فيه فكرة يكاد يكون متفق عليها داخل الخطاب السياسي “المدني” (واليساري بالذات) هي إن الإسلام السياسي مرحلة لم يكن من الممكن تخطيها على طريق الديمقراطية (أو يعني “تحرير الأمة”) وإن قمع وإلغاء الإسلاميين ما هواش حل حيث إنه بيرتد على المجتمعات بعنف ومشاكل أكبر على المدى الطويل.
ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.
فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!
*
ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.
في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:
“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”
سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.
وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…
في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟
*
في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:
بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.
يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.
لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.
*
لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…
عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!
القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي
هذا كتاب الثورجي التائب “مصطفى نايف” غفر الله له ورفاقه في ميدان التحرير ما تَنازَعَ البلاد جَرّاء احتجاجهم من تَضارُبٍ في الغايات بلا فكرة ناجعة عن الوطن، وإدمان للتظاهر بلا نظر إلى نتائجه، وموتٍ بلا طائل على قارعة الطريق، وشَحْتَفَةٍ كأنها ابتزاز المتسولين أو دلال البغايا، ثم غَلَبةٍ للجنرالات وتجّار الدين؛ وفيه كلامٌ إلى صاحبه المهاجر “راشد جلال” الذي حضر اعتصام الميدان الأول أسبوعاً ثم عاد، مؤرّخٌ بالسابع من يونيو من عام الرئيس الموافق ٢٠١٢، إثر صدور حكم السجن المؤبد على “مبارك” ووزير داخليته “حبيب العادلي” مع تبرئة قيادات الوزارة. حدّث مصطفى والدموع تتأرجح على حز جفنيه؛ قال: سلامٌ لخليصٍ تأخّر كتابُه، وتعثّر جوابُه، وتشتّت ذِكرُه في الأرض من كثرةِ ما توزّع على الدروب إيابُه. وبعد: عَمِلنا أوّلَ أغنية في بداية فبراير من عام الرئيس: الذكرى الأولى لانتصار ثورة ٢٥ يناير. كان تاريخ أولى أغانينا هو الثامن من ذلك الشهر، بعد أسبوع من مذبحة بورسعيد؛ حين قُتل مشجعو النادي الأهلي من المنتظمين في جماعة ألتراس أهلاوي بستاد المدينة الساحلية ضرباً وطعناً وخنقاً أو إلقاء من علٍ على يد مشجعين أو بلطجية أعقاب انتهاء المباراة بين الأهلي والمصري البورسعيدي لصالح المصري. وكان تاريخ آخِر أغانينا – الرابعة، والوحيدة التي لم تشاركنا المزة في تأليفها – هو السادس من مايو، بعد بضعة أيام من مذبحة العباسية؛ حين انفض اعتصام وزارة الدفاع بالقوة أعقاب نحر المعتصمين في الشوارع كخراف الضحية من جانب لطجية أو مواطنين شرفاء. ومع أننا كنا على علم بما يحدث لرفاق سلاحنا من الألتراس والسلفيين الذين التحق بهم الاشتراكيون الثوريون، ومع أننا كنا متأثرين بالأحداث في صوغ كلام أغانينا، لا شك عندي الآن في أننا عملنا الأغاني أساساً لكي نبتعد عن الميادين ونقترب إلى بعضنا كأصدقاء لا يعكّر اختلافنا في الرأي لصفاء مودتنا قضية. منذ عام البرلمان الذي حَصُلَتْ فيه الثورة – ومن قبله بثلاث سنين أو أكثر – ونحن كل يوم مع بعض في الفرع. حتّى لما كان العمل يتوقف رسمياً لأسبوع أو عشرة أيام بسبب الاعتصامات والمظاهرات أو الانفلات الأمني كما صار يسمى، ظللنا نلتقي هناك في موعدنا؛ أحدنا معه نسخة من مفاتيح البوابة، كان يفتح لنا فندخل والآخرون غياب. ربما لأننا نحن الأربعة عُرضة للسأم والوحدة ولا أقول الاكتئاب النفسي: من ساعة ما خَلُص الاعتصامُ الكبير يوم ١١ فبراير ٢٠١١ والحياة فاضيةٌ حوالَينا. فاضية، وفيها خنادق وسِخَة نقفز فوقها من بيوتنا إلى مَحَلّ عملنا الحكومي. اثنان منا ظللنا ننزل المظاهرات، لكن الحكاية لم يعد فيها إشباع حتى لو لم نعترف بذلك. انس المولوتوف وأنواع الخرطوش والغاز الجديدة تلك التي تسطل التنين؛ أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء (في التاسع عشر من نوفمبر والسادس عشر من ديسمبر ٢٠١١)، حتى الرصاص الحي لم يكن يحقّق لنا ذلك الإحساس الفَشِيخ بأننا نأخذ حقنا بدمنا وفجر الحرية الأبيض ينتظرنا في آخِر نفق النظام الأسود سواد البير. منذ أواخر ٢٠١١، الحقيقة، والأشياء تصير رمادية. العيال لازالوا يموتون وعيونهم تُصفّى بالضبط كما كان يحدث قبل تخلي الرئيس عن منصبه وبدء المرحلة الانتقالية وشريط الانتخابات؛ لكن قلوبنا لم تعد تصعد وراء أرواحهم النقية لتحلّق معها في سموات الشهادة. قلوبنا لم تعد متأكدة حتى من نقاء أرواحهم، الصراحة. ولعل في الأمر أمراً رغم ما اعترى ذكرى هذه الفترة من غشاوة: أيام الاعتصام كما رأيتَ كان للاحتجاجِ شكلٌ تعوّدنا عليه؛ كان فيه هتافاتٌ واعتداءات ومستشفيات ميدانية. لكنه اتضح بعدما نجحتِ الثورةُ إثر مغادرتك أن هذا الشكل ليس كافياً لإشباع طموحنا. وبدا أن ما أشبعنا كان معنى أو محتوى، شيئاً يملأ هذه الطقوس والممارسات من الداخل، يمسكها أو يقلفطها. وكان مشروطاً بالهدف الذي نضحّي من أجله كذلك. ربما لأننا لم نطلب إلا شيئاً واحداً يبدو الآن زائفاً بغباء – أن يرحل مبارك – لما تحقّق مطلبنا فإذا بنا نضحي من أجل أهداف حقيقية، أهداف اكتشفنا أنها متعددة وعصيّة لدرجة أننا نسيناها فأصبحنا ننزل بإصرار ونحن لا نعرف الغرض من نزولنا، بقي شكل الاحتجاج مثل قشرة رمانة مفرّغة: بلا بلورات تبرق ولا لسعةِ حلاوة. (هل كان طبيعياً إثر ذلك أن يتحول النشطاء والمعارضون إلى أبواق لما هو أنكر صوتاً مما سُمّي خطأ بالنظام البائد؟) أقول لك إننا وجدنا في قعدة الوكالة إشباعاً أكثر مما كنا نجد في المسيرات البيضان والاعتصامات النونو المعرّضة للفتك، مليونيات الجُمَع الحنجورية إسلامية الطابع… ولما استتب الدوام خوفاً على عجلة الإنتاج – هذا ما كانتِ الناسُ تردّده وراء المجلس العسكري: إنه لا يجب أن تتعطّل العجلة – ظللنا مختبئَين في الحجرة الواقعة جنب مخزن الأسمنت في بدروم الفرع. هناك كنا نلوذ أربعتنا من واقع يثيرنا ويفحمنا قبل فجيعتنا في بُسبُس، نتشرنق بدلاً من أن نستغيث فنتسامر ونتمسخر، نَقْلِش ونتبادل النكات. كنا نقعد حول مكتبٍ بيضاويٍ مقشّر وقد جئنا بالأكل والشرب والدخان أسفل تلفاز صغير مثبّت على الحائط. ولحد الصبح أحياناً ضحك وقباحة فضلاً عن الأخذ والرد في الحاصل للبلد من ساعة ما تخلّى مبارك. صار الزملاء يداومون بانتظام وبعضهم يدخل علينا ليسلّم أثناء النهار، لكن الكل عارف أن الوكالة عطلانة حتى المدير. وذات يوم، من مللنا والتارالالّي الداخل على الدنيا بقوة منذ تخلّي مبارك… ذات يوم بارد من فبراير ٢٠١٢، بدأنا نعمل أغاني.
يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…
1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟
أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.
2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟
كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…
3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟
أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.
4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟
لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.
5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟
لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.
6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟
فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟
7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟
كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟
8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟
ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.
ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١
أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟
هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…
إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.
الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.
إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟
في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.
في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).
هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.
هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟
من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…
عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟
لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.
في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.
ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟
أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.
خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟
يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…
كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟
كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.
كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟
لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:
في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.
في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.
من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“
كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟
أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.
هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟
لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.
إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟
الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري
مع اعترافي الكامل بأنَّ Angel Clair الآتي من Tess of the d’Urbervilles
هو بطلي المفضَّل، وأنّي أكثرُ ما أكونُ تماهيًا فمع روايةٍ للمرحوم (توماس هاردي)، حيث هو دائمًا مُتَّسِقٌ مع ذاتِهِ، وقضاياه الأساسيةُ مبسوطةٌ كالأرضِ قبلَ إثباتِ كُرَوِيَّتِها، وبأنَّ ما اصطُلِحَ على تسميتِهِ (الأدبَ السِّيس) هو تياري المفضَّل، إلا أني مؤمنٌ بأنَّ (كتاب الطُّغرَى .. غرائب التاريخ في مدينة المرّيخ) لصاحبها (يوسف رخا) روايةٌ عظيمة ..
· نهايةُ البلاغة: في معرضِ حديثي مع أكثر من صديقٍ عن الروايةِ (أثناءَ قراءتِها) كنتُ كثيرًا ما أعربُ عن اعتقادي في أن الروايةَ تؤسِّسُ لبلاغةٍ جديدة .. استندتُ في هذا الاعتقاد إلى ملاحظاتٍ ساذجةٍ شديدة الجزئية ، أتصوَّرُ أنه يمكن إجمالُها في عدة مجموعات:
أ- الصور الجزئية المتناثرة في سياق الرواية وفي القصائد النثرية التي كتبها (مصطفى الشوربجي)، والتي تشبهُ اكتشافًا مدهشًا ومثيرًا للضحِكِ في آن .. مثالُ ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول: “الأملُ يلاعبُني مثلَ اليويو” .. طرافةُ الصورة ممتزجةٌ بسخريةٍ ضمنيةٍ مُرَّةٍ لا تدعُكَ تفغرُ فاكَ مستحسنًا لما يزيد عن جزءٍ من الثانية، فأنتَ مضطرٌّ أن تنهارَ ضاحكًا .. فقط أدرِكْ تحوُّلَ الأمل من خصيصةٍ إنسانيةٍ مرنةٍ لَدنةٍ إلى آلةٍ جامدةٍ تستدعي بحضورِها طفولةً بلهاءَ هي الياي/اليويو على طريقة (هنري برجسون) لتغيبَ في نوبةِ الضَّحِك .. خذ مثالاً آخر في القسم السادس حيث يقول الراوية: “شيءٌ مثل عمارة ما كدتَ تعيشُ في إحدى شققِها حتى ساحت عواميدُ الأساس.” متحدِّثًا عن اعتناق (أمجد صلاح) للمذهب السَّلفِي بعد ظهور السلطان له كما يتصور (الشوربجي) .. هو يرى أن هذا التحول في شخصية (أمجد) كان بحثًا عن الارتياح من القرار، لكنَّه في هذه اللحظة البلاغيةِ لم يكن بحثًا بالمعنى الدارجِ الذي يتطلبُ حضور الوعي .. إنه بمثابة انهيار (سَيَحان) لأساساتِ دماغ الرجل .. طزاجةُ الصورة الأسمنتيةِ ملطَّخةٌ هنا باختيار مفردةٍ بعينِها: (ساحت) مستدعيةً شريطًا من الصُّوَر عن سياقِ الكارثة النووية و(انصهار/سيَحان) الأشياء أكثرَ من انهيارِها .. هنا أنتَ مدفوعٌ باختيار المفردَةِ داخلَ الصورةِ إلى اكتئابٍ أبوكالبسيٍّ محتَّم ..
ب- استيرادُ أبنيةِ الجُمَل الإنجليزية وتعريبُها ، كما في اختيار المؤلف في كثيرٍ من المواضعِ للسؤال التذييليِّ المختصر للتقرير: “لا؟” بدلاً من “أليسَ كذلك؟” .. من المؤكَّد أن ازدواجية لغة المؤلف مسؤولةٌ بشكلٍ كبيرٍ عن هذا الاختيار .. لكنَّهُ يظلُّ اختيارًا في النهايةِ ، أي أنه مقترنٌ بقصديةٍ لا تخفَى، ربَّما لإحالةِ القارئ العربيِّ مزدوجِ اللغةِ إلى إنجليزيتِهِ لإثارة سؤال الهُوِيَّةِ حتى على مستوي الـtag question!!
ت- الإحالاتُ المعرفيةُ المُضمَرَة .. أعني بذلك الجُمَلَ البسيطةَ التي تردُ في سياقٍ ما، وتُحيلُ قارئها إلى وعيِهِ بحقلٍ معرفيٍّ بذاتِه .. من أمثلة ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول كذلك واصفًا حالَهُ في أيام انهيار زواجِهِ وابتعاد زوجته عنه جسديًّا: “هكذا أقولُ لنفسي، وأستمتعُ بالتَّبَرُّزِ أكثر مما ينبغي”. إحالةً إلى تصوُّر (فرويد) عن مراحل النمو الجنسي في الإنسان، وتحديدًا لما أسماه بالمرحلة الشرجية .. هذا الارتداد المُحزِن يُفترَضُ أن يثيرَ شكلاً من أشكال التعاطف لدى القارئ الذي يعي ذلك التصور ..
ث- تفصيح و(ترسيم) ما هو دارجٌ كاستبدال الجمل الاعتراضية التي تردُ دعاءًا للمُخاطَب في الرسائل التراثية مثل (فاعلم – أصلحكَ اللهُ – أنَّ …) بعبارةٍ وحيدةٍ هي (قشطة عليك) .. يحدثُ هذا بشكلٍ عرَضِيٍّ عند الجميع، كوسيلةٍ لاختراق هيبة النَّصِّ وإحداثِ قدرٍ من تغريب المتلقي على استحياء .. لكنَّ (رخا) يستخمه بشكلٍ منهجيٍّ مقصودٍ لذاتِهِ، فيضرب عدةَ عصافير بطلقةٍ واحدة، فهو يسخر من الأبنية التراثية المتجذرة في وعينا الجَمعِيِّ وينسفها، ويصالحُنا على ما نقولُهُ خارجَ الصفحة بشكلٍ ما أو بآخَر، ويضعُ القارئ على أرجوحةِ الإيهام وكَسرِهِ بطول الرواية.
آه! هناك المجموعةُ الخامسةُ الأبرز على الإطلاق، لكنَّها كانت كفيلةً بأن تقلبَ وحدَها إدراكي للموقف البلاغي للرواية من (تأسيسٍ لبلاغةٍ جديدةٍ) إلى (نهايةٍ للبلاغة) .. أعني بذلك .. أعني .. أعني ……!
ربَّما دارت البلاغةُ الحديثةُ كلُّها حولَ مغازلةِ المُحرَّم/التابُو .. لا يفعل (يوسف رخا) كالآخرين .. إنه يخترقُ التابُو إلى نهايته .. لا توجدُ كلمةٌ نابِية .. كلُّ الكلماتِ أدواتٌ متاحةٌ، فلنقتَرِفها معًا جميعا .. في عزِّ اللغةِ التراثية التي يعتمدُها لفقراتٍ بأكملِها، يفاجئني بكلمةٍ كان مفترضًا أنها (تابُو) فيما قبل، فأقعُ في فخ (هنري برجسون) الذي لا فِكاكَ لي منه مُجدَّدًا، وأدركُ تحوُّلَ اللغةِ إلى آلةٍ غبيَّةٍ يبدو أنها تتعطَّلُ رغمًا عن أنفِها، فأموتُ من الضحك.
ما أريدُ أن أخلُصَ إليه هو أنه بالتوسُّعِ المُمَنهجِ في هذا الاستخدام للغة ، لا يعودُ هناك مكانٌ لما يُسمَّى في الاصطلاح الإنجليزيّ Euphemism وهو تلك الكنايةُ (أو ربَّما هو الفألُ الحسنُ في سياقٍ ما) التي تحلُّ محلَّ كلمةٍ لا نحبُّ ذِكرَها ، وتعتمدُ إزاحةً دلاليةً بعينِها لكلمةٍ أخرى .. فعضوُ الأنثى التناسلي في الأقسام الأخيرةِ من الروايةِ ليسَ إلا اسمَهُ كما يقولُهُ المصريون والشوامُ في جلساتهم المتحررة .. ليس مِهبَلاً ولا عَجانًا ولا إنسانًا ولا غيرَ ذلك مما يمكنك أن تفكرَ فيه .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما هو يأتي مُشكَّلاً بالتشكيل العربي الرصين، كخطوةٍ أولى في سبيل اعتمادِهِ لفظةً رسمية!! كيف يمكن أن تبحثَ اللغةُ بعد ذلك يا عم (يوسف) عن كنايةٍ أو يوفيميزم؟؟ من الآنَ فصاعِدًا ستُقترفُ الإزاحاتُ الدلاليةُ عن اختيارٍ فضفاضٍ، كما فعل (الشوربجي) نفسه حين سمَّى عُضوَ (كلودين): (الباشمهندس) ..! صحيحٌ أننا نستخدم كمصريين هذا اللقبَ للإشارة إلى فصيلٍ غير متجانسٍ واسعٍ من الأشياءِ والأحياء، إلا أن (الشوربجي) اكتشفَ مبرراتِهِ البَعديةَ لهذه التسمية لاحِقًا، فعضوُها هندسَ له عالَمَهُ المُنهارَ في الفترة التي تلت اكتشافَهُ لمهمته المقدسة وأضفى معنىً ما على حياتِهِ، بالإضافةِ إلى أنَّهُ يشبهُ أباهُ في تضمُّخِهِ بعطرٍ خاصٍّ جدًّا، هو المسكُ الأبيضُ في حالة أبيه المهندس، والرائحةُ الحميمةُ لـ(كلودين) في حالة عضوِها!
هاه؟! هل الاختيارُ مسؤولية؟؟ يبدو أننا في المرحلة القادمة من الأدب على أبوابِ اختيارٍ غير مشروطٍ على الإطلاق .. هل نحنُ أمامَ تجلٍّ آخرَ لمفهومِ (سارتر) عن الأدب الملتزم والمسؤولية المبنيةِ على الاختيار المُطلَق؟؟ رُبَّما .. الأكيدُ هو أن الكناية صارت اختيارًا حُرًّا، نركبُها أو نتركُها، وليست حتميةً كامنةً في اللغة لا مفرَّ منها كما هو الحالُ قبل (الطُّغرَى) ..
· أرجوحةُ التغريب والإيهام: بين (خُطبة الكتاب) التراثية و خاتمته التراثية كذلك، وإجمالهما لتغيُّر راوي الأحداث من شخصٍ أول هو البطلُ (مصطفى الشوربجي) في الأقسام الأول والثاني والرابع والخامس والسابع، وراوٍ آخرَ غير معيَّنٍ يتكلمُ في الأقسام الثالث والسادس والثامن والتاسع، تتمثَّلُ الأرجوحةُ القاسيةُ التي تطرحُ المتلقي في بئر الوهم الأدبي على مخملٍ ناعمٍ كما في حُلم (مصطفى الشوربجي) الذي يعاودُهُ كثيرًا ويمثلُ معادلاً موضوعيًّا ما لعدةِ أشياءٍ ((بينها هذا الأمرُ وبينها اكتشافه لجسد (كلودين يوسف) وبينَها الطريقُ المخمليُّ في قصر السلطان والذي يشبهُ إرهاصاتِ الكارثة))، ثم تعودُ تنتشلُهُ من هذا البئر، فيقول الراوي نصف العليم في الأقسام الأخيرةِ (من كوكبِنا نحنُ) حين يرصُدُ أحداثَ الأيامِ الأخيرةِ للشوربجي قبل سفره إلى بيروت. شبهُ الجملةِ الافتتاحيُّ هذا بحدِّ ذاتِهِ يمثل جهدًا جبّارًا في محاولة فصل ذاتِ الكاتب عن مجرى الأحداث ليرصُدَها برؤيةٍ مختلفة .. لكنَّهُ يتماهَى في النهايةِ مع (الشوربجي) كما يعترف بذلك في خاتمة الكتاب، عن طواعيةٍ تنتصرُ لمركزية الذاتِ في العالَم ..
ربَّما يتصلُ الأمرُ برؤيةِ (يوسف رخا) لدَور الروائي .. أرَّقني هذا الهاجسُ وأنا في منتصف الرواية تقريبًا .. هل على الروائيِّ أن يكون راصِدًا محايدًا تدور الأحداثُ من حولِهِ وليس له إلا أن يروي ويُبدي دهشتَهُ في بداية الرواية ونهايتِها كما فعل (دوستويفسكي) في (الإخوة كارامازوف)، أم يُفترضُ أن يشاركَ في صنع الواقع الروائيِّ وينقلَ إلينا رؤيتَه طول الوقت؟؟ أم أنَّ هذا السؤال قديمٌ وعفا عليه الزمنُ ولا مجالَ لفتحه لأنه موغلٌ في السذاجة؟!!
المهمُّ أن هذه التقنية الأرجوحيةَ تسهمُ بقدرٍ ما في إثارةِ وعي المتلقي .. تكشفُ بقدر ما تحجُب .. هل .. هل يمكن أن تقفَ على الموقف الأيديولوجي للمؤلفِ مثلاً بعد قراءة الرواية؟ نعم ، الراوي يتفق مع (الشوربجي) – كما يتبين في خاتمة الكتاب- على التماهي مع رؤيته والكتابة بطريقته، لكنَّ (الشوربجي) يبدأ الأحداثَ حائرًا ممزَّقًا (طلعان ميتينه – كما يحب أن يقول)، ويُنهيها حائرًا باحثًا عن حلّ .. هل سيجدُ حلاًّ ما لأزمة وجوده؟ لا أتصوَّرُ أنه بإمكان أحدهم أن يجزم بذلك، إلا أن يقول أن الرحلةَ بذاتِها/ السَّفر هو الحل (إشكالية رواية ساحر الصحراء لكويليو) !!
· توتُّرُ القيمة: هل كان ضروريًّا أن ينخرط (مصطفى الشوربجي) في علاقةٍ (آثمةٍ) مع (كلودين) ويعبُرَ (باشمهندسَها) لكي يصِلَ إلى مكان رقٍّ من رقوق سورة (مريم) الموعودة؟! يبدو أنَّ هذا مقصودٌ بوعيٍ قاسٍ هو الآخَر .. ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) لأنَّها تعبر – كما يقول السلطان أو الشوربجي في ذلك المشهد ، لا أذكر – عن تسامح الدولة (العَلِيَّةِ) العثمانيةِ إزاء (النصارَى) .. رُبَّما .. فهل كان اختيارُ عضو (كلودين) مَعبرًا إلى السورةِ سابقًا أم لاحقًا على اختيار السورة؟؟ أعني أن شخصيةَ السيدة (مريم) (العذراء) هي المعادلُ الموضوعيُّ للعذرية والاحتفاء بها في الإسلام (الهوية المطروحة للبحث والمناقشة بطرقٍ مختلفةٍ في الرواية)، فماذا الآن؟!!
المدهشُ أنَّ (الشوربجي) يتساءلُ وهو أمام عضو (كلودين) عن سرِّ انطباقِهِ على بعضه وخجلِهِ العذريِّ ، وهو الذي تخيلَهُ شَبِقًا منفتحًا على الدنيا باعتبار أنها زوجةٌ وأمٌّ لأكثر من طفلٍ منذ عددٍ من السنين .. ثُمَّ هو في النهاية شبهه بزهرة تيوليب (خزامَى)، وأخيرًا بزهرتَي تيوليب فوق بعضهما، ثم رسم الزهرتَين أعلى إحدى صفحات الكتاب!
إلى هذا الحدِّ يمتزجُ الإثم والبراءة؟ ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) دون بقيةٍ سور القرآنِ للإشارةِ إلى شيءٍ أعمقَ من مجرد تسامح العثمانيين مع المخالفين في الدين .. إنه تسامح واستيعابُ الهوية المفتقدَة نفسِها للإثم وخرق المحظور .. أتصوَّرُها رسالةً ضمنيةً في الروايةِ تستحقُ البحثَ والتوقفَ عندها ..
· روايةُ المؤامرة؟!: أو بالأحرى رواية التهكم على المؤامرة .. هل الروايةُ فتحٌ في أدب المؤامرة باللغة العربية؟!! تبدو كذلك لوهلةٍ عند منتصفِها .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ يتلبَّسُ جسدَ صحافيٍّ ضئيلٍ يمثلُ في عينَي (الشوربجي) الصورةَ الحيةَ لانهيار المجتمع المدني .. السلطان العثمانيُّ الأخيرُ مهديٌّ منتظَرٌ بديل .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ مسيحٌ بديلٌ للمسيح المفترضِ عودتُهُ للأرض في الإسلام السلفي (الأرثوذكسي كما يحب الشوربجي أن يسميه) .. والسلطان (محمد وحيد الدين خان بن عبد المجيد) يعيشُ حياةً برزخيةً ذاتَ طابعٍ خاصٍّ كالتصور الإسلامي الشائع عن المسيح، والتصور الاثنَي عشريِّ الشيعي عن المهدي المنتظَر .. يكتب السلطان سورةَ (مريم) في سبعة رقوقٍ تضيعُ منه كلُّها لتتبعثَرَ في أركان الأرض .. أوه! نحن أمامَ (مريم مجدلية) موازية لتلك الموجودة في (شفرة دافنتشي)! والعثورُ على هذه الرقوق السبعةِ مقدمةٌ لابُدَّ منها – بطريقةٍ غامضةٍ تهكميةٍ مقدسةٍ غيبيةٍ في آنٍ – لعودة الخلافة واستئنافِ الهوية الإسلامية .. يرحلُ (الشوربجي المختارُ) في نهاية الرواية إلى بيروت سعيًا وراء (معروف شالجي) الخطّاطِ العراقيِّ صديق والد (كلودين) الذي وجدَ نسخةً بخطه من أحد الرقوق به أولُ سورةِ (مريم) عند (كلودين) .. الخطّاط هو الآخرُ شخصيةٌ حاضرةٌ غائبةٌ في الرواية .. شخصيةٌ عبقريةٌ مرسومةٌ بأستاذية .. ذلك البدين الذي له لهجةُ المواصِلَةِ الخَشِنَةُ المتقاطعةُ مع لهجة الحلبيين بالشام، والذي يُفَضِّلُ أن يُنادى (معروف أفندي) كالسلطان الذي لا يحكم .. شخصيةٌ جديرةٌ بروايةٍ لها وحدها!! رغم أنَّ القصدَ واضحٌ في النهايةِ المفتوحةِ الحائرةِ، إلا أن جزءًا ثانيًا من الروايةِ ليس احتمالاً مستحيلا .. الله؟! وهل هناكَ احتمالٌ مستحيل؟!
الخلاصةُ أن (يوسف رخا) يطرحُ نظريةَ المؤامرةِ بشكلٍ ما في منتصف الروايةِ ، ثُمَّ يطرحُها من جديدٍ في نهايتها لكنَّهُ يطرحُها (أرضًا) هذه المرةَ ، حين يُعربُ على لسان الراوية غير المعيَّنِ عن تفضيله لأتاتورك على مائة وحيد الدين خان .. رغم أنه ليس موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا حتى الآنَ، إلاً أنه كفيلٌ بأن يبصُقَ في وجهِ المتلقّي المسكين ويقول له: “أنت مسؤولٌ وحدكَ عمّا أنت فيه – قشطة عليك” !!
· سوء التفاهم وإشكاليةُ التأتأة!!: لا يُنسَى الفلاش باك المروِيُّ على لسان (ألدو مزيكا) للفقي (وحيد الدين) وهو يتمتمُ بعباراتٍ ملتبسةٍ لم تفهم منها أمُّ (ألدو) الساحرةُ الأفريقيةُ إلا (سولتان لئيم) لتُصَدِّرَ لابنِها فكرةَ أنَّ اغتصاب (وحيد الدين) نجحَ في إخراج الجنِّ الذي يلبسُهُ .. المؤلِمُ هو وعي (الشوربجي) بأنَّ ما قاله (وحيد الدين) في ذلك الموقف بعد أن أفاقَ من إغماءته هو غالبًا (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأنَّ الساحرةَ لم تفهم لأنها ببساطةٍ لا تجيدُ العربية !!
أحالتني هذه الحالةُ الضَّبابيةُ إلى Benjy أو Benjamin الأخِ المتخلفِ عقليًّا في رواية فوكنر The Sound & The Fury ، والذي يروي الفصلَ الأولَ بالكاملِ من الرواية بتأتأتِهِ وجمله المبتورة القصيرة التي لا تفيدُ معنىً متكاملاً ولا تحيلُ إلا إلى ذاتها .. من المؤكَّدِ أنَّها كانت مغامرةً مدهشةً من (فوكنر) .. مغامرةُ (يوسف رخا) أضيقُ من مغامرةٍ (فوكنر) لكنَّ قسوتَهُ في معاملةِ نموذجهِ الانهياريِّ (وحيد الدين) أبشعُ من قسوة فوكنر/الزمن في معاملة Benjamin !! في هذا المشهد، يُفيقُ (وحيدُ الدين) على الدمِ متفجرًا من شرجِهِ بعد أن يغتصبَهُ (ألدو مزيكا) الذي يُباهي دائمًا بحجم قضيبِهِ، امتثالاً لأمرِ أمه الساحرة وخوفًا من غضبِها عليه !! ما أقسى هذا .. في الجنوب الأمريكيِّ تكفلت الخادمةُ الزنجيةُ الطيبةُ برعاية (بنجامين) بشكلٍ ما وسطَ (الصوت والصخب) ، لكنَّ الساحرةَ الزنجيَّةَ وابنها الصحافيَّ اغتصبا (وحيدَ الدين) الصحافيَّ المسكينَ في قلب القاهرة بعد بداية القرن الحادي والعشرين بعدَّة سنوات .. لا مجال للتأتأة .. لا مجالَ لسوءِ التفاهم ..
· اختيار قالَبِ الرسالة التراثي: حنينٌ إلى ماضٍ يسكن الأوراقَ الصفراء؟ استغاثةٌ خجلَى بشخصٍ ما غير موجود؟ رُبَّما .. يمتدُّ سؤالُ الهويةِ الممزقةِ إلى مسألة اختيار القالَب هنا فيما أتصوَّر .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما في نحت الاسم الذس يُفترضُ أن توجَّهَ إليه الرسالة .. (راشد جلال السيوطي) .. ما أسهلَ أن يحيلَ الاسمُ إلى (جلال الدين السيوطي) أحد أبرز شخصيات العلوم الإسلامية في تاريخ الإسلام ، بجمعه بين التفسير وعلوم اللغة وكتابة المقامات وكل تلك الخصائص اللصيقة بفن الكتابة العربي التراثي الإسلامي .. ربَّما في هذا بحثٌ كذلك عن هويةٍ ضائعة .. استغاثةٌ مكتومةٌ مفضوحةٌ ضاحكةٌ باكيةٌ بمن كتبَ قديمًا، علَّ من يكتبُ الآنَ يصلُ إلى حلٍّ لمعاناته، ونهايةٍ لوضعية الـ(زومبي)!!
· نهايةُ الجغرافيا: أخيرًا، لا يمكنُ أن ننسى انبهارَ (الشوربجي) بالخارطةِ العربيةِ القديمة بألوانها الحنونة وثرائها، في مواجهة الخارطة الأوربية الحديثة المصمتة .. كان مهمًّا أن يختزل (الشوربجي) علاماتِ قاهرتِهِ في طغراءِ آخر السلاطين العثمانيين حتى تعودَ له القاهرة وحتى تكتملَ بين يديه .. المدينةُ التي نُسِبَت إلى المِرِّيخِ وقتَ بنائها بالخطأ كما يروي هو من كتب التراث في بداية الروايةِ لا ذاكرةَ لها كما يُورِدُ في نهاية الرواية .. كان عليه أن يبتكرَ رسمًا يحفظُها له .. حتى لو كان هذا الرسمُ محورَ حياتِهِ هو .. حتى لو تشخصنت القاهرةُ فيه فأصبح الدقي (جسرَ المنامِ) ، والمعادي (درب الكلب) وكوبري الدقي (النيل الناشف) وكارفور (خانَ السِّرّ) ووسط البلد (باب الدنيا) .. عليه أن يهبَها ذاكرةً من نسجه ، ويا حبَّذا لو كان للرَّسم معنىً ما من قبلِهِ لتكونَ له هيبةُ وحصانةُ القديم .. إنه ختمُ الهُوِيَّةِ الضائعة .. ختمُ الهويةِ المُفتقَدَة .. جغرافيا مقياس الرسم والألوان المتدرجة والمرتفعات والطرق وما إلى ذلك ليست كافية .. فلتذهب هذه بحماقتِها وسًخفِها وإحالتِها إلى ذاتِها .. فلتذهب إلى غير رجعة .. ولتكن هناك جغرافيا جديدةٌ خطِّيَّةٌ من طغرَى آخر السلاطين .. طغرى (يوسف رخا).
انما العيال دول اللى قرروا يموتوا علشان يفضحوا المفضوحين… اللى مافرقتش معاهم حياة شافوها ماتفرقش… اللى حضنوا بشاعة الجريمة بصدرهم العارى بحب وراس مرفوعة… المجانين دول اللى صنعوا خط مواجهة لفضح المفضوحين فى محمد محمود… يعنى الواحد يعمل فيهم ايه؟ – ناهد نصر
*
*
الدية للوليّة، أم الشهيد قوية، يا مجلس لم فلوسك، أم الشهيد غنية – من هتافات نوفمبر، التحرير
*
*
ليلة ٢١ نوفمبر، بدلاً من التحرير، ذهبت إلى بيت أمي. قبل شهور كنت قد دخلتُ عليها فوجدتها ممتقعة تقول: البلد راحت في داهية! الآن – أعترف – لم أذهب إلى التحرير. دخلت على أمي مرة ثانية وكما في المرة الأولى كان التلفزيون مفتوحاً، لكنها حين خرجتْ من الغرفة لتقابلني في منتصف الطريق لم تكن ممتقعة فقط. كانت تبكي. سألت أمي عما يبكيها. قالت: العيال اللي عمالين يدبّحوا فيهم دول. قلت لها: هل تريدينني أن أذهب معهم؟ شهقت: لأ، أنا ما ليش غيرك. ومسحت دموعها في طرحتها وهي تسرع إلى المطبخ لتعد لي الطعام
فجأة، أبا السيوط، لقيت نفسي أفكر: المصيبة في الانتماء. الذي يجعلك لا ترى امرأة من غير بشنوق على شعرها ولا تركب أسانسير من غير ما تسمع تسبيحاً ولا تعدي من ممر من غير ما تتكعبل في جماعة يصلون أو واحد موظف عادي يسورك بالأذان. الانتماء…
كل الناس تتكلم في الدين. كل الناس تعبر عن مشاكلها من خلال الدين. تتفقه وتشرع. ولا كلمة خير واحدة برة الأشياء المتفق عليها منذ قيل إن الغزالي قفل باب الاجتهاد، الله يسامحه. لا شيء برة العبادات والتحريمات، خصوصاً التحريمات…
كأن الإسلام لم ينتج خلال ألفية ونصف غير مكياج مناسب لحجابك وشاب بايخ في بدلة كاملة يبتسم ببلاهة على شاشة قناة فضائية وعينه وسط صلعته، ويسرسع: «يا جماعة الحجاب ده فرض، فرض. فيها إيه لو التزمنا كلنا؟» كل الحاجات الحلوة التي طلّعها الإسلام – الشِعر، المعمار، الخط، المنمنمات، التجويد، الذكر، التصوف، الفلسفة والعلوم، آل البيت وأولياء الله، القصص، العشق، آداب النكاح، الواجب الاجتماعي، مكارم الأخلاق – كل هذه الحاجات، الناس تتجاهلها تماماً. وإذا ذكرها أحد يذكرها بس ليذمها أو يحرمها. لو كان فيه دولة علية، يمكن كانت رجعت هذه الحاجات.
… أذكر أولاً أنني، حين أذهب إلى عملي عبر ميدان التحرير وأجده يغص بسيارات تنظمها شرطة المرور ولا أثر لشيء ثوري أو إشارة، لا أكاد أصدق: كنا نظن ميدان التحرير سيظل منفصلاً عن مدينة العادم و”الكلكسات” ليصير مزاراً تاريخياً خارج الزمن، كنا نظنه لا يعود أبداً إلى ما كان عليه في السابق، وكانت فرحتنا بالرقاد على الأسفلت ربما أكبر من فرحتنا بالاحتجاج. لا أكاد أصدق وأشعر بحزن كأنه الفجيعة. في البداية، أصبح ميدان التحرير. أقصد: أصبحت القاهرة ميدان التحرير. بين مساء الثامن عشر من يناير وليل التاسع عشر، تقريباً. كنا في مساجد الأحياء المترامية (أكثرنا يصلي مضطراً، ربما لأول مرة منذ الطفولة) ثم كنا في شارع قصر العيني وعلى كوبري قصر النيل، منهكين جراء السير على الأقدام وتفادي القذائف واستنشاق الغاز؛ من منافذ وسط البلد المؤدية إلى “الميدان”، أيضاً (كما صار يُطلق على المكان اختصاراً، بدلاً من “التحرير”)، كنا نجابه السدود الأمنية في طريقنا وكانوا يستعملون العنف بقصد إيذائنا والناس تتفرج من النوافذ حتى تنضم إلينا أو تغلقها. بين يوم وليلة، هكذا، لم تعد هناك قاهرة. حين ظهرت جثث وفوارغ قنابل وطلقات، اختفى الأمن ليعود بأشكال دائمة التجدد: أكثر من حفلة تنكرية على مدى أسابيع. تحولت الشوارع إلى خلاء ليلي يبقبق بخطر البلطجة وملاحقة الأمن أو أشباهه من متطوعي “لجان شعبية” نبتت بين يوم وليلة بسماد الشائعات السحري، إذا ما اشتُبه في أن المارة من “بتوع التحرير”؛ بينما النهار كله في مساحة يحدها ميدان عبد المنعم رياض إلى الشمال، وإلى الجنوب: “المُجمَّع” – ذلك البناء السوفييتي، نعم، البناء الكافكاوي، التعريف المعماري لقاهرة يوليو ١٩٥٢: عبث البيروقراطية المركزية وسطوة التوجس – مجاوراً لجامع عمر مكرم من حيث كانت ولا تزال تخرج جنازات الأكابر، ثم ميدان طلعت حرب من الشرق وكوبري قصر النيل من الغرب. أنشئت المداخل حيث استقرت آليات الجيش وتطوع بعضنا بتفتيش بعض أثناء عبورها. قيل إننا وجيشنا “إيد واحدة”، تقريباً، في حماية الجهات. ووقت كان يتضح أننا لسنا كذلك، كانت مواجهة تلك الحقيقة تصبح منكرة؛ من يقل إن الجيش مع الحكومة يصر مع الحكومة… ولكنني أتكلم عن الجهات الأربع المرقطة بسيارات ضخمة كأنها سلاحف صحراوية عملاقة منثور عليها جنود بخوذات. لن يكون للمساحة شمال وشرق ولا جنوب وغرب إلا أنْ تخرج من رؤوسنا بوصلة تحولها إلى مربع جغرافي. على كل حال أصبحت مساحة. أصبحت مساحة وأصبحت المساحة مدينة ثم أصبح للمدينة حدود. بالتدريج ظهرت أسباب الحياة: نوم وأكل وعلاج وعبادة، ولا حاجة إلى مواصلات. كنا قد فقدنا شبكات الموبايل والإنترنت ثم استرددناها، ومع استتباب الحديد و”الكاكي” عشنا. خلال ثمانية عشر يوماً بداية من منتصف ليل الثامن والعشرين، كان خط تماس عبد المنعم رياض بالذات مسرحاً لاستعار “الاشتباكات”، وإن أتت الهجمات (المسكوت عنها من جانب الجيش، كما اتضح لاحقاً) من طلعت حرب وعمر مكرم كذلك. لكن المربع كان أيضاً دائرة، وكما في لوحة ليوناردو دافينشي الشهيرة لجسد رجل مرسوم بالنسب المثالية طبقاً لقوانين المعماري الروماني فيتروفيوس الهندسية، نمت يوتوبيانا في مساحة تداخُل المربع والدائرة، بشكل ما: واحة وسط صحراء، لكن مع الوقت أيضاً سجن ثلاثي كسجن أبي العلاء، لا تُرى بلا عينين ولا تخرج من بيتها وهي في جميع الأحوال حبيسة القاهرة. أقصد: كفر عشرات الآلاف بالقاهرة أو كفّروها ليهاجروا إلى الميدان. أصبح فضاء عام حقيقي لأول مرة منذ الخمسينيات. أصبح جسد إنسان حيث المربع والدائرة. أصبح إنسان فعلاً. شخص اسمه التحرير أو الميدان أو الثورة. عن نفسي، وراشد السيوطي الذي عاد من إنجلترا أسبوعاً ليشارك وصرنا ننسق ذهابنا معاً، لم نكن نبيت. نذهب عند استيقاظنا ونعود قرب موعد النوم؛ ولعل ذلك، فيما حمانا من عصاب أو حتى ذهان سيحل لاحقاً بالكثيرين ممن لم يغادروا الميدان طوال الأسابيع الثلاثة – رحلاتنا، مشياً، من الفراغ إلى الزحمة بالنهار وبالليل من مركز ما هو بشري وحقيقي إلى بيوت ترتجف عبر مدينة مزيفة وعاطلة – لعله أكد لدينا فكرة انتهاء القاهرة. في المساءات المشحونة بدأت أفكر في معنى ميدان التحرير: كيف يتطابق مكان مع فكرة أو توجه قد يمثله جسد – شخص – هو الآخر مثالي؛ كيف تختلف نظرتك إلى جسد ما حين تعرف صاحبه؛ وكيف تصبح مواقع مختلفة داخل مكان يشبه جسداً أعضاء بيولوجية فاعلة أو نقاط جذب لا مرئية كالـ”تشاكرا” التانتريتية، لكل منها وظيفة. قلتُ لراشد إن الجزيرة المستديرة التي تتوسط قسماً من الميدان – التجلي الحالي لكعكة أمل دنقل الحجرية – هي الركبة التي لا يمكن بدونها للشخص أن يقف أو يسير. إن مجمع التحرير هو القدمان ونصب البطل العسكري عبد المنعم رياض، ذلك التمثال المعدني الرديء، صولجان مرفوع على اليد اليسرى مواز للرأس الناتئة – مرفوعةً هي الأخرى – فوق الأشياء كلها وناحية لاشيء، فيما خط التماس الرئيسي يقطع السرة ما بين المتحف المصري والجهة المقابلة باتجاه طلعت حرب. قلتُ لراشد إن شيئاً رهيباً سيحدث لهؤلاء الناس لو أن الحكاية انتهت و”نأبهم طلع على شونة”. كنا قد بدأنا نلاحظ تأثير العزلة والقرب: بارانويا تسري بدءً من غروب الشمس حول ما إذا كان بين المعتصمين دخلاء يجمعون المعلومات عنهم أو يوجهونهم إلى أفعال ضارة؛ مبالغة في خطابات الانتصار والاستمرار وفي قصر “الأخلاق” على سلوكنا داخل الميدان حيال أشياء تافهة وغير متصلة؛ هوس بالقضاء على أفراد بعينهم – أحمد شفيق، عمر سليمان، أنس الفقي فضلاً عن آل مبارك – بلا التفات لا إلى أخلاقية استهدافهم ولا إلى ما يمثلونه بغض النظر عن ذواتهم ومدى انتشاره في الوعي الجماعي، حتى وعينا نحن. قلتُ لراشد إنه جسد وقال إنه دماغ. قال إنه يريد أن يعد دراسة أنثروبولوجية عن التحرير أثناء الاعتصام يعتمد فيها المواقع ذاتها مقارباً إياها من منظور فرويدي: خارج الدائرة ما يسمى “ما قبل الوعي”، بينما مكونات الوعي الثلاثة – الإيد والإيغو والسوبرإيغو – تشغل قطاعات متداخلة في جوفها: الإيد في الذراعين والقدمين حيث التمثال والمجمع وجبهات القتال، والإيغو في المنطقة الآمنة المحيطة بالكعكة الحجرية، بينما السوبرإيغو (معقل القيم والأحكام) ففضلاً عن المتحف المصري حيث كان الجيش يعتقل البلطجية، في السرة نفسها حيث دبابة ثابتة كأنها محج تمثل التفاعلات حولها بين المحتجين والجنود تحالف الشعب والجيش الذي تغذت عليه أسطورة الثورة نفسها …
في بداية كتاب الطغرى، بينما هو يقود السيارة في طريقه من “بيت الزوجية” إلى “بيت الأسرة” إثر انفصاله النهائي عن زوجته، يلاحظ مصطفى الشوربجي بطل الرواية (بلغته الوسطية التي تجمع بين العامية والفصحى): “على الدائري وقفت السكة دقيقة – يحصل هذا كثيراً على الكباري، زي ما أنت عارف، من غير سبب: أظن أنه صدفة انحراف عدد معين من العربيات عن حاراتها بدرجة معينة في وقت واحد، إضافة إلى استعجال الجميع – وكما يحصل في كل مرة، انطلقت الكلكسات.”
وفي موقع لاحق يصف النزول عن كوبري أكتوبر في ميدان الإسعاف: “من فوق، كتلة العربات المرقطة بالمشاة كأنها يوم القيامة. فأتذكر طلوع الميتين من قبورهم والتعبير الدارج: (أنا طلْعان ميتيني). وأحس أن الدنيا كلها طلعان ميتينها…”
تقع أحداث الرواية خلال ثلاثة أسابيع بين مارس وأبريل ٢٠٠٧، قبل أحداث يناير-فبراير ٢٠١١ بأقل قليلاً من أربع سنوات. وليس خافياً أن المصريين صاروا يقولون، سواء أعن المرور أم عن سواه، إننا “قبل الثورة” كنا نظن الأشياء لا يمكن أن تزداد سوءً، وها نحن “بعد الثورة” نرى، على العكس، أن الأسوأ كان ممكناً. (شخصياً لا أظن التردي راجعاً إلى ضعف أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة الدول، مع أنه مستحيل إنكار ذلك الضعف، وإنما – ربما حتى بالأكثر – أظنه راجعاً إلى ما أخفته “الثورة” عن نفسها كما عن “الثورة المضادة”: إن الشعب ذاته الذي تحركتْ باسمه ضد وزارة الداخلية متورط في القمع والفساد، وإن الصلاة لـ”مصر” – ذلك الإله الزجاجي – لا تقود إلى الجنة.) نظراً إلى أن مصطفى يشبه مؤلفه إلى حد كبير على كل حال، أعتقد أنه كان سيشاركني القول بالمرارة ذاتها:
الأسوأ ممكن بدليل ما يحدث لي اليوم – يوم قيامة وطلوع ميتين لم يكن لدى كاتب ما بعد تسعيني من “التشاؤم” أو الوقاحة ما يسمح بتخيله قبل الانتهاء من كتابة الطغرى، سنة ٢٠١٠ – وهو ما كان يحدث لمصطفى بدرجة أهون لأن موظفي وزارة الداخلية، منذ ١١ فبراير ٢٠١١، وجدوا في “عداء الشعب” مبرراً للامتناع عن أداء مهامهم المدنية، ولأن حرية التظاهر النسبية التي اكتسبها للجميع آلاف ماتوا أو أصيبوا ولم يعد أحد منهم حاضراً أو ذكراه – والتي خلّفت احتجاجات نفعية لا آخِر لها دونما تحقق ذلك الذي مات وجُرح من أجله من اكتسبها – اتخذت، اليوم، شكل إضراب في جهاز النقل العام…
هذا، بالطبع، فضلاً عن أن هوس الناس بقطع الطريق بعضهم على بعض في معرض “السواقة” الدموية دائماً – صدفة انحراف عدد لا نهائي من “العربيات” عن حاراتها بجنون، إضافة إلى الاستماتة على كسب سباق مفترض لا خط نهاية له، ولا “ميداليات” – ليس سوى صورة أخرى لهوس السلطات بقطع الطريق على التغيير بأسرع وأعنف سبيل ممكن، الأمر الذي لا يفسّر فقط إعلان حالة الطوارئ بلا اعتراض سياسي أو شعبي يُذكر وإنما أيضاً يدل على أن الشعب أنتج حكامه بدرجة أو أخرى، بشكل أو آخر، في زمن أو مكان ما.
لعل بقية المشهد تعليق على “الثورة” بقدر ما هو تعليق على انفصال مصطفى عن زوجته: “خلال الدقيقة هذه بالذات تمثّلت التلوث السمعي أوركسترا لا يطلع من آلاتها إلا ضراط، من أرفع نوع إلى أثخن نوع، من الطويل الحزايني إلى المتقطع المرح. وشعرت بمتعة عجيبة وأنا أسمع سيمفونية عفوية تعكس حياتي في هذه المدينة الواسعة ذات العشرين مليون إنسان. كأن حياتي لحد الآن فيلم عربي سخيف ومقطوعة الضراط هذه هي الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشهد الختامي.”
هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين، وبَعُد عن ألأّف له عهدهم الخشونة واللين. ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض. ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان… لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده… – أبو حيان التوحيدي
الأهم فالمهم. أمر عادي ربما أن تشعر بالغربة حيث تعيش، أن تلح عليك المغادرة طلباً في “وطن” مفارق. غير العادي أن لا يَنتج هذا الشعور عن خيبة أمل في حياتك أنت، في الدائرة التي تشغلها، بل عن إدراك – مفاجئ بالضرورة – للا جدوى انتمائك إلى جماعة بشرية يُفترض أن تعطي حياتك معنى. للضجر صبغة حين ترى الأكاذيب والعبث، ووجودك وسط العبث والأكاذيب يجعلها صبغة مضجرة. صحيح أن الغربة تحدث إثر تحول في الشأن العام، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن التحول لا يصنع غربة بغير وعي خاص ويومي بفحواه يكشف تواطؤك مع نتائجه السلبية. لحظة نادرة وشخصية ولا علاقة لها بالمعارك: أن تصبح أنت بزيك تجسداً للوطن المهزوم. لم تعد وحدك كما كان الحال من قبل، ولا هزيمة الوطن معزولة عنك كما هُيئ لك سنوات. لعلك لست إنساناً أصلاً، لست جزء من شعب يستحق أن يكون له وطن؛ على الأقل ليس كما يجب أو تريد. وفي إدراك لا جدواك منتمياً، يتراءى الدافع إلى إعادة صياغة الواقع بالكلام أو، على حد روبيرتو بولانيو، “الكتابة بدلاً من الانتظار”. بلا إعادة صياغة للواقع، حتى المغادرة، الهجرة نفسها لا ترحم من الانتظار. في الغربة: الكتابة بدل الانتظار. والحب أيضاً، العشق طلباً لوطن منمنم يسكنه شعب “ملّاكي” لا يعذبك الانتماء إليه؛ شرط أن تكون – عكس البطاركة القبليين – مستعداً لأن لا تسوق وحدك، لأن تغادر موقع “القائد الضرورة” متى اقتضت الحاجة وأن تعطي قدر ما تأخذ من أسباب الفرح بالحياة… لكن هذه، في النهاية، تفريعة ثانية.
وكما سيرد أو يدلل عليه في هذه الرسالة اللاحقة على “كتاب الطغرى”، والمؤرخة أكتوبر ٢٠١١:
عاش قريني مصطفى نايف الشوربجي لحظة إدراك لا جدوى انتمائه على الورق سنة ٢٠٠٧؛ لكنه كان يعيشها في رأسي، أو أنا أعيشها، طوال النصف الثاني من العقد الأول بعد ألفية الميلاد المجيد. بين أول ٢٠٠٥ وآخِر ٢٠١٠، كنتُ أعيشها؛ وكان اختراع قرين في ذاته جانباً من عيشها حتى وأنا لم أنتبه بعد إلى مدى اتصالها بما يحدث في الشأن العام ولا إلى أن ما يحدث في الشأن العام قد يكون تَحوُّلاً. سنة ٢٠٠٥، فجأة، عدتُ إلى الكتابة بالعربية إثر أولى زياراتي لبيروت، والتي تزامنت مع “ثورة الأرز” في عز انتصارها: انسحاب القوات السورية أخيراً من لبنان… وفيما بدا أنه تصالح كاتب “ما بعد تسعيني” مع فكرة إدراج الأمور السياسية في الأدب – فعند التسعينيين أن “الأيديولوجيا”، عملياً، حرام – كان التحول باتجاه البلوتقراطية البذيئة لحكم “جمال مبارك” قد بدأ يظهر عبر صياغة الواقع عن طريق مقارنة بيروت بالقاهرة في سياق أدبي كما في الواقع. (بالبلوتقراطية أقصد: حكم الأغنياء؛ وبذاءتها في عهد “لجنة سياسات” الحزب الوطني راجعة إلى أنهم أغنياء حروب لم تقم، ورثة الاشتراكية والقومية من “فهلوية” الجشع والسلام المحوَّطين لهم عقود بِرياء “فلاحي” مُقيّئ لعله أقنعهم أنهم يتفضلون على الوطن فعلاً أو أنهم، في مجلسهم، فعلاً يمثّلون الشعب. كانت بلوتقراطيتهم، على طرف النقيض من نموذج الليبرالية الرأسمالية الذي يدّعون التطلع إليه، تعتمد على دولة الطوارئ القائمة منذ زعم عبد الناصر أنه سيحرّر فلسطين ويجابه الاستعمار ويوحّد الأقطار العربية.) أذكر أن أكثر ما كان ينفرني في القاهرة بينما أكتشف بيروت ثم تونس عبر الكتابة عنهما هو سفالة الإنسان الفرد والتي اتخذت من التوريث وكذبة “النمو الاقتصادي في ظل الاستقرار” – الكسب غير المشروع على نحو مقنن، شرط الثبات وتجنّب المخاطرة – اتخذت منهما أماثل للنشاط الإنساني حتى في الإسلام السياسي (حيث تحول التيار “الجهادي” إجمالاً إلى تيار “سلفي” أقبح)، والحقيقة التي لا تُذكر أنه لا محتوى للخطاب ولا إنتاج؛ حتى لو وُجد عمل، وهو أمر نادر، لا مقاييس للجودة أو ضمير. لا إنتاج.
وسعياً إلى استشراف مخرج، كانت قد اكتملت الطغرى. كان لابد من حدوث شيء، لكن ربما – مثل ثورة الأرز – كان لابد أن يكون، في التحليل الأخير، بلا جدوى. أواخر ٢٠١٠، قبل الأحداث مباشرة، قال لي صديق شاعر إن الثقافة العربية “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صِيّع”، أو “شلّة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وراشد جلال السيوطي قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب رأيناه صدفة على أحد أرصفة “باب الدنيا” كما يسمي مصطفى وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.
رواية يوسف رخا لا تخشى شيئاً، ولماذا عليها أن تخشى أي شيء وقد تجاوزت ميتافيزيقا الكتابة، قد تجاوزت كل ثنائية ضدية؛ فما من حدث كبير أو صغير، ما من ماض أو حاضر، ما من شرق أو غرب، ما من بدن أو نفس… كتابة فالتة من كل إكراه وتضييق وأحكام مسبقة، تتركز في حجم صغير بالغ الإدهاش، في حجم الطغرى نفسها ربما، وفي لغة فاتنة كأقل وصف ممكن – أحمد يماني
قراءة مسموعة
رواية أولى (دار الشروق) أرادها المصري يوسف رخا تصويراً بصرياً أنتج خليطاً من وقائع وحكايات وإرهاصات ماضية، في نصّ مفتوح على مزيج العاميّة والفصحى، وتداخل الخاصّ بالعام. والرواية، إذ تنسج من المخيّلة أطراً للواقع وتفاصيله وتشعّباته، شكّلت تمريناً على كتابة تستمدّ من الأسلوب التاريخي شيئاً مفيداً لها، وتأخذ من السرد المفتوح ما يريح الفضاء الروائي في اشتغاله على الذات الفردية وعوالمها، وعلى حكايات المدينة وسط انبعاث روائح الأزقّة والقصص والتوهان داخل أزمنة مثقلة بالناس والرواة والأشياء.
السفيرـ يونيو ٢٠١١
——————————————————————————
“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا
ياسر عبد اللطيف
بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.
“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.
ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبارالصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001.” تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.
يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.
ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.
ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.
وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.
وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.
وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.
وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت
ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.
تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..
ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.
ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها
——————————————————————–
مع اعترافي الكامل بأنَّ Angel Clair الآتي من Tess of the d’Urbervilles
هو بطلي المفضَّل، وأنّي أكثرُ ما أكونُ تماهيًا فمع روايةٍ للمرحوم (توماس هاردي)، حيث هو دائمًا مُتَّسِقٌ مع ذاتِهِ، وقضاياه الأساسيةُ مبسوطةٌ كالأرضِ قبلَ إثباتِ كُرَوِيَّتِها، وبأنَّ ما اصطُلِحَ على تسميتِهِ (الأدبَ السِّيس) هو تياري المفضَّل، إلا أني مؤمنٌ بأنَّ (كتاب الطُّغرَى .. غرائب التاريخ في مدينة المرّيخ) لصاحبها (يوسف رخا) روايةٌ عظيمة ..
· نهايةُ البلاغة: في معرضِ حديثي مع أكثر من صديقٍ عن الروايةِ (أثناءَ قراءتِها) كنتُ كثيرًا ما أعربُ عن اعتقادي في أن الروايةَ تؤسِّسُ لبلاغةٍ جديدة .. استندتُ في هذا الاعتقاد إلى ملاحظاتٍ ساذجةٍ شديدة الجزئية ، أتصوَّرُ أنه يمكن إجمالُها في عدة مجموعات:
أ- الصور الجزئية المتناثرة في سياق الرواية وفي القصائد النثرية التي كتبها (مصطفى الشوربجي)، والتي تشبهُ اكتشافًا مدهشًا ومثيرًا للضحِكِ في آن .. مثالُ ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول: “الأملُ يلاعبُني مثلَ اليويو” .. طرافةُ الصورة ممتزجةٌ بسخريةٍ ضمنيةٍ مُرَّةٍ لا تدعُكَ تفغرُ فاكَ مستحسنًا لما يزيد عن جزءٍ من الثانية، فأنتَ مضطرٌّ أن تنهارَ ضاحكًا .. فقط أدرِكْ تحوُّلَ الأمل من خصيصةٍ إنسانيةٍ مرنةٍ لَدنةٍ إلى آلةٍ جامدةٍ تستدعي بحضورِها طفولةً بلهاءَ هي الياي/اليويو على طريقة (هنري برجسون) لتغيبَ في نوبةِ الضَّحِك .. خذ مثالاً آخر في القسم السادس حيث يقول الراوية: “شيءٌ مثل عمارة ما كدتَ تعيشُ في إحدى شققِها حتى ساحت عواميدُ الأساس.” متحدِّثًا عن اعتناق (أمجد صلاح) للمذهب السَّلفِي بعد ظهور السلطان له كما يتصور (الشوربجي) .. هو يرى أن هذا التحول في شخصية (أمجد) كان بحثًا عن الارتياح من القرار، لكنَّه في هذه اللحظة البلاغيةِ لم يكن بحثًا بالمعنى الدارجِ الذي يتطلبُ حضور الوعي .. إنه بمثابة انهيار (سَيَحان) لأساساتِ دماغ الرجل .. طزاجةُ الصورة الأسمنتيةِ ملطَّخةٌ هنا باختيار مفردةٍ بعينِها: (ساحت) مستدعيةً شريطًا من الصُّوَر عن سياقِ الكارثة النووية و(انصهار/سيَحان) الأشياء أكثرَ من انهيارِها .. هنا أنتَ مدفوعٌ باختيار المفردَةِ داخلَ الصورةِ إلى اكتئابٍ أبوكالبسيٍّ محتَّم ..
ب- استيرادُ أبنيةِ الجُمَل الإنجليزية وتعريبُها ، كما في اختيار المؤلف في كثيرٍ من المواضعِ للسؤال التذييليِّ المختصر للتقرير: “لا؟” بدلاً من “أليسَ كذلك؟” .. من المؤكَّد أن ازدواجية لغة المؤلف مسؤولةٌ بشكلٍ كبيرٍ عن هذا الاختيار .. لكنَّهُ يظلُّ اختيارًا في النهايةِ ، أي أنه مقترنٌ بقصديةٍ لا تخفَى، ربَّما لإحالةِ القارئ العربيِّ مزدوجِ اللغةِ إلى إنجليزيتِهِ لإثارة سؤال الهُوِيَّةِ حتى على مستوي الـtag question!!
ت- الإحالاتُ المعرفيةُ المُضمَرَة .. أعني بذلك الجُمَلَ البسيطةَ التي تردُ في سياقٍ ما، وتُحيلُ قارئها إلى وعيِهِ بحقلٍ معرفيٍّ بذاتِه .. من أمثلة ذلك قول (الشوربجي) في القسم الأول كذلك واصفًا حالَهُ في أيام انهيار زواجِهِ وابتعاد زوجته عنه جسديًّا: “هكذا أقولُ لنفسي، وأستمتعُ بالتَّبَرُّزِ أكثر مما ينبغي”. إحالةً إلى تصوُّر (فرويد) عن مراحل النمو الجنسي في الإنسان، وتحديدًا لما أسماه بالمرحلة الشرجية .. هذا الارتداد المُحزِن يُفترَضُ أن يثيرَ شكلاً من أشكال التعاطف لدى القارئ الذي يعي ذلك التصور ..
ث- تفصيح و(ترسيم) ما هو دارجٌ كاستبدال الجمل الاعتراضية التي تردُ دعاءًا للمُخاطَب في الرسائل التراثية مثل (فاعلم – أصلحكَ اللهُ – أنَّ …) بعبارةٍ وحيدةٍ هي (قشطة عليك) .. يحدثُ هذا بشكلٍ عرَضِيٍّ عند الجميع، كوسيلةٍ لاختراق هيبة النَّصِّ وإحداثِ قدرٍ من تغريب المتلقي على استحياء .. لكنَّ (رخا) يستخمه بشكلٍ منهجيٍّ مقصودٍ لذاتِهِ، فيضرب عدةَ عصافير بطلقةٍ واحدة، فهو يسخر من الأبنية التراثية المتجذرة في وعينا الجَمعِيِّ وينسفها، ويصالحُنا على ما نقولُهُ خارجَ الصفحة بشكلٍ ما أو بآخَر، ويضعُ القارئ على أرجوحةِ الإيهام وكَسرِهِ بطول الرواية.
آه! هناك المجموعةُ الخامسةُ الأبرز على الإطلاق، لكنَّها كانت كفيلةً بأن تقلبَ وحدَها إدراكي للموقف البلاغي للرواية من (تأسيسٍ لبلاغةٍ جديدةٍ) إلى (نهايةٍ للبلاغة) .. أعني بذلك .. أعني .. أعني ……!
ربَّما دارت البلاغةُ الحديثةُ كلُّها حولَ مغازلةِ المُحرَّم/التابُو .. لا يفعل (يوسف رخا) كالآخرين .. إنه يخترقُ التابُو إلى نهايته .. لا توجدُ كلمةٌ نابِية .. كلُّ الكلماتِ أدواتٌ متاحةٌ، فلنقتَرِفها معًا جميعا .. في عزِّ اللغةِ التراثية التي يعتمدُها لفقراتٍ بأكملِها، يفاجئني بكلمةٍ كان مفترضًا أنها (تابُو) فيما قبل، فأقعُ في فخ (هنري برجسون) الذي لا فِكاكَ لي منه مُجدَّدًا، وأدركُ تحوُّلَ اللغةِ إلى آلةٍ غبيَّةٍ يبدو أنها تتعطَّلُ رغمًا عن أنفِها، فأموتُ من الضحك.
ما أريدُ أن أخلُصَ إليه هو أنه بالتوسُّعِ المُمَنهجِ في هذا الاستخدام للغة ، لا يعودُ هناك مكانٌ لما يُسمَّى في الاصطلاح الإنجليزيّ Euphemism وهو تلك الكنايةُ (أو ربَّما هو الفألُ الحسنُ في سياقٍ ما) التي تحلُّ محلَّ كلمةٍ لا نحبُّ ذِكرَها ، وتعتمدُ إزاحةً دلاليةً بعينِها لكلمةٍ أخرى .. فعضوُ الأنثى التناسلي في الأقسام الأخيرةِ من الروايةِ ليسَ إلا اسمَهُ كما يقولُهُ المصريون والشوامُ في جلساتهم المتحررة .. ليس مِهبَلاً ولا عَجانًا ولا إنسانًا ولا غيرَ ذلك مما يمكنك أن تفكرَ فيه .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما هو يأتي مُشكَّلاً بالتشكيل العربي الرصين، كخطوةٍ أولى في سبيل اعتمادِهِ لفظةً رسمية!! كيف يمكن أن تبحثَ اللغةُ بعد ذلك يا عم (يوسف) عن كنايةٍ أو يوفيميزم؟؟ من الآنَ فصاعِدًا ستُقترفُ الإزاحاتُ الدلاليةُ عن اختيارٍ فضفاضٍ، كما فعل (الشوربجي) نفسه حين سمَّى عُضوَ (كلودين): (الباشمهندس) ..! صحيحٌ أننا نستخدم كمصريين هذا اللقبَ للإشارة إلى فصيلٍ غير متجانسٍ واسعٍ من الأشياءِ والأحياء، إلا أن (الشوربجي) اكتشفَ مبرراتِهِ البَعديةَ لهذه التسمية لاحِقًا، فعضوُها هندسَ له عالَمَهُ المُنهارَ في الفترة التي تلت اكتشافَهُ لمهمته المقدسة وأضفى معنىً ما على حياتِهِ، بالإضافةِ إلى أنَّهُ يشبهُ أباهُ في تضمُّخِهِ بعطرٍ خاصٍّ جدًّا، هو المسكُ الأبيضُ في حالة أبيه المهندس، والرائحةُ الحميمةُ لـ(كلودين) في حالة عضوِها!
هاه؟! هل الاختيارُ مسؤولية؟؟ يبدو أننا في المرحلة القادمة من الأدب على أبوابِ اختيارٍ غير مشروطٍ على الإطلاق .. هل نحنُ أمامَ تجلٍّ آخرَ لمفهومِ (سارتر) عن الأدب الملتزم والمسؤولية المبنيةِ على الاختيار المُطلَق؟؟ رُبَّما .. الأكيدُ هو أن الكناية صارت اختيارًا حُرًّا، نركبُها أو نتركُها، وليست حتميةً كامنةً في اللغة لا مفرَّ منها كما هو الحالُ قبل (الطُّغرَى) ..
· أرجوحةُ التغريب والإيهام: بين (خُطبة الكتاب) التراثية و خاتمته التراثية كذلك، وإجمالهما لتغيُّر راوي الأحداث من شخصٍ أول هو البطلُ (مصطفى الشوربجي) في الأقسام الأول والثاني والرابع والخامس والسابع، وراوٍ آخرَ غير معيَّنٍ يتكلمُ في الأقسام الثالث والسادس والثامن والتاسع، تتمثَّلُ الأرجوحةُ القاسيةُ التي تطرحُ المتلقي في بئر الوهم الأدبي على مخملٍ ناعمٍ كما في حُلم (مصطفى الشوربجي) الذي يعاودُهُ كثيرًا ويمثلُ معادلاً موضوعيًّا ما لعدةِ أشياءٍ ((بينها هذا الأمرُ وبينها اكتشافه لجسد (كلودين يوسف) وبينَها الطريقُ المخمليُّ في قصر السلطان والذي يشبهُ إرهاصاتِ الكارثة))، ثم تعودُ تنتشلُهُ من هذا البئر، فيقول الراوي نصف العليم في الأقسام الأخيرةِ (من كوكبِنا نحنُ) حين يرصُدُ أحداثَ الأيامِ الأخيرةِ للشوربجي قبل سفره إلى بيروت. شبهُ الجملةِ الافتتاحيُّ هذا بحدِّ ذاتِهِ يمثل جهدًا جبّارًا في محاولة فصل ذاتِ الكاتب عن مجرى الأحداث ليرصُدَها برؤيةٍ مختلفة .. لكنَّهُ يتماهَى في النهايةِ مع (الشوربجي) كما يعترف بذلك في خاتمة الكتاب، عن طواعيةٍ تنتصرُ لمركزية الذاتِ في العالَم ..
ربَّما يتصلُ الأمرُ برؤيةِ (يوسف رخا) لدَور الروائي .. أرَّقني هذا الهاجسُ وأنا في منتصف الرواية تقريبًا .. هل على الروائيِّ أن يكون راصِدًا محايدًا تدور الأحداثُ من حولِهِ وليس له إلا أن يروي ويُبدي دهشتَهُ في بداية الرواية ونهايتِها كما فعل (دوستويفسكي) في (الإخوة كارامازوف)، أم يُفترضُ أن يشاركَ في صنع الواقع الروائيِّ وينقلَ إلينا رؤيتَه طول الوقت؟؟ أم أنَّ هذا السؤال قديمٌ وعفا عليه الزمنُ ولا مجالَ لفتحه لأنه موغلٌ في السذاجة؟!!
المهمُّ أن هذه التقنية الأرجوحيةَ تسهمُ بقدرٍ ما في إثارةِ وعي المتلقي .. تكشفُ بقدر ما تحجُب .. هل .. هل يمكن أن تقفَ على الموقف الأيديولوجي للمؤلفِ مثلاً بعد قراءة الرواية؟ نعم ، الراوي يتفق مع (الشوربجي) – كما يتبين في خاتمة الكتاب- على التماهي مع رؤيته والكتابة بطريقته، لكنَّ (الشوربجي) يبدأ الأحداثَ حائرًا ممزَّقًا (طلعان ميتينه – كما يحب أن يقول)، ويُنهيها حائرًا باحثًا عن حلّ .. هل سيجدُ حلاًّ ما لأزمة وجوده؟ لا أتصوَّرُ أنه بإمكان أحدهم أن يجزم بذلك، إلا أن يقول أن الرحلةَ بذاتِها/ السَّفر هو الحل (إشكالية رواية ساحر الصحراء لكويليو) !!
· توتُّرُ القيمة: هل كان ضروريًّا أن ينخرط (مصطفى الشوربجي) في علاقةٍ (آثمةٍ) مع (كلودين) ويعبُرَ (باشمهندسَها) لكي يصِلَ إلى مكان رقٍّ من رقوق سورة (مريم) الموعودة؟! يبدو أنَّ هذا مقصودٌ بوعيٍ قاسٍ هو الآخَر .. ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) لأنَّها تعبر – كما يقول السلطان أو الشوربجي في ذلك المشهد ، لا أذكر – عن تسامح الدولة (العَلِيَّةِ) العثمانيةِ إزاء (النصارَى) .. رُبَّما .. فهل كان اختيارُ عضو (كلودين) مَعبرًا إلى السورةِ سابقًا أم لاحقًا على اختيار السورة؟؟ أعني أن شخصيةَ السيدة (مريم) (العذراء) هي المعادلُ الموضوعيُّ للعذرية والاحتفاء بها في الإسلام (الهوية المطروحة للبحث والمناقشة بطرقٍ مختلفةٍ في الرواية)، فماذا الآن؟!!
المدهشُ أنَّ (الشوربجي) يتساءلُ وهو أمام عضو (كلودين) عن سرِّ انطباقِهِ على بعضه وخجلِهِ العذريِّ ، وهو الذي تخيلَهُ شَبِقًا منفتحًا على الدنيا باعتبار أنها زوجةٌ وأمٌّ لأكثر من طفلٍ منذ عددٍ من السنين .. ثُمَّ هو في النهاية شبهه بزهرة تيوليب (خزامَى)، وأخيرًا بزهرتَي تيوليب فوق بعضهما، ثم رسم الزهرتَين أعلى إحدى صفحات الكتاب!
إلى هذا الحدِّ يمتزجُ الإثم والبراءة؟ ربَّما اختيرت سورةُ (مريم) دون بقيةٍ سور القرآنِ للإشارةِ إلى شيءٍ أعمقَ من مجرد تسامح العثمانيين مع المخالفين في الدين .. إنه تسامح واستيعابُ الهوية المفتقدَة نفسِها للإثم وخرق المحظور .. أتصوَّرُها رسالةً ضمنيةً في الروايةِ تستحقُ البحثَ والتوقفَ عندها ..
· روايةُ المؤامرة؟!: أو بالأحرى رواية التهكم على المؤامرة .. هل الروايةُ فتحٌ في أدب المؤامرة باللغة العربية؟!! تبدو كذلك لوهلةٍ عند منتصفِها .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ يتلبَّسُ جسدَ صحافيٍّ ضئيلٍ يمثلُ في عينَي (الشوربجي) الصورةَ الحيةَ لانهيار المجتمع المدني .. السلطان العثمانيُّ الأخيرُ مهديٌّ منتظَرٌ بديل .. السلطانُ العثمانيُّ الأخيرُ مسيحٌ بديلٌ للمسيح المفترضِ عودتُهُ للأرض في الإسلام السلفي (الأرثوذكسي كما يحب الشوربجي أن يسميه) .. والسلطان (محمد وحيد الدين خان بن عبد المجيد) يعيشُ حياةً برزخيةً ذاتَ طابعٍ خاصٍّ كالتصور الإسلامي الشائع عن المسيح، والتصور الاثنَي عشريِّ الشيعي عن المهدي المنتظَر .. يكتب السلطان سورةَ (مريم) في سبعة رقوقٍ تضيعُ منه كلُّها لتتبعثَرَ في أركان الأرض .. أوه! نحن أمامَ (مريم مجدلية) موازية لتلك الموجودة في (شفرة دافنتشي)! والعثورُ على هذه الرقوق السبعةِ مقدمةٌ لابُدَّ منها – بطريقةٍ غامضةٍ تهكميةٍ مقدسةٍ غيبيةٍ في آنٍ – لعودة الخلافة واستئنافِ الهوية الإسلامية .. يرحلُ (الشوربجي المختارُ) في نهاية الرواية إلى بيروت سعيًا وراء (معروف شالجي) الخطّاطِ العراقيِّ صديق والد (كلودين) الذي وجدَ نسخةً بخطه من أحد الرقوق به أولُ سورةِ (مريم) عند (كلودين) .. الخطّاط هو الآخرُ شخصيةٌ حاضرةٌ غائبةٌ في الرواية .. شخصيةٌ عبقريةٌ مرسومةٌ بأستاذية .. ذلك البدين الذي له لهجةُ المواصِلَةِ الخَشِنَةُ المتقاطعةُ مع لهجة الحلبيين بالشام، والذي يُفَضِّلُ أن يُنادى (معروف أفندي) كالسلطان الذي لا يحكم .. شخصيةٌ جديرةٌ بروايةٍ لها وحدها!! رغم أنَّ القصدَ واضحٌ في النهايةِ المفتوحةِ الحائرةِ، إلا أن جزءًا ثانيًا من الروايةِ ليس احتمالاً مستحيلا .. الله؟! وهل هناكَ احتمالٌ مستحيل؟!
الخلاصةُ أن (يوسف رخا) يطرحُ نظريةَ المؤامرةِ بشكلٍ ما في منتصف الروايةِ ، ثُمَّ يطرحُها من جديدٍ في نهايتها لكنَّهُ يطرحُها (أرضًا) هذه المرةَ ، حين يُعربُ على لسان الراوية غير المعيَّنِ عن تفضيله لأتاتورك على مائة وحيد الدين خان .. رغم أنه ليس موقفًا أيديولوجيًّا واضحًا حتى الآنَ، إلاً أنه كفيلٌ بأن يبصُقَ في وجهِ المتلقّي المسكين ويقول له: “أنت مسؤولٌ وحدكَ عمّا أنت فيه – قشطة عليك” !!
· سوء التفاهم وإشكاليةُ التأتأة!!: لا يُنسَى الفلاش باك المروِيُّ على لسان (ألدو مزيكا) للفقي (وحيد الدين) وهو يتمتمُ بعباراتٍ ملتبسةٍ لم تفهم منها أمُّ (ألدو) الساحرةُ الأفريقيةُ إلا (سولتان لئيم) لتُصَدِّرَ لابنِها فكرةَ أنَّ اغتصاب (وحيد الدين) نجحَ في إخراج الجنِّ الذي يلبسُهُ .. المؤلِمُ هو وعي (الشوربجي) بأنَّ ما قاله (وحيد الدين) في ذلك الموقف بعد أن أفاقَ من إغماءته هو غالبًا (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأنَّ الساحرةَ لم تفهم لأنها ببساطةٍ لا تجيدُ العربية !!
أحالتني هذه الحالةُ الضَّبابيةُ إلى Benjy أو Benjamin الأخِ المتخلفِ عقليًّا في رواية فوكنر The Sound & The Fury ، والذي يروي الفصلَ الأولَ بالكاملِ من الرواية بتأتأتِهِ وجمله المبتورة القصيرة التي لا تفيدُ معنىً متكاملاً ولا تحيلُ إلا إلى ذاتها .. من المؤكَّدِ أنَّها كانت مغامرةً مدهشةً من (فوكنر) .. مغامرةُ (يوسف رخا) أضيقُ من مغامرةٍ (فوكنر) لكنَّ قسوتَهُ في معاملةِ نموذجهِ الانهياريِّ (وحيد الدين) أبشعُ من قسوة فوكنر/الزمن في معاملة Benjamin !! في هذا المشهد، يُفيقُ (وحيدُ الدين) على الدمِ متفجرًا من شرجِهِ بعد أن يغتصبَهُ (ألدو مزيكا) الذي يُباهي دائمًا بحجم قضيبِهِ، امتثالاً لأمرِ أمه الساحرة وخوفًا من غضبِها عليه !! ما أقسى هذا .. في الجنوب الأمريكيِّ تكفلت الخادمةُ الزنجيةُ الطيبةُ برعاية (بنجامين) بشكلٍ ما وسطَ (الصوت والصخب) ، لكنَّ الساحرةَ الزنجيَّةَ وابنها الصحافيَّ اغتصبا (وحيدَ الدين) الصحافيَّ المسكينَ في قلب القاهرة بعد بداية القرن الحادي والعشرين بعدَّة سنوات .. لا مجال للتأتأة .. لا مجالَ لسوءِ التفاهم ..
· اختيار قالَبِ الرسالة التراثي: حنينٌ إلى ماضٍ يسكن الأوراقَ الصفراء؟ استغاثةٌ خجلَى بشخصٍ ما غير موجود؟ رُبَّما .. يمتدُّ سؤالُ الهويةِ الممزقةِ إلى مسألة اختيار القالَب هنا فيما أتصوَّر .. ليس ذلك فحَسبُ، وإنما في نحت الاسم الذس يُفترضُ أن توجَّهَ إليه الرسالة .. (راشد جلال السيوطي) .. ما أسهلَ أن يحيلَ الاسمُ إلى (جلال الدين السيوطي) أحد أبرز شخصيات العلوم الإسلامية في تاريخ الإسلام ، بجمعه بين التفسير وعلوم اللغة وكتابة المقامات وكل تلك الخصائص اللصيقة بفن الكتابة العربي التراثي الإسلامي .. ربَّما في هذا بحثٌ كذلك عن هويةٍ ضائعة .. استغاثةٌ مكتومةٌ مفضوحةٌ ضاحكةٌ باكيةٌ بمن كتبَ قديمًا، علَّ من يكتبُ الآنَ يصلُ إلى حلٍّ لمعاناته، ونهايةٍ لوضعية الـ(زومبي)!!
· نهايةُ الجغرافيا: أخيرًا، لا يمكنُ أن ننسى انبهارَ (الشوربجي) بالخارطةِ العربيةِ القديمة بألوانها الحنونة وثرائها، في مواجهة الخارطة الأوربية الحديثة المصمتة .. كان مهمًّا أن يختزل (الشوربجي) علاماتِ قاهرتِهِ في طغراءِ آخر السلاطين العثمانيين حتى تعودَ له القاهرة وحتى تكتملَ بين يديه .. المدينةُ التي نُسِبَت إلى المِرِّيخِ وقتَ بنائها بالخطأ كما يروي هو من كتب التراث في بداية الروايةِ لا ذاكرةَ لها كما يُورِدُ في نهاية الرواية .. كان عليه أن يبتكرَ رسمًا يحفظُها له .. حتى لو كان هذا الرسمُ محورَ حياتِهِ هو .. حتى لو تشخصنت القاهرةُ فيه فأصبح الدقي (جسرَ المنامِ) ، والمعادي (درب الكلب) وكوبري الدقي (النيل الناشف) وكارفور (خانَ السِّرّ) ووسط البلد (باب الدنيا) .. عليه أن يهبَها ذاكرةً من نسجه ، ويا حبَّذا لو كان للرَّسم معنىً ما من قبلِهِ لتكونَ له هيبةُ وحصانةُ القديم .. إنه ختمُ الهُوِيَّةِ الضائعة .. ختمُ الهويةِ المُفتقَدَة .. جغرافيا مقياس الرسم والألوان المتدرجة والمرتفعات والطرق وما إلى ذلك ليست كافية .. فلتذهب هذه بحماقتِها وسًخفِها وإحالتِها إلى ذاتِها .. فلتذهب إلى غير رجعة .. ولتكن هناك جغرافيا جديدةٌ خطِّيَّةٌ من طغرَى آخر السلاطين .. طغرى (يوسف رخا).
يوســـف رخــــا: اخترعت قاهرتي الشخصية
30/07/2011 أخبار الأدب
نائل الطوخي
صحفي مدمر عاطفياً، فقد زوجته ويسترجع علاقتهما المسمومة سوياً طول الوقت، وفجأة يظهر له شبح السلطان العثماني الأخير ليقنعه بأنه في مهمة لإعادة الخلافة العثمانية. من هنا يبدأ الصحفي، واسمه مصطفي الشوربجي، في تأمل القاهرة، بوصفها القاهرة العثمانية، وتتحول حياته تماماً ونهائياً من بعدها. هذه هي فكرة رواية “الطغري”، بكثير من الاختزال والتبسيط بالطبع، للكاتب يوسف رخا. يوسف، الذي عرفه القراء كاتباً في أدب الرحلات، وشاعراً، يتحول في عمله الأخير إلي الرواية.
الرواية تحوي الكثير من الخيوط المضفرة سوياً. أسأله عن أول خيط منها، أو كيف بدأت فكرة الرواية لديه؟ فيقول ببساطة إن أول خيط لم يكن هو ظهور السلطان العثماني، وإن كان هذا هو الخيط الأبرز، وإنما أزمته الشخصية لدي طلاقه الشخصي، تزامن هذا مع سؤاله عن المجتمع المصري الذي كان قبل الثورة: لماذا يتحتم أن يكون هذا هو الشكل الوحيد للمجتمع، بكل النفاق فيه، وبفشله وعجزه عن الإنجاز؟ تزامن هذا أيضاً مع لحظات متعددة في المجتمعات العربية، منها لحظة سقوط نظام صدام حسين، واغتيال الحريري وحملة ترشيح مبارك في العام 2005، كل هذا أدي إلي نوع من التصالح المعقد لديه مع الإسلام السياسي، تولد لديه تفهم لبحث الناس عن هوية أخري غير الهوية القومية والعروبة وحتي الهوية الوطنية. فكرة البحث عن الخلافة الإسلامية جاءت من هنا، جاء هذا مصحوباً باهتمام شخصي لديه بتاريخ الإسلام، وبالخلافة العثمانية بوصفها آخر خلافة إسلامية. طوال الوقت كان يوسف معجباً بالمعمار العثماني، وأول علاقة له بمعمار مسجد كان المسجد الأزرق في اسطنبول..
قصة الطلاق يحكيها يوسف بنبرة فيها الكثير من الشكوي والإحباط، كيف نظر إلي هذه النبرة، هل يمكن أن تكون تلك النبرة محركاً أساسياً في السرد الجديد؟
المحرك الأساسي للنص لم يكن الإحباط وإنما الحبكة الدرامية الخاصة بظهور السلطان. بالإضافة إلي أن طموحي لم يكن أن أكتب شيئاً لم تتم كتابته من قبل وإنما أن أجاور بين خطابات الأبطال وبعضها البعض. (يبتسم) وارد جداً أن تقرأ صديقاتي البرجوازيات هذا الجزء الذي تتحدث عنه ويكون هو أكثر ما أعجبهن. من الأشياء التي أحبها هي الكتابة الاعترافية، والشكوي جزء من هذا، ولكن الموضوع لا يتوقف عنده. الإنجاز الرئيسي أنه كانت هناك حبكة و”حدوتة” وخيال يظل مقنعاً ولا يتعارض مع الإحساس الحميمي، ولكن مع هذا فمن الأشياء التي يمكن أن أنتقدها في نفسي هي الإفراط في الاعتراف.
يبدو لي أن هناك تناقضاً بين الاعتراف والشكوي. الاعتراف ينصب فيه الاتهام علي الذات، أما الشكوي فينصب الاتهام فيها دائماً علي الآخرين، بدا لي في الرواية أنك تشكو دائما من الآخرين لكنك لم تتأمل ذاتك بالقدر الكافي؟
ما أقصده بالاعتراف هو المعني الواسع، المعني الذي يمكن وفقاً له أن يعد كتاب “المبتسرون” لأروي صالح كتاباً اعترافياً. بالإضافة لهذا فهناك افتراض ضمني في “الطغري” أن الراوي غير متزن نفسياً، هو مريض بنفس القدر الذي يتخيل أن الآخرين مرضي به. المشكلة أنه لم يكن منطقياً أن يحكي بموضوعية، ولكن واضح إنه جزء من عدم الاتزان النفسي. (يصمت قليلا)علي العكس من سؤالك، فأنا أعتقد أن التصالح مع الآخرين هو ما يجعل الموضوع شخصياً وذاتياً، يجعلك مغلقا علي نفسك. جزء من العمق هو انتقاد الآخرين الذي يحتوي ضمنياً انتقاد نفسك. بالإضافة لهذا فهناك انتقاد وجه لي في الرواية وهو عدم حضور شخصية الزوجة، عدم السماح لها بالحديث، وهذا كان جزءا من خطتي، كنت قد قررت أن الزوجة تموت في الرواية بشكل أو بآخر.
بالنسبة للغة، كان لدي يوسف رخا مشروعه، كان واضحاً أنه يحاول المزج بين العامية والفصحي، الجديد أنه لم يحاول أن يفعل هذا بأسلوب يوسف إدريس الذي سعي لمواءمة اللهجتين ببعضهما، وإنما بالعكس، كان يسعي لإحداث تصادم بينهما، ما أدي لإحساس بالنتوء لا ينكره ولا ينكر تعمده. وارد عند يوسف أن تكون هناك لحظات تشعر فيها بأن اللغة مستكينة ولحظات أخري تشعر بها متمردة: “أصدقائي الذين كان لديهم تصور يقول بأن الكتابة لابد أن تكون عفوية وتلقائية انزعجوا من هذا التعمد. كانوا معتادين علي قراءة إما الفصحي أو العامية، ولكن ليس مزيجا بينهما. ومن الملاحظات المثيرة أن أصدقائي غير القراء بالأساس لم ينتبهوا إلي الفارق بين اللغتين. المدربون علي القراءة فقط هم من انتبهوا”.
مع كل هذا، فيحسب لهذا المشروع أنه أنهي سؤال الازدواجية اللغوية لدي يوسف: “خلاص، انتهيت من التجريب في هذه المنطقة، لم أعد مشغولاً بها، مثلما انتهيت من الانشغال بالسؤال حول كيفية كتابة الإيروتيكا”.
ما يهم يوسف في موضوع الإيروتيكا وعمله عليها، في هذا المشروع، هو استخدامه لكافة الدلالات الإيروتيكية، بالإضافة لاستخدامه أيضاً للألفاظ الجنسية الصريحة. يعتقد أن الإفراط في الكتابة عن الجنس يكون أحياناً طريقة لتحاشي قول أي شيء مهم عن الجنس: “حرصت علي استخدام أسماء الأعضاء الأنثوية كما نعرفها، في سياق الحب وليس في سياق الشتائم، وبالتالي تسترد هذه الألفاظ المحتوي الفضائحي الأصلي لها”.
في الرواية، يعيد يوسف اختلاق القاهرة، المعادي تصبح “درب الكلب” بحسب الراوي المهووس باسترداد الخلافة العثمانية. جزء من هذا كما يقول يرجع إلي اهتمامه بكتاب “اسطنبول” لأورهان باموق، الذي يعيد فيه اكتشاف المدينة ولكن كفضاء للذات ليس أكثر. أراد يوسف تجريب نفس الشيء مع القاهرة، فكرة أن تصبح المدينة شأناً ذاتياً بدون أن تفقد عموميتها. القاهرة التي يعرفها الراوي، من مكان عمله لمكان بيته لمكان لقاء أصدقائه، هي البطل هنا، مع تسميتها بأسماء مأخوذة من طريقة تسمية العثمانيين للأماكن، “الدرب” و”الخان” وغيرها. ترافق هذا مع إكليشيه الطغري، الذي جاء متماثلا مع خريطة القاهرة الشخصية لدي الراوي. والذي انتهي به الأمر إلي أن يري القاهرة كلها وكأنها إعادة رسم لختم السلطان. أما إعادة رسم القاهرة كلها، فلم يكن طموح الكاتب: “قد يكون هذا مشروعاً تشكيلياً موازياً للطغري”.
تنتهي الراوية بعثور الراوي علي صديقته يلدز، الذي يعني اسمها بالتركية “النجمة”، وعثوره علي النجمة هي أولي خطوات عثوره علي الرق المختفي الذي سيعيد الخلافة العثمانية كما كانت، بالإضافة إلي تعلقه بكلودين أخت يلدز، التي بدا إنه سيطور معها علاقة غرامية كاملة. علي الرغم من أن النهاية تبدو ظاهرياً سعيدة، إلا أن شيئا ما فيها يعطل هذا الإحساس. كأنها كابوس استيقظ منه المرء ليجد نفسه غارقاً في كابوس آخر: “لا أري أن النهاية سعيدة، رأيت أنه من المناسب إغلاق النص علي حدث غير حزين بدون الإشارة إلي أن هناك أي تغير للأفضل قد حدث. كان هذا جزءاً من البنية الدائرية للرواية. الراوي يفقد زوجته ليجد كلودين، يفقد المدينة ثم يجد مدينة أخري علي هيئة القاهرة العثمانية، يشعر أنه بلا أهمية ثم ينشغل في مشروع جبار لإعادة الخلافة الإسلامية، هناك حالة تحول دائمة من الفراغ للامتلاء، ولكن يغيب معها أي إيحاء بالتحقق أو السعادة”.
———————————————————————————-
يوسف رخا.. في “تسخير” انهيارات القاهرة الحديثة
إيمان علي
القاهرة ـ إيمان علي
غالبا، لا يهم توقيت صدور كتاب أو رواية. فأي معنى وراء الانشغال بأمر كهذا منزوع الدلالة إلا من اعتبارات السوق، والحديث عن تأثيره على عمليتي إنتاج العمل وتلقيه يكون من قبيل البحث عن “الكماليات”؟! لكن في مصر الآن، بدا بإمكان هذا السؤال الإفصاح عن إجابات أخرى ليست من بينها الاستهانة بعامل الوقت في العمل الإبداعي. مع رواية يوسف رخا الأولى “كتاب الطغرى.. غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (دار الشروق)، أضفت التغييرات الأخيرة في مصر التي صاحبت صدور الرواية طابعا خاصا على طريقة استقبالها وتناولها؛ طابعاً لا يدري رخا نفسه إن كان في صالح عمله أم بحسب تعبيره “سوء حظ تاريخي”. على أية حال كان موضوع الرواية نفسه المحفز الأكبر لهذا اللبس.
الحرج الذي شعر به رخا الكاتب المصري (وهو أيضا صحافي بجريدة “الأهرام ويكلي”) مع صدور “الطغرى” – الختم العثماني على الفرامانات – ولم يمر أسبوع على تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لم يمنعه من ثقته وهو يشرح بأن: “ما حصل لم يغير ما قبله، ولا يقتضي مني مراجعة أو إعادة الكتابة”. كتب بالبريد الإلكتروني للصحافة: “ولا مبرر لبجاحتي سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها”. اختصر رخا فكرة العمل في حفل التوقيع للرواية في مغزى واحد هو “السقوط”. فالتحللات التي حدثت للقاهرة الإسلامية وتحدث للقاهرة المعاصرة هي معادل تاريخي للانهيار على المستوى الشخصي ومخاض لفعل التثوير في آن، يقول: “اضطراب البطل مصطفى الشوربجي نتيجة لاضطراب المجتمع وخلله من حوله، بكل تداعياته: الإسلام السلفي مجسدا في شخصية أمجد صلاح، الطائفية، التوجه القومي، التربية الأزهرية، المجتمع الأبوي، وفي كل هذا الطبقة الوسطى”. ثم يعلق على تساؤل بطل الرواية “هل المصيبة في الانتماء؟” بأن: “سؤال “الطغرى” الأساسي في معنى أن تكون مسلما في هذا الزمن”! ربما يقصد “لعنة” أن تكون مسلما!
بدت رحلة مصطفى الشوربجي بطل رواية الطغرى للشعور بالأمان ومحاولة الفهم تجسيدا رمزيا للفعل الثوري في أكثر من صيغة: السخط من وضع قائم في محيط عمله وحياته الشخصية وانهيار زواجه بعد عام، ثم استبصار مؤامرة ما تحفزه على البحث وتربيط قطع “البازل” (يساعده تجلي شبح السلطان محمد وحيد الدين آخر خليفة عثماني)، لكي يصل أخيرا إلى هوية تناقض الواقع وتدفع الثمن في نفس الوقت. مصطفى صحافي متذمر وساخر من الأوضاع حوله، يقف على الجوانب الطريفة في أداء وفكر ولغة من يعرفهم، أسلوبهم وطريقتهم في تعاطي الحياة والدين، كلها كانت أدواته لتسخير متناقضات تغدو في كثير من الأحيان كوميديا مزعجة بالنسبة إلى قدرة البطل والراوي (القرين) الاستيعابية.
لكن مصطفى في أحداث الطغرى يحول مناسبة تعيسة هي “الطلاق” إلى نقطة انطلاق محفزة، رغم ألمها وقسوتها تصير تلك الحادثة طريقا ممهدة لمصطفى للتأمل واجتياز رحلة (مادية وفكرية) في الحياة والتاريخ والذات. في محاولة لاستعادة الأمان وإعادة اكتشاف وتسمية الأشياء واسترداد تاريخ مسلوب للقاهرة وهويتها الإسلامية، لم يكن مهما بالنسبة ليوسف رخا الوصول بالقارىء إلى نتيجة محددة قاطعة لهذا الاسترداد، يوضح: “الاسترداد يأتي باكتشاف المؤامرة، سواء بمعناها الواسع أو تلك التي أفشلت مشروع القاهرة الإسلامية والخلافة العثمانية، إذن الاسترداد ذاته فقد على مستوى ثان، لكن فيه جزء استيعاب”.
كانت النهاية الفانتازية لرحلة مصطفى لرسم خريطة خاصة بقاهرته “المنهكة” ملائمة لعبثية وتناقض اليوميات والتجارب ومغامرات الحب والجنس التي يحكيها الشوربجي في رسالة – من تسعة فصول – إلى صديقه “راشد السيوطي”. وكان يعايشها في مكتبه “القفس” بالجريدة الاقتصادية (يستفيد رخا كثيرا من حكايات وشخصيات محيطه الواقعي) وفي بيت الزوجية بالمعادي ثم عند أمه في الدقي، أو بين جلسات الزملاء في المقاهي و”مشاوير” السيارة ذهابا وإيابا بين كل تلك الأماكن. هل تعتبر محاولة يوسف رخا الروائية اكتشافا لسبل خيالية لاسترداد وطن على أعتاب ثورة؟ هذا التفسير أثار جدلا في حفل التوقيع، حسمه إجماع أغلب الحاضرين من أصدقاء الكاتب وكتاب شباب بأن “كل كتابة ثورية”، وأن “الثورة حالة واحدة فيما الرواية بطانة لحالات أوسع”، و”الكتابة حل أدبي مثلما كانت الثورة المصرية حل سياسي أو مجتمعي”. أما رخا فيعلق متهكما بأن روايته بـ”سبع أرواح”، تلقفت الخلافة العثمانية والإسلامية موضوعا وبإمكانها بذلك التعاطي بحذق مناسب للشغب العنيف الذي تتصدر به الجماعات السلفية المشهد السياسي المصري ما بعد الثورة.
في هذه الرواية، لم يتخل يوسف رخا كعادته عن خلط الشعر بالنثر والخطابات الأدبية المختلفة والاقتباسات في نص واحد، مما يجعله نموذجا معجونا “بالجنون الأدبي”. يفسر: “الفكرة في تجاور المقال والقصة والقصيدة من دون أن يكون الكتاب كتابين، وفي نفس الوقت مخالفة الفرامانات الستينية ضد المباشرة في الرواية”. إلى جانب الأسلوب الذي يسرد الأحداث داخل الرواية ويحاكي طريقة تأليف وتصنيف الكتب التاريخية القديمة، تكتمل ثورية يوسف رخا باللغة التي كتب بها “الطغرى”، فهو ينحت معادلا معاصرا لكتابات المؤرخين، تحديدا الجبرتي وابن إياس، بطريقة ينتشي رخا نفسه من تكرار التأكيد على أنها تختلف عن طريقة الروائي المصري جمال الغيطاني الذي يكتفي في رواياته التاريخية بإعادة إنتاج اللغة القديمة كما هي.
يبدو أن صاحب “الطغرى” مصر على استمرار اختراع طقوس الثورية الأدبية الخاصة به برواية يكتبها حاليا عنوانها “التماسيح”، وهي بحسب ما يخبرنا تحكي عن جيل التسعينات في الأدب وتبحث عن معنى أن تكون مثقفا أو شاعرا في هذا الزمن، يفضح يوسف رخا هذه المرة بعضا من الأحداث والتجارب الحقيقية ويجرب لغة فصحى صرفة هي أقرب إلى لغة شعر النثر.
دعني، ورذاذ البحر ينعشني، أحكي لك عن آخر مرحلة في جولة القاهرة الإسلامية، بعد المكالمة المصيرية هذه من قدام المسجد والدنيا تظلم… كنت في زقاق صغير متفرع من شارع محمد علي. قلت أتمشى إلى منطقة العتبة الخضرا وأنا هيمان هكذا من غير ما أفكر في الآثار، وبعدما أصل أكمّل مشياً أو أركب من هناك لشارع الجلاء… إلى أن وجدتني في هذا الزقاق الطويل لوحدي في الظلمة ومن ورائي الربع نقل: عربة بعد عربة بعد عربة نورها مطفأ ولا أي إشارة أنها تقترب أو ميعاد محدد لاقترابها. كيف كانت تتقدم هكذا بلا صوت؟ كأنها ماشية على قطيفة، ولا صرّيخ ابن يومين في أي اتجاه.
كنت أحس بالواحدة منها فجأة هكذا في ظهري، من قبل ما يسورني الكلكس الذي يضربه سواقها كأنه يخلّص حقه من الدنيا، فأرتبك وحاشراً جسمي بالعرض بين الأسفلت والعربات المركونة في ناحية واحدة من الطريق لأمررها، أنخض. من غير سبب واضح استشعرت حضوراً شيطانياً، كأن الحركة التي بدأت بسواق التاكسي الملائكي وتوسطها الأشقر أبو سبحة الذي تحس بقوته الغيبية دونما تعرف إن كانت أقرب للخير أو الشر لابد أن تنتهي بلقاء مع الأبالسة.
بدأت أتلفت ورائي وأنا مضطرب من الزنقة والاستعجال، ولا أرى للزقاق أولاً من آخر… كانت الأنوار قلّت لحد ما بقيت الدنيا ظلمة كحلْ. وحسيت كأني محبوس في مكان مريب وأريد أن أخرج ففضلت أمد لكن الزقاق ما كان ينتهي. فجأة كأن زاويته تغيرت أو مساحته اختلفت وبدأت أنتبه لوجود بيوت على الشِمال لكن حتى هذا، وسط القفر العام، لم يطمئني. سمعت خطوات ثابتة آتية في الاتجاه العكسي فرجعت، وقلبي يدق، أبطأت. كان الربع نقل لازال يأتي وراء ظهري يفزعني بالكلكسات. وساعتها، على أضواء جانبية خافتة جداً طلعتْ من شبابيك البيوت كأنما بالتحديد لهذا الغرض، بدأتُ ألمحهم:
سيل لا يبدو أنه سينقطع من السنيين الملتحين في جلاليب بيضاء قصيرة أو طويلة أو في قمصان وبنطلونات، رؤوسهم إما محلوقة أو عليها طواقي ملونة. كانوا يقطعونني بسرعة كل واحد لوحده أو كل اثنين معاً وبين وقت ووقت في جماعات صغيرة. وجوههم مكشرة وعيونهم مبرقة وهم يظهرون فجأة من وسط الظلمة ثم، بعدما يمرون من جنبي وأكتافهم تحك في كتفي، يختفون.
أغرب شيء أني كنت أسمع خطواتهم وهم آتون ناحيتي فقط: بعدما يقطعونني، مثل عربات الربع نقل تماماً، لا صوت لخطواتهم أبداً كأنهم ماشون على قطيفة. ساعات أسمعهم يدمدمون بصوت ضعيف فيما بينهم، لكنهم في العموم يبرقون لي وهم صامتون ولا يُلقون السلام. حسيت برعب حقيقي لما بدأ احتكاك الأكتاف يبقى عنيفاً يا أبا السيوط. مرة أو مرتين خبطني كتف معضل بقصد وأنا لا أتكلم. وفضلت أتنفس بصعوبة وأجاهد لأتحكم في حركتي لحد ما ظهرت أنوار الشارع العمومي.
على الناصية شفت آخِر واحد فيهم. كان ربعة برأس كبير مكعب، وتهيأ لي أن وجهه نسخة من وجه فستق. هو فقط بذقن واصلة إلى سرته ورأسه قرعاء، يرتدي جلابية لا تكاد تصل إلى ركبتيه ولا شيء يستر ساقيه من تحتها. كان لوحده – أنا متأكد أنه كان لوحده – لكنه كان يدمدم بصوت أعلى من الآخرين، وكان صوته عالياً كفاية لأسمعه وسط دوشة الشارع العمومي.
أسرعت، وكنت أظن أني تفايدته فعلاً لكنه رجع ظهر فجأة من جنبي. خبطني في كتفي خبطة مفترية وقال بنبرة متهكمة: «مصطفى كمال بيسلم عليك، ما تفتكرش إنه هيسيبك.» ولما استدرت بعدما أفقت من الخبطة كان اختفى في ظلمة الزقاق.
لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.
لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.
أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.
دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير
This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.
معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي، يكتب شعرا، ونثرا، ويرسم أعماله، ويصمم أغلفة كتبه، ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية، في كتابه الجديد “كل أماكننا” دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها، كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال، يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان، لكنه سيغير طريقته في التناول: “انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة، لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا، و”مش هتجيب” أكثر من ذلك”.
الكتاب الصادر عن دار العين، هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه، يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي: “ما يعنيني هو العالم العربي، لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني، أعني حضوره الثقافي المسيطر، لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها، وليست العروبة بمنطق سياسي، أما في روايتي القادمة “الطغري” اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية”.
يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال “كل أماكننا”، هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر، أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه، والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل، بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة، بغض النظر عن القواعد الشكلية: “لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل، لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها، وننتظر النتيجة، التي قد تكون في صالحنا، النص بإمكانه أن يكون متماسكا “، من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر غريب، رغم أن وجودها كشكل أدبي غير متأصل في التاريخ العربي، فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة، وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين: “كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي، فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية، مثلها مثل التليفزيون، كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة”.
يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة، بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة، وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان، مما يعني غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما: “ليس في غيابها مصيبة، أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة”.
نرجع للحديث عن المشروع القادم، فيخبرنا صاحب “بيروت شي محل” بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة، وفيها تلامس مع الفترة العثمانية، وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له “بورقيبة علي مضض” و”شمال القاهرة شرق الفلبين”، والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل، صحيح أنها رواية عن التاريخ، لكنها – كما يري – ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا.
في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة، المراوغة والموسوعية، يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية، وبالتالي تنزعج من العامية المصرية، والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية غير واقعية وغير عقلانية بالمرة، وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها – أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء – إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس، يقول: “استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية، خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي، لا أحاكيها ولا أتناص معها، بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها”، إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها، وهو ما لا يراه رخا ويناقضه: “كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع غياب مفهوم الصحافة وقتها”.
بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت 39 صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره، جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل، أسأله عن السبب، يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي – التحق بهذا المجال منذ 1998- وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش، أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة، لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره، يقول: “الكتابة طريقة حياة، ثم هي بالأساس مهنة، وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا”.
c.v
مواليد 1976
يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي
يكتب الشعر
نشر له “بيروت شيء محل” 2006- “بورقيبة علي مضض” 2008
يخوض يوسف رخا، بلغته ذات الجمال المتوتر المربك، تجربة ثالثة في كتابة الرحلة، ينطوي عليها كتابه الجديد “شمال القاهرة غرب الفيليبين”، الصادر عن “دار رياض الريس للنشر” ضمن سلسلة “الكوكب”. وفي حين كان قد خصص كتابا لكل من رحلتين سابقتين؛ إحداهما لبيروت (بيروت شي محل)، والأخرى لتونس (بورقيبة على مضض)، فإنه في كتابه الجديد يعرج على ثلاثة منعطفات، في بلدان ثلاثة هي المغرب ولبنان والإمارات.
الكتاب لا يبدو كتاب رحلة بالمعنى المتعارف عليه. هو بالأحرى سيرة ذاتية عبر الرحلة، تأمل الذات في مرايا الآخرين، وتمارين على اللغة، كيف تصبح متوترة. توترها ليس غاية في ذاته، بل هو انعكاس لحالة الذات، في محاولتها التعبير عن الروح، وليس النفس. ولأن الروح مما لا يمكن أن يعبّر عنه بسهولة، تأخذ لغة يوسف المتوترة في الكتاب مستويات عدة بين الغموض، والاقتضاب، والكشف الذي يصل حد التعري، والتكثيف الذي يرفع ملاءة اللغة إلى عنان السماء قبل ان تهبط، كأنها سحر، بدلالات محددة بجلاء.
يمكن تقسيم رحلات هذا الكتاب ثلاث حالات لرؤية الذات، الأولى في اختبار علاقة الزواج التي بدأت في المغرب عبر رحلة شهر عسل، امتدت ما بين الدار البيضاء وفاس إلى مراكش وطنجة، أما الثانية فهي تأمل علاقة عاطفية حسية غامضة يرتبط فيها البلد، لبنان، بكل الأسئلة الناجمة عن تعقيد تركيبته السياسية والاجتماعية. أما الحالة الثالثة فتجسدها رحلة الإمارات، وهي حال الوحدة والوحشة ربما، والأسئلة التي تتولد من مجتمع جديد لعيني يوسف رخا، تجتمع فيه الجنسيات من ارجاء العالم، فتتفاقم عزلته.
في المغرب، تبدو لغة النص متوترة، لكنها تنجح في نقل حس ضمني بالمرارة حينا، وبالألم والشجن مرات، ثم تنقلنا في مستوى آخر بين الواقع المضبب إلى مستوى الأحلام، وبحيث يختلط على القارئ موقع الحلم من تفاصيل الواقع. لكن الحلم يكتسب من الواقعية ما يرسخه، ويتحول الواقع، بغتة، لوناً من السحر. في مواقع أخرى، قد تنتقل اللغة، بتشظيها وقلقها، بين مكانين، هما المغرب والقاهرة، في مكتب مضجر في “الأهرام”. لكن المكان، بتفاصيله، لا يعني الكاتب في شيء، فهو ليس سوى ما تمرح فيه الروح بين الأمل والضجر والتأسي.
ثمة باعة حشيشة في الدروب، ووجوه أطفال مرحة في الطرق، وباحثات عابرات عن المتعة. ثمة وجوه واجمة في محطة القطار، وصوت ام كلثوم في الدار البيضاء، وبحث عن طيف شكري في سوق طنجة الداخلي، واستدعاء لدار غالية التي تصبح في وعي الكاتب كأنها بيت الزوجية، يقارنها لاحقا ببيت الزوجية الحقيقي في القاهرة. وثمة وجوه ومفردات بلسان أهل المغرب، يلتقطها يوسف رخا من هنا وهناك ويطلقها في كتابه كشظايا لا يربطها رابط، كأنها صدى متكرر لهواجس الكاتب ومخاوفه، عن الماضي واحتمالات تكراره.
الكتابة متشظية، تتداعى وفقا لما تستدعيه الروح من أحاسيس، وليس وفق منطق العقل الذي يتذكر رحلة. يتمكن يوسف رخا من هذا المنطق الجديد في الكتابة، والذي يبلغ ذروته في اللغة الجميلة التي يبتكرها في روايته الجديدة “كتاب الطغرا” التي نشر منها مقاطع متفرقة في دوريات عدة، واظن أن هذه إحدى أهم نتائج هذا الكتاب.
ملاحظات عابرة عن لغة المغاربة، وما يستغربه صاحب لهجة مصرية من مرادفات المغاربة في الحديث وفي العلامات، وعن معنى وجود النباتات في البيوت، لمن تربّى في بيت مديني للطبقة الوسطى في قلب القاهرة.
ما بدأ في المغرب، يؤدي بشكل ما إلى الإمارات، التي تبدو زيارة الكاتب لها نوعا من الهرب من مرارة لا نحتاج الى الكثير من البراعة لاكتشافها في نص المغرب، ومن اليأس المهني في القاهرة. لكن الهرب بدلا من ان يولّد الراحة المبتغاة، على الأقل من وطأة الذاكرة، فإنه يشعلها بالمقارنات التي تفرضها حالة المجتمع الإماراتي.
نص الإمارات يفتح اسئلة عديدة عن معنى الوطن والمواطنة في كل من مصر والإمارات، وأخرى عن الثقافة، المسلّعة المجلوبة المستوردة، مقارنةً بغيرها مما يثير الضجر.
في الأساس تتسع اسئلة المكان – الوطن، عبر ظلال المكان ذاته واهله، الذين يظهرون على استحياء، وعبر المقيمين الذين يشكلون نسيجا متنافرا، وعبر الذاكرة التي تستدعي المكان الاساس، كأن مصيرنا (وقد اشار الكاتب إليّ في أحد المواضع)، هو ذلك القلق المستمر بين اماكن إما أنها لا تعبأ بنا وتضجرنا تناقضاتها على الرغم من كونها أوطانا، وإما تلك التي تعاملنا بصفتنا أغرابا.
لكن توتر اللغة المبني على توتر الروح في ظني، كثيرا ما أدى إلى إطلاق احكام لا يطلقها سوى العابرين، أو الضجرين، أي أنها تبدو انفعالية اكثر من كونها مراقبة واقعية للمكان في سياقه هو، وتاريخه هو، وظروفه.
الرحلة في ما أظن، تقتضي من العابر أن يخضع لشرط التكيف واعتبار نفسه من المكان حتى يتمكن من رؤيته، وإلا مرّ عابرا، ولا أريد ان اقول أعمى.
لا أظن أن يوسف رخا كان مكترثا لذلك، فهو من بداية النص يذكّرني بجزء مما كان يردده ستلمان، أحد أبطال رواية “مدينة الزجاج” لبول اوستر مع المخبر السري كوين: “لقد تشظى العالم يا سيدي. لم نفقد شعورنا بالهدف فحسب، وإنما فقدنا اللغة التي يمكننا بها الحديث عنه. وتلك بلا شك موضوعات روحية، ولكن لها ما يناظرها في العالم المادي”.
في موقع آخر بين البطلين الغريبي الأطوار، سيعود سيتلمان الى القول: “إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم. فعندما كانت الأشياء كلا واحدا كنا نشعر بالثقة في ان كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت فوضى، ومع ذلك ظلّت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد”.
هكذا يبدو لي نص يوسف رخا، في محاولته التعبير عن اضطراب العالم وانعكاسه على مخاوفنا ونوازعنا وقلق أفكارنا، الى الدرجة التي تبدو معها الكلمات كأنها تشويه ما يتم طرحه، وتحويله ركاماً مضطرباً.
هذا بالضبط ما وجدتني أهتف به لنفسي كوصف لنص يوسف رخا في هذا الكتاب عن بيروت. لقد أربكه وضع المكان بحيث انه لم يعد هناك جدوى لأي كلمات لها معنى واضح ومستقر ان تعبّر عنه. تماما كما تبدو قصة الحب العابرة التي يعبّر عنها النص.
هل يضيف يوسف رخا جديدا إلى كتابة الرحلة أو عن البلدان الثلاثة موضوع الكتاب؟ بالتأكيد لا. لكنه في المقابل يقدم نصا فنيا تجريبيا مهمّا على تخوم الرحلة وفي قلب موضوع فقه اللغة في تعبيرها عن شتات الارواح.