في المدينة الشهباء
وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟
وصلنا قبل هبوط المساء. بزغت حلب من قلب البراري، بيوتاً بيضاء مشربة بلون وردي وقد انعكست عليها إشعة الشمس الغاربة، وفهمت سر تسمية المدينة بالشهباء. قضيتُ ليلتي في حي يعرف بـ”الدبلوماسيين”، بجوار مستشفى يحمل اسم الطبيب العربي القديم أبو بكر الرازي. وفي الصباح التالي ذهبت لزيارة المدينة القديمة و”خان الصابون” وقلعة حلب؛ جددها السلطان المملوكي الغوري، على الرغم من أنه جركسي بوضوح كان يتكلم التركية الطورانية، إلا إني حسبته مصرياً لما له من عظيم صنع في المعمار حدانا في القاهرة، وشعرت حيال ذلك البناء الصرحي بقرابة روحية، وجلست بأحد مقهيين تحت أقدام الحصن أحتسي القهوة وأطلق أفكاري في الهواء.

واصلت المشي بالجوار. مشيت ومشيت، حتى بلغتُ مقبرةً تقع في قلب حي سكني. شواهد القبور فيها نُحِتت بشكل فني وقد تم طلاؤها بألوان متعددة مع نقوش بأسماء الموتى وتواريخ ميلادهم ووفياتهم. وتتدرج أرض الجبانة من أعلى لأسفل، فتبدو الشواهد كأنها تصطف صفوفاً خلف بعضها، الأعلى خلف الأدنى في تدرج متناسق وبألوان مبهجة تدحض كآبة الموت وتحيلها متعة بصرية.
أخذني السير حتى بلغت حياً بدا كما لو كان في مكان ما بالاتحاد السوفيتي السابق.. لافتات المحال مكتوبةٌ بالروسية إلى جوار العربية. طبعاً: الشريك التجاري الأساسي لسوريا البعث. ولكن بعد مسيرة دقائق طالعتني لافتات تحمل اللغة الأرمنية التي تشبه حروفها اللغة الأمهرية. شطحت في العلاقة بين الأرمنية والأمهرية الحبشية. بين أرمينيا وأثيوبيا. كلتاهما دولتان مسيحيتان أرثوذكسيتان في محيط من الجيران المسلمين. وتقف كل منهما في تاريخ الحضارة الإنسانية بمفردها، معزولةً تقريباً عن محيطها. و هناك فوق ذلك تشابه خط الكتابة لديهما. حيث الحروف تشبه قطعاً من الحبال. فلو كانت الكتابة في بلاد ما بين النهرين القديمة بالخط المسماري، فهذا هو الخط الحبالي.

الغرض.. أدركت أني أسير في الحي الأرمني الشهير بحلب، المدينة الواقعة على تخوم آسيا الصغرى. والتي استقبلت موجتين كبيرتين من اللاجئين الأرمن في بدايات القرن الماضي، حتى أصبحوا يشكلون ـ في فترة ما ـ ربع سكانها. ولفرط ما سرت انتابني جوع عنيف.. قلت سأبحث عن أقرب مطعم لأتناول شيئاُ. فإذا بي أمام دكان صغير تحمل لافتته اسم “هاكوب”، مكتوب تحتها بخط أدق “بسطرمة ونقانق وكفتة” قلت هذا هو عين المطلوب، ودخلت إلى المكان بعد أن نزلت درجتين إلى أسفل. كان المطعم من الداخل صغيراً شبه مظلم.. وقد وقف في عتمته خلف ثلاجة زجاجية شابان يتكلمان بلغة ليست العربية. سألتهما مبتسماً: هل هذه هي اللغة الأرمنية؟ رد على أحدهما بجهامة نافياً وقال: “لا.. نحن أكراد!”. تطلعت إلى الثلاجة وسألته عما هو جاهز لديه من طعام . فرد عليّ بأنهم لا يبيعون الآن. كان هناك شيء ما في الموقف يقول أنه كاذب، وأنه يمتنع بشكل ما من العمل.. وعندها ظهر رجل مُسن شديد البياض، عرفت فيه الأرمني صاحب المحل. نهر الشاب وقال له “بعه ما يريد”. انصاع الشاب وسألتي عمّا أريد.. وأردف معتذراً “أنا آسف.. ظننتك سودانياً”. جاء يكحلها فعماها. تذكرت أن بشرتي سمراء، وهو أمر غير مألوف في هذه البلاد. وتذكرت أني في مدينة المتنبي، الذي أخذ على الوالي الإخشيدي كافور لونه الأسود ضمن ما أخذ، وتذكرت متنبئاً آخر معاصر من هذه البلاد أيضاً أسمى المصريين إبان الوحدة مع سوريا بـ”غربان أفريقيا الجائعة”. نعم، كنت في هذه اللحظة غراباً أفريقياً جائعاً في أزقة الشهباء.. وأنقذني من الجوع والغبن تدخل الأرمني الشيخ. فكرتُ في مغادرة المكان وقد ارتفع مؤشر غضبي، لكنني فضلت البقاء احتراماً لتدخله، وتذوقت أفضل بسطرمة أكلتها في حياتي مخلوطةً بطعم العنصرية البغيض. ونفحت الكردي الشاب بقشيشاً سخياً، كنوع من رد الإهانة.
***
لا يوجد قمر فوق بوربون ستريت
اليوم هو “ثلاثاء الدسم” أو “ماردي جرا” كما ينطقها أهل المدينة بالفرنسية، التي لم تعد هي لغة الشارع هنا. نعم، هذه مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتكلم الفرنسية.
هو الثلاثاء الذي يسبق أربعاء الرماد في المعتقد المسيحي، حيث من المفترض أن يأكل الناس وجبةً دسمة قبل الصوم الكبير. تتكون عادة من أرز “الچامبالايا” بالسجق وحبات الفاصوليا الحمراء وأهلة الجمبري الذهبية. بالمدينة أيضاً طابع كاريبي يسيطر على طريقها الساحلي. بالطبع أنا لم أقصد أن أصل إلى نيو أورليانز في يوم كرنفالها، ولكن السائحين، وأنا منهم، يجعلون من كل يوم من أيام هذه المدينة كرنفالا، أو”ماردي جرا” دون أن يعقبه بالضرورة أربعاء رماد أو صوم كبير.
محال كثيرة بشوارع “الحي الفرنسي” تبيع فولكلوريات السحر، وأدوات طقوس الفودو الغامضة، سواء للاستعمال الشخصي أو للتذكارات السياحية: عرائس صغيرة من الخزف أوالعاج، بشعور مضفرة كالحة السواد، وعيون من خرز تعكس نظراتها رعباً صامتاً. لو رصصت هذه العرائس وفقاً لنظام معين قد تؤثر في مصير شخص ما. هناك أقنعة لموتى، وجماجم بأحجام مختلفة من مادة بيضاء تشبه العظم، وجفنات فرعونية محشوة بأحشاء المومياوات، وخفافيش من مواد لزجة بدماء سائلة على خطومها الجرذية.

أتخيل نفسي مصاص دماء يهيم على وجهه بعد انتصاف الليل بهذه المدينة السحرية، متلفعاً بمعطف أسود طويل، يختبئ وجهي خلف ياقته العالية تطاردني تلك الأغنية القديمة متسربة من زمن الثمانينيات. نحن الآن في عام 2009، وذلك الفتى الإنجليزي الذهبي الذي كان في وقتها مُدرساً متمرداً يقارب حركات البانك، يبدو الآن كنجم عاطفي يلهب قلوب العذارى على طريقة عبد الحليم حافظ، فيما أنا مواطن مصري يسير مُجرجراً خطواته في شوارع مدينة أمريكية يتباطأ عندها نهر المسيسبي قبل نهايته في مستنقعات موحلة تسكنها تماسيح القاطور الضخمة… “إنك لن ترى أبداً ظلي.. ولن تسمع وقع خطوتي.. عندما يكون القمر ساطعاً فوق بوربون ستريت..”
جئت إلى هذه المدينة تلاحقني شهرة شارع بوربون ستريت، بنوادي الموسيقى وبارات الاستماع؛ هذه مدينة الچاز، وهنا منشأ هذه الموسيقى الساحرة أعظم ما أنتجته الولايات المتحدة. كل من هم في هذا الشارع من السائحين، وتستطيع تمييزهم بسهولة، أمريكيين وأجانب. الأمريكيون تسيطر عليهم روح السياحة أكثر من الأجانب. جاءوا من مدن الغرب الأوسط المحافظة، حيث “الرقاب الحمراء” ورعاة البقر وقد فقدوا أسطورتهم، إلى هذه المدينة المتحررة، يجرعون البيرة في أكواب بلاستيكية من مقاس “الباينت” على قارعة الطريق، وهو ما لا يتاح في مدن وبلدات البراري. الأضواء الحمراء، ونساء خرجن من روايات فلوبير يقفن على أبواب البارات يدعونك للدخول. “لا أملك خياراً سوى أن أتبع للنداء”.

لو أنك تعرف مدينة شرم الشيخ المصرية، فهناك بها شارع اسمه “خليج نعمة”. هو ليس شارعاً في الحقيقة، هو ديكور منقول من استوديوهات هوليوود في الخمسينيات لشارع على نمط أفلام الويسترن: واجهة شارع، أو شريطان متقابلان من واجهات المحال: بارات طبعا، وصالونات حلاقة وأندية للقمار.. هناك تغسل أكثر من مافيا أموالها وتديرها في اقتصاد معزول عن الاقتصاد الحاضن.. واجهات المحال، تعكس فكرة تعميق ما هو سطحي، وفقاً لمصطلح رولان بارت، فذلك الشريط الرفيع من الواجهات تغوص خلفه بطون علب الليل الساهرة على تدوير عجلة اقتصاد المتعة المسروق من سياق ملتهب.. وهنا في بوربون ستريت، نفس التعميق لما هو سطحي، وإن كان أكثر أصالة وإيغالاً في العمق لبطون تلك العلب التي تتمحور حولها عجلة اقتصاد أكبر حجماً.
لم يعد الچاز هو الموسيقى المنتشرة بنوادي الشارع الشهير، فباراته تقدم نوعاً رخيصاً من الروك آند رول السياحي. وعليك إذا أردت أن تستمع إلى چاز حقيقي أن تبتعد قليلاً.. فررت من شارع “بوربون ستريت” بصخبه الملون، وانزلقت منحرفاً إلى شارع بإضاءة خافتة، الجو مُشبَّع بالندى.. “أري وجوهاً بينما هي تمر تحت أضواء الفوانيس الشاحبة”.. ربما إلى شارع “فرينش مِن”، أي الرجال الفرنسيون. الإنسان هنا لا يقابل المراهقين الصاخبين كباقي المدن الأمريكية، من تراهم في الأغلب كهول فوق الأربعين من الجنسين.. ومن الجنبات يتردد نعيب ساكسفون سوبرانو يبكي إعصاراً ضرب هذه المدينة مخلفاً مئات الضحايا والمشردين، وكانت حتى ذلك اليوم، لا تزال تتعافى من آثر ذلك الحدث الجلل.

ثلاثيات ورباعيات وخماسيات من العازفين في نوادي الفرينش مِن، بيانو وجيتار ودرامز، وساكسفون أو ترومبيت، وكونتر باص غليظ يطن بأوتار كالحبال. هنا التقليد القديم للچاز. يجلس المنصتون يحتسون مشروباتهم بانهماك في السماع. ويدخلون في عاصفة من التصفيق في أعقاب كل وصلة ارتجال. ينفرد عازف، وليكن البيانيست بالتيمة الأساسية للّحن، ثم يبتعد عنها بمقدار خطوتين.. ثم ينوع على هذا الابتعاد، ثم يبتعد بمقدار أربع خطوات.. وينوع أيضاً.. ويوغل في الابتعاد بارتجالات متطرفة حتى تكون قد نسيتَ اللحن الأصلي، فإذا به يعود إليه مرة واحدة ويعزف التيمة الرئيسية بمفرداتها المكتملة، لتنفجر عاصفة التصفيق ويعود شمل العازفين ليلتئم في مجرى المقطوعة. وتكون قطعة ثلج قد ذابت في كأسك.
عند عودتي بنهاية الليل، أمر بمقهى ساهر، فأقرر أن أشرب قهوةً للطريق، لتستجمع أصداء الموسيقى قبل أن يطويها النوم. القهوة الأمريكية رقيقة كالشاي، لا يصدمك كافيينها بدفقة الإفاقة المشعة، ولا تُذهب النوم من العيون، هي فقط تضع النقاط فوق حروف الكؤوس التي جرعتها الليلة. في الداخل ينعس على أحد مقاعد المقهى مشردٌ بملابس رثة؛ بالتأكيد لا ينتمي لجمهور الچاز الوقور، ولا لصخب المدينة السياحي. ربما كان ينتمي لإعصار كاتارينا الذي ضرب المدينة منذ ثلاث سنوات. فوق رأس النائم كان ثمة ملصق كبير يعلن أن الاحتفال الشعبي الخاص بانتهاء الكرنفال قد تم نقله من ساحة المدينة إلى فندق الماريوت، وذلك للظروف التي خلفها الإعصار! وهكذا تستعيد الرأسمالية الديثرامب المسيحي الأفريقي الأغريقي بفضل الطبيعة وغضبها لتدعم معابدها الشامخة…
* الجُمل بالفونط الثقيل من أغنية “القمر على بوربون ستريت 1985“، للموسيقي البريطاني جوردون سَمنر الشهير بستينج.
يونيو (حزيران) 2003


























![Reblog this post [with Zemanta]](http://img.zemanta.com/reblog_e.png?x-id=1c4b1337-d7bf-45fc-9197-02719f990c64)