حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة-٢

wpid-yr13-2011-11-30-19-38.jpg

تعقيبا على خواطر دونتها بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” كتب الصديق “س”: “معاك..بس انت مش معايا ان هناك قانون دفع بيحرك البشر،يفوق ادراكهم تقدر تقول كده انه آليه مسيطره عناصر كتير شكلتها منها اسباب تاريخية انت ذكرتها وكراكيب اجتماعية سوت العجينة بالتشكيل اللي اصبحو عليه الآن. بالطبع ليس هناك لذة تذكر في الفرجة فكلنا متورطون بشكل او بآخر..نحن لايمكننا ان نفسر انفسنا بمعزل عن روعة هذا التشكيل ومتقوليش انة مش رائع..حياة مبيته على رأي علاء خالد..وبما انها حياة تضيع بلا ثمن وبلا نبل تبقى…..صحيح تبقى ايه؟”.

كان من الممكن أن أجيب على ” س” بمجرد رأي سريع، أو بكلمتين كهزة رأس من شخص يريد أن يغلق الموضوع. لكني لا أريد له أن يغلق، بل ان ما أشار اليه من فكرة “الروعة” عاد واستفزني مجددا، فاطفأت السيجارة وقررت أن أكلمه بلهجة أكثر جدية.

أنا لم أفهم أولا تعبير “روعة هذا التشكيل” الا من منطلق مصري محلي أكرهه بكل ما في نفسي من حوافز الكره، ينظر المصري الى بلده وكأنها استثناء، وهناك فرق كبير بين أن تكون استثناء صنعه القدر، أعني الانتماء الى بلد ولدنا وعشنا فيه، وبين تكريس هذا الاستثناء لنصالح ذاتنا حتى على ما تكرهه.

العبارة لا معنى لها مطلقا الا هذه الرغبة التي أزعم أنها سليلة الطبقة المتوسطة غير القادرة على المواجهة الى النهاية أبدا، والتي تجبر كراهيتها على التلوي لتظهر في صورة ابتسامة شائهة لشخص يقول لك: ما هي الأمور حلوة وعادي أهه..

يريد أن ينقل اليك قناعة بأنه غير موتور، أنه أهدأ نفسيا، أنه يستطيع أن ينظر الى الأمور من جهة أخرى فيراها جميلة.. أو بالأصح متميعة، فيكون له الحق ألا يصل الى قرار، ويعلي من شأن حالته “اللاأدرية” ليضعك في مأزق الأخلاقي المتعصب، كأن الأمر شخصي.. لكن بطريقة ملتبسة ونفسية معقدة جدا.

والسؤال هل نتاج النقاش حول موضوع سياسي أو اجتماعي..الخ يفضي الى هذه النتيجة: أنه جميل أو غير جميل؟

وهذا يحتاج الى عودة لفكرة الجمال نفسها.

نقول عن لوحة جميلة حتى لو صورت شخصا يمزق “جتته” وهو هابط من السماء، لأننا نقول: انظر الى معاناة الانسان المعاصر، أو نقول: ضاع اليقين الى الأبد.. وهذا ما يريد الفنان قوله..

لأننا بطبيعة الحال نعرف أنها صورة، وأنه من الغباء أن نمد أيدينا الى الانسان في الصورة لأننا ببساطة سنمزقها.

لكن حين نرى انسانا يوشك على القاء نفسه من الشرفة بعد تجربة حب فاشلة، فانه من الصعب أن نتخيل أنفسنا، مطلين من النافذة المقابلة صارخين على أصدقائنا: انظروا الى هذه الروعة.

بل ان في ذلك شيء غير قليل من انعدام الضمير، وسوء تقدير مؤسف لحالة شخص حقيقي يتألم بشكل لا يطاق، ربما يمكننا بكلمة أو ببضع كلمات أن نعيد حياته الى غرفة معيشته الحميمة.

يبدو هذا بديهيا الى درجة السذاجة..

ليس معنى هذا أن الجمال لا يوجد الا في اللوحة فقط، أعني لا يوجد في الواقع، بل يوجد فيه حينما يتحول الى نموذج لشيء أبعد من فرديته، حين تصبح الأصوات والحركات والألوان منقولة الى عالم آخر يشكل فكرة محورية في حياتنا.. قد يحدث حتى بعد عودتنا من مشاهدة حادث حريق.. لكن ليس مطلقا أثناءه.. لأننا في مواجهته لا نكون أمام الحالة الرمزية بل أمام الحالة الخاصة الفريدة لشخص يحترق.

يمكن الرجوع خطوتين الى الوراء في الحقيقة لمعرفة أصل الموضوع، أعني أصل الطريقة التي صارت عرفا ثقافيا متداولا، هو العرف نفسه الذي دفع دوستويفسكي الى السخرية ضمنا من تورجينيف في رواية “الشياطين”. رأى دوستويفسكي في تورجينيف الكاتب الذي يسجل حادث غرق باخرة، وكأنه يقول بأسلوبه المتأنق: انظروا كم تمكنت من وصف هذا المشهد الانساني المؤثر.

قلت من قبل (وآسف على هذا التعبير) أن أجيالا عدة من المثقفين المصريين نشأت في الحاضنة “الشاعرية” ولا أقول الشعرية. الحاضنة التي تسمح لهم بالشعور بالتميز لأنهم يملكون مشاعر خاصة جدا وحساسة الى درجة الرهافة فيما يخصها، لكنها غليظة غلظة أنانية الطبقة التي تنتمي اليها، والتي علمتها اسلوب “الحق نفسك”، انها مدعوة بشيء مجهول الى التميز، وبخلق “لغة” خاصة لهذا التميز تساوم به طبقتها على الانتساب، ولذلك يكمن موضوعها في اللغة لا في الواقع، تختار أرض المعركة، التي تسمح لها بالشعور بغاية النبل تحت ضوء الأباجورة الخاصة بها، ان ما يأسرها ليس المشهد ولا مسؤليتها الانسانية تجاهه، لكن ما ستكتبه عنه، وبذلك تكون قد تصالحت مع واقعها، وعادت الى الانتساب اليه من باب خلفي دون تضحيات، فهي تناضل مع “الأسلوب” على أوراق يقرأها الأصدقاء بتمعن كبير. لذلك كان هناك حرص شديد منذ السبعينات على الهجوم الحاد ( وبعضه محق فعلا) على تيارات الوضوح الشعري، لكنها كانت في الواقع تؤسس مملكة “النص”، نوعا من الحماية ضد المحاسبة، ودليلا مضاعف لا يُخترق فاصلا بحجاب كثيف بين الالتزام الاخلاقي والفني وكأنهما متناقضان بالأساس.

يمكننا النظر الى ما فعله الكتاب منذ ثورة يناير: استثمار للحدث في صور شخصية شاعرية!

كم تحليلا دقيقا كتب؟ كم محاولة جريئة في استثمار الحدث الضخم لاعادة مراجعة المواقف والأفكار، لابتكار أساليب جديدة لنشر ثقافة حقيقية، ثقافة تفسر الحياة، ولا تقفز فوقها كالبهلوان باستعارات وصور؟ ما معنى أن أقدم قصيدة أو مشهدا تمثيليا أو حتى أغنية ثورية (أظنها كذلك) لشخص أسيء تعليمه، ويتعرض لبلبة موجعة لوعيه. تماما مثل شخص حريص جدا على تلقين “آداب” المائدة لآخر يحصل على طعامه من صناديق القمامة.

من يعرف أوليات اسعاف المرضى أهم بكثير في الميدان، من يستطيع أن يقدم للناس شرحا واضحا يشركهم في صياغته، من يضع أمامهم كتب غيره لأن هذا هو وقت القراءة، أي الوقت الذي يمكن أن تتحول فيه الى فعل تغيير.

لكن من قال ان هذا المثقف كان يفكر بالتغيير أو حتى يتصوره؟ أو لديه ولو صورة مهزوزة عنه؟ بل لقد كان يتعيش على انعدام فرصته ليغرق في النوستالجيا ويتاجر بها، باعتباره حامل مفاتيحها، ويكلمنا عن تجاربه الشخصية التي لا تعني أي شيء، بغرور من يظن حياته نموذجا، لمجرد قدرته الوقحة على صياغتها في كلمات.

أحتاج اليوم كتابا يعلمني فعلا، أي يعاملني كابن، كواحد من الناس يبحث عن لغة مشتركة، وعدالة في الشارع كما في النص.

ربما حين يحكي أحدنا بعد سنين ما شاهده يتنهد شاعرا بالجمال، أما الجمال الآن ففي مكان آخر، في نسيانه بالذات.

وأخيرا ما صنع النصوص الكبيرة فعلا هو هذا النسيان، هو احساسها المروع أن عليها أن تتخلى عن كل صيغة جمالية سابقة لأن ما تراه أكبر من فكرة الجمال.

سوف يفصل في هذا الحكم آخرون.. أما الكاتب الحقيقي فسيشعر بنوع من الخجل لأنه لم يقل كل ما يستحق القول.

مهاب نصر