قصيدة النثر

١٤ من مآثر الذائقة الأدبية العربية (المصرية) المعاصرة: داخل الدوائر وخارجها وعلى حدودها كمان

2013-09-16 16.41.00
  1. إذا اختلطت العامية بالفصحى أو حصل أي شغل على لغة الكتابة غير النحنحة الشاعرية و/أو الاستظراف الصحفي يبقى فيه مشاكل في الأسلوب (بفتح الهمزة طبعاً)
  2. إذا تحدثت عن دوافع الشخصيات أو جعلت الشخصيات تتحدث عن دوافعها يبقى إبداعك التبس بحكم القيمة وإنت بتمارس الإدانة الأخلاقية والتورط الأيديولوجي، وهو الأمر الذي يضعف العمل ويقلل من قيمته بطبيعة الحال
  3. إذا صرّحت برأي (سياسي أو اجتماعي أو جمالي) أو صرحت إحدى شخصياتك برأي فيبقى إيه ده، دي كتابة مباشرة قوي يا أخي
  4. إذا كان في العمل أحداث، وبالذات لو كانت أحداث خيالية، تبقى كتابة تقليدية و/أو إفراط في الصنعة على حساب صدق العاطفة وعفوية العبارة الملهمة (بفتح الهاء)
  5. إذا وضّحت تاريخ الأحداث أو مكان حدوثها أو أي تلاتة ميتين أم أي معلومة مفترض إن القارئ يبقى عارفها عشان يفهم السياق، لأ عيب
  6. إذا كنت بتفهم في الأدب، لازم تكون بتعرف لغة عربية زي الفقي بالظبط؛ أو العكس: إذا كنت بتفهم في الأدب، أكيد ما بتعرفش تكتب جملة على بعضها صح
  7. فاروق جويدة بيكتب شعر تقليدي، وكل مشكلته يعني إنه تقليدي. وأدونيس رغم عمق وعبقرية شعره إلا إنه مش مستساغ عند العامة للأسف – حتى عامة قراء الشعر على فكرة اللي هما مش عامة خالص – بس ده عيب هامشي يعني (بعبارة أخرى: اللي بيكتبه فاروق جويدة ده شعر؛ أدونيس ما هواش عرضحالجي بيستمني في بير السلم)
  8. قصيدة النثر يعني تكتب أي كلام على الإطلاق بس تقسمه سطور وتحطله التشكيل ولما تتكلم عنه صوتك يتحشرج وإنت بتقول “الشعر”
  9. التريقة على الكليشيه/الكيتش المفترض ما هياش في حد ذاتها كليشيه/كيتش أبضن تلاتين مرة من الكليشيه/الكيتش اللي هي بتتريق عليه
  10. بلال فضل كتابته بتضحك (كاتب ساخر)، وعلاء الأسواني بينقل صورة مقنعة للواقع (كاتب واقعي)، ويوسف زيدان أديب (كاتب كبير)
  11. البلاغة يعني الفصاحة وبما إن الفصاحة حرام فيبقى البلاغة تودي النار
  12. الأديب شخص مسيس (في الحياة)، لكن الأديب الحق ما يتكلمش أبداً في السياسة (في كتابته)… إلا إذا ضرب مقالة شبه الأبحاث الأكاديمية بس ما هياش بحث أكاديمي طبعاً: ساعتها بس ممكن ينوّرنا باستيعابه للتاريخ
  13. أنا قلبي مساكن شعبية.

Continue reading

عادل أسعد الميرى عن التماسيح، مع معرض افتراضي من خمس صور

«تماسيح» يوسف رخا: الصراع الخفىّ والعلنىّ بين الأجيال المختلفة للشعراء المصريين

نشر في جريدة التحرير 27/5/2013 . اقرأ أيضاً: تهامة الجندي، روجيه عوطة

wpid-img_0999-2013-05-27-16-15.jpg

«التماسيح» ليوسف رخا رواية جديدة فى الشكل والمضمون. أولًا من حيث الشكل أنت كقارئ مشدود من البداية للنهاية، إلى تلك الفقرات المتتالية التى تتكون منها الرواية، وتصل إلى نحو 400 فقرة مرقّمة، بعضها بطول صفحتين وبعضها الآخر بطول سطر واحد. الأحداث تظل تتحرك فى حالة جِيئة وذهاب طوال الرواية، بين الماضى والحاضر، الماضى فى السبعينيات والتسعينيات، والحاضر الذى يقع فى العام الأخير 2012.

تقع أحداث الرواية فى مجموعة من الأماكن التى يتكرر ذكرها فى النص، مثل البيوت التى سكنها أبطال الرواية، والمقاهى التى كانوا يترددون عليها، والشوارع التى كانوا يمشون فيها، حتى نقترب بالتدريج من لحظة ظهور جسم الرواية قرب نهاية العمل.

Continue reading

مهاب نصر ليلة سقوط القذافي

القصيدة الزراعية

***

حزب الكنبة الفاسد

***

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا. – اقرأ المزيد

لم يكن أحد منا يعرف مهاب جيداً، لا بوصفه شاعراً تسعينياً من الفيلق السكندري الذي بدأ في الظهور منذ الثمانينيات – علاء خالد وأسامة الدناصوري بالتحديد كان لهما تأثير قوي على جيل التسعيناتوإن تنصلوا لذلك – ولا بوصفه زوج مناضلة سبعينية تكبره بعشر سنين أو أكثر.

سنة 2024 أفكر في وديع سعادة وأتذكر حقيبة المستقبل، حقيبتنا. حقيبة جماعة التماسيح للشعر المصري السري وحقيبة مهاب نصر وحقيبتنا. بالفعل لم نرد أن نحملها. لم ندرك أن وصولنا متوقف عليها.

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال

حوار ناصر أبو عون

wpid-france177-2011-06-23-06-10.jpg

الشاعر يوسف رخا من ميدان التحرير لـ(أصوات الشمال) حاوره : د. ناصر أبوعون

في مدونته (شمال القاهرة غرب الفيليبين2009) عن “دار رياض الريس”، تشم منهما رائحة التاريخ كما يراه هو من نافذة الجرح وصولا إلى رائعته الروائية (كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ) الصادرة عن دار الشروق،٢٠١١وهو من مواليد (المحروسة/القاهرة) يوسف رخا صحافي وأديب مصري، درس منذ نعومة أظفاره في المملكة المتحدة، يشيد عمائر من النصوص، أبدع العديد من المدونات التي تنظم (الشعر والنثر) في سلك واحد تحت عنوان عريض يسمى (الأدب)، ويعمل في الصحافة العربية الصادرة بالإنجليزية / (الأهرام ويكلي)، وصدر له عن (دار العين) مؤخرا كتابه «كل أماكننا» شعري/ نثري، ويضم ديوانين صغيرين هما (اسم الوالد السعيد) و “قائم بأعمال السمك” تفصل بين زمن كتابتهما أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى عدد من النصوص النثرية الطويلة والقصيرة. وقبل ذلك بسنوات خرج علينا بـ(أزهار الشمس) وهي مجموعة قصصية أعقبها بـسِفره الأقرب إلى أدب (سيرة المكان) البعيد كليا عن أدب الرحلة تحت عنوان (بيروت شي محل2006) ومُثنيًا بسرديته (بورقيبة على مضض2008) وقد التقيناه عبر الإنترنت ودار الحديث عن شعر الثورة وثورة الشعر وحلول ميدان التحرير (الرمز) في قصيدته وتطرق الحديث حول إشكاليات الحداثة وقصيدة النثر
• تعد الصورة الشعرية في نصوصك (بؤرة النص ومداره) ؛ بل تمثل فسيفساء تغطي مساحة النص وتطغى على بياض الورق ..هل هذه محاولة منك لاستبدال الإيقاع العروضي في القصيدة التقليدية بالصورة في نصوصك النثرية ؟
يوسف رخا
لم أسع إلى ذلك إلا في حدود شديدة الضيق. لا أستبدل الإيقاع ولا أحس بحاجة إلى استبداله. أحياناً يكون خلو النص من أي موسيقى – دعك من “الدَقّة” العروضية – أقوى تأثيراً. لتقسيم النص إلى سطور أو عدمه ولشكل الكلمات على الصفحة دور ربما، لكنني كما سبق لم أتبحر في هذا الجانب من جماليات الشعر أو أنتبه إليه كثيراً. الصورة كمعنى صرف أهم بالنسبة إلي من الاستعارة. المجاز لا غنى عنه لكنني أنشدّ إلى المعنى البدائي للمجاز، إلى كون اللغة كلها مجازاً. روعة الشعر بالنسبة إلي في اللحظة التي تشعر فيها أن الجملة تقال لأول مرة في تاريخ الإنسانية.

• لوحظ أنك تشتغل كثيرا على اللغة ؛ بل تمارس فعلك في اللغة بما يتوازى مع حركية الحياة الإنسانية .. هي (فعل يحيل إلى الواقع) ؛ كيف من وجهة نظرك أن تصبح اللغة مشاعا إنسانيا لاحتمالات التغيير ؟
يوسف رخا
** هذه مسألة شديدة الصعوبة وأظن لها علاقة بالأمانة، بأن لا نقول إلا ما نصدّقه ونريد بالفعل أن نقوله وبأن لا تستهوينا الشعارات. أعتقد أن الثقافة العربية المعاصرة تبالغ كثيراً في تصوراتها عن دور الشعر في تغيير المجتمع أو إمكانية أن يكون للشعر أثر مباشر على الحراك الاجتماعي. أعتقد أن المبالغة في تلك التصورات إنما تقوّض وتعهّر الشعر وتخطئه، كما تساهم في انعزال الشعراء. العثرة الأساسية في العالم العربي هي الأمية بكل تجلياتها، وكون الأدباء اعتادوا أن يخاطبوا السلطة لا الناس. رهاني “الثوري” يظل على التغيير التدريجي البطيء للوعي، وبينما أقوم بما علي لا أعول كثيراً على كسب الرهان.

• مطالعة إنتاجك النثري يؤكد أنك تدعو إلى انقلاب ثوري ينطلق من فكرة، ترى الشعر (كشفا ورؤيا)، أليس هذا غير منطقي ويعلو على الشروط الشكلية للشعر التقليدي؟
يوسف رخا
** أرى الكتابة كلها نوعاً من المعرفة، أراها معرفة أو تواؤماً مع الواقع كما أن كل معرفة تواؤم وإن لم تكن مصالحة ولا حتى بالضرورة فهماً. الفهم مجرد جزء من المعرفة. لكن الكتابة أيضاً منطق في الحياة أو طريقة بالمعنى الصوفي، وبهذه الصفة – بلا مبالغة أو تحوير – أنت تدخر لها كل شيء عن طيب خاطر، لأنها تمنح حياتك معنى أو جدوى بمعزل عن كل أسباب التحقق خارج النص، مادية أكانت أو معنوية. هي لا تغنيك عن الحياة من أجل تحقق مادي أو معنوي، لكنها تمنح السعي إليهما معنى وتجعل المعرفة غايته. كل الناس تعيش بالكلمات، الفرق أنك تصير واعياً بذلك. تعرف أنك تعرف. ولعل هذه ثورة في حد ذاتها: تلك المواجهة مع الكلمات والتي أظن أكثر الناس يتحاشونها بكل طاقتهم لأنها مؤلمة ومخيفة، لكن الكتابة تمكّنك من استمتاع معذّب بخوضها حتى وأنت تدفع ثمن متعتك من استغراب واستياء الآخرين ممن تكتب عنهم أو تفقدهم بمرور الوقت.

أرى الكتابة معرفة وأرى الشعر ببساطة درجة أصفى أو أكثر تكثيفاً لفعل الكتابة مما يكون عليه في أشكال أدبية أخرى، أصفى أو أحدّ ولكن ليس أرقى أو أقيم في حد ذاته. الشعر هو الكتابة في أشد صورها حدةً أو صفاءً، الأمر الذي يجعله معقداً بالمقارنة مع ما سواه من أشكال أدبية لكنه عندما يتحقق – وهذا هو أحد ألغاز الشعر – يصبح أسلس وأسهل مما سواه هكذا بلا مجهود إضافي. أعتقد أن نظرتي إلى الكتابة من واقع ممارستها منطقية تماماً، ولا أرى أنني منعزل عن امتدادها الزماني والمكاني في اللغة العربية. أنا لست معنياً بغير شروط واقعي كما أراه ولا ألتزم بالشروط الشكلية لأي شيء “تقليدي” فلماذا ألتزم بالشروط الشكلية للكتابة؟ في جانب منه يبقى الطموح كلاسيكياً لكن العلاقة بالتراث تأتي في عمق وتنوع ما يمكن أن يطرحه من أسئلة، ليس في استنساخ تقنياته. أنا شخص يرتدي القميص والبنطلون ويستعمل الموبايل واللابتوب، يقود سيارة ويحتسي المياه الغازية ولا يستطيع أن يعيش بلا إنترنت. ماذا يمكن أن يعنيني في الالتزام بشروط القديم أو إعادة إنتاجه؟

• كتابتك النثرية وخاصة في قصائدك المنشورة في مجلة (نزوى) تدعو إلي مزيد من الحرية، التي تجعل الشكل يمَّحي أمام أي قصد أو هدف، من أجل البحث في وظيفة الممارسة الشعرية التي تعتبر طاقة ارتياد وكشف تتجاوز في قدرتها الأشكال المؤسسة .. إلى أين يأخذ يوسف رخا القارئ في زمن الثورة على كل التقاليد العربية ومنها تقاليد الشعر؟
يوسف رخا
** الشكل شيء أساسي. لا أقصد النوع الأدبي وإن كان انتماء نص ما إلى نوع أدبي معين أو ادعاؤه أيضاً يؤثر على الشكل. الشكل هو من صلب النص وليست الحرية من دواعي اختلاله. وعليه فإنني أدعوك إلى اختيار أي جملة كتبتُها في أي سياق وسأستطيع أن أشرح لك كيف أنها جزء من بناء كُتبت بداخله ومن أجله، كيف أنها تساهم في تكوين شكل بقدر ما تعبر عن مضمون. أي جملة: أستطيع أن أشرح لك الوظيفة التي تؤديها لتحقيق الشكل الذي يحتويها، وإلام تستند من كتابات وأشكال كتابة سابقة على كتابتها. هذا أيضاً أمر مهم وإن لم يكن في صلب السؤال: أن لكل جملة تاريخ من الجمل المكتوبة قبلها من جانب آخرين قرأتَ لهم أو لم تقرأ؛ وحتى داخل اللغة الواحدة، بالرغم من التلاقح الدائم للغات، أنت عندما تكتب لا تقفز في الفراغ. أنت تعيد كتابة شيء قرأته أو كنت تود قراءته. من هنا أظنني أصاحب القارئ على دروب دائرية قد تقوده حتى إلى كتابة أقدم من كتابتي. لا أريد أن “آخذ” أحداً إلى مكان! أرى الكتابة طريقة للتواصل الصادق مع أناس لا أعرفهم، ولإعادة صياغة جمل لابد أنها صيغت من قبل لكنها لا تعنينا بالقدر نفسه قبل أن نعيد صياغتها. سأكتفي، رداً على عبارتك الأخيرة، بقول إن تقاليد الشعر تتجاوز عروض الخليل. ولو أن صياغتي للجمل التي أختارها تستلزم عدم الالتزام بالعروض، فذلك لا يعني أنني مقطوع الصلة بالمنجز الخلاب لأمثال أبي فراس الحمداني والنابغة الذبياني وأبي نواس والمتنبي وابن الفارض…

• جيلك من شعراء قصيدة النثر (في التسعينيات من القرن العشرين) متهمون بأنكم مثل معظم تمثيلات الانتلجنسيا العربية ما زلتم تتعاطون مع مفهوم الحداثة من طريق القصر على الوسائل والأدوات دون تشرب حقيقي لفلسفتها، بما هي فكر وسلوك ونمط حياة. وحين تغدو الأفكار الجديدة انتقاء تتأبد أزمة المحاكاة والبرانية فماذا تقول ؟
يوسف رخا
** أولاً أنا لا أنتمي إلى جيل. في الآونة الأخيرة أعتقد أنني فهمت من أين أتى هذا المفهوم إلى دوائر الأدب العربي وماذا كانت ضرورته – في غياب أي دعم معنوي أو مادي لإنتاج الأدب كان لزاماً على من تقاربت أعمارهم وظروفهم الاجتماعية أن يتكتلوا لكي تحافظ الكتابة على الحد الأدنى من المصداقية أو هكذا ظن عدد كاف من الناس عبر موجات متلاحقة بامتداد القرن العشرين – لكن بشكل “موضوعي” لا أظن مفهوم الجيل ينطبق عليَّ. كان لي صلة سطحية بجماعة “الجراد” ربما وهي أحد “جيتوهات” الهامش الثقافي المفترض – لست مقتنعاً بثنائية الهامش والمتن التي استُغلت ببذاءة في هذا السياق، لكن لا يمكن وصف جماعات التسعينيات إلا بالجيتوهات – وبدا ما يكتبه أعلامها قريباً إلى ذائقتي أو فكرتي عن ما يجب أن يُكتب. لكنني لم أكن مجايلاً لهؤلاء ولا مشاركاً لهم في السلوك ونمط الحياة. كان ما يشدني إليهم في جزء منه على الأقل هو الشعور بأنهم يكتبون أشياء حاصلة في الواقع دون اللجوء إلى متكآت مفاهيمية كالحرية والعدالة والإخاء أو الحب والخير والجمال. كانوا يتحدثون عن الخبرة الروحية وخبرة المكان دون أن يقولوا قال الله وقال الوطن. ولم يكن خطابهم يعتمد على ذرائع جمالية أو سياسية. الآن فقط أعرف أن فردية “التسعينيين” لم تكن عاملاً في انجذابي إليهم، لأنهم ببساطة لم يكونوا فرديين. كان وجودهم في جيتو هو ما ينفرني، بالمقابل.

وخلاف أن يكون المقصود بكلمة حداثة هو تلك الفردية أو تجاوز المقدسات، أستطيع أن أقول بصدق إنني لا أعرف ماذا تعني الكلمة أو ماذا يُقصد بها في السياق العربي. من ذا الذي نحاكيه؟ هل تعلم مثلاً أن الكثير جداً من الشعر “الغربي” المعاصر موزون ومقفى؟ أين إذن الحداثة النثرية المفترض أنها وافدة إلى شعرنا؟ وبأي منطق تقابل أي “حداثة” محتملة مفهوم “الأصالة” أساساً؟ هل المبتغى أصالة مفاهيمية (أيديولوجية) أم أمانة فردية؟ بسبب تعليمي في إنجلترا واتقاني للإنجليزية منذ عمر مبكر، لا أظنني أدعي إذ أقول إنني “أعرف” الغرب. ولا أظن “هم” مختلفين عن “نا” أو متفوقين علينا أدبياً في أي شيء سوى درجة تغلغل الكتابة في المجتمع الذي ينتجها، والمدعومة بنسق رأسمالي عام يستلزم أنواعاً من “المهنية” ليست دائماً في صالح الأدب، لكنها بالطبع مدعومة أيضاً بنسب بتوفر أسباب القراءة الاقتصادية والتعليمية والسياسية بدرجات أعلى بما لا يقاس. أعتقد أن الإشكال عندنا يكمن في الجهل بالسياقات الغربية والافتراض المسبق أنه أفضل أو ما يشبه إحساساً ملازماً بالدونية ولذلك أسباب تاريخية واضحة، لكن قناعتي أن التفاعل أياً كان هو بتعريفه نشاط ندي. الكتابة فضاء ندي شئنا أم أبينا، وليس سؤال البرانية أو العصرية (المعاصرة) سؤالاً ثقافياً؛ أقصد أنه ليس سؤالاً يطرحه اختلاف ثقافة عن أخرى. قناعتي أنه سؤال أخلاقي، بمعنى أن الشعر تمثل لحقيقة ما داخل واقع ما من المفترض أن تلتزم بهما الكتابة ومن ثم تحفظ مصداقيتها. فهل تخرج الكتابة من احتياج صادق إليها وهل تُستقبل بنزاهة أدبية؟ أظن هذا هو المهم، ولا أظنه مرتبطاً لا بالحداثة ولا بالتطابق مع مصدرها.

• يقول بعض شعراء قصيدة النثر (لا توجد قاعدة ولا جمهور لقصيدة النثر) إذن لمن تكتب؟ أليس هذا إقرار بعجز قصيدة النثر عن التفاعل مع الجمهور ؟ هل تعلم أن قصيدة العامية والنمط الكلاسيكي والتفعيلي كان حاضرا ومتجاوبا ووسيلة من وسائل ثورة 25 يناير وسجلت قصيدة النثر انسحابا مخزيا كانسحاب قوات الشرطة من الميدان فانتصرت الثورة؟

** الكلام عن غياب الجمهور مهم جداً، أما مقارنة “قصيدة النثر” بانسحاب الشرطة فلا يعني شيئاً. يبدو لي أن سلطة التقليد ووضع شروط تقنية للممارسة الأدبية أقرب بكثير إلى نسق الدولة البوليسية منها إلى فعل الثورة؛ إن شرطة العروض هي التي انسحبت أمام ثورة النثر وإن كان أكثر الثوار غائباً عن الواقع الشعري بما يحجب عنه هذه الحقائق. يمكنني أن أدافع عن نصي في سياقه – وقد كتبت قصيدتين من داخل الأحداث وعنها (ملحق أدناه) – لكنني لن أدافع عن مفاهيم أو افتراضات مجردة؛ ولا أفهم الكلام عن نوع أدبي (هو الآخر مفترض) وكأنه كيان أحادي قائم بذاته في مواجهة كيانات منافسة. الحاصل منذ عشرين سنة على الأقل هو أن شعر النثر أكثر رواجاً في الدوائر الأدبية بما لا يقاس من الشعر الموزون؛ والدوائر الأدبية على علاتها تعنيني أكثر من التلفزيون على سبيل المثال.

أظنه أمراً مفروغاً منه أن لا نحكم على القصيدة بناء على ما إذا كانت تحقق لأناس غير معنيين بالشعر أفكاراً مجتزأة وقديمة عن طبيعة الخطاب الأدبي أو اختلافه عن خطاب التفاعل اليومي مثلاً. لكن المهم في كل ذلك هو أن الشعر بأي تعريف لا يمكن أن يكون وسيلة، ولا يمكن أن يكون وسيلة سياسية بالذات؛ الدعاية أو الشعارات وإن اتفقنا على ضرورتها ليست شعراً. يبدو لي هذا بديهياً، ولا أريد أن أخوض في الفرق بين الشعر والنَظم؛ لا أريد أن أدافع عن نص لمجرد أنه ليس عروضياً، أو أنجر إلى التعبير عن احتقاري الشديد للشعر الحر (التفعيلة) كحل تقني جبان لم يكن جذرياً بما يكفي ولم يساهم بما يكفي في عقد الصلة بين “جمهور” لا يزال يستسيغ الإيقاع من ناحية وتراث “عمودي” جبار من ناحية أخرى، بل أبقى الفرد معزولاً عن تراثه دون أن يمنحه حرية تجاوز ذلك التراث وكان تمثلاً جلياً لـ”نصف الثورة” التي قامت عليها نهضتنا التوافقية برمتها، مستنداً في مجمله – مثله في ذلك مثل كل أسباب النهضة – إلى سلطة الحكم والقوة لا سلطة المعرفة والذيوع… توجد قواعد وإن لم يمكن قياسها بالمسطرة كما هو حال قواعد العروض، ويوجد قارئ وإن لم يوجد جمهور.

• يرى هنري ميشونيك بأنه إذا تغيرت نظرية الإيقاع تغيرت معها نظرية اللغة بأكملها .. ونحن في ظرف استثنائي الآن حيث فشلت قصيدة النثر في إقرار قواعد راسخة لها بل مازالت تسميتها عاجزة عن التأصيل .. هل ترى بصيص أمل في أن تستطيع قصيدة النثر ممارسة الفعل الثوري وتغيير نظرية اللغة؟

** ليس في النثر إيقاع، هذا ما يجعله نثراً! علينا أن ننظر إلى “القصيدة” باعتبارها شكلاً أدبياً وكفى. كما سبق وذكرت، القواعد تتبع الممارسة لا تسبقها، في الأدب وفي اللغة على حد سواء. وبعد أن انعزلنا عن الأشكال التراثية ثم أعدنا اكتشافها، بعد أن استهلكنا الأشكال المستوردة دون أن نقتع بالأفكار التي أنتجتها، علينا أن نبتدع أشكالنا. علينا أن نبتدع أشكالاً يأتي من بعدنا نقاد ومدرسيون يستشفون منها القواعد ليحددوها فتتأسس وتسود إلى أن يتم التمرد عليها مجدداً. ولا أعرف ما هو الفعل الثوري في هذا السياق. أعتقد أن الكتابة كلها ثورة بمعنى ما، ثورة ذهنية وأخلاقية وهذا – الأمر الذي يتضح لنا أكثر فأكثر في مصر الآن في أعقاب الأحداث الأخيرة – أهم بكثير من الثورة السياسية. كل كتابة تأسيسية هي إعادة اختراع للغة وتعديل على نظريتها. نحن نعيش بالكلام أكثر بكثير مما نعيش بأي شيء آخر، وبحسب عمق هذا الكلام وتفرده يكون عمق وتفرد حياتنا.

• كان الشعر بحضرتك (ليلة 28 يناير) وعبر (مسيلة للدموع) جاء المشهد فادحا وجنونيا…

** ( كان يسقط ماء من عيونهم.. من نظراتهم المصممة وحناجرهم.. قبل أن يرتموا على ظهورهم.. متشنجين فوق سلالم العمارات.. مفزوعين باحتقان وجوههم.. بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ.. حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة.. تفتح عيونها بالخارج.. كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون.. وبينما يحتمون بأبواب العمارات.. كان يسقط من عيونهم ماء.. يبرق بين أقدام اللاحقين)

• في (مساء ١١ فبراير)‬ جاءت (صلاة شكر) لتختصر المشهد في لقطات مجازية وتركت القارئ يقوم بعملية (المونتاج) يحذف ويضيف ويقص ويستخدم فنيات الإضاءة الذاتية ويعيد مشاهدة المسرح على طريقته..

** (بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المدرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك‫)

ضجر يوسف رخا

اشكال
عناية جابر
كل كاتب يمتلك في داخله نظام كتابته. نظام يبين الكتابة على ما هي عليه، وعلى ما تريد أن يعتقده القارئ عنها. يوسف رخّا في كتابته عموماً (مواليد القاهرة، يعمل في الصحافة باللغة الإنكليزية منذ 1998)، بدءاً بمجموعته القصصية «أزهار الشمس» مروراً بـ«بيروت شي محل» و«بورقيبة على مضض» و«شمال القاهرة غرب الفيليبين» وكلها كتب في الأمكنة وأدب الرحلات، حتى جديده «كل أماكننا» الشعري/ النثري، الصادر حديثاً عن «دار العين» نرى الى كتابته كيف أنها تعمل وكأنها ضمير الأمكنة الطيّب، مُهمتها أن تُطابق خداعاً بين أصل الصورة (المدينة، الشوارع، الناس، المشاعر، ثم عامل الضجر بشكل أساس، الضجر الوجودي المقلق) وتحوّل هذه الكتابة، التحوّل الأكثر إدهاشاً يتمثّل في أن تُعطي الكتابة عن هذه الأشياء، تبريراً لفعل الكتابة نفسه، وتزكية حقيقتها.
أعرف يوسف رخّا وأعرف قلقه، وأتملّى هذا القلق في كتابته على وجه الخصوص.
كتابته هي شكله، جسده وروحه ويقينه (إن كان من يقين) وإرهاصاته.
ثمة كروية لأعماله، عبّرت عن نفسها بسرديات غرائبية إلى حدّ عن هذا المكان وذاك، سرديات هي إسقاطات رخّا نفسه، مصقولة ومُسقطة لعالم مُطيع ومربوط بفكرة الكاتب عنه.
في جديده الشعري/ النثري «كل أماكننا» ثمة الجملة القصيرة، بارقة وغريبة ومكوّنة لحجر الزاوية في القصيدة، فيها يتخفّف رخّا من تعداد الأمكنة لتصير هذه مجتمعة مكاناً واحداً، يتظهّر فيه ضجر الكاتب، فعلاً إبداعياً منفلتاً من جذور التجوال في المدن وشوارعها، ومتوجهاً نحو صلة منطقية تُعنى بالمشاعر فحسب، وبسيرورات داخلية تماماً غير مفتوحة على هواء الترحال الشكلي. قصائد/ لحظات شعورية ملمومة الأطراف وتليق بالشعر كما بالنثر، لأجلها يتحمّل رخّا الضغط الحاذق الصادر عن انفلاته الأقصى في كتابة أدب الرحلات، نحو حرية وانفلات كتابة أدب الدواخل الساخنة: «الزمن كفيل بكسر الجناح/ انس الأيام/ ضع قلبك على أقرب/ ترابيزة فقط/ وانتظر».
عند رخّا، نرى تعدّد ضمير المتكلّم، كأنما هو مئات الكُتّاب، سوى أن العالم هو المعطى الأول للكتابة. ضمائر للمتكلم كثيرة ومتعدّدة. وضمير مُتطلّب، وعنصر أصلي وخام للقصيدة، وللنصّ في علاقتهما الملتبسة بالشهوة (ليس الحب) وبالعجز عن الشعور بلحظة رضى.
يصعب التفريق بين الشعر والنثر عند يوسف رخّا، فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق بين طول الجملة أو قصرها. النثر عند رخّا هو الحدّ الأطول لقول الشعر، والشعر هو الحدّ الأقصر لقول النثر. خصوصية الكتابة عند رخّا هي لغته أيضاً المعنية بتحطيم السائد والمُزيّن أو طقوس الصورة المعتادة. حركة الكلمات عند الكاتب تُفضي الى روابطها، تلك الروابط الكثيفة المتفجّرة التي تضع قصيدته في عمق تجربته، والبادية في «كل أماكننا» كما لو إعلانات بـ«النيون» الأزرق عن شعر يريد الذهاب إلى نقطة أبعد مما كتبه الشاعر حتى اللحظة

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]

حوار إيمان علي في روز اليوسف اليوم

يوسف رخا: الكتابة طريقة حياة و… مهنة أيضاً

معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي،‮ ‬يكتب شعرا،‮ ‬ونثرا،‮ ‬ويرسم أعماله،‮ ‬ويصمم أغلفة كتبه،‮ ‬ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية،‮ ‬في كتابه الجديد‮ “‬كل أماكننا‮” ‬دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها،‮ ‬كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال،‮ ‬يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان،‮ ‬لكنه سيغير طريقته في التناول‮: “‬انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة،‮ ‬لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا،‮ ‬و”مش هتجيب‮” ‬أكثر من ذلك‮”.‬

الكتاب الصادر عن دار العين،‮ ‬هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه،‮ ‬يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي‮: “‬ما يعنيني هو العالم العربي،‮ ‬لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني،‮ ‬أعني حضوره الثقافي المسيطر،‮ ‬لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها،‮ ‬وليست العروبة بمنطق سياسي،‮ ‬أما في روايتي القادمة‮ “‬الطغري‮” ‬اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية‮”.‬

يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال‮ “‬كل أماكننا‮”‬،‮ ‬هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر،‮ ‬أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه،‮ ‬والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل،‮ ‬بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة،‮ ‬بغض النظر عن القواعد الشكلية‮: “‬لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل،‮ ‬لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها،‮ ‬وننتظر النتيجة،‮ ‬التي قد تكون في صالحنا،‮ ‬النص بإمكانه أن يكون متماسكا‮ “‬،‮ ‬من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر‮ ‬غريب،‮ ‬رغم أن وجودها كشكل أدبي‮ ‬غير متأصل في التاريخ العربي،‮ ‬فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة،‮ ‬وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين‮: “‬كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي،‮ ‬فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية،‮ ‬مثلها مثل التليفزيون،‮ ‬كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة‮”.‬

يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة،‮ ‬بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة،‮ ‬وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل‮ ‬غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان،‮ ‬مما يعني‮ ‬غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما‮: “‬ليس في‮ ‬غيابها مصيبة،‮ ‬أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة‮”.‬

نرجع للحديث عن المشروع القادم،‮ ‬فيخبرنا صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة،‮ ‬وفيها تلامس مع الفترة العثمانية،‮ ‬وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له‮ “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬و”شمال القاهرة شرق الفلبين‮”‬،‮ ‬والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل،‮ ‬صحيح أنها رواية عن التاريخ،‮ ‬لكنها‮ – ‬كما يري‮ – ‬ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا‮.

‬في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة،‮ ‬المراوغة‮ ‬والموسوعية،‮ ‬يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية،‮ ‬وبالتالي تنزعج من العامية المصرية،‮ ‬والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية‮ ‬غير واقعية وغير عقلانية بالمرة،‮ ‬وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها‮ – ‬أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء‮ – ‬إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس،‮ ‬يقول‮: “‬استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية،‮ ‬خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي،‮ ‬لا أحاكيها ولا أتناص معها،‮ ‬بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها‮”‬،‮ ‬إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها،‮ ‬وهو ما لا يراه رخا ويناقضه‮: “‬كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع‮ ‬غياب مفهوم الصحافة وقتها‮”.

‬ بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت‮ ‬39‮ ‬صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره،‮ ‬جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل،‮ ‬أسأله عن السبب،‮ ‬يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي‮ – ‬التحق بهذا المجال منذ‮ ‬1998‮- ‬وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش،‮ ‬أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة،‮ ‬لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره،‮ ‬يقول‮: “‬الكتابة طريقة حياة،‮ ‬ثم هي بالأساس مهنة،‮ ‬وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا‮”.‬

c.v

مواليد‮ ‬1976

يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي

يكتب الشعر

نشر له‮ “‬بيروت شيء محل‮” ‬2006‮- “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬2008

‮”‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮” ‬2009

وكتابه الأخير‮ “‬كل أماكننا‮” ‬صادر عن دار العين

يعمل حاليا علي رواية بعنوان‮ “‬الطغري‮”‬

Reblog this post [with Zemanta]

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

Continue reading

يماني يتعلم الكلام

ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.

كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.

يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.

أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

002.jpg