كتاب الطغرى

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

الإسلام السياسي مش قدر ولا خطوة ضرورية على الطريق مع تحديثات أخرى

فيه فكرة يكاد يكون متفق عليها داخل الخطاب السياسي “المدني” (واليساري بالذات) هي إن الإسلام السياسي مرحلة لم يكن من الممكن تخطيها على طريق الديمقراطية (أو يعني “تحرير الأمة”) وإن قمع وإلغاء الإسلاميين ما هواش حل حيث إنه بيرتد على المجتمعات بعنف ومشاكل أكبر على المدى الطويل.

Continue reading

فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.

فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!

*

ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

Continue reading

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

الثورة والطغرى: بعض ما قاله مصطفى بلغة جديدة عن ميدان التحرير

wpid-screen-capture2-2011-11-18-21-39.png

… أذكر أولاً أنني، حين أذهب إلى عملي عبر ميدان التحرير وأجده يغص بسيارات تنظمها شرطة المرور ولا أثر لشيء ثوري أو إشارة، لا أكاد أصدق: كنا نظن ميدان التحرير سيظل منفصلاً عن مدينة العادم و”الكلكسات” ليصير مزاراً تاريخياً خارج الزمن، كنا نظنه لا يعود أبداً إلى ما كان عليه في السابق، وكانت فرحتنا بالرقاد على الأسفلت ربما أكبر من فرحتنا بالاحتجاج. لا أكاد أصدق وأشعر بحزن كأنه الفجيعة. في البداية، أصبح ميدان التحرير. أقصد: أصبحت القاهرة ميدان التحرير. بين مساء الثامن عشر من يناير وليل التاسع عشر، تقريباً. كنا في مساجد الأحياء المترامية (أكثرنا يصلي مضطراً، ربما لأول مرة منذ الطفولة) ثم كنا في شارع قصر العيني وعلى كوبري قصر النيل، منهكين جراء السير على الأقدام وتفادي القذائف واستنشاق الغاز؛ من منافذ وسط البلد المؤدية إلى “الميدان”، أيضاً (كما صار يُطلق على المكان اختصاراً، بدلاً من “التحرير”)، كنا نجابه السدود الأمنية في طريقنا وكانوا يستعملون العنف بقصد إيذائنا والناس تتفرج من النوافذ حتى تنضم إلينا أو تغلقها. بين يوم وليلة، هكذا، لم تعد هناك قاهرة. حين ظهرت جثث وفوارغ قنابل وطلقات، اختفى الأمن ليعود بأشكال دائمة التجدد: أكثر من حفلة تنكرية على مدى أسابيع. تحولت الشوارع إلى خلاء ليلي يبقبق بخطر البلطجة وملاحقة الأمن أو أشباهه من متطوعي “لجان شعبية” نبتت بين يوم وليلة بسماد الشائعات السحري، إذا ما اشتُبه في أن المارة من “بتوع التحرير”؛ بينما النهار كله في مساحة يحدها ميدان عبد المنعم رياض إلى الشمال، وإلى الجنوب: “المُجمَّع” – ذلك البناء السوفييتي، نعم، البناء الكافكاوي، التعريف المعماري لقاهرة يوليو ١٩٥٢: عبث البيروقراطية المركزية وسطوة التوجس – مجاوراً لجامع عمر مكرم من حيث كانت ولا تزال تخرج جنازات الأكابر، ثم ميدان طلعت حرب من الشرق وكوبري قصر النيل من الغرب. أنشئت المداخل حيث استقرت آليات الجيش وتطوع بعضنا بتفتيش بعض أثناء عبورها. قيل إننا وجيشنا “إيد واحدة”، تقريباً، في حماية الجهات. ووقت كان يتضح أننا لسنا كذلك، كانت مواجهة تلك الحقيقة تصبح منكرة؛ من يقل إن الجيش مع الحكومة يصر مع الحكومة… ولكنني أتكلم عن الجهات الأربع المرقطة بسيارات ضخمة كأنها سلاحف صحراوية عملاقة منثور عليها جنود بخوذات. لن يكون للمساحة شمال وشرق ولا جنوب وغرب إلا أنْ تخرج من رؤوسنا بوصلة تحولها إلى مربع جغرافي. على كل حال أصبحت مساحة. أصبحت مساحة وأصبحت المساحة مدينة ثم أصبح للمدينة حدود. بالتدريج ظهرت أسباب الحياة: نوم وأكل وعلاج وعبادة، ولا حاجة إلى مواصلات. كنا قد فقدنا شبكات الموبايل والإنترنت ثم استرددناها، ومع استتباب الحديد و”الكاكي” عشنا. خلال ثمانية عشر يوماً بداية من منتصف ليل الثامن والعشرين، كان خط تماس عبد المنعم رياض بالذات مسرحاً لاستعار “الاشتباكات”، وإن أتت الهجمات (المسكوت عنها من جانب الجيش، كما اتضح لاحقاً) من طلعت حرب وعمر مكرم كذلك. لكن المربع كان أيضاً دائرة، وكما في لوحة ليوناردو دافينشي الشهيرة لجسد رجل مرسوم بالنسب المثالية طبقاً لقوانين المعماري الروماني فيتروفيوس الهندسية، نمت يوتوبيانا في مساحة تداخُل المربع والدائرة، بشكل ما: واحة وسط صحراء، لكن مع الوقت أيضاً سجن ثلاثي كسجن أبي العلاء، لا تُرى بلا عينين ولا تخرج من بيتها وهي في جميع الأحوال حبيسة القاهرة. أقصد: كفر عشرات الآلاف بالقاهرة أو كفّروها ليهاجروا إلى الميدان. أصبح فضاء عام حقيقي لأول مرة منذ الخمسينيات. أصبح جسد إنسان حيث المربع والدائرة. أصبح إنسان فعلاً. شخص اسمه التحرير أو الميدان أو الثورة. عن نفسي، وراشد السيوطي الذي عاد من إنجلترا أسبوعاً ليشارك وصرنا ننسق ذهابنا معاً، لم نكن نبيت. نذهب عند استيقاظنا ونعود قرب موعد النوم؛ ولعل ذلك، فيما حمانا من عصاب أو حتى ذهان سيحل لاحقاً بالكثيرين ممن لم يغادروا الميدان طوال الأسابيع الثلاثة – رحلاتنا، مشياً، من الفراغ إلى الزحمة بالنهار وبالليل من مركز ما هو بشري وحقيقي إلى بيوت ترتجف عبر مدينة مزيفة وعاطلة – لعله أكد لدينا فكرة انتهاء القاهرة. في المساءات المشحونة بدأت أفكر في معنى ميدان التحرير: كيف يتطابق مكان مع فكرة أو توجه قد يمثله جسد – شخص – هو الآخر مثالي؛ كيف تختلف نظرتك إلى جسد ما حين تعرف صاحبه؛ وكيف تصبح مواقع مختلفة داخل مكان يشبه جسداً أعضاء بيولوجية فاعلة أو نقاط جذب لا مرئية كالـ”تشاكرا” التانتريتية، لكل منها وظيفة. قلتُ لراشد إن الجزيرة المستديرة التي تتوسط قسماً من الميدان – التجلي الحالي لكعكة أمل دنقل الحجرية – هي الركبة التي لا يمكن بدونها للشخص أن يقف أو يسير. إن مجمع التحرير هو القدمان ونصب البطل العسكري عبد المنعم رياض، ذلك التمثال المعدني الرديء، صولجان مرفوع على اليد اليسرى مواز للرأس الناتئة – مرفوعةً هي الأخرى – فوق الأشياء كلها وناحية لاشيء، فيما خط التماس الرئيسي يقطع السرة ما بين المتحف المصري والجهة المقابلة باتجاه طلعت حرب. قلتُ لراشد إن شيئاً رهيباً سيحدث لهؤلاء الناس لو أن الحكاية انتهت و”نأبهم طلع على شونة”. كنا قد بدأنا نلاحظ تأثير العزلة والقرب: بارانويا تسري بدءً من غروب الشمس حول ما إذا كان بين المعتصمين دخلاء يجمعون المعلومات عنهم أو يوجهونهم إلى أفعال ضارة؛ مبالغة في خطابات الانتصار والاستمرار وفي قصر “الأخلاق” على سلوكنا داخل الميدان حيال أشياء تافهة وغير متصلة؛ هوس بالقضاء على أفراد بعينهم – أحمد شفيق، عمر سليمان، أنس الفقي فضلاً عن آل مبارك – بلا التفات لا إلى أخلاقية استهدافهم ولا إلى ما يمثلونه بغض النظر عن ذواتهم ومدى انتشاره في الوعي الجماعي، حتى وعينا نحن. قلتُ لراشد إنه جسد وقال إنه دماغ. قال إنه يريد أن يعد دراسة أنثروبولوجية عن التحرير أثناء الاعتصام يعتمد فيها المواقع ذاتها مقارباً إياها من منظور فرويدي: خارج الدائرة ما يسمى “ما قبل الوعي”، بينما مكونات الوعي الثلاثة – الإيد والإيغو والسوبرإيغو – تشغل قطاعات متداخلة في جوفها: الإيد في الذراعين والقدمين حيث التمثال والمجمع وجبهات القتال، والإيغو في المنطقة الآمنة المحيطة بالكعكة الحجرية، بينما السوبرإيغو (معقل القيم والأحكام) ففضلاً عن المتحف المصري حيث كان الجيش يعتقل البلطجية، في السرة نفسها حيث دبابة ثابتة كأنها محج تمثل التفاعلات حولها بين المحتجين والجنود تحالف الشعب والجيش الذي تغذت عليه أسطورة الثورة نفسها …

wpid-img_2166-2011-11-18-21-39.jpg

كتاب الطغرى في ١٤ دقيقة وثانية واحدة

كتاب الطغرى: مقطع من القسم السابع

دعني، ورذاذ البحر ينعشني، أحكي لك عن آخر مرحلة في جولة القاهرة الإسلامية، بعد المكالمة المصيرية هذه من قدام المسجد والدنيا تظلم… كنت في زقاق صغير متفرع من شارع محمد علي. قلت أتمشى إلى منطقة العتبة الخضرا وأنا هيمان هكذا من غير ما أفكر في الآثار، وبعدما أصل أكمّل مشياً أو أركب من هناك لشارع الجلاء… إلى أن وجدتني في هذا الزقاق الطويل لوحدي في الظلمة ومن ورائي الربع نقل: عربة بعد عربة بعد عربة نورها مطفأ ولا أي إشارة أنها تقترب أو ميعاد محدد لاقترابها. كيف كانت تتقدم هكذا بلا صوت؟ كأنها ماشية على قطيفة، ولا صرّيخ ابن يومين في أي اتجاه.

كنت أحس بالواحدة منها فجأة هكذا في ظهري، من قبل ما يسورني الكلكس الذي يضربه سواقها كأنه يخلّص حقه من الدنيا، فأرتبك وحاشراً جسمي بالعرض بين الأسفلت والعربات المركونة في ناحية واحدة من الطريق لأمررها، أنخض. من غير سبب واضح استشعرت حضوراً شيطانياً، كأن الحركة التي بدأت بسواق التاكسي الملائكي وتوسطها الأشقر أبو سبحة الذي تحس بقوته الغيبية دونما تعرف إن كانت أقرب للخير أو الشر لابد أن تنتهي بلقاء مع الأبالسة.

بدأت أتلفت ورائي وأنا مضطرب من الزنقة والاستعجال، ولا أرى للزقاق أولاً من آخر… كانت الأنوار قلّت لحد ما بقيت الدنيا ظلمة كحلْ. وحسيت كأني محبوس في مكان مريب وأريد أن أخرج ففضلت أمد لكن الزقاق ما كان ينتهي. فجأة كأن زاويته تغيرت أو مساحته اختلفت وبدأت أنتبه لوجود بيوت على الشِمال لكن حتى هذا، وسط القفر العام، لم يطمئني. سمعت خطوات ثابتة آتية في الاتجاه العكسي فرجعت، وقلبي يدق، أبطأت. كان الربع نقل لازال يأتي وراء ظهري يفزعني بالكلكسات. وساعتها، على أضواء جانبية خافتة جداً طلعتْ من شبابيك البيوت كأنما بالتحديد لهذا الغرض، بدأتُ ألمحهم:

سيل لا يبدو أنه سينقطع من السنيين الملتحين في جلاليب بيضاء قصيرة أو طويلة أو في قمصان وبنطلونات، رؤوسهم إما محلوقة أو عليها طواقي ملونة. كانوا يقطعونني بسرعة كل واحد لوحده أو كل اثنين معاً وبين وقت ووقت في جماعات صغيرة. وجوههم مكشرة وعيونهم مبرقة وهم يظهرون فجأة من وسط الظلمة ثم، بعدما يمرون من جنبي وأكتافهم تحك في كتفي، يختفون.

أغرب شيء أني كنت أسمع خطواتهم وهم آتون ناحيتي فقط: بعدما يقطعونني، مثل عربات الربع نقل تماماً، لا صوت لخطواتهم أبداً كأنهم ماشون على قطيفة. ساعات أسمعهم يدمدمون بصوت ضعيف فيما بينهم، لكنهم في العموم يبرقون لي وهم صامتون ولا يُلقون السلام. حسيت برعب حقيقي لما بدأ احتكاك الأكتاف يبقى عنيفاً يا أبا السيوط. مرة أو مرتين خبطني كتف معضل بقصد وأنا لا أتكلم. وفضلت أتنفس بصعوبة وأجاهد لأتحكم في حركتي لحد ما ظهرت أنوار الشارع العمومي.

على الناصية شفت آخِر واحد فيهم. كان ربعة برأس كبير مكعب، وتهيأ لي أن وجهه نسخة من وجه فستق. هو فقط بذقن واصلة إلى سرته ورأسه قرعاء، يرتدي جلابية لا تكاد تصل إلى ركبتيه ولا شيء يستر ساقيه من تحتها. كان لوحده – أنا متأكد أنه كان لوحده – لكنه كان يدمدم بصوت أعلى من الآخرين، وكان صوته عالياً كفاية لأسمعه وسط دوشة الشارع العمومي.

أسرعت، وكنت أظن أني تفايدته فعلاً لكنه رجع ظهر فجأة من جنبي. خبطني في كتفي خبطة مفترية وقال بنبرة متهكمة: «مصطفى كمال بيسلم عليك، ما تفتكرش إنه هيسيبك.» ولما استدرت بعدما أفقت من الخبطة كان اختفى في ظلمة الزقاق.

vahidettinportrait

الثورة والطغرى

تصاوير

لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.

لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.

أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.

دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير

This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.

Enhanced by Zemanta

حوار إيمان علي في روز اليوسف اليوم

يوسف رخا: الكتابة طريقة حياة و… مهنة أيضاً

معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي،‮ ‬يكتب شعرا،‮ ‬ونثرا،‮ ‬ويرسم أعماله،‮ ‬ويصمم أغلفة كتبه،‮ ‬ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية،‮ ‬في كتابه الجديد‮ “‬كل أماكننا‮” ‬دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها،‮ ‬كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال،‮ ‬يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان،‮ ‬لكنه سيغير طريقته في التناول‮: “‬انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة،‮ ‬لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا،‮ ‬و”مش هتجيب‮” ‬أكثر من ذلك‮”.‬

الكتاب الصادر عن دار العين،‮ ‬هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه،‮ ‬يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي‮: “‬ما يعنيني هو العالم العربي،‮ ‬لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني،‮ ‬أعني حضوره الثقافي المسيطر،‮ ‬لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها،‮ ‬وليست العروبة بمنطق سياسي،‮ ‬أما في روايتي القادمة‮ “‬الطغري‮” ‬اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية‮”.‬

يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال‮ “‬كل أماكننا‮”‬،‮ ‬هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر،‮ ‬أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه،‮ ‬والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل،‮ ‬بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة،‮ ‬بغض النظر عن القواعد الشكلية‮: “‬لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل،‮ ‬لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها،‮ ‬وننتظر النتيجة،‮ ‬التي قد تكون في صالحنا،‮ ‬النص بإمكانه أن يكون متماسكا‮ “‬،‮ ‬من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر‮ ‬غريب،‮ ‬رغم أن وجودها كشكل أدبي‮ ‬غير متأصل في التاريخ العربي،‮ ‬فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة،‮ ‬وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين‮: “‬كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي،‮ ‬فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية،‮ ‬مثلها مثل التليفزيون،‮ ‬كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة‮”.‬

يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة،‮ ‬بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة،‮ ‬وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل‮ ‬غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان،‮ ‬مما يعني‮ ‬غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما‮: “‬ليس في‮ ‬غيابها مصيبة،‮ ‬أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة‮”.‬

نرجع للحديث عن المشروع القادم،‮ ‬فيخبرنا صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة،‮ ‬وفيها تلامس مع الفترة العثمانية،‮ ‬وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له‮ “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬و”شمال القاهرة شرق الفلبين‮”‬،‮ ‬والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل،‮ ‬صحيح أنها رواية عن التاريخ،‮ ‬لكنها‮ – ‬كما يري‮ – ‬ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا‮.

‬في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة،‮ ‬المراوغة‮ ‬والموسوعية،‮ ‬يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية،‮ ‬وبالتالي تنزعج من العامية المصرية،‮ ‬والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية‮ ‬غير واقعية وغير عقلانية بالمرة،‮ ‬وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها‮ – ‬أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء‮ – ‬إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس،‮ ‬يقول‮: “‬استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية،‮ ‬خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي،‮ ‬لا أحاكيها ولا أتناص معها،‮ ‬بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها‮”‬،‮ ‬إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها،‮ ‬وهو ما لا يراه رخا ويناقضه‮: “‬كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع‮ ‬غياب مفهوم الصحافة وقتها‮”.

‬ بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت‮ ‬39‮ ‬صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره،‮ ‬جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل،‮ ‬أسأله عن السبب،‮ ‬يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي‮ – ‬التحق بهذا المجال منذ‮ ‬1998‮- ‬وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش،‮ ‬أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة،‮ ‬لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره،‮ ‬يقول‮: “‬الكتابة طريقة حياة،‮ ‬ثم هي بالأساس مهنة،‮ ‬وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا‮”.‬

c.v

مواليد‮ ‬1976

يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي

يكتب الشعر

نشر له‮ “‬بيروت شيء محل‮” ‬2006‮- “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬2008

‮”‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮” ‬2009

وكتابه الأخير‮ “‬كل أماكننا‮” ‬صادر عن دار العين

يعمل حاليا علي رواية بعنوان‮ “‬الطغري‮”‬

Reblog this post [with Zemanta]

بلدان غير مرئية

“شمال القاهرة غرب الفيليبين” ليوسف رخا

شــتـــات الـــروح فــي بــلـــــدان غــيـــر مــرئــيـــة

abudhabii1.jpg

يخوض يوسف رخا، بلغته ذات الجمال المتوتر المربك، تجربة ثالثة في كتابة الرحلة، ينطوي عليها كتابه الجديد “شمال القاهرة غرب الفيليبين”، الصادر عن “دار رياض الريس للنشر” ضمن سلسلة “الكوكب”. وفي حين كان قد خصص كتابا لكل من رحلتين سابقتين؛ إحداهما لبيروت (بيروت شي محل)، والأخرى لتونس (بورقيبة على مضض)، فإنه في كتابه الجديد يعرج على ثلاثة منعطفات، في بلدان ثلاثة هي المغرب ولبنان والإمارات.

الكتاب لا يبدو كتاب رحلة بالمعنى المتعارف عليه. هو بالأحرى سيرة ذاتية عبر الرحلة، تأمل الذات في مرايا الآخرين، وتمارين على اللغة، كيف تصبح متوترة. توترها ليس غاية في ذاته، بل هو انعكاس لحالة الذات، في محاولتها التعبير عن الروح، وليس النفس. ولأن الروح مما لا يمكن أن يعبّر عنه بسهولة، تأخذ لغة يوسف المتوترة في الكتاب مستويات عدة بين الغموض، والاقتضاب، والكشف الذي يصل حد التعري، والتكثيف الذي يرفع ملاءة اللغة إلى عنان السماء قبل ان تهبط، كأنها سحر، بدلالات محددة بجلاء.

يمكن تقسيم رحلات هذا الكتاب ثلاث حالات لرؤية الذات، الأولى في اختبار علاقة الزواج التي بدأت في المغرب عبر رحلة شهر عسل، امتدت ما بين الدار البيضاء وفاس إلى مراكش وطنجة، أما الثانية فهي تأمل علاقة عاطفية حسية غامضة يرتبط فيها البلد، لبنان، بكل الأسئلة الناجمة عن تعقيد تركيبته السياسية والاجتماعية. أما الحالة الثالثة فتجسدها رحلة الإمارات، وهي حال الوحدة والوحشة ربما، والأسئلة التي تتولد من مجتمع جديد لعيني يوسف رخا، تجتمع فيه الجنسيات من ارجاء العالم، فتتفاقم عزلته.

في المغرب، تبدو لغة النص متوترة، لكنها تنجح في نقل حس ضمني بالمرارة حينا، وبالألم والشجن مرات، ثم تنقلنا في مستوى آخر بين الواقع المضبب إلى مستوى الأحلام، وبحيث يختلط على القارئ موقع الحلم من تفاصيل الواقع. لكن الحلم يكتسب من الواقعية ما يرسخه، ويتحول الواقع، بغتة، لوناً من السحر. في مواقع أخرى، قد تنتقل اللغة، بتشظيها وقلقها، بين مكانين، هما المغرب والقاهرة، في مكتب مضجر في “الأهرام”. لكن المكان، بتفاصيله، لا يعني الكاتب في شيء، فهو ليس سوى ما تمرح فيه الروح بين الأمل والضجر والتأسي.

ثمة باعة حشيشة في الدروب، ووجوه أطفال مرحة في الطرق، وباحثات عابرات عن المتعة. ثمة وجوه واجمة في محطة القطار، وصوت ام كلثوم في الدار البيضاء، وبحث عن طيف شكري في سوق طنجة الداخلي، واستدعاء لدار غالية التي تصبح في وعي الكاتب كأنها بيت الزوجية، يقارنها لاحقا ببيت الزوجية الحقيقي في القاهرة. وثمة وجوه ومفردات بلسان أهل المغرب، يلتقطها يوسف رخا من هنا وهناك ويطلقها في كتابه كشظايا لا يربطها رابط، كأنها صدى متكرر لهواجس الكاتب ومخاوفه، عن الماضي واحتمالات تكراره.

الكتابة متشظية، تتداعى وفقا لما تستدعيه الروح من أحاسيس، وليس وفق منطق العقل الذي يتذكر رحلة. يتمكن يوسف رخا من هذا المنطق الجديد في الكتابة، والذي يبلغ ذروته في اللغة الجميلة التي يبتكرها في روايته الجديدة “كتاب الطغرا” التي نشر منها مقاطع متفرقة في دوريات عدة، واظن أن هذه إحدى أهم نتائج هذا الكتاب.

ملاحظات عابرة عن لغة المغاربة، وما يستغربه صاحب لهجة مصرية من مرادفات المغاربة في الحديث وفي العلامات، وعن معنى وجود النباتات في البيوت، لمن تربّى في بيت مديني للطبقة الوسطى في قلب القاهرة.

ما بدأ في المغرب، يؤدي بشكل ما إلى الإمارات، التي تبدو زيارة الكاتب لها نوعا من الهرب من مرارة لا نحتاج الى الكثير من البراعة لاكتشافها في نص المغرب، ومن اليأس المهني في القاهرة. لكن الهرب بدلا من ان يولّد الراحة المبتغاة، على الأقل من وطأة الذاكرة، فإنه يشعلها بالمقارنات التي تفرضها حالة المجتمع الإماراتي.

نص الإمارات يفتح اسئلة عديدة عن معنى الوطن والمواطنة في كل من مصر والإمارات، وأخرى عن الثقافة، المسلّعة المجلوبة المستوردة، مقارنةً بغيرها مما يثير الضجر.

في الأساس تتسع اسئلة المكان – الوطن، عبر ظلال المكان ذاته واهله، الذين يظهرون على استحياء، وعبر المقيمين الذين يشكلون نسيجا متنافرا، وعبر الذاكرة التي تستدعي المكان الاساس، كأن مصيرنا (وقد اشار الكاتب إليّ في أحد المواضع)، هو ذلك القلق المستمر بين اماكن إما أنها لا تعبأ بنا وتضجرنا تناقضاتها على الرغم من كونها أوطانا، وإما تلك التي تعاملنا بصفتنا أغرابا.

لكن توتر اللغة المبني على توتر الروح في ظني، كثيرا ما أدى إلى إطلاق احكام لا يطلقها سوى العابرين، أو الضجرين، أي أنها تبدو انفعالية اكثر من كونها مراقبة واقعية للمكان في سياقه هو، وتاريخه هو، وظروفه.

الرحلة في ما أظن، تقتضي من العابر أن يخضع لشرط التكيف واعتبار نفسه من المكان حتى يتمكن من رؤيته، وإلا مرّ عابرا، ولا أريد ان اقول أعمى.

لا أظن أن يوسف رخا كان مكترثا لذلك، فهو من بداية النص يذكّرني بجزء مما كان يردده ستلمان، أحد أبطال رواية “مدينة الزجاج” لبول اوستر مع المخبر السري كوين: “لقد تشظى العالم يا سيدي. لم نفقد شعورنا بالهدف فحسب، وإنما فقدنا اللغة التي يمكننا بها الحديث عنه. وتلك بلا شك موضوعات روحية، ولكن لها ما يناظرها في العالم المادي”.

في موقع آخر بين البطلين الغريبي الأطوار، سيعود سيتلمان الى القول: “إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم. فعندما كانت الأشياء كلا واحدا كنا نشعر بالثقة في ان كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت فوضى، ومع ذلك ظلّت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد”.

هكذا يبدو لي نص يوسف رخا، في محاولته التعبير عن اضطراب العالم وانعكاسه على مخاوفنا ونوازعنا وقلق أفكارنا، الى الدرجة التي تبدو معها الكلمات كأنها تشويه ما يتم طرحه، وتحويله ركاماً مضطرباً.

هذا بالضبط ما وجدتني أهتف به لنفسي كوصف لنص يوسف رخا في هذا الكتاب عن بيروت. لقد أربكه وضع المكان بحيث انه لم يعد هناك جدوى لأي كلمات لها معنى واضح ومستقر ان تعبّر عنه. تماما كما تبدو قصة الحب العابرة التي يعبّر عنها النص.

هل يضيف يوسف رخا جديدا إلى كتابة الرحلة أو عن البلدان الثلاثة موضوع الكتاب؟ بالتأكيد لا. لكنه في المقابل يقدم نصا فنيا تجريبيا مهمّا على تخوم الرحلة وفي قلب موضوع فقه اللغة في تعبيرها عن شتات الارواح.

إبراهيم فرغلي

safe_image.gif