، والنبع. قبل أيام، على طريق كالتي خلّفناها منذ برهة – بدل دفتري “الزغنطط” مفتوحاً في راحتي – كانت قبضة يدك حلاوة روح “ستاكوزا” أُخرجت لتوها من حوض ثلج. يدك “زغنططة” إلى مدى لا يصدق. ما خلا الضغط، لم تفقد نعومتها. هكذا أتجشم حضورك، والسائق المختال في صمته. صوتك، رويداً – لم تلهني “ليلى”، لكن الهذر ييسّر الالتماس – “الحاجات اللي إنت بتقولها دي عيييييب”…

wpid-img_2718-2013-03-18-17-15.jpg

12.39: صارت الحركة حلزونية. بيوت كأنها قوالب سكر تتدرج على السفح. “أبو شادي” يضرب “فريمات”. أسفلت ضيق. وعلو يشي بالسقوط. الذكرى والكركرة في آن. أقرب ما استشعرتُ غرامك في سيارة مثل هذه بـ”شوفير”، أكتشف، و”الستاكوزا” المتداعية تعصر إصبعي. الفرح بالوجع. لم أحسب تمسيد الشعر يغبط إلى هذا الحد. ثم طمأنينة الدموع.

أتطلع إلى شعر صديقتي: جماله، بالضبط، أنه ليس شعرك. “ألاقيكِ ضربتي إيه حضرتك يا أستاذة ليلي”؟ – وزاوية الحجر، كما هُيِئ لي، ترسم “بروفيلك” في الهواء – القهقهة شلالات. لغز الغياب أنه يفصّلك خصلة، أو إيماءة، أو ضغطة إصبعين. وكل تفصيلة حاضرة بحدة رغبتي في جسدك. شعرك زر طربوش سلطاني. الوعد أعنف دائماً.

wpid-dsc_0106-2013-03-18-17-15.jpg

12.47: نحيد عن “جبيل” وضحتكِ، في أذني، سؤال: لماذا لم نكن في خيمة واحدة؟ تحت لافتة بلون سترة “ليلى”، يدي عند أنفي كي أشمك. ووجه “بيار الجُمَيِّل” نبوءة أن لا عطر هناك. وسط سَكينة مثل هذه، من أين يأتي القتلى؟

“أبو شادي”، أنحني على أذنه فيقع الدفتر وينخرني شوق بنفس اللون، “فينا نوقف بشي محل”؟ ثم أجفل لبرتقال الشمس. غيمة تنهنه. أزرق أسطوري باتجاهين. يدي على فمي وأمير الإمارة يعمل مداخلة ثانية: ندرة المخابز، الرجوع في العتمة، “دخيلك”… إلى أن تفجأني هبّة صديقتي. أرد الدفتر محل يدك، قبضة سعادة. و”ليلى” تجثم للبحر: “معقول يا ربي الجمال”!

“بلّش” الصعود والجبل الأخضر. “ولا يهمك”، أقاطع “أبو شادي”. ثم أوقد سيجارة أخرى. العلبة لون خديك. مثل سترة “ليلى” واللافتة التي مررنا تحتها، والشوق. أخضر على أزرقين، وبرتقال يبعث بياضاً. لكن “النهاردا” كل شيء أحمر.

ودخلت في ليلين فرعك والدجى  ولثمت كالصبح المنوّر فاك

13.11: وقفنا عند حاجز جيش. هيكل عظمي يركض باتجاه البحر. الآن رأسي كله في الهواء. زهر أصفر كالهشيم خلف حد الأسفلت. بعد الحاجز تضيق الطريق. السماء قاب قوسين. أحلم بماء ثائر: قالباً صلداً يترك بطن الأرض؛ رجعته إكليل يجوّف القالب. زهرة زُلال بين الأبيض واللالون، ينبوع حلمي: قُبلتها رواء. وأعود أرق للوحشة. بُعدك ملح أجاج. على المدى صوت كأنه انفجار. “ليلى”، غير منتبهة، تدندن. لم ألفتها إلى قطة تحتضر. طائرة لو مددت يدي أطولها، ثم أخرى رأس دبوس. أفقنا على برد وخلاء.

قالت السمكة: المحيط ملكوتي. قال الصياد: قلبي شص. قالت الموجة: لتغرق! لكن الدجى المبتل لا يأتي على الغرقى. السمكة نفقت تأكل الصياد. والشص مزار سياحي.

مازالت الطريق ممتدة. حاجز ثانٍ؟ “سمير جعجع” يطالعنا ببرود من خلف سروة ناحلة. “الحاجات اللي إنت بتقولها دي”… يغضبني خوفك إذ أرومه. ثم أفرد ظهري. نبطئ بصدد التفافة كالسهم. صدّقتك جوّابة صحراء، فأين الطَلّ من نهديك؟ أنتم يا أبناء الفضاء الذين لا تطمئنون حين تحل الطمأنينةلن تقطنوا قبوراً شيدها الموتى للأحياء. مرة ثانية أشهق، بلا صوت: السماء تِبر قصب. ثوانٍ، تتغنج إثرها سحب مستطيلة. هدوء عسل رغم النق. تِبْر، وعسل. قطرتا مطر تذكرانني بليل القاهرة. تتباعد السيارات.

wpid-dsc_0101-2013-03-18-17-15.jpg

13.37: كأنما بغتة، زاوية الميل احتدت. “ليلى” تفزع، دورياً، في غياب سياج. “حسرة عليكي إنتي يا لولة يا قمر”! تنعي شبابها “في الغربة”. فأفكر أننا قد نقضي. المنحنيات أكثر درامية. وكقوس رمادي، تبغتني مراوغتك للعشق. كل هذا يفعله الحب بكم لكي تعرفوا أسرار قلوبكم، وبهذه المعرفة تصبحون فلذة من قلب الوجود. الأخضر دوائر متلامسة وقباب: للمرة الأولى، يقين أنني غادرت. فيلوح الحنق حرماناً بدل الغيبة. الزرقة أقل بريقاً في دنو الشمس. ولا بحر. بدأت تندحر الحرارة. يركع الأحمر للطبيعة الطائلة.

من جديد أنحني على مقعد القيادة – لن أدع الدفتر ينزلق – “نحن وين”؟ اسم “الضيعة”، كغيره، سلوان. لكن قناعة ثبتت بجدوى الخرائط. “هلّق نحن بـ”… عصاب “الفرامل”، مع الالتفات للخلف. “ليلى تدندن”: “وتعطلت – ترم – لغة الكلااااااام وخاطبت عيني في لغة الـ”… بعد “إهدن” سينتصر السكوت. إذ تنغزين إحساس الفقد، الآن، أستعيد “النبي”: أنا الذي أهرب؟ صديقتي تتسلطن و”أبو شادي” ينفث سيجارته الوحيدة. “الهوى عينااااك – تراراررم، تراراررم”… نعلو ونشهق.

لا أمس من عمر الزمان ولا غد جُمع الزمان فكان يوم رضاكِ

14.03: الجوع بلغ ذروة جديدة. على البُعد مدن الناس. ماذا يشعرني أننا بلا سند؟ زايَلَنا الوادي الأخير. لبضع دقائق يفقد “أبو شادي” وجهته، فنجوب دياراً سيحدثني “بيار” عن انتمائها كلها لأربع عشائر، منتصف السبعينات. لا أحد يؤذيك ورأسك على حساب إحداها. اللاهوت الماركسي وسط أديرة “مار مارون”، سيقول. ويصف نبضاً اشتراكياً قض مضاجع “الجبهة اللبنانية” في أوج إقطاعها، أو انطفائه. أربابه، اليوم، أساطين اليمين المسيحي؛ مرة أخرى يفقدني صوابي تاريخ لبنان.

خبرة الوصول ذابت، استعادياً، في ماء الحديث: كلام “بيار”، بعد غد، عن بدايات “جعجع”؛ وفرحة “سوزان”، حال عودتي من “جعيتا”، بتطابق الينبوع المائل على مرقد “جبران” مع الرسم الذي حفظه بالداخل. من فسحة الضياع تبقى صوصوة الريح، والذكرى. بين أصابع قدمك كأنها “بونبون” aphrodisiac والعري الوَرِع مما ألقى زيتاً وفحماً بعد دقيقتين: عمر الزمان “توهة” واحدة طعم الزعتر. “ليلى” كفت عن الغناء. تعتدل فأظن فتنتها أحرقتني. الأرجح أنني مأخوذ بقدمك، لا أزال.

14.09: فقط غلظة “أبو شادي” تبقّع البياض – تَداوُل سموه مع المتطوعين بوصف الطريق – لا أعلم، في غياب الجليد، من أين هذا البياض. أطوي صفحة بحجم راحتك: “في مثل هذا المناخ، فعلاً، يولد أنبياء”. رأس عجوز يقب، كرةً تتأرجح، من فوق حائط صخر. دعك من إحساسي، حين أقرأ نصوص “جبران” متوازية مع أصولها الإنجليزية، كم هي ضعيفة وتافهة تلك الأصول. ٍهنا، مجال انبهار. ونحن نشرف على الرأس القابع مثل تلة في الصحرا السودا، قبالة الشلال. بريق معدني يغلف عينين وشعراً سائلاً. لماذا هما، في الاسترجاع، مغمضتان؟ نتحول، “ليلى” وأنا، سائحين من زمن كلاسيكي. زيها أنسب من ثيابي، في السياق. فأصطنع التريض. جوعان وهي تريد حمّاماً. يسارنا، عبر “تراس” المحبسة الزهر، كنيسة كأنها في شمال إيطاليا. من قلب البناء الأبيض، دروب منحدرة يغيّبها الوهج. سنصبر. نحملق في الماء المتدفق، نازلاً، لا يكاد يُرى بين الأصفر والبني. على البعد، أول أرزة أراها عن قرب. ثم نقصد “التراس”…

wpid-p1040340-2013-03-18-17-15.jpg

14.52: في خروجنا سألت “أبو شادي”، وأمل يافع على شفتي: “راح نكفّي ع الأرز”؟ بَعدي مغتاظ من الرد الرافض. لا شيء هناك، يعلل. بضع أشجار هزيلة لون الرماد – هكذا يقول الجميع – مثل طاقتي على البقاء بلا وعد منك. “أبو شادي” يتقافز مرة أخرى. بدلال، يضربه التشنج. على الأقل، “ليلى” تتفهم خوف الرجوع في الظلمة. مقلدة إياه، تكرر: “دخيلك”! فأصمم على الغداء. نتوقف، وأمير اﻹمارة يعمل مداخلة استجداء، عند أول مطعم مفتوح. “بزعون”. الدفء المنسل يعرض نوماً وطعاماً؛ ولا “دومري”. حنو القائمين على المكان، كأننا من كوكب آخر.

أسترجع خلاصي منك، كنزاً مؤقتاً، و”ليلى” في الحمام. بضع دقائق، فقط، قرب نهاية جولتنا. لا أصدق أنك زايلتيني حقاً داخل المحبسة. وقعتُ في غرام “خليل جبران”؟ كنا قد اجتزنا المراحل كلها.

wpid-p1050823-2013-03-18-17-15.jpg

14.53: النبع الذي لم يكن قالباً ولا زهرة – ثالث حجرة؟ – صورته، الفحم، من فوقه. وعينا الكهل الذي استقبلنا مازال زوغانهما يلهيني. لعله قسّ رسمه أسقف هو اﻵخر معرفة “بيار”. ترحابه تهديد. محبة مسيحية، في عينيه، تضمر سر أنه يكره “يسوع”. هذا التأود الرباني، لا تُقنع براءته. في الخلفية مخلوق نصفه رجل، نصفه حصان. صوت “سوزان” تستطرد، بحسرة: “معقول؟ ما رأيتَ غابة ولا شربت من نبع؟” خلتني أجلس القرفصاء ويداي كأس – في الحال أملأ كوبين “بلاستك” من كومة مصفوفة للغرض. “ليلى” منكبة على “الكتالوج”. لا تشاركني عجب حلاوة الماء – لا أظنني ذقت، في حياتي، ماءً أحلى – لعلها الحاجة إلى حمّام. وأهُم بإعادة ملئ كوبي. إذ ترتسم على فمي نكتة لن أقولها لـ”ليلى”، يعاودني فرعك. المرن المتماسك، كالسهل الممتنع. وقدرة مبهجة على خبط رأسك، في الساعة، مرات. Baby شقي، أغنّيكِ. فقط لو تطمئنني “ليلى” لأنك لحم ودم. من أين الشك في وجودك؟

طوال ثلثي ساعة – ونحن من غرفة إلى درج، من لوحة إلى رسالة إلى ظل “كومود” – لن يرحمني سحرك. إلى أن يتبع آخرَ الصعود هبوط مباشر إلى جوف الأرض. كأننا هطلنا. هناك، في مساحة هي الأخرى خيال علمي، سنبحث عن المرقد بلا دليل. ضوء النهار ينسل خافتاً. جدران قلاية: دير صحراوي. في الوجه موبيليا. ولا إشارة، سوى فقدان التوازن، إلى أن أكثر هذه الأشياء أمريكية المنشأ. خلف فروع مقشرة مثل خيط عنكبوت عملاق، تجويف منير كأنه مصطلى.

لن ندرك، حتى اللحظة الأخيرة، أنه يحوي التابوت. هل أرسم صليباً بين قورتي وكتفيّ؟ يدي تتلعثم في قراءة الفاتحة. سمكة في قلبي. بضع دقائق كأنها قرن كامل بعدها أدرك أنك لم تكوني معي. أنا قطرة مطر. “ليلى” تزوم إذ يوقفني كلام محفور على جذع مثبت إلى يمينه، احتفظ بدكنته: “أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك.”

wpid-p1050821-2013-03-18-17-15.jpg

14.55: “ليلى” وأنا – بعد أسابيع – نتقارع الحجة بالخبرة، والخبرة بالحجة. ليل “الزمالك” عشق آخر وأنا أبثها يأساً زئبقياً. صوتك مثل قهوة “بزعون”: عندما يستفسر الكهل المستغرب إن كنت أريدها “لبنانية”، أطمئنه قائلاً “تركي” بكسر التاء. الآن، أرزة صبية إلى يسار الزجاج. مدفأة كالأنبوبة، من زمن “جبران”. على القائمة، خمسة عشر نوع عرق. القرميد حلم. في “الزمالك” سأقول لـ”ليلى” إنك إن رابطتِ بلا جسد يروي شهوتي – في وجود جسد آخر – تصيرين أغنية لـ”عبد الوهاب”. روعة “جبيل” في الصورة الفوتوغرافية – أقول – ليست روعة “جبيل. وأنا لا أريد حبيبتي صورة فوتوغرافية رائعة على الحائط.

“بزعون”… والعطش موت أحمر… أتذكر لحماً سمجاً يثقله السماق، pommes frites عائم في زيته، وفتوشاً يفرح. “أبو شادي” الذي رفض أن يأتي أولاً، يأكل أكثر مني و”ليلى” مجتمعين. عن تحالف “جعجع” و”وليد جنبلاط” الذي أرضى مسيحيي “الشوف”، يحدثني. عن السنة التي تكره الشيعة، و”مصلحة المنطقة”. الغذاء ينشع في أنحاء جسمي. تلال وقمم تتحاور في أفق زجاجي. “هيك رأيك يعني”… أسفلت يلمع وسط معمار ورد. “سبحان الله أبو شادي”! الأخضر يعرف الأسرار.

wpid-p1020332-2013-03-18-17-15.jpg

17.34: “أبو شادي” يزفر. آخر “الحمرا”؟ “إيه يا أخويا الحظ دا” – “ليلى” – “ربنا رزقني بواحد وإحنا رايحين جعان ووإحنا راجعين نايم”! على بوابة Hotel Cavalier، قزم صارم يحاسبني. نترفق إلى المقهى القريب. دفء بيروت والليل الحلو. “إنتي بتدشي ف إيه عايز أفهم”؟ أتثاءب. “لا أبداً مفيش حاجة”… ذكرى واحدة تدغدغني.

آخر لقاء – في مقهى مثل هذا – والعذر: لن أراك حتى أرجع من لبنان. رجاء واحد وضعته على الطاولة: قبل الذهاب، أن أرى قدمك عارية من حذائها. ونحن وسط الناس؟ ضحكات كالعصافير وأنت تستنكرين. “معقول الحاجات اللي إنت بتطلبها دي”… لوهلة طويلة، يبدو أنك لن تمنحيني “الحاجات”. الخفر يلوّن خديك. وأنا أتباطأ. سيمر زمن، كدوران الأرض. عيناي على البلاط. وأنت بين التردد والانبساط. في أدائك نفي أكثر من الإثبات. لكن السمكة الشهية – وهذا المذهل – تتخلص من قشرتها. لحظة واحدة، انزاح الحذاء ورأيت قدمك، رأيت قدمك. تخلعين الحذاء، وكأنك لا تفعلين شيئاً. لحظة وجيزة جداً، خلعتيه. وليس بالكامل. ما كدت أرمش حتى عادت السمكة إلى مخبأها. الآن، أبتسم إذ أذكر أنك خلعتيه رغم كل شيء. الخوف والخجل وغياب جسدك – أين ومتى؟ – لكن خلعتيه.

6 ديسمبر 2007، ذكرى ميلاد “جبران”

(الأبيات من قصيدة “يا جارة الوادي” لأحمد شوقي؛ المقاطع المضمنة من كتاب “النبي” ترجمة “ثروت عكاشة”)

حازم صاغية: نحن وأميركا وتشومسكي

ناس في الشوارع: صور يوسف رخا

This slideshow requires JavaScript.

*

حازم صاغية في الحياة؛ السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

حازم صاغية

************************************************************

ملاحظة موازية عن صفحة يوسف رخا في فيسبوك

البلهاء جعلونا نصدق أن “الحراك الشعبي” وحده يمكن أن يحقق تقدماً؛ وحصروا التقدم المطروح في أسئلة سياسية/اقتصادية محسومة مسبقاً في حين أن الأسئلة الاجتماعية/الثقافية هي وحدها التي كان يمكن أن تفرق معنا. السؤال الآن: هل يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في بلد عربي دون تحويل ذلك البلد إلى ساحة صراع طائفي وفتح حنفيات الدم والنزوح بلا طائل؟ لا يختلف أحد على بشاعة مافيا عائلة الأسد، مثلاً؛ لكن الثورة السورية، والتي ظُن خطأ أنها يمكن أن تستبدل تلك المافيا بنظام حكم ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان ويتطلع إلى الكفاية والعدالة، ماذا حققت إلى الآن وماذا يمكن أن تحقق – حتى لو نجحت – وقد تحولت إلى حرب أصولية على النفوذ الشيعي؟ وهل وفر على مصر وتونس الدم والدمار سوى أن حكومتيهما عميلتان لـ”قوى الاستعمار” وبالتالي قادرتان على تسليم السلطة لفريق جديد من العملاء بسرعة نسبية؟ متى ندرك أن هذه ليست دولاً وإنما مستعمرات، وأن المسئول عن كونها وبقائها كذلك هو – قبل أي طرف آخر – سكانها أنفسهم، حيث الكلام عن التحرر ليس إلا ذريعة لمصالح من شأنها أن تنفي احتمالاته تلقائياً؟

.

أنا اعتقادي إن اللي حصل في مصر وتونس له علاقة أساسا بإن ما فيش حاجة حصلت، هامش حريات النظام العالمي ووجود المؤسسات جوة النظام ده بشكل أو بآخر سمح بإنه يحصل شو ضخم ومقنع لدرجة إننا نصدقة، وكان الضامن لده – بما فيه ما يسمى بالقانون والمؤسسات وحيادية قواتنا المسلحة الباسلة وبما فيه كمان استعداد قطاعات عريضة جداً للتعريص الممنهج واستعجال كل الأطراف على إن الشو يخلص و”السلطة تتسلم” – هو إن العمالة للمنظومة الرأسمالية السايدة واضحة وبسيطة وبالتالي فيها مساحة لإن الناس تبقى بتمثل في المسرحية وهي مش واخدة بالها إنها مسرحية (ويمكن العمالة بالمعنى ده شيء إيجابي في ضوء إن لا فيه قابلية على الإنتاج ولا مشروع عالمي بديل إلا إرهاب بيقدم نفسه باعتباره صحوة إسلامية وأموال بترول بتنتج وتدعم الإرهاب زي المقاول السكير اللي بيعمل في عمارته زاوية صلاة عشان يكفر عن ذنوبه وهو عمره ما سأل نفسه بجد إذا كان أصلاً مصدق في الدين)، بينما عمالة سوريا هي لجهات بتناهض المنظومة الرأسمالية ولو اسماً مش فعلاً وبالتالي بترفض هامش الحريات السياسية المطروح من قبل ما يتوجد فتبص تلاقي الشو بيقلب بجد. ما أظنش الطائفية ممكن تعمل منطق أسباب ونتائج أبداً في حد ذاتها، وبعدين ما فيش طوائف في ليبيا مثلا بس شوف اللي حصل في ليبيا. الطائفية مجرد لغة لتبرير العدمية في مجتمعات فشلت في خلق ثقافة معاصرة تخلي للحياة حد أدنى من المعنى عند عدد كافي من الناس، وطائفية النظم مش أكتر من انعكاس لده

عقل العويط: انتفاضة داخل الانتفاضة

wpid-2011-11-20t155550z_01_amr13_rtridsp_3_egypt-protests-2011-11-27-21-52.jpg

أكثر ما يحزّ في نفوسنا أن يكون الذين ينادون بالثورات العربية، طلباً للخروج الى عهود الحرية والديموقراطية والأنسنة في العالم العربي، والذين ينخرطون فيها، استشهاداً، أو نزولاً الى الشارع، أو “تحريضاً” ثقافياً خلاّقاً، منذ استشهاد البوعزيزي التونسي، هم أشدّ الناس حرجاً وقلقاً مما يمكن أن تؤول إليه بعض هذه الثورات. في ضوء ما يجري في مصر خصوصاً، من محاولات الاستيلاء الديكتاتوري الوقح على الثورة، عسكرياً وإسلاموياً، هنا دعوة الى الانتفاض على الانتفاضة.

ثمة “مصلحة خبيثة عظمى” في كل بلد عربي ثائر، أو في طريقه الى الثورة، لإجهاض الحراك الثوري، أو تثميره في غير الوجهة التغييرية التي يتوق إليها. يكفي أن نرى كيف تطلّ الخديعة الخبيثة برأسيها العسكريتاري والديني الإخواني – السلفي، في مصر خصوصاً، كما في تونس وليبيا، وغيرها من البلدان العربية، كي نضع أيدينا على قلوبنا، وندعو الى اليقظة الثقافية. في سياق هذه “العلامة” المخيفة، لا يسعني إلاّ أن أوجّه أنظاري نحو مصر المتنوّرة المدنية تحديداً، لأسألها كمواطن عربي، أن تواصل ثورتها السلمية بكل قوة وإلحاح وتصعيد، ضدّ ديكتاتورية العسكر وديكتاتورية الاتجاهات الدينية الظلامية على السواء، وأن تضع حداً تاريخياً فاصلاً لحكم المجلس العسكري المتواصل منذ ستين عاماً، وأن تمتشق دورها التاريخي، الذي وحده ينقذ مما قد يكون يحضَّر لمنطقتنا العربية.

لماذا مصر تحديداً، وخصوصاً؟ لأننا، كعرب، محتاجون إلى هذه المصر الطليعية. محتاجون إليها دائماً وأبداً. محتاجون إلى مصر تنويرية، متمردة، منتفضة، مدنية، متنوعة، ساهرة على الثورات والأحلام، تستوعب كل التناقضات، وتكون رائدة الخيارات الثقافية والديموقراطية المتقدمة في عالمنا العربي. محتاجون إليكِ يا مصر، أكثر من أي وقت مضى. محتاجون مجدداً إلى ميدان تحريركِ، والى مثقفيكِ وشبابكِ التنويريين، المتألقين، الخلاّقين، القادرين على جرف الانزياحات المريبة، العسكريتارية والدينية – السلفية، وامتصاصها.

بدون مصر هذه، بدون شباب ميدان التحرير، بدون عزائمهم الهائلة، واستماتاتهم، ستأكلنا المطامع الظلامية الدفينة، النائمة، المستيقظة. وستأكلنا الديكتاتوريات والسلفيات اللابسة لبوسها الجديد أو المقنّع.

نخاطب مصر لأنها أمّنا جميعاً. ولأنها بيتنا الكبير.

ليس لدولة إقليمية سواها، عربية أم غير عربية، أن تحلّ محلّ مصر. عبثاً تحاول تركيا العلمانية و/أو الإسلامية. عبثاً تحاول إيران الملالي. عبثاً تحاول دول عربية أخرى، صغيرة أم كبيرة، إمارات أم ممالك، أم حتى جمهوريات.

عبثاً يحاول الغرب الأميركي – الأطلسي قهرنا بتصنيع صورة لمصر تخالف حقيقتها ودورها. عبثاً يصنع لنا الغرب بقوة التزوير والتشويه والفرض، مصراً باردة، حيادية، مدجّنة، ومنزوعة الأظفار.

لا أحد يحلّ محلّ مصر الحرّة والرائدة. هذا هو سرّنا الاستراتيجي العربي، السياسي والمجتمعي والثقافي والحضاري. لهذا السبب نناديها. ننادي شبابها، ثوّارها، ومثقفيها، ونستحثّهم على مواصلة الكفاح المدني، وعلى السهر والنضال، لعدم تفويت الفرصة التاريخية.

هاكم المشهد المصري: مماطلات العسكر ومطامعهم وحساباتهم واضحة ووقحة. الرغبات الإخوانية، الإسلاموية والسلفية، جامحة ومفترسة. هذه وتلك، أي المماطلات والرغبات، لا تحتملان الجدال والتأويل. في المقابل، ثمة حكومة مستقيلة، مسحوبة الروح، فاقدة الشرعية، معدومة البطولة، لم تستطع أن تقف على رجليها، ولا أن تؤسس لمرحلة التغيير الديموقراطية الجديدة، لأن العسكر يريدون أن يحكموا هم، وأن تكون هي، أو بديلتها المحتملة، محض واجهة مدنية لاستمرار الوضع القائم منذ عقود.

بسببٍ من ذلك، أكتب هذا المقال، مستنجداً بشباب ميدان التحرير، وبمثقفيه، بقواهم المدنية الحيّة والديناميكية، داعياً إياهم للانتفاض على الانتفاضة، للثورة على الثورة، وللعودة الى مقارعة “المستحيل” الديموقراطي الذي يجب أن يظل ممكناً. بل الذي يجب أن يتحوّل أمراً واقعاً.

مع الثورات والانتفاضات الجارية، قد يكون العالم العربي على قاب قوسين من إسدال الستار الفعلي على خمسين عاماً من الديكتاتوريات. لكن من أجل أن ينفتح أيّ مسرح، يكون بديلاً من هذه الديكتاتوريات؟ هذا ما يجب أن يضعه الثوّار والمتنوّرون والمدنيون والديموقراطيون على الطاولة، وهذا ما ننبّه إليه، فندعو مصر أولاً، وجميع التائقين الى التغيير تالياً، الى محاذرة الوقوع في الخديعة السلفية، الدينية والعسكرية، المبطّنة حيناً والعلنية أحياناً. وإذا كانت هذه الخديعة السلفية الدينية تحاول أن تطل برأسها اللئيم في ليبيا وتونس، فإنها ستؤذي، ولا بدّ، الثورتين الوليدتين هناك. إلاّ أن احتمالات نجاح الخديعة المزدوجة الرأس في مصر أو عدم نجاحها، هي التي إما ستقصم ظهر الحرية وإما ستجعله مستقيماً، وتحسم مستقبل القضية العربية سلباً أو إيجاباً.

أيها الثوّار الديموقراطيون في القاهرة وطرابلس وتونس ودمشق وصنعاء وبغداد وعمان والرياض والكويت والرباط والجزائر وعواصم النفط الخليجي، أنتَ خصوصاً يا شباب ميدان التحرير، لا تترك الوديعة الديموقراطية تفلت من بين يديك. ففي هذا المعنى، وديعتكَ وديعتنا جميعاً، ونحن كلّنا مصر، ونحن كلّنا أنت. فوزكَ فوزنا. سقوطكَ سقوطنا. فلا تتركنا نسقط في هذا الفم الجهنمي المخيف. واصلْ عودتك الى الشارع الديموقراطي، واصلْ عودتك الى الوضوح، على قول سمير قصير، وانتفض على الانتفاضة من داخل الانتفاضة، واسحب البساط من تحت أرجل الخديعة العسكرية والإسلاموية. فبعد قليل قد “نُعاد” جميعنا الى بطون الديكتاتوريات الجديدة القديمة، إن لم تنتزع المستقبل بأيديك، بأظفارك، بالأسنان، وبالأجساد القوية التي تفوح من مسامها دساتير الحرية والديموقراطية والدولة المدنية.

هذه “التباشير” العسكريتارية – الدينية التي تهلّ أهلّتها في أكثر من مكان عربي ثائر، يجب أن تجبهها، على الفور، وتمتصها، ثقافة مدنية طليعية، ديموقراطية في الضرورة، يحملها في عيونهم وعقولهم وإراداتهم التطبيقية، شبّان أشاوس، أحرار وديموقراطيون في الضرورة، وعلمانيون إذا شاؤوا، من أجل أن تظل الانتفاضات انتفاضات والثورات ثورات، لا أن تزهق فتنضمّ الى كنوز الحرية والديموقراطية المنهوبة منذ عقود في هذا العالم العربي الكئيب. بعد أيام، اذا ذهب المصريون الى صناديق الاقتراع، فلتربح مصر المدنية المتنورة، رهانها الديموقراطي هذا، ولينكفئ العسكر الى ثكنهم، والإسلامويون والسلفيون والدينيون جميعاً الى دور عباداتهم، مرةً واحدة، والآن. هكذا تربح مصر ذاتها، وتستعيد روحها. بل أرواحنا جميعاً.

عقل العويط

akl.awit@annahar.com.lb

حازم صاغية عن سوريا والعراق

wpid-n28196965278_1101277_9977-2011-08-10-15-47.jpg

سبب واحد يكفي بذاته كي نقول إنّ على النظام السوريّ أن يرحل. دع جانباً السياسة والاقتصاد والتعليم والسياسة الخارجيّة والأداء الحربيّ.

السبب المقصود هو الانتقال بين ليلة وضحاها من وضع كان يبدو فيه أنّ السوريّين كلّهم، ومعهم اللبنانيّون، صامتون عن بشّار الأسد ونظامه، إلى انفجار هائل في إبداء الرفض والمقت والكراهية للنظام المذكور ورأسه وأسرته وحزبه.

بالمقارنة بين هذا الانفجار الذي أتاحته شجاعة أبناء درعا، قبل أن ينضمّ إليهم شجعان المدن والبلدات الأخرى، وبين الصمت السابق المفروض والمعمّم، نستدلّ إلى درجة الخوف الذي كان يسري في عروق السوريّين، واللبنانيّين استطراداً، حين كانوا صامتين.

وهذا خوف تعزّ نظائره في تجارب أنظمة القمع والاستبداد. والأنظمة التي تخيف إلى هذا الحدّ ينبغي… ماذا ينبغي أيّها الأصدقاء؟

***

تجنّب أيّ عراق؟

الحياة – الثلاثاء, 09 أغسطس 2011

حازم صاغيّة

مع اندلاع الانتفاضات العربيّة أطلق البعض فكرة صحيحة مبدئيّاً، إلاّ أنّها، بقياس الوضع العربيّ، سهلة ومستعجلة. مفاد تلك الفكرة تفضيل التغيير من الداخل على التغيير من الخارج. أمّا الحجّة القاطعة فهي، بالطبع، وضع العراق اليوم، العراق الذي أطاحت القوّات الأميركيّة حكمه الاستبداديّ في 2003.

هذه الفكرة وهذا التفضيل الصحيحان من حيث المبدأ، بل البديهيّان، وجدا أحسن مسوّغاتهما في التجربتين التونسيّة والمصريّة اللتين شابهتا ذاك المبدأ. بيد أنّ التنبّه لم يكن كافياً إلى أنّ الدولة – الأمّة في مصر وتونس تبقى أوزن من الولاءات ما قبل الحديثة وأثقل، وإلى ما يترتّب على ذلك من وحدة المؤسّسة العسكريّة ووحدانيّتها، ومن محدوديّة القمع، على شناعته، قياساً بالقمع الصدّامي وما يماثله في بضعة بلدان عربيّة.

فحين اضطرّت الانتفاضة الليبيّة إلى الاستعانة بقوّات الناتو، وحين تبيّن أنّ طريق التغيير طويلة وشائكة في اليمن وسوريّة، فضلاً عن ليبيا، سرى الانتباه إلى أنّ شيئاً من العراق يقيم في هذه البلدان، تماماً كما سبق للعراقيّين أن تنبّهوا إلى أنّ شيئاً من لبنان يقيم فيهم.

إذاً ليس التدخّل الخارجيّ هو العنصر الذي ينبغي اجتنابه في تجربة العراق. ما ينبغي اجتنابه شيءٌ عراقيّ آخر هو الميل إلى إنكار التدخّل الخارجيّ، بعد المطالبة به، ومحاولة الالتفاف، من ثمّ، على نتائجه الطبيعيّة. وكان لهذا السلوك، لدى معظم النخبة الحاكمة في بغداد، أن قذف شطراً من الأمّة العراقيّة إلى الحضن الإيرانيّ من دون أن يخلو الأمر من توسّل الارهاب، فيما قذف شطراً آخر إلى الإرهاب المفتوح الذي مارسته «القاعدة» وأخواتها.

فقد استقرّ توازن الحساسيّتين عند الإمعان في التطييف، والمضيّ في خنق ما تبقّى من وطنيّة عراقيّة جامعة. وكان طبيعيّاً في هذا السياق وأد آخر ما تبقّى من سياسات تقدّميّة قيل إنّ العراق الجديد سيكون نموذجها ومنارتها. وانتهى الأمر بمسار التعفّن هذا إلى الموقف الحاليّ المشين من الانتفاضة السوريّة، دعماً لنظام يشبه النظام السابق في العراق، نظامٍ سبق أن اتّهمه العراقيّون برعاية الارهاب في بلدهم. وهذا جميعاً لم يكن مصدره إلاّ الاعتبار الطائفيّ الذي ساق النظام العراقيّ الجديد إلى طهران.

فبالطائفة وبإيران مُلئ الفراغ الكبير الذي أنتجه أصحاب تلك المواقف الذين جاؤوا من أحزاب راديكاليّة كـ «الدعوة»، وكانوا وما زالوا محمّلين بأثقال الوعي الخرافيّ، العروبيّ والإسلامويّ والشعبويّ، الذي لا تلتحم أطرافه إلاّ عند العداء للتدخّل «الاستعماريّ» «الغربيّ» «الصليبيّ»، تبعاً للمقدّمة الايديولوجيّة التي ينطلق منها كلٌّ من هذه الأطراف. وليس من المبالغة القول إنّ أيدي هؤلاء لا تبني مجتمعاً سياسيّاً حديثاً، بل تنشئ «تعدّديّة» استبداديّة مصفّحة بالخرافات والتنازع الأهليّ، كان آخر تمثيلاتها أمر مقتدى الصدر لمحازبيه بألاّ يستخدموا المكيّفات في حرّ الصيف العراقيّ القائظ. ومقتدى الصدر هو الأكثر راديكاليّة في رغبته بإخراج الأميركيّين من العراق وفي هواه الإيرانيّ.

وأغلب الظنّ أن تجد الانتفاضات العربيّة نفسها، كلّما زادت حاجتها إلى السياسة، مدعوّة لمكافحة هذا البُعد في التجربة العراقيّة، لا إلى مكافحة ذاك: إلى التحلّل من الأثقال والموروثات الإيديولوجيّة التي يلتقي على معظمها مقتدى الصدر وبشّار الأسد ومعمّر القذّافي وعلي عبدالله صالح، وإن كانوا في اللحظات العصيبة يعاملونها كجثّة كلب ميّت.

والأحسن تهيئة الشعوب والرأي العامّ لمثل ذلك.

أين بيروت من دمشق؟ إلياس خوري

 

لم أر بيروت حزينة كما اليوم.

لم أرها عاجزة عن الكلام، وغارقة في الخجل مثلما هي اليوم.

حتى عندما كانت تحت القصف والخوف، لم تكن بيروت خائفة كخوفها اليوم.

لا، هذه ليست بيروت.

هذه مدينة لا تشبه بيروت، مدينة تختنق فيها الكلمات ولا تجد فيها الحرية زاوية تلتجىء اليها.

هذه مدينة مخجلة ومتواطئة مع القاتل.

بيروت تعرف ان الصمت مشاركة في الجريمة، ومع ذلك تصمت.

في الشام يقتل شعب بالرصاص وتداس وجوه الناس بالأحذية، في الشام شعب كامل ينتفض لكرامته وحريته وحقه في الحياة.

والشام ليست بعيدة عن بيروت، ولكن بيروت تبتعد عن نفسها.

صحافتها نصف صامتة، واعلامها اخرس، واذا تكلمت فالخجل يتكلم من خلالها وليس الحرية.

ساحاتها خالية، واذا جرؤ بعض الشبان والشابات على تنظيم اعتصام صغير صامت، كي يضيئوا الشموع تحية لأرواح الشهداء في سورية، يأتي شبيحة النظام الأمني المشترك ويدوسون الشموع، ويزأرون بهتافات تمجد الديكتاتور.

مثقفوها يدارون خجلهم وصمتهم متعللين بالظروف، وان حكى بعض الشجعان فيهم، فان كلامه لا يبرىء الصمت من صمته.

هذه ليست بيروت.

اما السياسيون فيتصرفون كرجال المافيا. يتغرغرون بكلام سمج عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، بينما يعرقل رجال الأمن قدوم اللاجئين السوريين الهاربين من المذبحة.

الأمن الموازي يهدد السوريين في لبنان، ويتم احصاء النازحين، وتوجه الاهانة الى من اثبت انه شعب على استعداد للموت كي لا يهان.

لن اتحدث عن ابطال ‘الممانعة’، لن اسأل المقاومين كيف يغمضون عيونهم. فأنا اعرف ان الطائفية لا تغلق عيون اللبنانيين فقط بل تحولهم الى عنصريين.

كل طائفي عنصري، وكل بنية طائفية هي شكل عنصري.

لن اسأل زعماء الطوائف عن صمتهم، فالأفضل ان يصمتوا، بعدما استمعنا الى ما قالوه عبر فضيحة وثائق ويكيليكس.

والطائفيون يكررون اليوم خطيئتهم الأصلية.

حلفاء النظام السوري مخطئون في حماستهم لنظام يترنح، لأنهم يخافون من ان يكون سقوطه مقدمة لاسقاط هيمنتهم السياسية التي هي الاسم الآخر لفسادهم ونهبهم.

واعداء النظام السوري مخطئون في انتظاريتهم، لأنهم ينتظرون اشارة لم تأت من سيدهم السعودي، وهم متخوفون من اللا قرار الامريكي حول مصير النظام، ومن التعاطف الاسرائيلي مع نظام شرح لنا المليونير رامي مخلوف معانيه.

كل هذه الحثالة من السياسيين تتلوث اليوم بعار الصمت والتواطؤ.

الشعب السوري في انتفاضته البطولية المجيدة، في صبره وتفانيه وشجاعته، يعلن فضيحة مزدوجة: فضيحة النظام السوري بالقمع الوحشي والدم المراق، وفضيحة النظام اللبناني بالجبن والسفاهة.

نستطيع ان نحلل اسباب هذا الصمت المتذاكي، او اسباب الدعم المتغابي للنظام السوري، كما نستطيع ان نفهم ان لبنان الذي استطاعت الطوائف اجهاض استقلاله وتحجيم مقاومته وتصغيرها، بات عاجزا ومشلولا وفاقد الارادة.

لكنني لا استطيع ان افهم لماذا تنتحر بيروت بالصمت.

المدينة التي قاومت الغزاة الاسرائيليين واحتملت القصف والجوع والحصار، تبدو اليوم خائفة من مجموعة من الزعران والبلطجية الذين يصادرون صوتها.

شارع الحمرا، الذي كان عنوانا ثقافياً للحرية تستولي عليه مجموعة من الفاشيين الذين يروعون الناس بأسلحتهم الجاهزة للاستعمال.

هذه البيروت ليست بيروتنا،

وهذه الصورة الخانعة لثقافة الصمت ليست ثقافتنا،

وهذه اللامبالاة الذليلة ليست لا مبالاتنا.

لا اعرف كيف اداري خجلي من نفسي ومنكم ايها الناس.

السوريون والسوريات يواجهون القمع بالموت، اما بيروت التي استقالت من نفسها، وصارت مجرد زواريب للطائفيين والفاشيين فانها تموت من دون ان تواجه، تنتحر ويُنحر صوتها على مذبح الخوف والمهانة.

لا اعرف كيف انهي هذا المقال، فلقد بدأت في كتابته كرسالة اعتذار من بيروت الى دمشق، وكوعد بأن لقاء الحرية لا بد وان يجمع المدينتين اللتين عانتا كثيرا من القمع والترهيب.

كنت اريد ان استعيد صوت سمير قصير الذي كان اول من زرع ياسمين الحرية في الشام، وروى بدمه ربيع العرب قبل ان يبدأ.

لكنني عاجز عن الكلام.

اشعر بالعار والعجز، واحس ان صوتي يختنق، وان بيروت التي كتبتها وكتبتني تتلاشى امام عيني، وانا ارى كيف تغرق المدينة في الخوف وتفترسها اللامبالاة.

لكن رغم القمع والخوف فان لا شيء يستطيع ان يمحو واقعا مشتركا تعيشه المدينتان المسورتان بالتخويف.

سوف يفي الوعد بوعوده، وسيحملنا الحلم صوب الشام وفلسطين.

اما مرحلة هيمنة الخوف فستنطوي كذاكرة لا نريد لها ان تعود.

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\23qpt998.htm&arc=data\201155-23\23qpt998.htm

Enhanced by Zemanta

الطربوش: قصة

قبلما يمشي “زكريا” من عيادة الأسنان، سيناوله الطبيب شيئاً ملفوفاً في شاش. من غير ما ينطق، سيضع كرة الشاش الصغيرة لـ”زكريا” وسط راحة يده، وبرقّة وحسم يغلق عليها الأصابع – كما لو أنه واحد غني يتصدق على واحد فقير – ثم يربّت على القبضة المقلوبة ويسحب يده.  وسيخرج “زكريا” من العيادة وفي حلقه نصف ضحكة محبوسة منذ أطلق النصف الأول بعدما قبّل كرة الشاش وحكّها في قورته ثم أخفاها في جيبه مثل أي منادي سيارات يأخذ “استفتاحه”.  لأن “زكريا” قبلما يكمل ضحكته، اكتشف على وجه الطبيب تعبيراً عابساً وكأنه ينهره على رد فعله. لم يكن عند “زكريا” تفسير لفعل الطبيب سوى أن يكون تمثيلاً هزلياً يقصد به المزاح بعد جلسة علاج شاقة، الأمر الذي دفعه على أداء دور الشحات لإكمال المشهد. لكن لمّا أشاح الطبيب عنه بعصبية وكأنه يقول له “الحكاية ما تضحكش”، انصرف محبطاً من غير ما يفهم… العيادة قريبة من بيت “زكريا”، في شارع جانبي مظلم على الجهة المقابلة من ميدان واسع. حوالي ألف خطوة كما عدها في الطريق إلى هناك، لأنه يخاف من علاج الأسنان ويريد أن يلهي نفسه عن ما ينتظره. لكن ليلتها، وثقل البنج على فكه، سيبدو طريق العودة طويلاً جداً.  ومن غير ما يفك “زكريا” لفافة الشاش ولا حتى يُخرجها من جيبه، سيسترجع أول مرة فسد فيها الضرس الذي ذهب يعالجه ليلتها (ها هو الضرس – فكّر – يفسد للمرة الثانية): قبل عشر سنين تقريباً حفر نفس هذا الطبيب في ضرس “زكريا”. بخفة نزع العصب وحشا مكانه. ظل يقلّم حتى صار الضرس مدبباً وقصيراً، ثم ركّب فيه طربوشاً من البورسلين.  ولما ثبت الطربوش ابتسم لـ”زكريا” وقال: “سيبقى في فمك سنين طويلة.”  لن يخطر لـ”زكريا” حتى يستلقي على الكنبة، وفي يده كوب شاي مسكّر كأن البنج يذوب في سخونته، أن يمد يده إلى كرة الشاش التي أخرجها من جيبه وألقاها أمامه على الطاولة. سيضع كوب الشاي جانباً ويتناول لفافة الشاش يفكها. وفي ضوء “الأبجورة” يراه لأول مرة: الطربوش الذي زرعه طبيب الأسنان في فمه منذ عشر سنين.  ساعتها فقط تمر برأسه سنة كاملة لكل مئة خطوة قطعها في طريق العودة والبنج يشل نصف وجهه: سنة ما مات أبوه على سرير ضيق، وسنة ما أصابه أول انهيار عصبي جعله يكف عن تدخين الحشيش؛ سنة ما ذهب مع حبيبته في رحلة للتعافي في أصقاع آسيا، وسنة ما ترك حبيبته من أجل أخرى اختلف مع أبيها قبل أن يتزوجها. سنة ما زار لبنان لأول مرة وقرأ عن الحرب الأهلية هناك، وسنة ما تزوج ثالثة لن يستوي له العيش معها؛ سنة ما طلق زوجته ضد رغبتها، وسنة ما ذهب للعمل في إحدى دول الخليج؛ سنة ما عاد إلى وظيفته الحكومية، وسنة ما حصل على براءة أول اختراعاته العلمية.  سيضع “زكريا” الطربوش – بلا شاش – وسط راحة يده، وبرقّة وحسم… لو كان ضرساً مخلوعاً – يفكر – لما كان قد استغرب وجوده معه الآن، إنه – على غلوه المفاجئ – جماد. ولأول مرة، وهو قابض على الجسم الغريب الذي قبع في فمه عشر سنين من غير ما يلتفت له مرة، سيدرك السر فيما فعله الطبيب

Enhanced by Zemanta

ما رآه رخا‬

المكان باعتباره أزمة ‮ ‬يعانيها الكاتب

ياسر عبد الحافظ في أخبار الأدب

هذا كتاب لن يمنح لك نفسه من المرة الأولي‮. ‬في الحقيقة هو ليس مهتماً‮ ‬بهذا جداً،‮ ‬ربما لن يحترم قناعاتك بأنه من المفترض أن يكون كذلك،‮ ‬أليس هذا ما اعتدناه في كتب الرحلات،‮ ‬البساطة التي تناسب عقليات تحب أن تشاهد العالم بعيون الآخرين لا أن تغامر هي،‮ ‬شخص يسافر إلي مكان ليدهشك طوال الوقت بما رآه،‮ ‬يصف المعالم التاريخية الرائعة والحضارات الإنسانية،‮ ‬أو يتحدث عن المآسي والفقر والمجاعات،‮ ‬أخلاق الرجال وأحوال النساء،‮ ‬العادات والتقاليد الغريبة‮… ‬فقط لأنك لا تمارسها‮. ‬وهكذا فما عليك إلا أن تسترخي فيما السطور تتهادي إليك‮.‬ غير أن يوسف رخا،‮ ‬يبدو وكأنه‮ ‬غاضب من هذه الفكرة‮ (‬في الحقيقة هو‮ ‬غاضب من أشياء كثيرة‮) ‬وقد قرر منذ زمن،‮ ‬منذ‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬و”بورقيبة علي مضض‮” ‬أن يهدم تلك النظرية علي رؤوس كتب الرحلات الأخري،‮ ‬حتي إنك بعد أن تنتهي من القراءة سيصبح عليك التفكير جدياً‮ ‬إما في تصنيف الكتب الأخري أو تصنيف هذا‮. ‬هو يعرف أن المفهوم لابد له أن يتغير،‮ ‬قبلاً‮ ‬كان الارتحال صعباً،‮ ‬الآن لم يعد كذلك،‮ ‬ساعات عدة وسط وسائل راحة تتنافس الشركات علي ابتكارها وتصبح في مكان آخر،‮ ‬وهناك لن تجد ما كنت تتصوره في خيالك،‮ ‬مغامرات المكتشفين باتت من التاريخ،‮ ‬لم يعد هناك ما يمكن اكتشافه،‮ ‬ولم يعد هناك ما يدهش،‮ ‬طعم القهوة بات واحداً‮ ‬في كل البلاد،‮ ‬وكل جوانب الأرض تم تصويرها من مختلف الزوايا‮. ‬ما الهدف من السفر إذاً،‮ ‬وما الذي يمكن تقديمه في كتاب رحلات،‮ ‬في نوع أدبي كاد أن يفقد أسباب وجوده‮.‬ ‮

العنوان‮ “‬شمال القاهرة‮… ‬غرب الفلبين ــ أسفار في العالم العربي‮” ‬وللتأكيد فإن هناك علي حقيبة المسافر رموز عدة‮: ‬شجرة الأرز وطربوش وجمل‮. ‬البداية في المغرب والنهاية في الإمارات وبينهما لبنان‮. ‬والكتاب يبدأ هكذا‮: “‬مرضت عروسي حال وصولنا‮. ‬يسمون الغرفة بيتاً‮. ‬لم نكد ندخل بيتنا حتي راحت في النوم‮. ‬ظلت ثابتة مع أن المكان وسخ وكئيب،‮ ‬بالكاد يسع جسدينا‮.” ‬متروك لك أن تتخيل ما تريد حول هذه القصة،‮ ‬هي واحدة من الألغاز التي عليك أن تضعها بجوار بعضها البعض لترسم الصورة التي ترغبها،‮ ‬بالطبع هذا يقتضي بداية أن تفك شيفرة اللغة،‮ ‬وهي لغة خاصة جداً،‮ ‬لغة روائية محملة بالكثير من الرموز والإشارات والإيحاءات،‮ ‬تتناول المكان ليس باعتباره مقصداً‮ ‬سياحياً‮ ‬وإنما باعتباره أزمة يعانيها الراوي مثله مثل أهل البلد،‮ ‬ومتي هكذا أصبح كأنه واحد منهم؟ هو نفسه لا يعرف،‮ ‬غير أن الشك الذي يداهمك في هذا كقارئ يساوره هو أيضاً‮ “‬وأنا جالس كنت أحس،‮ ‬بشكل لا يحتمل شكاً‮ ‬كبيراً،‮ ‬أنني جئت لهذا المكان من قبل‮”. ‬شك يعود لتبعثره كلمة من ابن البلد‮ “‬مصر والمغرب حال بحال‮”‬،‮ ‬إشارات كتلك تجعلك تعاود القراءة من البداية بروح مغايرة حتي تتلبسك الحالة التي يضعها رخا‮ “‬في الطريق لهنا يختلط الخيال بالذاكرة‮”‬،‮ ‬وهو ما يعني أن تتقاطع وتختلط المشاهد ويندمج الناس وكأنهم واحد،‮ ‬الزوجة فتاة مغربية،‮ ‬التاريخ بالحاضر،‮ ‬والأب الراحل عجوز يعزف وحده وسط حلقة متفرجين،‮ ‬غير أن ذلك لن يبدو‮ ‬غريباً‮ ‬فهناك اتفاق سابق عقده معك الكاتب‮ “‬أنت تعرف كيف تتبدل الأماكن والأشخاص‮”‬،‮ (‬هل تعرف؟‮). ‬وتصبح الرحلة بحثاً‮ ‬عن الذات في مرآة الآخر ذلك الذي يبدو في أحيان كثيرة وكأن لا وجود له‮ “‬كلما حاولت أن أكلمهم أو ألمسهم،‮ ‬لم يجبني أحد منهم أو يحس بوخز أصابعي من أصله‮. ‬كأنني هواء‮”. ‬غير أن هذا ليس بالسبب الذي يدعو للتوقف في رحلة البحث خصوصاً‮ ‬إن كان ما يبدو ليس بالضرورة هو الحقيقة،‮ ‬هناك لابد من الانتباه للمفاجآت والحيل،‮ ‬من المهم مثلاً‮ ‬أن تعرف متي سيظهر الحائط‮ ‬غير المرئي لتمر من خلاله،‮ ‬ولابد أن يكون لديك من قوة الملاحظة لتعرف إن كانت تلك هي الشوارع بالفعل أم أنك تري انعكاسها،‮ ‬والأهم أن تكون متيقظاً‮ ‬حتي لا تفوت لقاء محمد شكري أو بول بولز،‮ ‬أو وليام بروز،‮ ‬إذا مر أحدهم بجوارك‮. ‬رحلة تلفها موسيقي تسمعها عبر النص،‮ ‬يدور علي إيقاعها الناس،‮ ‬وتكون فيها بصحبة موتي يجوبون البيت بلا استئذان،‮ ‬والأسرار متاحة‮… ‬فقط إن أدركت أن الوعي بالذات سخف إنجليزي‮.‬ لكن علي قدر ما تبدو المغرب هكذا منفجرة بالحياة والموت أيضاً،‮ ‬تبدو بيروت بجانبها وكأنها‮ ‬غير مرئية،‮ ‬عصية علي الإمساك بها،‮ ‬ولأنها كذلك فيبدو وكأن رخا يبادلها انغلاقها،‮ ‬إن سرنا وراء الأكليشيه أن‮ “‬المدن كالنساء‮” ‬ستكون بيروت هكذا امرأة باردة لكنها تهوي مطاردة الرجال لها،‮ ‬وفي النهاية لن تمنح واحداً‮ ‬منهم شيئاً،‮ ‬الحياة بالنسبة لها هي تلك المطاردة دون الالتفات إلي عبثية الفعل الذي لا يؤدي إلي نتيجة‮. ‬غير أن تلك الرحلة من وجه آخر تبدو وكأنها ترانزيت بين البلدين،‮ ‬بين المغرب والإمارات،‮ ‬استراحة يمهد بها المؤلف ليفصل بين ذلك العنف الرومانتيكي والعنف الذي يفرضه واقع فج شيد منظومته علي قواعد لا تعترف بالخيال‮.‬ ‮

مثير للدهشة كم يمكن للغة والأسلوب وطريقة التفكير أن تتحول هكذا،‮ ‬كيف يمكن للبلاد أن تفرض منطقها وإيقاعها علي زائرها‮. ‬كان علي أن أعاود القراءة منذ البداية،‮ ‬من رحلة المغرب،‮ ‬فقط لمعاينة هذا التحول،‮ ‬كان يبدو وكأني أمام كاتبين،‮ ‬حالة مذهلة من الفصام‮. ‬هل الخليج قبيح إلي هذا الحد؟ إلي الدرجة التي لا يعود في مواجهته سوي التخلي عن لغة مليئة بالخيال إلي أخري صريحة وواضحة‮. ‬يبدو أن الإجابة‮: ‬نعم‮. ‬المسألة دوماً‮ ‬تتوقف علي قدرة الرؤية ومواجهة الواقع الخفي خلف المباني المبهرة،‮ ‬أن هناك‮ “‬حزن أرجواني في المنتجعات‮”. ‬ذلك الحزن الذي يلحظه المؤلف علي وجوه النادلات الفليبنيات عندما يختلين بأنفسهن للحظات والذي يتبدل إلي ابتسامات مرحة عند استقبال زبون‮. ‬وسائل الخلاص ونسيان الواقع بالنسبة للآخرين تتحول معه إلي عنصر آخر للتصادم مع الواقع‮ ” ‬تصبح‮ “‬المزة‮” ‬التي في السيارة عبئاً‮ ‬بعد أن بدت وكأنها الخلاص‮. ‬وتعود تفكر في حقوق الإنسان‮”. ‬لا أحد يعرف أحدا،‮ ‬التواصل عملية محكومة بالمنطق الاستهلاكي والنفعي الذي يحكم كل شيء آخر،‮ ‬و”المواطنون زبائن المنتجع الغائبون إجمالاً‮ ‬عن الحياة اليومية،‮ ‬أما بقيتنا من الوافدين فلا‮ ‬غاية من وجودنا سوي خدمتهم‮”. ‬هذا رغم انتباهه إلي أنه خلف الزي الخليجي الموحد هناك أفراد لهم أذواق متنوعة وقرائح ثائرة ليس فقط علي تقاليد يتعاطونها مثل‮ ‬غريق يتعلق بقشة،‮ ‬ولكن بالأحري ـ علي حداثة لم يصطدموا بها حتي جعلتهم فرقاء منفيين‮”. ‬محاولة للبحث عن الناس والتاريخ والثقافة،‮ ‬لكن السياق الاجتماعي الصارم سيمنع بالتأكيد‮ ‬غير أنه يواصل رغبته في التفهم،‮ ‬لكنها رغبة نظرية لا يدعمها تواصل،‮ ‬وكأن كل يتحرك في كون مواز،‮ ‬ربما هذا ما يجعله مع مضي الوقت‮ “‬أشعر بانتماء معقد للإماراتيين‮. ‬كأنهم أقرباء لي أجيال متتالية وأنا مقطوع عنهم‮. ‬أقرباء من البعد ـ في المكان والزمان ـ بحيث يبدون‮ ‬غرباء تماماً‮”. ‬تلك الغربة التي يسود منطقها لتصبح القانون الأول ومعها‮ “‬يصبح الحنين ملموساً‮ ‬كأصابع الحلوي‮”.‬ ‮ ‬لابد لكل هذا أن يصنع الحاجز بين الراوي وبين البلد،‮ ‬يجعله ولأول مرة لا يشعر برغبة في تعلم اللغة الجديدة التي يدور بها التعامل‮. ‬والأمر يتطور إلي أسئلة حادة تليق بهذا الواقع‮: ‬ما الفرق بين التحرر الجنسي والدعارة،‮ ‬هل يمكن أن تكون متمدناً‮ ‬دون أن تكون‮ ‬غربياً،‮ ‬أي من ثلاثة مفاهيم ـ الشعب،‮ ‬الدولة،‮ ‬الشركة الهادفة للربح ـ تطابق الوطن علي مساحة جغرافية،‮ ‬وكيف لصائد لؤلؤ اغتني فجأة أن يمارس عالميته المكتسبة؟ ‮

سابقاً‮ ‬كان الوعي بالذات في المغرب سخفاً‮ ‬انجليزياً،‮ ‬وسط الحياة التي لا يمكن إلا مجاراتها،‮ ‬إلا أنه في أبو ظبي يصبح الوسيلة الوحيدة لمقاومة السقوط في النمط الذي يسود بفعل الحال‮ “‬المصريون أنفسهم يتعلمون السكوت والعزلة وثقل الدم،‮ ‬في الغربة‮.”‬،‮ ‬في مواجهة مدينة قادرة‮ “‬علي نفي حتي المسجد إلي فضاء مول سبع نجوم‮.” ‬لا يمكن سوي التمسك بالتفكير فيما وراء كل هذا،‮ ‬في‮ “‬الإعمار‮” ‬الذي يشوش علي صوت الله الذي محله الفضاء،‮ ‬في ما يحدث لنا ونحن نعتنق أفكار البيض المثالية والساذجة عن القيم الإنسانية،‮ ‬في أن‮ “‬من يذهب إلي الخليج يسمن جراء كثرة الأكل وقلة الحراك،‮ ‬الأمر الذي يضمر اتهاماً‮ ‬ضمنياً‮ ‬بالتواطؤ مع الاستهلاكية البترولية و”بيع القضية‮”. ‬ثم في‮ “‬جدوي حياتي‮”‬،‮ ‬وفي معني الكتابة‮.‬ ‮”‬خيبة أمل أعمق من المحيط الهندي‮”: ‬سيتسرب إليك إحساسه وأسئلته‮. ‬ربما لهذا عليك الحذر منذ البداية‮… ‬يملك يوسف رخا تلك المهارة الخفية التي يستطيع بها أن يورطك معه‮.‬

الكتاب‮: ‬شمال القاهرة‮ .. ‬غرب الفلبين المؤالف‮ : ‬يوسف رخا الناشر‮: ‬رياض الريس

بلا حماس من 2006

رسالة صديقي على شاشة الجوّال: “نحن هنا نستمع إلى الطائرات الإسرائيلية” ــ وباللهجة المصرية التي يحبها ــ “ربنا يستر”.
قالت رفيقتي: “الاحتشاد للدفاع عن نانسي غير بيروت. من يعطينا نانسي؟” كانت تضحك، لكن يأساً في صوتها يجاور البكاء. “حقيقة، ماذا يمكن أن يعبّئ الشعب المصري للدفاع عن لبنان سوى نانسي عجرم؟” أومأت. أمسكت بالهاتف مرة أخرى، ثم أزحته ببرود. ماذا يمكن أن يعبّئ الشعب المصري للدفاع عن الأهرام، مثلاً؟
منتصف ليل الزمالك، شاب خليجي يقيمنا ــ ثلاثتنا ــ حتى يجلس وحده إلى الطاولة التي حجزها. مَن غير فيروز تقول “كيفك إنت” في مطعم “أبو السيد”؟ عشاؤنا “الخفيف” سيحرق صدورنا. من الشباك ــ على صوت أذان الفجر ــ أرى بدراً معوقاً بدلاً من قمر شبه كامل. وعلى الإنترنت ــ لم نسمع بما حدث حتى منتصف الليل لأننا بلا تلفزيون ــ جسر مقسوم كأنه مثلث، حفرة هائلة يملأها سائل بنّي، عجوز وطفلان يعبرون أطلالاً. لا أحد ينام في بيروت… حسن نصر الله يقول “نحن مغامرون” والإسرائيليون يؤكدون أنهم سيفعلون أي شيء للحفاظ على “الحياة الإنسانية”.
قبل أسابيع، لم يتردد مبارك في استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد مقتل مصريين بريئين تماماً برصاص إسرائيلي على الحدود. قال ــ في صدد جندي واحد عند “حماس” ــ: “مأنا كنت حلتها، لكن فيه جهات ضغطت على الحكومة الفلسطينية فانسحبت من التسوية…”.
حين خرج الإسرائيليون من جنوب لبنان، تشاجرت ومدير تحريرنا “اليساري” لرغبته التي رأيتها مبالغة في امتداح حزب الله. أومأت لامرأة منقّبة في لندن. وسلمت أمري لله حين أسفرت الديموقراطية، مؤخراً، عن حماس.
الحقيقة أنني لا أحب الإسلاميين أبداً، ولا أحب نانسي عجرم، ولا أغتاظ بالقدر الكافي من العجرفة الدموية لدولة عنصرية مصابة بالبارانويا تساندها، بلا منطق أو ضمير، أقوى حكومة في العالم.
فقط ــ والدموع تداعب جفني من أن أصدقائي “البيارتة” يشكرون لي سؤالي عنهم ــ تراودني الرغبة في تفجير نفسي، لكن من دون حماس.

Reblog this post [with Zemanta]