حوار‮ ‬منصورة عز الدين

هدفي تحطيم البقرات المقدسة

لا يكف يوسف رخا عن إثارة الشغب‮. ‬

حاجته الدائمة إلي المغادرة وعدم الثبات تدفعه لاختبار أقصي درجات التمرد و(السخط؟‮) ‬في الكتابة‮. ‬لا يعترف بأي فواصل أو حدود بين الأنواع الأدبية،‮ ‬لذا يمعن في التنقل بينها ومزجها ببعضها البعض كأنما تتحول الكلمات معه إلي لعبة ما‮. ‬إلي مكعبات أو قطع ميكانو يرّكبها كل مرة علي نحو مختلف ثم لا يلبث أن يفككها من جديد‮.‬

اللغة من وجهة نظره صديق لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد‮. ‬صديق يتحول رخا من أجله إلي متآمر أبدي يظل يسهم في تنفيذ مؤامرة محكمة للتأكد من أن اللغة‮ “‬لغته لا تعيش إلا خارج الكتابة‮” ‬كما كتب في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ضمن كتابه الأحدث‮ “‬كل أماكننا‮”. ‬وهو النص الذي يشبه خارطة طريق‮ (‬لن أقول مانيفست‮) ‬لنظرته للّغة،‮ ‬وهي نظرة،‮ ‬ربما تكون بدأت معه منذ بدايته،‮ ‬إذ نجد تجلياً‮ ‬آخر لها في نص من نصوصه الأولي‮ (‬منشور في الكتاب نفسه‮) ‬وعنوانه‮ “‬عبّاس العقاد‮” ‬يكتب فيه‮ “‬تلك القوالب الخرسانية‮/ ‬وقصائد الحديد والصلب‮/ ‬هل كنت تتحدث مع المازني‮/ ‬بلغة سرية؟‮/ ‬أنت لم تترك لي‮/ ‬أكثر مما تركه الإغريق القدامي‮/ ‬أنت ورثتني‮/ ‬قوالب طوب‮/ ‬أنت ممن جعلوني‮/ ‬أكره اللغة العربية‮”.‬

هذه القصيدة أشبه ما تكون بتصفية حسابات مع نظرة معينة للّغة وللفن،‮ ‬وهو أمر لا ينكره رخا،‮ ‬إذ يقول‮: “‬كان هذا مطروحاً‮ ‬في قصيدة التسعينيات‮. ‬تصفية حسابات مع البشر والدنيا بشكل إنساني،‮ ‬تصفية حسابات علي المستويين الجمالي والأدبي‮. ‬لكن يمكنني قول إنه ليس تصفية حسابات بقدر ما هو تمرد أو تكسير للبقرات المقدسة،‮ ‬والعقاد أكبر‮ “‬البقرات المقدسة‮” ‬بدون وجه حق‮! ‬هو من وجهة نظري ليس لديه جديد يقوله،‮ ‬علاقته باللغة مريضة ومختلف تماما عن طه حسين مثلاً‮. ‬موقفي من العقاد ليس موقفاً‮ ‬من عصر ولا توجه سياسي،‮ ‬إنما موقف من كاتب أرفض التعبد في محرابه‮. ‬الآن لن أكتب قصيدة بهذا المنطق‮. ‬لأني مقتنع حاليا أن تصفية الحسابات حتي لو بشكل جمالي ليست هدفاً‮ ‬كافياً‮ ‬للكتابة‮”.‬

‮ ‬تبدو اللغة هنا هي المعيار الأول الذي يقرِّب صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬من كاتب أو ينفره منه،‮ ‬يستشهد بطه حسين باعتباره النموذج المغاير للعقاد،‮ ‬لكنه يعود في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ليسخر من صاحب‮ “‬الأيام‮” ‬لأنه شغل نفسه بسؤال‮: “‬أيهما الأصح‮: ‬تخرّج في الجامعة‮ ‬_‮ ‬أم من‮ ‬_‮ ‬الجامعة؟‮”. ‬

من ناحية أخري‮  ‬يبدو يوسف رخا كأنما في صراع دائم مع اللغة للوصول للغته هو،‮ ‬لغة تخصه،‮ ‬وتشبهه،‮ ‬بما يحمله من تمرد وقلق ورغبة دائمة في اخراج لسانه للجميع وتكسير كل الأيقونات والبقرات المقدسة‮. “‬هذا في حد ذاته من الأشياء الأساسية في الكتابة الأدبية‮. ‬درجة من الطزاجة تسعين لها‮. ‬أن تتجاوزي الكليشيهات حتي لو قمتِ‮ ‬بسك كليشيهات خاصة بكِ‮ ‬في المقابل‮.” ‬يقول رخا قبل أن يضيف‮: “‬ثمة سلطات لغوية مزعجة‮. ‬توجد سلطوية كريهة في التعامل مع اللغة‮. ‬هذا شيء ضد الإبداع‮. ‬نحن نتكلم لغة‮ ‬غير التي نكتب بها‮. ‬لدينا لهجات مختلفة،‮ ‬ولغة لم تتطور إلا علي الورق،‮ ‬وأري أن هذا شيء جيد‮. ‬لو حذونا حذو أوروبا لكانت كل لهجة تحولت إلي لغة منفصلة‮. ‬هذا يطرح سؤالاً‮ ‬طوال الوقت هو‮: ‬كيف تكتبين؟ أنتِ‮ ‬مسبقاً‮ ‬اخترتِ‮ ‬الكتابة كامتداد تاريخي لما كُتِب باللغة العربية علي مدي التاريخ،‮ ‬لكن مع لمسة إنسانية تقترب من لغة الكلام‮. ‬في مرحلة من المراحل،‮ ‬عندما كنت أفكر في الكتابة،‮ ‬شعرت أن الأشياء التي من الممكن أن أخسرها والتي لا تعوض هي الصراع بين العامية والفصحي‮. ‬لديكِ‮ ‬لغتان يمكنكِ‮ ‬استنباط شيء مختلف من تصادمهما أو تجاورهما‮. ‬اللغة إضافة لكونها علاقة صريحة مع ما هو الشعر،‮ ‬إنما هي أيضا صراع‮. ‬معظم الكتّاب الذين أحبهم سواء بالعربية أو الإنجليزية يكون عندهم لغة تخصهم‮”.  ‬

‮>>>‬

اختار رخا‮ “‬كل أماكننا‮” ‬عنواناً‮ ‬لكتابه الأحدث الصادر عن دار العين،‮ ‬كأنما يؤكد من جديد علي أهمية المكان في كتابته‮. ‬إذ يظهر دائما باعتباره مركز الكتابة والعنصر الأساسي فيها‮. ‬لاحظنا هذا في كتبه في أدب الرحلات من‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬إلي‮ “‬شمال القاهرة،‮ ‬غرب الفلبين‮”‬،‮ ‬وها نحن نلاحظه في نصوصه الأحدث المقالات منها والقصائد،‮ ‬بل وحتي في مخطوط روايته التي لم تصدر بعد‮ “‬كتاب الطغري‮”. ‬يعترف رخا أنه في الشعر لا يوجد لديه وعي بحضور المكان‮: “‬عندما سافرت إلي أبو ظبي وجدتني أكتب قصائد متتالية عن المكان دونما تخطيط أو قصدية‮. ‬وكان هذا لطيفاً،‮ ‬إنما الكتابة عن المكان في كتب الرحلات تتم عن عمد،‮ ‬أعتقد أن المكان من الأشياء الأساسية عندي،‮ ‬أكثر أهمية من الزمن بالنسبة لي‮. ‬من المفارقات أني عشت في أماكن كثيرة جدا في القاهرة وخارجها،‮ ‬وكنت دائما أعود للشقة التي وُلدت فيها‮. ‬احساس لا علاقة له بالعاطفة أو الحنين‮”. ‬

الزمن في كتابات رخا إما مفكك أو موجود في منظومة محددة سلفاً‮. ‬في كتاب‮ “‬الطغري‮” ‬مثلاً‮ ‬تدور الرواية في ثلاثة أسابيع محددة‮. ‬ويظهر فيها المكان‮ / ‬القاهرة وتغيراته بشكل واضح،‮ ‬بل إنها‮ (‬أي القاهرة‮) ‬العنصر الأساسي في‮ “‬كتاب الطغري‮” ‬كما يؤكد رخا‮: “‬وهذا جزء رئيسي من عملية التكوين في الرواية‮. ‬المكان حاضر تماما،‮ ‬ليس فقط القاهرة،‮ ‬إنما نكهات معينة لأماكن معينة‮. ‬قاهرتي أنا‮. ‬شعرت باختلاف كبير حينما أكتب عن مكان ضخم أعرفه جيدا‮. ‬أبو ظبي وبيروت مثلا أصغر من القاهرة،‮ ‬وخبرتي فيهما أقل‮. ‬عندما يكون المكان كبيراً،‮ ‬وخبرتك فيه كبيرة تستطيعين اللجوء لخيارات صعبة‮”.‬

لكن بعيداً‮ ‬عن مركزية المكان،‮ ‬يبدو‮ “‬كل أماكننا‮” ‬مربكاً‮ ‬لهواة التصنيف،‮ ‬فالكتاب يحطم الحدود بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬إذ يضم ديوانين قصيرين أحدهما قديم والآخر جديد،‮ ‬ومعهما نصوص ومقالات‮. ‬تجسير الفجوة بين الأجناس له مستوي آخر أيضا فثمة نصوص شعرية في الكتاب أقرب للنثر،‮ ‬ومقالات ونصوص سردية أقرب للشعر‮. ‬لا يبدو يوسف رخا مرتاحاً‮ ‬لفكرة أن يبرر نشره للمقالات مع القصائد،‮ ‬يقول بدرجة من الاستهانة‮: “‬كان لدي ديوانان قصيران،‮ ‬لا يصح أن ينشر كل منهما وحده،‮ ‬كان من الممكن أن يُنشرا مع بعضهما في كتاب أصغر‮. ‬لم أرغب في أن ينشر كل منهما في كتاب أصغر لأن لدي مشكلة مع الكتب الهزيلة حجماً،‮ ‬كما كنت أشعر بضرورة أن تتم قراءتهما معاً‮. ‬أيضا أردت كسر التصنيف الحاد بين النثر والشعر واخترت نصوصا نثرية من الممكن أن تصنع حالة كلية مع الديوانين‮. ‬من الممكن أن تقرأي القصائد علي أنها نثر مطبوع بشكل مختلف،‮ ‬وتقرأي المقالات علي أنها شعر مطبوع كنثر‮”.‬

أسأله‮: ‬تبدو مشغولا بتجسير المسافة بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬ما السبب؟

‮- “‬بالنسبة لما أكتبه،‮ ‬أشعر أن مسألة الأنواع الأدبية مفتعلة‮. ‬ثمة شكل تقني يتطلب أشياء معينة‮. ‬ولديّ‮ ‬دائما تساؤل هو‮: ‬هل لو كتب رامبو روايات لكان أصبح أقل أهمية وتأثيراً؟ وهل لو كتب ديستويفسكي قصائد لكان أقل أهمية؟ فكرة التخصص التي كانت سائدة في السبعينيات لا معني لها من وجهة نظري‮. ‬الكتابة كتابة سواءً‮ ‬أكانت مقالا أو ريبورتاج أو قصة‮. ‬ما يحركني لها دوافع واحدة بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي أكتبه‮. ‬في لحظة معينة أجدني أقرأ كتاب‮ “‬ميزان الذهب في شعر العرب‮” ‬من أجل كتابة بيتين من الشعر العمودي أحتاجهما في مكان معين من عمل معين‮. ‬التركيبة الموجودة في‮ “‬كل أماكننا‮” ‬لا أعرف إلي أي مدي هي موفقة‮. ‬هي مبنية علي نصوص كانت موجودة مسبقاً‮ ‬عندي‮”.‬

‮>>>‬

رغبة رخا في التمرد وتحطيم البقرات المقدسة،‮ ‬لا توفر شيئاً‮ ‬أو أحداً،‮ ‬إذ تمتد إلي الشعر نفسه‮. ‬نلاحظ رغبة قوية في إنزاله من عليائه واللعب به ومعه‮.‬

يقول‮: “‬لا أري أن أدبية النص لها أي علاقة بتوصيفه‮. ‬عندي ثورة شخصية علي الأدبية الخاصة بتلقي النص الآتية من مكان معين خارجه‮. ‬من جانب آخر هناك الأفكار التي ظهرت في التسعينيات والداعية لكسر نوع معين من البلاغة وتصور معين عن الأديب‮. ‬كان الأهم فيها أنها حطمت المفهوم الخاص بأن من يكتب يلعب دور المعلم أو الأديب أو حتي النبي‮. ‬في عملي لا تزال هناك الرغبة في أن تصدمي أو تكسري‮. ‬رغبة مصدرها التآلف مع ما حدث في التسعينيات رغم أني وقتها لم أكن واعياً‮ ‬بهذا بشكل كافٍ‮. ‬هذا الكتاب أشعر أنه فاصل‮/ ‬حاجز بين مرحلة استنفدت أغراضها وبين مرحلة جديدة‮. ‬بمعني‮  ‬بين مرحلة كتابة المكان بالشكل الذي بدأته‮ ‬2005‮ ‬وبين الرواية التي انتهيت منها مؤخرا‮. ‬الديوان صدر فوراً‮ ‬بعد‮ “‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮”. ‬شعرت أنه يملأ المساحة بين أدب الرحلات والرواية‮. ‬الكتاب كان من المفترض أن يحتوي أيضاً‮ ‬علي اسكتشات وصور فوتوغرافية،‮ ‬لكن لم يحدث هذا لأسباب ربما تكون تقنية،‮ ‬الفكرة تم رفضها من قبل الناشر‮”.

Enhanced by Zemanta

ضجر يوسف رخا

اشكال
عناية جابر
كل كاتب يمتلك في داخله نظام كتابته. نظام يبين الكتابة على ما هي عليه، وعلى ما تريد أن يعتقده القارئ عنها. يوسف رخّا في كتابته عموماً (مواليد القاهرة، يعمل في الصحافة باللغة الإنكليزية منذ 1998)، بدءاً بمجموعته القصصية «أزهار الشمس» مروراً بـ«بيروت شي محل» و«بورقيبة على مضض» و«شمال القاهرة غرب الفيليبين» وكلها كتب في الأمكنة وأدب الرحلات، حتى جديده «كل أماكننا» الشعري/ النثري، الصادر حديثاً عن «دار العين» نرى الى كتابته كيف أنها تعمل وكأنها ضمير الأمكنة الطيّب، مُهمتها أن تُطابق خداعاً بين أصل الصورة (المدينة، الشوارع، الناس، المشاعر، ثم عامل الضجر بشكل أساس، الضجر الوجودي المقلق) وتحوّل هذه الكتابة، التحوّل الأكثر إدهاشاً يتمثّل في أن تُعطي الكتابة عن هذه الأشياء، تبريراً لفعل الكتابة نفسه، وتزكية حقيقتها.
أعرف يوسف رخّا وأعرف قلقه، وأتملّى هذا القلق في كتابته على وجه الخصوص.
كتابته هي شكله، جسده وروحه ويقينه (إن كان من يقين) وإرهاصاته.
ثمة كروية لأعماله، عبّرت عن نفسها بسرديات غرائبية إلى حدّ عن هذا المكان وذاك، سرديات هي إسقاطات رخّا نفسه، مصقولة ومُسقطة لعالم مُطيع ومربوط بفكرة الكاتب عنه.
في جديده الشعري/ النثري «كل أماكننا» ثمة الجملة القصيرة، بارقة وغريبة ومكوّنة لحجر الزاوية في القصيدة، فيها يتخفّف رخّا من تعداد الأمكنة لتصير هذه مجتمعة مكاناً واحداً، يتظهّر فيه ضجر الكاتب، فعلاً إبداعياً منفلتاً من جذور التجوال في المدن وشوارعها، ومتوجهاً نحو صلة منطقية تُعنى بالمشاعر فحسب، وبسيرورات داخلية تماماً غير مفتوحة على هواء الترحال الشكلي. قصائد/ لحظات شعورية ملمومة الأطراف وتليق بالشعر كما بالنثر، لأجلها يتحمّل رخّا الضغط الحاذق الصادر عن انفلاته الأقصى في كتابة أدب الرحلات، نحو حرية وانفلات كتابة أدب الدواخل الساخنة: «الزمن كفيل بكسر الجناح/ انس الأيام/ ضع قلبك على أقرب/ ترابيزة فقط/ وانتظر».
عند رخّا، نرى تعدّد ضمير المتكلّم، كأنما هو مئات الكُتّاب، سوى أن العالم هو المعطى الأول للكتابة. ضمائر للمتكلم كثيرة ومتعدّدة. وضمير مُتطلّب، وعنصر أصلي وخام للقصيدة، وللنصّ في علاقتهما الملتبسة بالشهوة (ليس الحب) وبالعجز عن الشعور بلحظة رضى.
يصعب التفريق بين الشعر والنثر عند يوسف رخّا، فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق بين طول الجملة أو قصرها. النثر عند رخّا هو الحدّ الأطول لقول الشعر، والشعر هو الحدّ الأقصر لقول النثر. خصوصية الكتابة عند رخّا هي لغته أيضاً المعنية بتحطيم السائد والمُزيّن أو طقوس الصورة المعتادة. حركة الكلمات عند الكاتب تُفضي الى روابطها، تلك الروابط الكثيفة المتفجّرة التي تضع قصيدته في عمق تجربته، والبادية في «كل أماكننا» كما لو إعلانات بـ«النيون» الأزرق عن شعر يريد الذهاب إلى نقطة أبعد مما كتبه الشاعر حتى اللحظة

حوار محمد شعير في الأخبار البيروتية

يوسف رخا: الحياة في خدمة الأدب

تصالح متأخّراً مع التراث ويكتب خارج هاجس السلطة


لعلّ «الذاتية» هي كلمة السرّ لولوج عالم هذا الكاتب الذي ينتمي إلى حساسيّة خاصة في الأدب المصري الراهن… كتابه الجديد يجمع بين النثر والشعر، والمفاجأة المقبلة باكورة روائيّة بعنوان «الطغري»

القاهرة ــــ محمد شعير
خمسة كتب لا يسهل تصنيفها: بين رواية وشعر وأدب رحلات وتصوير فوتوغرافي. هكذا يبدو يوسف رخا (1976) «خارجاً على دولة الأدب» على حدّ تعبير القاصّ هيثم الورداني. يفرح رخا بالتوصيف: «فيه بلاغة. لأنّ الأدب بالفعل تحوّل إلى دولة أو مؤسسة فيها كل الملامح القمعية». يحاول صاحب «أزهار الشمس» كسر حالة التخصّص في الكتابة. «لا أجد فرقاً بين القصة والشعر. حتى حين أكتب للصحافة. المهم أن يكون لديك شيء تقوله. أن تجد إيقاعاً مناسباً للكتابة وتترك فراغات يملأها القارئ». بدأ رخا الكتابة بمجموعة قصصية هي «أزهار الشمس» (1999). ثم توقف خمس سنوات، كان يكتب خلالها نصوصاً بالإنكليزية، قبل أن يعود ليكتب «بيروت شي محل» (كتاب أمكنة ـــــ 2005)، و«بورقيبة على مضض» (رياض الريس ـــــ 2008)، ثم «شمال القاهرة غرب الفيليبين» (الريس ـــــ 2009). تنتمي الكتب الثلاثة إلى أدب الرحلة. وأخيراً، أصدر رخا نصوصاً نثرية وشعرية في«كل أماكننا» الذي صدر منذ أيام (دار العين ـــــ القاهرة). لكن لماذا كانت فترة الكتابة بالإنكليزية؟ يجيب: «بعدما صدرت «أزهار الشمس». كنتُ أشعر بأنّ هناك كتّاباً أكثر مما ينبغي في الثقافة العربية». في تلك الفترة، سافر إلى بيروت لكتابة نصّ لمجلة «أمكنة»، فإذا به يكتب نصاً ليس قصة أو قصيدة أو رواية، بل ينفتح على كل ذلك، ويستفيد أيضاً من منهجية الصحافة. نص بيروت أراد من خلاله رخا فهم الحرب الأهلية اللبنانية، وهو ما قام به قبلاً صنع الله إبراهيم في روايته «بيروت بيروت»، فما الفرق بين العملين؟ يجيب رخا: «لم أفهم نص صنع الله. كان دافعي للكتابة أن أفهم حكاية الحرب. لكن في نصه المكتوب كرواية، كان لدى صنع الله قناعة بأنه يؤدي دوراً سياسياً. والوظيفة السياسية والاجتماعية للأدب، ليست في ذهني تماماً». يوضح: «عند صنع الله، الشكل محدد قبل الكتابة. وهو يستخدم الشكل للوصول إلى الهدف. أما أنا، فهدفي بسيط، هو مجرد الفهم، بعد ذلك، تأتي التقنية. أنا أوظف الحياة لصالح الأدب، بينما هو يوظف الأدب لصالح أشياء أخرى». لكن هل يمكن الكتابة أن تفارق السياسة؟ يجيب «الدور السياسي الحقيقي للكاتب هو تجنّب أن يكون سلطة».
لكن هل يعدّ ما كتبه ينتمي إلى أدب الرحلة؟ يجيب: «الروائي إبراهيم فرغلي كتب مقالاً عن كتابي «شمال القاهرة غرب الفيليبين» وصف فيه رحلاتي بأنّها «سياحة روحية» في المدن. وهذا التصور هو نقيض لما أعنيه. ليس لديّ ادعاءات كبيرة. لكن أدب الرحلة على تعدد أشكاله، مثل ابن بطوطة، أو الأميركي بول ثيرو، مختلف عن النصوص التي أكتبها، وإن تقاطع معها في بعض الأشياء». يضيف «أعتقد أنّ أهم شيء هو «الذاتية». عندما كتبت عن الإمارات، لم أكتب سيرة لي أو للمدينة، بل كتبت عن إماراتي. الأهم هو النظر إلى الأشياء بعمق لا الاكتفاء بالسطح». كتابه «شمال القاهرة غرب الفيليبين» يختلف عن كتابيه السابقين عن بيروت وتونس. لا نقع فيه على ذلك التشظّي، أو على العناوين المكررة، كما في النصين السابقين. لذا يمكن اعتبار الكتاب نصاً انتقالياً، قاده إلى الرواية التي يعمل عليها الآن بعنوان «الطغري»، وهي أيضاً رحلة في القاهرة «واستحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001، وتأملات في انحدار الحضارة الإسلامية».
يُشغل رخا في روايته الأولى بموضوع الهوية، ويستخدم فيها لغة تراثية من كتب الثرات العربي مثل «بدائع الزهور» ونصوص الجبرتي… عن تلك المقاربة يقول: «علاقتي بالتراث ليست أصيلة، جاءت بعد بحث وعناء ومحبة. الكارثة الحقيقية أنّ الديماغوجيّة القومية نجحت في جعلنا نكره كل ما هو جميل في تراثنا». ويضيف: «موضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي. أعتقد أنّه سيكون موجوداً في كلّ كتاباتي. فأنت في بلد فقير، وثقافة استهلاكية، ومناخ لم ينتج فكراً ولا فلسفة على مدى مئات السنوات، ولديك تطلّع إلى العالم الأقوى والأعلم. لا بد من أن تطرح سؤالَ ماذا

روايته المقبلة رحلة خياليّة في القاهرة، وتأمّلات في انحدار الحضارة الإسلامية

لديك لتقوله للإنسانية؟». ويقارن الكاتب المصري بين عمارات القاهرة الحديثة وعمارتها في العصور السابقة: «في شارع ممتد مثل فيصل، لا يمكن أن تقف أمام مبنى واحد وتقول إنه جميل، على عكس عمارة العصور السابقة». الهوية ليست أزمة بالنسبة إليه، هي مجرد موضوع يفرض نفسه وليست شرطاً تاريخياً… أزمته الحقيقية يراها في «الفكر القومي عموماً».
لكن لماذا لم يكن الغرب حاضراً بقوة في كتاباته، هو الذي قضى سنوات طويلة في لندن؟ يجيب: «ذهبت إلى إنكلترا حين كنتُ في الـ17من العمر. كنت أكره كل شيء هنا: العروبة ومصر والدين. لكن هناك حدثت صدمة حضارية بالمعنى المعكوس. كنت أتوقع أن أجد درجة عالية من التحضّر والحرية. لكن لم أجد ذلك، بينما فقدت أشياء بسيطة كنت أجدها هنا مثل الود والمشاعر». هل حدثت المصالحة مع الشرق بعد عودته؟ «حدثت بشكل طبيعي وليس بناءً على قرار مسبّق».


«أقرب إلى ميكانيكي»!ضحك يوسف رخا حين قالت له الصحافية منى أنيس لدى نشر صورته في إحدى الجرائد: «تبدو في الصورة أقرب إلى ميكانيكي منك إلى أديب». لم يغضب من التشبيه: «أحاول أن أتجنّب أفكار الجماعة عن شكل الأدباء». لذا، يرفض ما قاله القاصّ محمد المخزنجي بأن الأديب يجب أن يكون محترماً. يوضح: «أهمّ أدب لم ينتجه كتّاب يجلسون على مكاتب. وأعتقد أنّ أهم أديب عربي في القرن العشرين هو المغربي محمد شكري، الذي كان متشرّداً. وجزء من أهمية ما كتبه أنّه كشف ذلك في كتابته. ويستهويني أيضاً جان جينيه». ويوضح: «أنا لستُ كذلك، لكن هذا نموذج يختلف تماماً عن الأديب الذي يصبح وزير ثقافة لاحقاً. من الطبيعي أن يكون لدى الكاتب الجرأة على المغامرة بروحه، وعيش تجارب لا يمكن الآخرين أن يعبّروا عنها مثله إذا عاشوها».

عدد الثلاثاء ٩ شباط ٢٠١٠ 

Reblog this post [with Zemanta]

حوار إيمان علي في روز اليوسف اليوم

يوسف رخا: الكتابة طريقة حياة و… مهنة أيضاً

معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي،‮ ‬يكتب شعرا،‮ ‬ونثرا،‮ ‬ويرسم أعماله،‮ ‬ويصمم أغلفة كتبه،‮ ‬ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية،‮ ‬في كتابه الجديد‮ “‬كل أماكننا‮” ‬دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها،‮ ‬كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال،‮ ‬يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان،‮ ‬لكنه سيغير طريقته في التناول‮: “‬انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة،‮ ‬لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا،‮ ‬و”مش هتجيب‮” ‬أكثر من ذلك‮”.‬

الكتاب الصادر عن دار العين،‮ ‬هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه،‮ ‬يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي‮: “‬ما يعنيني هو العالم العربي،‮ ‬لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني،‮ ‬أعني حضوره الثقافي المسيطر،‮ ‬لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها،‮ ‬وليست العروبة بمنطق سياسي،‮ ‬أما في روايتي القادمة‮ “‬الطغري‮” ‬اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية‮”.‬

يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال‮ “‬كل أماكننا‮”‬،‮ ‬هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر،‮ ‬أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه،‮ ‬والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل،‮ ‬بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة،‮ ‬بغض النظر عن القواعد الشكلية‮: “‬لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل،‮ ‬لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها،‮ ‬وننتظر النتيجة،‮ ‬التي قد تكون في صالحنا،‮ ‬النص بإمكانه أن يكون متماسكا‮ “‬،‮ ‬من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر‮ ‬غريب،‮ ‬رغم أن وجودها كشكل أدبي‮ ‬غير متأصل في التاريخ العربي،‮ ‬فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة،‮ ‬وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين‮: “‬كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي،‮ ‬فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية،‮ ‬مثلها مثل التليفزيون،‮ ‬كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة‮”.‬

يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة،‮ ‬بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة،‮ ‬وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل‮ ‬غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان،‮ ‬مما يعني‮ ‬غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما‮: “‬ليس في‮ ‬غيابها مصيبة،‮ ‬أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة‮”.‬

نرجع للحديث عن المشروع القادم،‮ ‬فيخبرنا صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة،‮ ‬وفيها تلامس مع الفترة العثمانية،‮ ‬وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له‮ “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬و”شمال القاهرة شرق الفلبين‮”‬،‮ ‬والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل،‮ ‬صحيح أنها رواية عن التاريخ،‮ ‬لكنها‮ – ‬كما يري‮ – ‬ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا‮.

‬في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة،‮ ‬المراوغة‮ ‬والموسوعية،‮ ‬يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية،‮ ‬وبالتالي تنزعج من العامية المصرية،‮ ‬والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية‮ ‬غير واقعية وغير عقلانية بالمرة،‮ ‬وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها‮ – ‬أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء‮ – ‬إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس،‮ ‬يقول‮: “‬استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية،‮ ‬خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي،‮ ‬لا أحاكيها ولا أتناص معها،‮ ‬بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها‮”‬،‮ ‬إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها،‮ ‬وهو ما لا يراه رخا ويناقضه‮: “‬كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع‮ ‬غياب مفهوم الصحافة وقتها‮”.

‬ بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت‮ ‬39‮ ‬صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره،‮ ‬جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل،‮ ‬أسأله عن السبب،‮ ‬يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي‮ – ‬التحق بهذا المجال منذ‮ ‬1998‮- ‬وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش،‮ ‬أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة،‮ ‬لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره،‮ ‬يقول‮: “‬الكتابة طريقة حياة،‮ ‬ثم هي بالأساس مهنة،‮ ‬وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا‮”.‬

c.v

مواليد‮ ‬1976

يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي

يكتب الشعر

نشر له‮ “‬بيروت شيء محل‮” ‬2006‮- “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬2008

‮”‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮” ‬2009

وكتابه الأخير‮ “‬كل أماكننا‮” ‬صادر عن دار العين

يعمل حاليا علي رواية بعنوان‮ “‬الطغري‮”‬

Reblog this post [with Zemanta]

الذي جاء بالكهرباء: صوت


من قصائد “كل أماكننا” – اضغط الميكروفون لتسمع



الذي جاء بالكهرباء

الذي جاء بالكهرباء

لم يكن قبيح الخلقة

بدا الجهاز في يده

كهاتف أو مسجل

مجرد إضافة عصرية

لربطة العنق الأنيقة

والحذاء ذي اللمعة الآخذة

الذي جاء بالكهرباء

لم يكن سادي الأداء

كان أدبه شديداً

وهو ينحني بالسلام

قبل أن يقرأ علينا

قرار العقاب

معتذراً عن قسوة سيده

الذي جاء بالكهرباء

لم يصعقنا حتى تأكد

أننا مستعدون

وكان بعد كل صرخة

يرجئ الصعقة التالية

متمتماً بالنصائح

لتخفيف الألم

كان لطفه ساحراً ذلك

الذي جاء بالكهرباء

لدرجة أننا اقتنعنا

بإمكانية التحمل

وعزمنا على تسهيل مهمته

حتى اكتسبت صرخاتنا

نبرات تفانٍ صادق

ما انتابنا الشك لحظة بأنه

يخفي أصوله البربرية

في محافل الوجهاء

أو ينسب لأجداده عبارات

عن الحرية والعدل

وحق الجسد في النمو

دون أن يتعرض للعذاب

خلب ألبابنا الذي جاء بالكهرباء

حتى استسغنا عذابنا