لا شيء هناك،
لا شيء أبدًا.
الغرفة تتقيأ الموت وبقايا الطعام المتعفنة منذ أسبوع.
رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).
الشخص الثالث
“نملية” مطبخها عامرة بالمسلّمات. لكن هناك دُرجاً أعمق من إحساسها بالصواب، مخصصاً لبذرة الرجل الذي ترى في وجهي كيف خيّب رجاءها قبل أن يموت (لولا ضرورة الخروج من بيت أهلها، لماذا كانت ستحمل بذرة هذا الرجل بالذات؟ ولولا أنه يرى الإنجاب جريمة، هل كانت ستكتفي بطفل واحد؟) في شعلة سخان الغاز-مصانع القوات المسلحة، نفس غيظها من “دش” مؤجل منذ أدركتْ أن هذا الرجل، فتى أحلامها الوحيد الممكن، يراوده الانتحار. وبماذا كانت تحس وأنا أستنشق النهد العبقري لحبيبة تكرهها في الغرفة المجاورة؟ حين تكتشف كم من النقود أنفقتُ في ليلة واحدة، وأكون لازلت نائماً في الرابعة مساءً، تغضب على رَجُلِها قبل أن “تلوشني”. ويظل تشنّج نبرتها حتى يذوب القرف على وجهها في حزن يكبرني بثلاثين عاماً. أتذكر أنها فعلاً أحبته، ولا شيء بعده في البيت أكبر منها سناً. فأسترجع التنهيدة التي ترسلها كل ليلة وهي تُخرج الزبالة، متفننة في حماية الأكياس البلاستك من القطط الجائعة حتى لا يتسخ مدخل الشقة التي لم تكن أبداً برجوازية بما يواكب تطلعاتها. وأسأل نفسي بحيرة: هل يقرّبنا أم يبعدنا الميت الواقف وراء الباب؟
أفان تتر:
تدريب خاص على إتقان الخسائر
خاصة فيما يتعلق بالأنا العليا
دورات مكثفة في تحمل المرارة

أنا المهجورُ كمحظيةٍ، بعد ليلةٍ طويلةٍ من الشَبق – كعقبِ سيجارةٍ مُطفأة في فنجانِ قهوةٍ لم يكتملْ، على سطحِ سفينةٍ غارقةٍ منذ مائةِ عامٍ؛ أو كجرمٍ صغيرٍ في مدارهِ المقفرِ، وحيدًا يئنُ كصغيرِ كلبةٍ يعوي في الليلِ – أكتبُ الشعرَ على تذاكرِ المترو المتَكَلسَةِ بفعلِ العَرق، ولفافاتِ التبغِ، وبقايا قوائمِ الطعامِ المهترئة. ألُفّ بها أعضَائي المقطوعةَ والمشوهةَ، وأبيعُها على النواصيَ وفي أسواقِ النخاسةِ، وحوانيتِ الخردةِ، بجوارِ من يبيعونَ الحُلم. يطلُ عليّ كافكا من العدمِ كعازفِ كمانٍ. بزيٍ ريفيٍ وشاربٍ كَث ووجهٍ أقل كآبة يَبدأ العزفِ، فينشقُ فنجانُ قهوتِي عن فأرينِ يبتذِلان الرقصَ على طاولتي. أتقزَزُ مِنهما، تتقيأ رأسِي كل ما تحوِيه من قُبح. يمتقعُ وجهِي وتتَجَعدُ دقائِقُه، ويزيدُ عمرِي خمسين عامًا. أصيرُ بائعَ ورقِ لوتَرِيا في ميدانٍ عامٍ ببارِيس، ويَقبِضونَ عليّ بتُهمةِ الحُلمِ. فينَتَهي بيَ الحالُ مَصلوبًا يأكلُ الطيرُ مِن رأسِي فَلا يَشبعُ، ولا أنتهي.
إسلام حنيش

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18
***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي.
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة.
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج.
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي.
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر.
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً
ولماذا لا أكون جارا لك
يعيش في الشارع الخلفي
في عمارة ظهرها لعمارتكم
وذات يوم
تقوم ثورة في مكان من المدينة
ويلغون العمل بضعة أيام
وتنزلين لتتجولي في الحي
.
الشارع الخلفي هادئ
مجرد سيارات متربة في كل مكان
ورائحة دافئة من مخبز لا ترينه
وموسيقى والعمل ألغوه
ويمكن أن تبحثي الآن من أين هذه الموسيقى
.
إنما زواج!!
وطفل يوقظك ليلا
ليريك أسراه المريخيين
وطفلة تخوض في ماء على الرصيف
وننهرها لأنها وسخت قدميها
فتقول “اغسلوها لي”
.
بالكثير ستسألينني عن الموسيقى
ـ “فيفالدي”
.
وأن تجربي الكمنجة
ـ “طبعا”
.
والعمل ألغوه
والحكاية كلها عشر دقائق في شرفتي
أو قولي ما يكفي لكوب شاي
مع بسكويت بالبلح لا يزال ساخنا
أو حتى يا ستي ساعة جنس
في هذا الصباح الشتوي الدافئ
تذهبين بعدها لحال سبيلك
.
جميلةً
خفيفةً
متوردة الخدين
ولست أرملة؟

photo: Youssef Rakha
؏
ساكتٌ، قاعدٌ، راكنٌ ظهري إلى الحائط خلفَ الباب
عيوني تدور كأنما تتبعُ فراشة تحومُ حول المصباح؛
وأهلي في اضطراب من سكوتِي
أمي تُعدُّ لي الكمّادات والذي منه
أخي خرجَ ليبحثَ عن طبيبٍ “شاطرٍ”
وعاد إليَّ بشيخٍ ينفثُ كسحليةٍ آية الكرسي في كوبِ الماء
يمسكُ قبضتي، يفتحها إصبعاً إصبعاً؛
ويضعُ في كفِي كوبه “الألّاوي”
يصكُّ أسنانه ويقتلعُ حرفَ الشِين من بينِ لسانه وحنكهِ الأعلى
- اشرب يا ولدِي، وسَمِّ الله
لا حراك
يقعُ الكوبُ فينكسرُ؛
فتهربُ نملة من مائهِ؛
وتشربُ الأرض حروف الله دون أن يتشقق البلاط!
يحاول صاحب اللحية بمسبحةٍ أن يدغدغني
لا حراك
كفاه خوذةً حول جمجمتي
يقرأُ ما تيسر من القرآن ويضغط
لا حراك.
الشيخُ على ركبتيهِ أمامي
العائلة حولنا كإسورةٍ تدور
عقربُ الساعةِ يتحرك
وحشرجة لبابِ الغرفة
إذ تطلُّ أختي بنصفِ رأسها من خلفِ البابِ لتطمئن
منفضة السجائر الممتلئة على آخرها وقعت
الرمادُ يطير
ابنة أختي تنسلُ من يدِ أبيها وتسيرُ “دادا دادا”
تخرجُ من الغرفة
ومن شقٍّ طوليٍ بين البابِ وإطاره، تبعتها بعينيَّ
تسيرُ “الدادا دادا”
إلى أينَ تذهب؟ أقولُ في سري؛
تذكرتُ الدَّرَجْ
صرختُ بأعلى صوتي البنت والدَّرج البنت والدَّرج.
ذهبت العائلة كلّها تجري؛
وتركوا لي الشيخ وحده
فقلت له : كُس أمك.
.
محمود المنيراوي
دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون
خالد السنيدوني
.
إلى صديقي الحزن
لم أكن أعرف
أنك من مواليد فبراير 1966
فبراير الممطر
حين تجتهد الارواح كي تطرد الشجن فلا تستطيع
هل تعلم
أنا وأنت فتحنا أعيننا على العالم في مهد واحد
هل تذكر
كانت الحمائم تختبئ من المطر
وكنت أختبئ من العالم
وذات يوم من تلك الايام المفعمة باللعب
وتحت غطاء دافىء التقينا كما يفعل الأطفال
دائما ما جمعتنا البراءة في اقسى صورها
أنا لا أنسى كل وقت قضيناه معاً وكل رحلة
كل فرح قتلناه بمهارة
كل نظرة ، وكل أمل رفرفر عاليا وسقط عند مرمي البصر
كل طائر طاردناه
وكل سمكة مسكينة اصطدناها بعد جهد جهيد
ثم تركناها وراءنا على الطريق
ملقين اللوم على قدرها
أنت تعرف أنني كنت قد نزرت حياتي للأوهام
أعرفك أنني قد أصبحت شهيرا
ومدينة بعد اخرى تطلبني بالاسم كي تتذوق دموعي
صديقي الحزن
أنت تعرف كيف يمكن أن يكون بشعاً هذا العالم
أنت أخبرتني ذات مرة بنظرة لاتنسى
أنت وحدك يمكن أن تدرك ذلك الأحساس
الإحساس بأن العالم ينساني رويدا رويدا
العالم الذي إجتهد ذات يوم كي يأتي بي
ها أنا
منذ فقدت غفلتي
تظهر لعيني ملامح العدم
للعدم حياة مثل هذه
في العدم شوارع وسيارات وضجيج ،
بيت وأشجار ، زحام ومواعيد
في العدم فرح لا أراه وحماس لايخصني
في العدم جدال وصمت
وأطفال أخاف على مستقبلهم
في العدم ابتسامات ودموع
وفي العدم آمال
.
رسالة إلى البحر
سمعت
ماتريد أن تقوله
سمعت ما تقوله دوما
سمعت الذي لا تقول غيره
سمعت
ماتقوله لكل جيل وكل عائلة
وللوحيد المتوحد
سمعت
الذي تقوله بصوت حكيم يهمس
وأحياناً بطيش مراهق
يغرق المقاعد ويفسد الطعام
سمعت
ما تقوله بلغة الحب
عندما تلتقي نظرات المراهقين العابرة للحظات ويرتجف الزمن
تلك اللحظة التي صنعت موسم المواسم
وكل المواسم التالية
سمعت ما تقوله بلغة المجانين وجسدك مدهون بالسواد
و قرص الشمس الأحمر في فمك
سمعت الذي تقوله بلغة الذكريات
سمعت
فابتسمت وبكيت
.
رسالة إلى أصدقائي
في اليوم الاول من عودتي إلى القرية
خجلت أن أذهب الى الملعب
في اليوم الثاني ذهبت باكراً
فلم أجد أحداً أعرفه من جيلي
في اليوم الثالث ذهبت فوجدت أعز أصدقائي
احتضننته بقوة وتذكرت معه الايام الخوالي
لكن حماسي فتر عندما ناداني باسم أخي
الكثير يمكن أن يحكى عن السفر
لكن الغربة أسطورة لاتحكى
.
رسالة إلى صمتي
أنت حقل مستباح تحت الشمس ،
أنت المكان الوحيد الذي تتقافز فيه كلاب الحي مع طيور السماء
أنت قلعة حصينة بنيت فوق جبال من وهم
لا يدخلها أحد ، لا يخرج منها أحد ،
ولايعرف أحد.. من بناها ؟
أنت ممر فخم لعلية القوم
ومسرح يتقافز عليه الرعاع
تظهر اضواءه من بعيد
في ركنه المظلم يضحك البؤس
أنت وليمة أقيمت منذ زمن
من طعام المقيمين
من بقايا الرحل
أنت غصن في شجرة الخلود
يهنز على الدوام مدلياّ ثماره
تركها من ترك وأخذ منها من أخذ
أنت عصا في يد صعلوك
يشير بها هنا وهناك
وسيف من ذهب حارب به الملوك
سيف حسم وأنهى كل أمر تافه وكل أمر جلل
أنت ..عقيدتي..
لهب مقدس ينتصب في خزانة
يرفض أن ينطفأ
.
رسالة إلى القدر
رغم صراعي المرير
مع الخوف والإكتئاب لمدة عشرين عاماً وحتى تاريخه
دون أن يعلم أحد في العمل أو في العائلة
فإنني ممتن
ممتن لأمي
كل الإمتنان
.
خالد السنيدوني
.
أهلاً بشعب
محمود المنيراوي
.
؏
.
علّمونا (ويا ليتهم نفخونا) أن نحب بلاداً
لا نراها، أن نصطفَ كأباريق الجوامعِ صباحاً
نقول النشيد بعيونٍ نسيناها في السرير
أن نعلّق صوراً لشهداء لا نعرفهم، ونحن نرسم
العلم بالأبيض والأسود؛ أن نحتفل بيومِ أرض
ضاقت بنا؛ أن الأرض رملٌ وبيتٌ أو حظيرة؛
أن السلام سيفٌ يقطفُ رؤوسنا والنصرُ دمٌ يسيل
من فروجِ نسائهم؛ العلمُ سلفي برجلٍ مسلوخة
والمرأة ضلعٌ مخلوع من شجرة؛
الهزيمة (إن شاء الله) يوم القيامة
وباب المدرسة مخلوع لأن مظاهرة مرّت
فأهلاً بمظاهرات تسرقُ بلاط منشآتنا العامة
أهلاً بشعب مُختار لركوبِ الحمار
؎
أيامنا “هوليداي” عدا الجمعة، حين نصلي
لـ”حكاوتي” يحبُ ابن الخطاب ولا يعرفُ شيئاً عن “كلينتون”
غير “مونيكا”؛ وإن آتيت الدُبر كأنما تزرع شجرة تفاحٍ
في صحراء. محمد سيدنا يقولُ إنا سواسية.
والموز لا يدخل إلا بيت ديوثٍ. أما الخروج على الحاكم
الخارج على شعبهِ ردة؛ والله لا يقبل الصلاة
بالمناكير! خيرُ أمةٍ أخرجت للبكاءِ واللطمِ
قوم يصبون الزيت المغلي على أجسادهم ثم يسألون
بضعفِ مهرج لم يضحك جمهوره ما بالنا صرنا عظاماً
وهياكل أساطير تغبّرت بالنسيان، يزورنا سياحٌ ملونون
من كل فجٍ، كأننا فاكهة تساعد على هضمِ التاريخِ
أهلاً بنا وبلوننا المجروح، بمعاركِ العبيدِ على الطاعة
وبصاحب “الجلابية” في زمنِ المارثون
؎
أهلاً بشعبٍ كلما أخذ على قفاه انتصر
شعب عجين كيفما أرادوه كان
شعب مُعلّبِ في القضية
أهلاً بسلع تُباعُ
بملحِ الدعاء
.
إلى أحمد يماني
قبل الفجر بقليل أخرج من المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة بحثاً عن نصبة جرائد لعلني أجد المجلة التي فيها صورتي. أمشي طويلاً في شوارع دامسة وأمر بأكشاك أسأل القائمين عليها لكنني لا أعثر على ما أريد. ليس معي أحد في المقهى: تركت اللابتوب مفتوحاً على الطاولة وفي حقيبتي المعلّقة على ظهر المقعد من أمامه مفتاح البيت وبطاقة هويتي. ومع ذلك عندما يقف لي تاكسي أبيض أركب جنب السائق على الفور ويقود السيارة في شوارع مشتعلة كأنما بضوء النهار لكنه ليس سوى عواميد النور البرتقالية وقد زادت كثافتها بصورة فظيعة. تمر ساعة أو أكثر ونحن صامتان ثم يتوقف في مكان ليس دامساً وليس مشتعلاً وعندما أناوله الأجرة يفتح سستة بنطلونه ويُخرج عضوه الأسود المنتصب. وكأنني عدت إلى حيث المقهى المفتوح أربعاً وعشرين ساعة أجدني وسط جماعة من الشباب الذين يتحلقون كل ستة أو سبعة حول سيارة تطلع منها موسيقى “ترانس” ويتكلمون فيما بينهم أو يقفون صامتين. أحس أنهم أصدقائي أو أنني واحد منهم لكنني أستغرب من أننا كلنا ذكور ولا فتاة أو امرأة بيننا وأتذكر أنني لم أر امرأة واحدة لا في المقهى ولا في الشارع ولا حتى في خيالي. ثم ألمح حقيبتي التي فيها مفتاح البيت والبطاقة على كتف واحدة منقّبة تمد الخطى على الجانب الآخر من الطريق وطرف اللابتوب بائن من فتحة الحقيبة. أحاول أن ألحق بالمنقبة لكنها تدخل في تاكسي أبيض يقف لها وينطلق وحيث أتوقع أن أرى صورتي في المجلة أجد صورة فتاة عارية سرعان ما تظهر راقدة على طاولة المقهى تتنهد مملّسة على جبيني ويبتل مهبلها وهي تقول: أليس شيئاً كريهاً أن تكون رجلاً في هذه المدينة؟
(c) Youssef Rakha
14-
أتمرن على ركوب الموج في صحراء
أعاند المد والجزر
فلا أتوه ولا أصِل
والرمال التي تحملني تبدل غربتي بألفة
حتى أصير أشبهها
وتجعل أمواجها أرضاً لي
تدفعني بقوة فأقول
“اللا جدوى هي اللا جدوى”
بلا يقين أكثر من أني لا أعرف معنى هذه الجملة
غير أني حين أكررها
أفر لأسكن أمنيتي البرتقالية
يغمرني سكرها المالح
فأتذكر
أن حزني القديم
هو مُبدعي
لكنه لا يمكن أن يكون زهوي
15-
ليس ثمة طريق يكسو الأخضر جانبيه حتى النهاية
أم ليس ثمة نهاية لطريق؟
أعرف أن صحرائي بعيدة
لكني لا أمل عد زجاجات المياه بعد كل خطوة
لأضمن أني سأتجاوزها
ما لا يمنع من مواصلة المشي
ساحبة طريقي ورائي
خفيفًا ومرتاحًا
ينتفض من النسيم
كستارة نافذتي
آية نبيه
مارس – 2012

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح
دم
مستشفي الدمرداش تحتاج الآن
لكل فصائل الدم
علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه
إلي مستشفي الدمرداش
استغماية
معتصمو الدفاع
يطاردون البلطجية
في الشوارع الجانبية
أهم حاجة
لو حد حيجيب امدادات للميداني
أهم حاجة حالياً
إبر وخيوط
جراحة،
هولدر،
شاش قطن بيتادين فولتارين
حقن،
آنتي بايوتك
سبراي
تعويذتان ضد التأسلم
(١)
أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل
المستعيضون عن الأخلاق بلحية
الخائفون من وجوه البنات
تعبئّون الله في أجولة
وتهيلونه على الأحياء
أنا العلماني الكافر
أنا المرتد العميل
سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه
أقض مضاجعكم بالخيال
(٢)
نحن أبناء أباليسكم
يا من تكتفون بأسماء الأسماء
سنظل نذكّركم
بأن المئذنة قضيب والقبة نهد
والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين
يا من تكتفون بطقوس الطقوس
نحن ملائكة متخفون
وقد حلفنا أن نلفظكم
عند أول إشارة مرور
في الطريق إلى الجنة
جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً
نصائح ملك الموت إلى ثكلان
بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين
هل نفد صبرك في دقيقة؟
اسمع
لا شيء في الكون كله يرحمك
لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك
اجلس قليلاً
ولا تثقل علي
لا تجعل فجيعتك نداء إلي
وأنت تعلم
أنني عبد المأمور
أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية
مضاعفاً ألف مرة
لا تظنني أملك معنى لشيء
فحيث تصبغ الأسفلت الدماء
لا أرى سوى بقعة داكنة
وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه
كل من كان مثلك
أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة
ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم
لأنني أعرف وجعكم كاملاً
حتى في أشد اللحظات لذةً
كل ما أستطيع أن أعدك به الآن
أنك حين تنظر
لن تجد للفقيد أثراً في السرير
وكخدمة إضافية مني
لن تجد سريراً في الغرفة
بل لن تكون غرفة هناك
إلى أن تمسي بلا شيء أمامك
لا شيء مطلقاً
وكل ما أطلبه في المقابل
تذكّر
أن الحياة ليست سوى انتظاري
أنا الذي أطحن القلوب طحناً
ولا أستريح برهة
من سماع نبضها
البلد
إلى مهاب نصر
كل هذه السنين يا صاحبي
وكأننا هنا عن طريق الخطأ
ننتظر حتى تَفرغ الشوارع
لنقود مركبات غير مرخّصة
ونواجه جنود المعابر
بالضحكة الصفراء والنقود
نحلم بأماكن ولو وُجدت
نحن لا ننفع لها يا صاحبي
مضطرين أن نخالط التماثيل
أن نبادلهم حديثهم أن نندس وسطهم
بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى
وبرؤوس منكّسة في بيوتنا
نعتذر عن ارتياد المحاجر لنجرّب التكاثر سراً
ونبكي سلالتنا المهدّدة
كل هذه السنين حتى نجرؤ
على إعلان أننا لسنا تماثيل
لنسقط مقطوعين على قواعدهم
ميتين برؤوس مفلطحة
بعيون معصورة كالمحار
بثقوب في عظامنا
كيف يا صاحبي كل هذه السنين
ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة
“الصحراوي” ليلاً
“بلاي ستيشن” والهدف – بلا ضوء –
أن تظل سائراً
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع أن أنظر إلى وجهها –
هذا هو طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي و
كم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق
نيرون يوم الحريق
إلى الهوب
“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣
إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك
في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء
تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة
أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب
أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج
ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة
إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ
***
لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد
سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات
ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة
وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق
أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق
مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات
أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف
***
لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى
ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس
مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها
ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد
ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك
أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح
المهم أن لا تعود ترى وجه النشال
***
حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس
مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”
ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة
يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي
من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا
أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي
لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها
***
الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم
هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً
بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة
وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق
بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”
اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات
تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.
***
ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما
ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه
نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك
إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة
اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق
وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً
أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي
***
إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”
الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”
والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم
في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني
ويخبئ شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة
افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك
ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق
الثورة بجد
عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج
“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”
أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري
ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة
أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً
يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم
***
وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي
عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:
الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!
***
وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول
مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين
ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية
بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل
***
ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير
لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي
هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟
***
مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل
هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر
المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…
الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه
***
أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير
ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو
أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!
***
من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا
أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى
وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟
***
عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح
وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص
جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً
الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل
***
نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي
أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها
وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر
أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل
يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير
مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!
الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً
وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة
فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة
يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:
سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة
***
أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت
لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو
حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين
لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.
٢٠١١
فبراير
بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.
إبريل
السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.
يخطر لي أننا هنا من زمان
في منتجع ليس كالدنيا
يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال
علامة أنهم دفعوا
حق كل ما يمكن أن يجرعوه
وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية
أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون
أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف
وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط
ذلك الذي لا يمكن خلعه
بلا آلة قاطعة
في منتجع لعله كالدنيا قليلاً
فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت
واصطحبت شعباً باكياً
إلى حيث سفينة واحدة بيضاء
تقسم الأفق نصفين
***
برتقال الشمس حليب الهلال
وفي الليل كل النجوم
الطعام ليس طيباً رغم كل شيء
لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم
وكلهم كلهم يرتدون السوار
كأن ليس لهم رأي في الحكاية
في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها
أعثر على لون المياه
فيما أنتظر قدح قهوة
غير مدرج في حقوق الإقامة
وأتابع الأرسغ المطوّقة
ختم يجُبُّ حتى الحجاب
في استطاعته أن يقول عنك شيئاً
بينما أنت ساكن كالمناشف
والدنيا بعيدة وسافلة
***
يخطر لي
أننا معتقلون في الصحراء
كفوا عن تعذيبنا من سنين
واكتفوا بمتابعة أيامنا
عوضاً عن الاعترافات
وهم يلهوننا بالغناء والسباحة
يعلمون متى نأكل أو ننام
أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي
وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق
سوار برتقالي في رسغ كل منا
يعرّفهم مَن نكون
يخطر لي
أننا حبساء مصحة عقلية
يجمعنا وهم مشترك
إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ
أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح
فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل
ولا أمل في العودة قبل أن نموت
سوار برتقالي يحدد إقامتنا
ويُعلِم العاملين أننا مرضى
لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة
***
في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي
نراهن على مشروب مثلج
أو مباراة كرة طائرة على الرمال
بينما السوار في رسغنا
والموجة تبتعد

© Youssef Rakha
نصائح ملك الموت إلى ثكلان
بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين
هل نفد صبرك في دقيقة؟
اسمع
لا شيء في الكون كله يرحمك
لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك
اجلس قليلاً
ولا تثقل علي
لا تجعل فجيعتك نداء إلي
وأنت تعلم
أنني عبد المأمور
أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية
مضاعفاً ألف مرة
لا تظنني أملك معنى لشيء
فحيث تصبغ الأسفلت الدماء
لا أرى سوى بقعة داكنة
وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه
كل من كان مثلك
أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة
ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم
لأنني أعرف وجعكم كاملاً
حتى في أشد اللحظات لذةً
كل ما أستطيع أن أعدك به الآن
أنك حين تنظر
لن تجد للفقيد أثراً في السرير
وكخدمة إضافية مني
لن تجد سريراً في الغرفة
بل لن تكون غرفة هناك
إلى أن تمسي بلا شيء أمامك
لا شيء مطلقاً
وكل ما أطلبه في المقابل
تذكّر
أن الحياة ليست سوى انتظاري
أنا الذي أطحن القلوب طحناً
ولا أستريح برهة
من سماع نبضها
(download if you like)
إلى مهاب نصر
كل هذه السنين يا صاحبي
وكأننا هنا عن طريق الخطأ
ننتظر حتى تَفرغ الشوارع
لنقود مركبات غير مرخّصة
ونواجه جنود المعابر
بالضحكة الصفراء والنقود
نحلم بأماكن ولو وُجدت
نحن لا ننفع لها يا صاحبي
مضطرين أن نخالط التماثيل
أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم
بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى
وبرؤوس منكّسة في بيوتنا
نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً
ونبكي سلالتنا المهدّدة
كل هذه السنين حتى نجرؤ
على إعلان أننا لسنا تماثيل
لنسقط مقطوعين على قواعدهم
ميتين برؤوس مفلطحة
بعيون معصورة كالمحار
بثقوب في عظامنا
كيف يا صاحبي كل هذه السنين
ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة
(download if you like)
ذَكَري على الأرض بين قدميها
بعد يومين – تقول لي، راجية أن لا ألفت إليه انتباه الخادمة – ستكون الخادمة نفسها هنا من جديد. لا، لا، لن تكنس ذكرك. فقط لا يجب أن تراه
فجأة يخرج عِرق نافر من جانب ذكري. كدودة مستميتة يشب على كعبها. يحاول أن يتسلق ساقها.
سيكون هناك أطفال – تُواصِل، وأنا أحاول أن لا أنظر إليه – وزوج هو أبوهم، وأب صار جداً فخوراً، لم لا؟
وكعادة البيت الذي لا أحسني غريباً عليه رغم كل شيء – فكرت – ستصخب الأركان بأشخاص أفهمتني أنهم أصدقاؤها. أنهم بريئون وضروريون. ومثل إخوتها المدعوين إلى وليمة بدأت الخادمة في تجهيزها، لن يدوسوا على ذَكَري. فقط لا يجب أن يروه
لكنني رغماً عني أرى العِرق النافر. كدودة مصممة على الحياة، يتشبث بالكعب. ببطء مميت يحاول أن يتسلق ساقها