أبو ظبي، ٢٠١٤

Processed with VSCOcam with b3 preset


فجأة هكذا أدركتَ أنك مسافر
الغرفة التي ما كنت لتبرر إيجارها
لن تكون مآبك
المشهد الساكن في بطنك الآن
على بعد ثلاث ساعات بالطائرة
عملة لا تزال في جيبك
حتى وأنت تتحول إلى نوبة هلوسة
إذن لتتصل بخدمة الغرفة
وتطلب وليمة
هكذا البلاد في النهاية
صف قلوب خُلعت من صدور أصحابها
لازالت تنبض على الزجاج
دائماً هناك أسفلت
وقطط شريدة
المستقبل نفسه معسكر للسُخرة
بحجم جمهورية
أمسح قورتي وأستدير
لتسقط نظرتي على الشاشة
حيث عيون السياسيين تهم بالفرار
وهم يعطون الصحافة وجوهاً منبسطة وثابتة
أكتافهم مقوسة على أيدٍ
كأنها مدقوقة في الكراسي
والأصوات التي تخرج من أفواههم
عجماء ومزعجة

Palestinian Prisoner Hunger Strike Solidarity Sit-in, Gaza, May 2012 – اعتصام الأسرى، غزة، مايو ٢٠١٢

Shebin and its People: Mini Exhibition by Shereen Muhamed (@cheiroche)

Processed with VSCOcam

Continue reading

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

iPhone art ☯ فن الآيفون

This slideshow requires JavaScript.

Continue reading

التصوير والجنس يا باشا: فقرة من “الأسد على حق”، الجزء الثاني من رواية التماسيح

IMG_5164

أريد أن أحكي لك عن الصلة بين التصوير والجنس يا باشا، عن غواية امتلاك قد تؤدي حقاً إلى القتل قبل أن تؤدي إلى ميتة صغيرة مثلما يقول الفرنسيون. وقد تؤدي إلى القتل لا سيما في مكان كهذا، حيث فرقاء المجتمع – كما ترى – يزايدون ليس على الحريات والحقوق بل على نفيها والتبرؤ من ورطة الدفاع عنها؛ والمتورطون يراكمون عنفاً قد ينبثق كشلال في أية لحظة؛ فما فشل ثورتنا إلا أنها لم تنفث فيكم وأمثالكم عنفاً كافياً في الحقيقة، أليس كذلك؟ ونحن المتورطون رغماً عن بيوضنا في الحقوق والحريات – نحن الشعراء العشاق الثوار المصورون المجبولون على التخفي والتحايل أو مصير مأساوي (هو ذا ما يقوله الفتيس لو لم أخطئ) – فينا عنف خرافي برغم إيماننا بالتحضر. عنف ربما أبشع من عنف الإسلاميين لكن لا شيط فيه وهو إذ ينبثق لا يتفجر؛ يكون رقراقاً ورقيقاً رقة حبيبين، كشلال. والآن وأنت صاحب اليد الطولى وفي كامل أبهتك، دعني أعلّمك العنف على أصوله سعادتك. وأنت تملك سلطة غير محدودة علي، اسمع ممن روحه في يدك كلمتين عن السلطة: إنك إذ تُصوّر جسداً فأنت تمتلكه على نحو أعمق مما يحدث عندما تقضي داخله وطرك وقد رأيته يتلوى بالشهوة فيما تُعمل فيه أعضاءك مثل مُغيّب أو مدفوع بالغيب؛ إنك بتصويره إنما تُركّبه كما تشاء وأنت واثق عبر بقاء الصورة من بقاء تركيبك. ولا مناص من إثبات التهمة على نفسي بمثل هذا الكلام – بل في كثيرٍ مما تجده على المدونة دليل إدانة ضدي، فثمة علمي بأدق تفاصيل ما حصل لمون ليلة قتلها مثلاً – غير أن تعويلي على أن تصدّقني؛ لئن لم تصدقني فلآخذ حكم إعدام… وما الذي يحقّقه موتي لك أو لغيرك بعد أن تنجلي جميع ملابسات الجريمة؟ صورة الجسد العاري، أقول لك: امتلاك. أريد أن أحكي لك عن غواية مون كموديل وليس كامرأة جذابة صارت صديقة – وهي الغواية التي تعبر عن شخص قلبه فوتوغرافي أكثر من أية غواية سواها – فأفنّد لك، على مدى الأحداث وتفاقمها خلال عشرة أسابيع تقريباً، كيف درّبتُ مون وأنا لا أدري على أن تُصَوَّر فتُمتَلَك بما يتيح ذبحها: كيف حوّلتُها إلى جسد عار بلا وجع يتلوى، فنقلتها إلى حيث يكون عمل الرجل الأسد بروحها امتداداً رقراقاً للغرام.

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha

Monaco Mini Exhibition-أغنى بلد في العالم

؏

ضِعتُ في طريق العودة من موقف عبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك المُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي

تحميل مجموعة يظهر ملاك


 

 

 

A Day at Work-يوم في الشغل

رسائل خالد السنديوني

This slideshow requires JavaScript.


خالد السنيدوني

.

إلى صديقي الحزن

لم أكن أعرف

أنك من مواليد فبراير 1966

فبراير الممطر

حين تجتهد الارواح كي تطرد  الشجن فلا تستطيع

هل تعلم

أنا وأنت فتحنا أعيننا على العالم في مهد واحد

هل تذكر

كانت الحمائم  تختبئ من المطر

وكنت أختبئ من العالم

وذات يوم من تلك الايام  المفعمة باللعب

وتحت غطاء دافىء التقينا كما يفعل الأطفال

دائما ما جمعتنا البراءة في اقسى صورها

أنا لا أنسى كل وقت قضيناه معاً وكل رحلة

كل فرح قتلناه بمهارة

كل نظرة  ، وكل أمل رفرفر  عاليا وسقط عند مرمي البصر

كل طائر طاردناه

وكل سمكة مسكينة اصطدناها بعد  جهد  جهيد

ثم تركناها  وراءنا على الطريق

ملقين اللوم على قدرها

أنت تعرف أنني كنت  قد نزرت حياتي للأوهام

أعرفك أنني قد أصبحت شهيرا

ومدينة بعد اخرى تطلبني بالاسم كي تتذوق دموعي

صديقي الحزن

أنت تعرف كيف يمكن أن يكون بشعاً هذا العالم

أنت أخبرتني ذات مرة بنظرة لاتنسى

 أنت وحدك يمكن أن تدرك ذلك الأحساس

الإحساس بأن العالم ينساني رويدا رويدا

 العالم الذي إجتهد ذات يوم كي يأتي بي

 ها أنا

منذ فقدت غفلتي

تظهر لعيني ملامح العدم

للعدم حياة مثل هذه

في العدم شوارع وسيارات وضجيج ،

 بيت وأشجار ،  زحام ومواعيد

في العدم فرح لا أراه وحماس لايخصني

في العدم جدال  وصمت

 وأطفال أخاف على مستقبلهم

في العدم ابتسامات ودموع

وفي العدم آمال

.

 رسالة إلى  البحر

سمعت

 ماتريد أن تقوله

 سمعت ما تقوله دوما

 سمعت الذي لا تقول غيره

سمعت

ماتقوله لكل جيل وكل عائلة

 وللوحيد المتوحد

سمعت

 الذي تقوله  بصوت حكيم يهمس

وأحياناً بطيش مراهق

  يغرق المقاعد ويفسد الطعام

سمعت

 ما تقوله بلغة الحب

 عندما تلتقي نظرات المراهقين العابرة  للحظات ويرتجف الزمن

تلك اللحظة التي صنعت موسم  المواسم

وكل المواسم التالية

سمعت ما تقوله بلغة المجانين وجسدك مدهون بالسواد

و قرص الشمس الأحمر  في فمك

سمعت  الذي تقوله بلغة الذكريات

سمعت

فابتسمت وبكيت

.

رسالة إلى أصدقائي

في اليوم الاول من عودتي إلى القرية

خجلت  أن أذهب الى الملعب

في اليوم الثاني ذهبت  باكراً

فلم أجد أحداً أعرفه من جيلي

في اليوم  الثالث ذهبت  فوجدت  أعز أصدقائي

احتضننته بقوة وتذكرت  معه الايام الخوالي

لكن حماسي فتر عندما ناداني  باسم أخي

الكثير يمكن أن يحكى عن السفر

 لكن الغربة أسطورة لاتحكى

.

رسالة إلى صمتي

أنت حقل مستباح تحت الشمس ،

أنت المكان الوحيد  الذي تتقافز فيه كلاب الحي مع طيور السماء

أنت قلعة حصينة بنيت فوق جبال من وهم

لا يدخلها أحد  ، لا يخرج منها أحد ،

ولايعرف أحد.. من بناها ؟

أنت ممر فخم لعلية القوم

ومسرح يتقافز عليه الرعاع

تظهر اضواءه من بعيد

 في ركنه  المظلم يضحك البؤس

أنت وليمة أقيمت منذ زمن

من طعام المقيمين

من بقايا الرحل

أنت غصن في شجرة الخلود

يهنز على الدوام مدلياّ ثماره

تركها من ترك وأخذ منها من أخذ

أنت عصا في يد صعلوك

يشير بها هنا وهناك

وسيف من ذهب حارب به  الملوك

 سيف حسم وأنهى كل  أمر تافه وكل أمر جلل

أنت ..عقيدتي..

لهب مقدس  ينتصب في خزانة

يرفض أن ينطفأ

.

رسالة إلى  القدر

رغم صراعي المرير

 مع الخوف والإكتئاب لمدة عشرين عاماً وحتى تاريخه

دون أن يعلم أحد في العمل أو في العائلة

فإنني ممتن

ممتن لأمي

كل الإمتنان

.

خالد السنيدوني

Late-night coffee-قهوة منتصف الليل

Way to work-الطريق إلى الشغل

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

Continue reading

Visions of Toota-رؤى التوت

This slideshow requires JavaScript.

Invisible Cities-مدن خفية

Instagram

This slideshow requires JavaScript.

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

Continue reading