قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر. Continue reading

دجاجة تجلس على بيضاتها: مشهد من الأسد على حق

رأيت في ما يرى المخبول باولو ونايف يرتدي كل منهما بذلة داكنة وربطة عنق أنيقة وقد جلسا إلى طرفي مائدة بيضاوية تشغل الحيز الأكبر من مستطيل يومض، أحدهما في مواجهة الآخر؛ يقلّبان أوراقاً لا تكاد تُسمَع خربشاتها من وراء. وفي منتصف المائدة، مواجهاً إياي، كان فيصل القاسم مقدم برنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة الجزيرة مثل دجاجة ترقد على بيضاتها، هيكله أشبه بمثلث مقلوب وهو ينقل ثقله من كتف إلى كتف تباعاً ويلوّح بذراعيه إذ يخطب بتأنٍ فيما تبقى ملامح وجهه ثابتة. وكان باولو ونايف يصغيان ولو تظاهرا بالالتهاء في تصفح الأوراق صابرين على دورهما في الحديث.

لقد ضم فيصل القاسم سبابته إلى إبهامه ليومئ مؤكداً في حركة دائرية تستدعي البلاهة إذ تستهدف الدقة والعمق، وراح يطرح موضوع النقاش بالحذلقة الثقيلة ذاتها التي يتميز بها مذيعو الجزيرة جميعاً:

“ولكن في المقابل، ماذا عن امرأة متحررة تتخذ من الثقافة سِتاااراً للعمل السياسي السريييّ؟ هل مثلُ هذه المرأة تستحقُ الحياة؟ أبداً! يجب قتلها على الفور (يصيح شاعر مصري).” كان ينغّم ألفاظه بمسرحية مغناج مع أن الألفاظ كلها تقدّس الفحولة، فيختم كل جملة من جمله بمدّ مترنح يظل يرنّ في الأذن. وبرغم أنه كمّن يحفّظ القرآن ممسك بزمام التشكيل ومخارج الألفاظ، تتراءى بلاغته محاكاة كوميدية للغة العصور الوسطى أكثر منها انضباطاً لغوياً أو صياغة مقنعة لمعلومات؛ سيكون على باولو ونايف أن يسايرا هذه البلاغة فيصطنع كل منهما نبرة حادة ولو لم يكن انحيازه عنيفاً إلى هذه الدرجة؛ غير أن السياق سيجبرهما على الاشتباك في صراع شخصي فيما فيصل القاسم يردد – “بلا شخصنة”، “لا لا”، “التجريح ممنوع”، “رجاء حار” – ومن ثَمّ سيرتدان، ويرتد فيصل القاسم نفسه إذ يقاطعهما ليعيد صياغة كلامهما بما يؤجج العراك، إلى اللغة المحكية. ولكن ليس بعد. “فهل يقوى الرجل على ملاعيبَ النِساااء؟ هل يتركنه ضائعاً في العراااء…”

ها إنه يهيّيء الحلبة للسجال، وبمنطق التسطيح الخطابي المعتاد لدى الاتجاه المعاكس – ذاك الذي يحوّل أسئلة مركبة بالغة الصعوبة إلى ماتش كرة يبدأ وينتهي دائماً بانتصار فريق مقاومي الأمة الإسلاميين على فريق عملاء الإمبريالية العلمانيين كأنموذج شديد البضينة لانتصار الخير على الشر – فيحرّض باولو ونايف على المبارزة ويستحثهما على المبالغة والاختصار –”الوقت يداهمنا، الوقت يداهمنا” – حتى يُنسى موضوع النقاش الأصلي: هل تُعدّّ مون وقد انجلى أنها تعمل جاسوسة للإخوان المسلمين من الأطراف المناصرة للثورة؟ لقد استُدعي صديقها القديم الميت منذ ٢٠٠١ ليدافع عنه، فيما جاء يهاجمها صديقها الحالي: أنا، سيادتك.

وفيما يهمهم فيصل القاسم ويدمدم، لعل باولو يتذكر المعركة الجسدية الوحيدة التي خاضها مع صاحب من أصحابه، يوم ركل نايف رأسه في فناء بيته في المريوطية وقد أثير أمر علاقة باولو بالفنانة التي يقال لها نرجس. إنه يخبر نايف – “على الهواء مباشرة” – إن لديه وثائق تثبت أن مون كانت تخدم في جهاز مباحث أمن الدولة منذ قديم، ويلوّح بصورة لها مع اللواء حسن عبد الرحمن رئيس الجهاز الذي يحاكَم لا يزال مع وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي.

(لاحظ يا باشا أن باولو هنا يطبّق المثل الشعبي الشهير “كلّم القحبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك”: أليس له الحق في تطبيقه كما في الواقع كذلك في الخيال؟)

ثم إن نايف يريد أن يجيبه بأن وثائقه ولو كانت دامغة لا تعني شيئاً في حد ذاتها: إن مون قد تكون عميلة أمن دولة ومناصرة للثورة في الوقت نفسه، فالتعارض ليس بالضرورة حقيقي والأمور لا ينبغي تسطيحها؛ يريد نايف أن يقول لباولو إن حضور شخصية مثل مون في مصر من شأنه أن يساهم في التغيير المرجو من أية ثورة ولو كانت مون نفسها تجاهد لصالح الثورة المضادة. غير أن ثمة سوطاً مجازياً في يد فيصل القاسم يستحثه، فكل مقاطعة بمثابة جلدة هو غير مستعد للسعها – “يا أخي احكي لك كلمتين متل الناس والأوادم”: هذا ما يدمدم به الآن مقدم البرنامج الحواري مخاطباً نايف، مضيفاً بنبرة من نفد صبره: “الوقت يداهمنا” – ولعل الذكرى والسياق يلجمانه أو لعل ضغائنه الغارقة تقب إلى السطح. فإن ما يَخرج من فم نايف زفرة عصبية يتلوها قدح موجع في حق باولو، وهو موجع لا سيما لأنه حق وصدق. إن نايف يكره أن يكون في موقف المدافع عن الإخوان المسلمين ويكره أن يساهم في تكريس كذبة أن الإخوان المسلمين هم الثورة، لكن هدفه الآن – كما يريد فيصل القاسم – هو إيذاء باولو، وهو ينفذ الهدف تحت ضغط الأخير بكل أريحية متاحة.

يقول نايف بهدوء زائف مخاطباً صاحبه الذي لا يزال حياً: إن شخصاً يرتبط بامرأة ليشهّر بها على الفضائيات إنما هو قواد لا يحق له ادعاء موقف أخلاقي؛ إنه يدري أن لباولو، ومنذ الاعتصام الثاني في ميدان التحرير في صيف ٢٠١١، صلات وطيدة بأجهزة مخابراتية وثمة على ذلك إثباتات – يلوّح نايف بأوراقه تأكيداً إذ يواصل – فما يدرينا أن باولو ليس هنا الآن بتكليف من ضابط أمن وطني يعمل مذاك في إمرته؛ وإن مون ولو خدمت المشروع الإسلامي فهي تدافع عن تصور ناجز لمستقبل البلد، أما ضيفك – هنا يستدير إلى فيصل القاسم فيما إصبعه يشير إلى باولو – فماذا عساه يفعل سوى الارتزاق؟ إن الارتزاق يا سيدي هو ما دأب عليه ضيفك منذ التسعينيات، عندما باع مبادئ جماعة التماسيح للشعر المصري مقابل النجاح المادي على قفا فنانة تشكيلية سيئة السمعة… لقد أنصت باولو متشنجاً ولكنه الآن ينهض، وإذ ينحني واقفاً يفاجئ فيصل القاسم الذي وقف بدوره وقد أسكت نايف بذارع ممدودة بخلع فردة حذائه التي يرفعها الآن ليقذف بها محاوره على الطرف الآخر من المائدة. نايف يقول “أنت زبالة” فيما فيصل القاسم يهمهم باضطراب متزايد “لا، لا، لا… استراحة قصيرة؟ أوقف البرنامج!”

وحذاء باولو يطير عبر الشاشة قاصداً رأس نايف الجالس لا يزال… بيد أن الإرسال يُقطع فيُستبدل مشهد الستوديو بدعاية لشركة قطر للبترول قبل أن يصل.

LIPS-قصيدة

(download if you like)

ذات يوم نطق أحدهم بتوصيف دقيق
لذلك الذي نعرفه ما إن نراه
وفيما تشخلل كلماتنا المعقودة كالخرز
في سلاسل ضيقة حول أعناقنا
ونحن نرود الحظائر نفسها
لم ننتبه إلى ما قاله
كان الذئب السعران ينبح تحت الكوبري
و”الونش” يفترس السيارات
وقبل أن يخطر لنا أن نستزيده
سقط الناطق بالتوصيف فجأة
من شباك المؤسسة
فتاة أخرى أو امرأة بدأت تهذي
وهي تخترع العجلة على رصيف “قهوة”
يرن على طاولاتها “قشاط” الرجال.

*
أكاذيب مَن يسعى إلى صدق
ومَن يسعى
إلى كذب
يمكن أن يشبه الصدق
بشرط أن يبقى
على مسافة من الأشياء
وكلما غاص في الوهم أكثر
كلما حلّق أبعد في مداراته
بدا أنه أصدق
لأنه ساعتها فقط
وبينما صاحب الصدق نائم
يمكنه أن يسرّب كليشيهات
تروق للمافيا الصغيرة
المافيا التي تحكم سموات
كأنها أسقف واطئة
ونجومها المبالغ في حجمها تشهق
كجروح المعذَّبين في المعتقلات.

أحدث فتاوى فضيلة الشيخ أبو نصر السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

Link

كتابنا

يوم حلمتَ باسمينا متجاورين على غلاف واحد قلتَ لي إن هذا غير مسبوق في ثقافتنا وإنه، فضلاً عن كونه أَقيَم من الحب، حلٌّ لوضعنا المستحيل. ولأن خيالك لم يتسع لاحتمال أن يصبح الوضع ممكناً فيما ظللتَ تعصر ليمونتك في حلقي… إلى آخر قطرة، جعلتَ “كتابنا” حجةَ تَجَاوُر ربما كان أفضل لك أن يبقى هو الآخر حلماً. ذات يوم أغضبك فصل أنا كتبتُه لكنك لم تَردّ عليه بفصل كما اتفقنا. أنا كنتُ قد صدّقتُ أن غير المسبوق هذا الذي أقدمنا عليه، حل وضعنا، بالفعل أصلب من ليمونة جفّت وتجعدت ولم يبق إلا أن تُلقَى في سلة المهملات. ولأنني منذ ذلك الحين تذكرتُ لحظةً مرت، وأنا أسمعك، أيقنتُ فيها أنك رغم كل ما تقوله لا تتكلم – لم تتكلم، لا تستطيع الكلام – قلتُ لنفسي إن “ثقافتنا”، مثلاً، مجرد صوت بلا معنى يخرج من فمك. وعرفتُ: لا شيء عندك قيّم في الحقيقة، لا الحب ولا الغلاف. لحظة واحدة مرت، لكنني سأتذكرها. لهذا فقط – ربما – لم أنبس، لم أحدّثك عن خيبة الرجاء. واكتفيتُ بإزاحة المشروع عن “سطح المكتب” مؤقتاً بانتظار فصول كان يتأكد لي أنها لن تُكتب من كتابنا. مع أنني يا أخي أأكنتُ مستعداً لإعادة صياغة أي شيء. لو أنك فقط تكلمت. لكنك فضّلت الخرس والتذاكي. وأنا حذفتُ “فايلات” الكتاب

وجه المثقف

أراك تمسك هذا الكتاب كأنه لم يعبر إلى يديك قارةً ومحيطاً على حساب عاشق آخر بليد يعمل تحت مسمى الصداقة في خدمتك. تقلّب الصفحات وأنت تسحب فوق رأسك، مثل “بالاكلافا” أو نقاب، وجه المثقف: ربيب المكتبات وصديق الأساتذة، المهم حضوره حيث يحضر المهمون. وقبل أن تبحث في الكلام عن دليل على أنه ليس من تأليف كاتب كبير، قبل أن تعيّن الثغرات وترى أصداءك أو أصداء غيرك في عبارات تحسها مسروقة ومستهلكة، أراها على وجهك، هي نفسها: الفرحة التي استمرأتها منذ ابتدأت، بأن شخصاً – الموجود، ربما أحسن الموجودين – وقع في حبك بما يكفي ليستلهمك. وأرى الرفض ذاتَه يخالطها في البراري الضيقة حول عينين ليس سواهما خلف القماش: أنت لست ملهِماً، لا. لا تريد أن تكون مملوكاً لشخص. حتى قراءتك الآن مدفوعة فقط بالفضول. كل ما في الأمر أن صوتاً آخر قرر أن يبروز لك صورة منزوعة عن حقيقتك… صورة هم، من ورائها، الرابحون؟ – في هذه اللحظة، وقبل أن تجيب عن سؤالك، قبل أن يسأل أحد من يكونون هم هؤلاء وقبل أن تضم الكتاب إلى غنائم روّضت نفسك على احتقارها عبر السنين، وتعود دونما تدري تستفز أو تستجدي كاتباً لن يكون كبيراً للقتال في معركة امتلاكك، تلك التي لا تخرج منها أبداً خاسراً، لتترك خلف ظهرك قواداً آخر أو عدواً كنت تفضّل أن يكون قواداً – اسمع: بالنسبة لهذا الكاتب، أنت لست سوى جسد لم يرد أن يُقاوِم شهوة عبوديته. هو كتب لأنه كان رباً قادراً ذات يوم، ولأنه أحبك بعد أن رأى عبر الزجاج كل الحبال الذائبة التي تربط أجولة زبالتك. أما الذي أنجزتَه والكتّاب الكبار والعشاق البلداء ووجهك هذا، أنت كلك على بعضك بكل أهميتك: بالنسبة لهذا الكاتب، كل هذا ليس أكثر من “بارفام” كان يحجب عنه رائحتك، أو حكاية فتاة فقيرة تركت حبيبها لتتزوج من ثري عربي

Enhanced by Zemanta