Mahmoud El Maniarwi: Howling-محمود المنيراوي: نباح

A poem

photo 2

photo: Mahmoud El Maniarawi

Continue reading

Palestinian Prisoner Hunger Strike Solidarity Sit-in, Gaza, May 2012 – اعتصام الأسرى، غزة، مايو ٢٠١٢

بخير لكن ليس كما تعتقد: جواب محمود المنيراوي من السويد

IMG_0152.jpg
.
أنت هناك تعتقد أني بخير


وأنا بخيرٍ لكن، لستُ كما تعتقد


آكلُ بمواعيد


وأبحثُ عن قطعِ السكرِ عند الأصدقاء

أبول من الكسلِ في حوضِ المغسلةِ في غرفتي الصغيرة

ولا انترنت يسمح لي بسماعِ أغنية

Continue reading

الصحراوي/الزراعي

الصحراوي ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء
أن تظل سائراً -
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي
في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع
 أن أنظر إلى وجهها
هذا هو -
طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي
وكم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق

.

ما أطول الزراعي

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

.

IMG_6397

أمثولة عن البطولة والطريق السريع

wpid-301372846373346123_6860517-2012-11-16-08-23.jpeg

إنت بتكلمني عن حاجة شبه إنك – بطولك كده، وإنت على رجليك – هتروح توقّف العربيات ع الطريق السريع. ممكن تكون من الهبل والانتحارية بحيث إنك تجرب تعمل كده فعلاً فتتفرم ع الأسفلت عادي (مع إن أنا عن نفسي مش شايف أي حاجة بطولية أو نبيلة في كده)، بس الأرجح يعني إنك عارف وفاهم وبتقول كده وخلاص (ليه، ما أعرفش… يمكن بس بحكم العادة)، وفي الحالتين أنا مطلوب مني أسمعك وأصدق على كلامك وأنا عارف إنك كداب أو يعني يا عبيط يا بتستعبط (اللي هو عدوان منك عليا يمكن أبشع من عدوان العربيات نفسها). الطريق السريع موجود يا رفيق، والعربيات هناك ماشية بسرعة تفرم أي حد، وعموماً يعني أنت عارف تروح منين لو هتروح وعارف إن أنا مش جاي معاك. إيه بقى الصعوبة ف إنك تكلمني عن أي حاجة تانية، أو تسكت؟

الكوب الألّاوي: محمود المنيراوي

wpid-275527174407592560_6860517-2012-09-16-17-31.jpeg

photo: Youssef Rakha

؏

ساكتٌ، قاعدٌ، راكنٌ ظهري إلى الحائط خلفَ الباب

عيوني تدور كأنما تتبعُ فراشة تحومُ حول المصباح؛

وأهلي في اضطراب من سكوتِي

أمي تُعدُّ لي الكمّادات والذي منه

أخي خرجَ ليبحثَ عن طبيبٍ “شاطرٍ”

وعاد إليَّ بشيخٍ ينفثُ كسحليةٍ آية الكرسي في كوبِ الماء

يمسكُ قبضتي، يفتحها إصبعاً إصبعاً؛

ويضعُ في كفِي كوبه “الألّاوي”

يصكُّ أسنانه ويقتلعُ حرفَ الشِين من بينِ لسانه وحنكهِ الأعلى

- اشرب يا ولدِي، وسَمِّ الله

لا حراك

يقعُ الكوبُ فينكسرُ؛

فتهربُ نملة من مائهِ؛

وتشربُ الأرض حروف الله دون أن يتشقق البلاط!

يحاول صاحب اللحية بمسبحةٍ أن يدغدغني

لا حراك

كفاه خوذةً حول جمجمتي

يقرأُ ما تيسر من القرآن ويضغط

لا حراك.

الشيخُ على ركبتيهِ أمامي

العائلة حولنا كإسورةٍ تدور

عقربُ الساعةِ يتحرك

وحشرجة لبابِ الغرفة

إذ تطلُّ أختي بنصفِ رأسها من خلفِ البابِ لتطمئن

منفضة السجائر الممتلئة على آخرها وقعت

الرمادُ يطير

ابنة أختي تنسلُ من يدِ أبيها وتسيرُ “دادا دادا”

تخرجُ من الغرفة

ومن شقٍّ طوليٍ بين البابِ وإطاره، تبعتها بعينيَّ

تسيرُ “الدادا دادا”

إلى أينَ تذهب؟ أقولُ في سري؛

تذكرتُ الدَّرَجْ

صرختُ بأعلى صوتي البنت والدَّرج البنت والدَّرج.

ذهبت العائلة كلّها تجري؛

وتركوا لي الشيخ وحده

فقلت له : كُس أمك.

.

محمود المنيراوي

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

Continue reading

قصيدة جديدة: ما أطول الزراعي

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري الهايواي مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

نص محمود المنيراوي: أهلاً بشعب

wpid-untitled-2012-08-12-17-58.jpg

.

أهلاً بشعب

محمود المنيراوي

.

؏

.

علّمونا (ويا ليتهم نفخونا) أن نحب بلاداً

لا نراها، أن نصطفَ كأباريق الجوامعِ صباحاً

نقول النشيد بعيونٍ نسيناها في السرير

أن نعلّق صوراً لشهداء لا نعرفهم، ونحن نرسم

العلم بالأبيض والأسود؛ أن نحتفل بيومِ أرض

ضاقت بنا؛ أن الأرض رملٌ وبيتٌ أو حظيرة؛

أن السلام سيفٌ يقطفُ رؤوسنا والنصرُ دمٌ يسيل

من فروجِ نسائهم؛ العلمُ سلفي برجلٍ مسلوخة

والمرأة ضلعٌ مخلوع من شجرة؛

الهزيمة (إن شاء الله) يوم القيامة

وباب المدرسة مخلوع لأن مظاهرة مرّت

فأهلاً بمظاهرات تسرقُ بلاط منشآتنا العامة

أهلاً بشعب مُختار لركوبِ الحمار

؎

أيامنا “هوليداي” عدا الجمعة، حين نصلي

لـ”حكاوتي” يحبُ ابن الخطاب ولا يعرفُ شيئاً عن “كلينتون”

غير “مونيكا”؛ وإن آتيت الدُبر كأنما تزرع شجرة تفاحٍ

في صحراء. محمد سيدنا يقولُ إنا سواسية.

والموز لا يدخل إلا بيت ديوثٍ. أما الخروج على الحاكم

الخارج على شعبهِ ردة؛ والله لا يقبل الصلاة

بالمناكير! خيرُ أمةٍ أخرجت للبكاءِ واللطمِ

قوم يصبون الزيت المغلي على أجسادهم ثم يسألون

بضعفِ مهرج لم يضحك جمهوره ما بالنا صرنا عظاماً

وهياكل أساطير تغبّرت بالنسيان، يزورنا سياحٌ ملونون

من كل فجٍ، كأننا فاكهة تساعد على هضمِ التاريخِ

أهلاً بنا وبلوننا المجروح، بمعاركِ العبيدِ على الطاعة

وبصاحب “الجلابية” في زمنِ المارثون

؎

أهلاً بشعبٍ كلما أخذ على قفاه انتصر

شعب عجين كيفما أرادوه كان

شعب مُعلّبِ في القضية

أهلاً بسلع تُباعُ

بملحِ الدعاء

.

محمود المنيراوي

بمناسبة مقتل الجنود في رفح

wpid-img_3932-2012-08-7-03-05.jpg

بمناسبة أحداث “نايل سيتي”

***

هو لطيف قوي إنك تبقى متوقع مني أعيش حالة الشحتفة الوطنية على أفراد الجيش اللي ماتوا بعد ما شفت اللي عملوه في إصحابي وحبايبي في الشوارع وشفتهم بيعملوه بحقد وغل ما لوش أي علاقة بإنهم بينفذوا أوامر يعني، بس الألطف كمان إنك تحاول تفهمني إن المسئول عن موت الأفراد دول ناس شفتهم بعنيا وشفت إنهم ما يختلفوش عني وعنك في أي حاجة على الإطلاق، وهما كمان بيتسحلوا في الشوارع عادي… أما بقى ألطف حاجة على الإطلاق فهي إنك تفهمني إن موت العساكر دول هو مسئولية حصرية لقيادات الجيش اللي هي زي ما هي من عشرات السنين وإن ما لوش أي علاقة بالإخوان وحماس والملحقات الظريفة بتاعتهم سواء هنا أو في غزة. ومع كل ذلك، الألطف لسه جاي.

***

في حد محتاج يستوعب إن خط الحدود اللي بينا وبين غزة مفتعل من الأصل، الامتداد البشري وحتى اللغوي متصل، وفكرة إن دول ناس وإحنا ناس فكرة منافية للحقيقة (يعني لو حاسس إن فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل العريش والقنطرة شرق يبقى فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل غزة). المصري اللي بيمارس عنصريته على غزة لمجرد إن فيه ظرف سياسي هو أصلاً مش طرف فيه يمكن حتى أوسخ من المسلم اللي بيمارس طائفيته على جاره المسيحي.

في نفس الوقت – وبغض النظر عن إن حماس ولاد دين كلب بكل المقاييس، وبغض النظر عن “العدو الصهيوني” والمجلس العسكري والإخوان المسلمين اللي هما كمان ولاد دين كلب برضه بكل المقاييس – لو فيه حد مسئول عن جريمة في الحدوتة دي كلها الحد ده هو الإسلام السياسي اللي بشكل أو بآخر الإخوان وحماس كمان بيعبروا عنه ومسئولين عن وجوده (سواء في سينا أو في غزة أو في القاهرة أو في أي داهية سودا ما تفرقش) والجهات دي بتعمل كده لخدمة أغراض سياسية يا إما نفهم هي إيه بالمعلومات يا إما نبطل فتي.

في ضوء ده بقى – وبغض النظر عن الحزن المشروع على بنيآدمين اتقتلوا يعني – موضوع الوطنية الشعبوية اللي بتمجد “حرس الحدود” وواه يا عبد الودود وما ذقت لحم الضان والكلام الحمضان المبضين ده فعلاً بيخلي الواحد عايز يرجّع. وإنهم يا عيني مسلمين وكانوا يا عيني بيفطروا. على أساس إنهم لو مسيحيين أو ده حصل في شهر غير رمضان مثلاً يبقى عادي!

حدود إيه اللي بيحرسوها؟ ما هو إنت عارف زي ما أنا عارف زي ما هما نفسهم عارفين إن شغلتهم التاريخية تنفيذ أوامر الجيش الإسرائيلي فيما يخص الدخول والخروج من غزة. بس. وإن ما عندهمش لا الحق ولا القدرة العسكرية يمنعوا أي تحرك عسكري في المنطقة من أساسه. ولما هما ليهم أي تلاتة لازمة أمنية، اللي حصل ده حصل إزاي؟ أفتكر يعني “بطولة” الجيش المصري في السنة ونص اللي فاتوا أصبح يتضرب بيها المثل فعلاً بس مش في حماية الحدود.

فارحموا دين أهالينا بقى ينعل أبو أشكالكو.

***

ملاحظتين ع السريع:

١-موضوع الخلافة ده (وبما إني شخصياً بحثت فيه كمعادل خيالي للحركة القومية اللي أثبتت فشلها في سياق رواية كتاب الطغرى) هو في أعماق أعماقه عبارة عن خيال علمي مش أكتر. ولو من سنة ١٩٢٤ لحد دلوقتي لسه المسلمين ما اتعلموش إنها فكرة فكسانة فيبقى ده دليل على غباوة وتخلف المسلمين (اللي هو فيه أدلة كتير تانية عليه يعني بغض النظر). لكن حتى بفرض إن ممكن يبقى فيه أي حاجة ليها أي معنى اسمها خلافة، فيعني الشرط الأساسي لوجود الحاجة دي هو إنها تتعامل مع هنا الآن، تأكد مش تنفي قيم وشروط العصر بكل ما فيه (وبما فيه حرية العقيدة وحرية التعبير)، مش تحول “الإسلام” لمسلسلات دينية هابطة عن حرب المؤمنين مع الكفار بشروط الجزيرة العربية في القرن السابع.

٢-مسألة حماس الأصدقاء المسيحيين لرفض الإسلام السياسي ما ينفعش يبقى أساسها طائفية مسيحية مستعدة تعرّص مش بس للكنيسة المنضوية تحت نظام يوليو زيها زي الأزهر وللفاشية العسكرية اللي قتلت المسيحيين زي ما قتلت المسلمين بمباركة أمريكا لأ وكمان للأصولية المسيحية اللي رافضة المسلمين أساسا من منطلق عقائدي. يعني الأقباط يا إما يناصروا العلمانيين المسلمين لإن هما كمان علمانيين بجد يا إما يدافعوا عن طايفتهم من منطلق “مصر للمسيح” و”المسلمين ضيوف علينا” وحاجات شبه كده؛ وفي الحالة التانية هما أقرب بكتير للسلفين رغم اختلاف الشكل الخارجي لكل من الطرفين.

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

كسر الحصار أو دعاء الرجوع من غزة، مايو ٢٠١٢

This slideshow requires JavaScript.

لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطاتك. أن توّقع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب

أن نحيا كراماً

wpid-102dbd33-441f-43a0-8945-fbdaf2f30e6a-2012-04-5-06-24.jpg

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨

منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.

ومن ثَمّ فهناك قسم كبير من “جيل الثورة” (وإن لم يعترف بذلك) يدفعه التباس ولائه الطبقي إلى رؤية التأسلم الأصولي المتفشي منذ السبعينيات – والذي أصبح، عكس ما يبدو للمراقب من بعيد، حجر زاوية في النظامين السياسي والاجتماعي بعد التسعينيات – باعتباره النهج الفاعل أو الوحيد لتمكين الطبقة العاملة أو “الناس العاديين” من المشاركة السياسية أو المساهمة في تحريك المجتمع والسعي إلى “حياة كريمة” داخله؛ ويكثر في هذا الصدد تنظير أجيال لم تر مصر قبل التسعينيات لمناقب التأسلم الأصولي سواء أعلى المستوى السياسي (ما عاناه “المناضلون” و”المفكرون” الإسلاميون من سجن وتضييق وتعذيب) أو على المستوى الاجتماعي (كيف ساهم الحجاب في حرية الحركة والعمل لدى المرأة الريفية) أو حتى على المستوى الفكري (إن إحساساً “ملحمياً” يكمن في برامج الصحوة الإسلامية المطروحة يميّز هذه البرامج عن برامج النظام السابق ويعلي من شأن القائمين عليها – والذين لا يؤهلهم سوى مظهرهم وترديدهم للثوابت العقائدية الممجوجة في مكانها وفي غير مكانها – حد عصمتهم أو على الأقل احترامهم، خصوصاً إذا ما كانوا قريبين إلى التربة الطيبة وأهلها الأصلاء)… وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”! إن “مليونيات” تأييد “المرشح السلفي” حازم صلاح أبو إسماعيل والدفاع الأعمى عن جهل وطائفية وقصور “داعية” أو “محام” ليس مؤهلاً لأن يضيف إلى الحياة السياسية سوى مخاطر من قبيل تعطيل السياحة ومفاقمة المشاكل الجنسية والنفسية القائمة بالفعل فضلاً عن قمع الإبداع والتفكير – “بما لا يخالف شرع الله” طبعاً ولا يخالف الرغبة المعلنة لغالبية الشعب المسلم المتدين – إن هذه المليونيات إنما تعبر عن احتياج جمعي إلى زعيم صالح، إلى بطريرق أو إله. ولا يعي هذا الاحتياج ثمن الزعامة المحتملة أو يهتم بأكثر من شعار سيظل صاحبه نفسه غير قادر على تفنيد معانيه أو ترجمتها إلى سياسات يمكنه – حتى هو – أن يعيش بها…

بيد أن انتخابات الرئاسة قصة أخرى – قصة عبثية في غياب دستور يحدد صلاحيات الرئيس ومن ثم قابلية البرامج المعروضة على الناخبين للتطبيق في حال نجاح أصحابها – وليس المقصود بالكلام عن نبرة التعاطف مع نواب يُفترض أنهم “غلابة” دحض المشروع “الإسلامي” الثابتة لاجدواه في اعتقادي سواء أفي الصومال والسودان وأفغانستان أو في السعودية وإيران وباكستان. المقصود هو طرح سؤال صادق عن مكان ذلك المشروع مما حدث على طريق التغيير ودوره الحقيقي أو المنتظر في المستقبل المنظور، وعن مكان التأسلم كاختيار طائفي رخيص ليس فقط لاستبدال موقع طبقي “ضعيف” بموقع شرعي “قوي” ولكن أيضاً لتنحية الأسئلة الأخلاقية الحاضرة والتي لا تكاد تتقاطع أبداً مع أسئلة الشرع التي يطرحها “الإسلام” تحت قبة البرلمان. فمَن يحرّم اختلاط الرجال بالنساء يدافع عن الحق في تزويج الفتيات في عمر اثني عشر عاماً، ومن يجاهد “الزنا” يسمح بتعدد الزوجات بلا حجة “فقهية” تبرره. وقد يبلغ التشدد في فرض فكرة “جزيرية” عن الشرع ارتكاب ما يحرّمه الشرع بالفعل – خلاف أن المنافقين كانوا إخوان الشياطين – حيث يذهب أحدهم مثلاً إلى أن تعلم اللغات الأجنبية محرم (والحديث النبوي الشهير يقول “اطلبوا العلم ولو في الصين”) أو تُرجع إحداهم مسئولية التحرش الجنسي المنتشر كالوباء إلى تبرج النساء اللاتي تتعرضن إليه بشكل يومي (وهو عكس ما يمليه الشرع على الرجل المسلم بأن يغض بصره، دعك من أن يغض لسانه ويديه)… ولا غرو في ربط هذه التوجهات بالانتماء للطبقات الاجتماعية الدنيا، غير أن نصرة الطبقات المعنية بوازع أخلاقي لا يمكن أن تبرر التسامح مع خطابات لا أخلاقية أو سياسات “ثورية” على هذه الدرجة من الرجعية والتناقض. وليس في الكلام “الليبرالي” عن حرية كل شخص في العيش كما يريد أي حجة من أي نوع على هذا الصعيد: إن مكاناً لا يدخله إلا الملتحون لابد أن يشعر فيه الحليق بالغربة ومن السهل أن يتعرض فيه أيضاً للقهر. ولا أظن رباً في الأرض ولا السماء من التفاهة بحيث يقيّم الصلاح والتقوى على أساس شعر الوجه. فهل فيما أحسه الآن نوازع طبقية؟ وهل أصبح التأسلم لدى نظرائي ختم الأصالة “اليساري”؟ أو هل يطرح التأسلم أصلاً رؤية سياسية؟ وإن فعل، فهل هي رؤية تبعث على رفاه و”كرامة” الإنسان؟

wpid-2012-04-0606-21-52am-2012-04-5-06-24.png

غزة منذ عام

٢٨ ديسمبر، ٢٨٠ قتيلاً

وأنت قاعد في الماء في أبو ظبي، تأتيك «الجزيرة» صوتاً بلا صورة من الغرفة المجاورة للحمام، لا تستطيع أن تضع نفسك محل أهل القتلى المارقين على الشاشة كأشباح معدين للعذاب. أن تكون جالساً مع أمك، مثلاً، ثم تسمع فجأة دوياً، وإذا بالحائط سقط وقسم رأسك أمك نصفين. حتى والناس يُسَخون أمام عينك في الامتداد الطبيعي والبشري للبلد الذي جئت منه،والعسكريون الإسرائيليون يشرحون (بلهجة فلسطينية مكسرة) أن الجيش الإسرائيلي قوي، قادر على استئصال الإرهابيين، لا تستطيع أن تستحضر كم هو مروّع ما يحصل الآن في غزة. «آخرك» دمعة شاردة أو ضيق عابر في التنفس لعله ينفث أحزاناً شخصية لم تُحسم في رأسك. تسترجع قصيدة كتبتها قبل القصف (انظر الصورة) وتصوغ دراما عبثية عن بيت عائلة لأربابه ـــ نحن ـــ مصالح مع الآخرين: أمس جاءنا الآخرون فاستقبلناهم بترحاب وتفانينا في ضيافتهم. استمعنا إلى شكواهم من سلوك أهل بيتنا المارقين. وعندما أخبرونا أنهم راجعون غداً لتأديبهم لم نعترض، لم تتغير نبرة صوتنا المحتفية بوجود الآخرين. فقط نسّقنا وإياهم فتح أبواب البيت وإزالة العوائق المحتملة من طريقهم، ثم حصار أهلنا الذين يريدونهم في غرفة بعيدة. واليوم عاد الآخرون بالسكاكين وصاعقات الكهرباء، عادوا بالمسدسات الكاتمة للصوت، الكمامات والخوازيق. ونحن كما نحن في بيتنا، نسد آذاننا عما قد يفلت من صرخات في الغرفة البعيدة. نسأل الآخرين على استحياء إن كان يمكن أن نكفن جثث أهلنا الخارجة من هناك بلا ملامح، جثة بعد جثة. ونشكرهم بفرح حقيقي عندما، من فضلهم، يسمحون.
تصوغ هذه الدراما فتضحك من غرابتها، وأنت قاعد في الماء في أبو ظبي، لا تستطيع أن تستبدل نفسك بأهل القتلى. لكنك تتذكر وجه السائق السمين ذي الجلباب الأزرق يبرئ كل الجهات المعنية من مسؤولية الركود الاقتصادي المترتب على إغلاق المعبر إلا «اليهود»، السائق الذي أجلسك على أرض بيته الموبوء بالذباب والفقر، في رفح، ثم اصطحبك إلى أقرب ميكانيكي في طريق العودة إلى العريش وأشار ــــ عند مروركما بحقل واسع ــــ إلى تلة بدت أقرب من أي شيء: «ها دي فلسطين». تتذكر السائق وأنت تتابع، بشغف بذيء، صعود عدد القتلى من ٢٨٤ إلى ٢٨٧ ــــ غداً يصل إلى ٣٥٠ ــــ ويعود إلى رأسك مشهد وزيرة خارجية إسرائيل صحبة الرئيس في القاهرة، قبل يوم. وأنت قاعد في الماء تتعافى من شرخ شرجي فاقمه الإمساك ولا تعرف ما الذي سببه، شيء غير الغضب والفجيعة يعقد لسانك. «آخرك» ضحكة بلهاء على دراما غريبة صغتها بديلاً للدمعة الشاردة وضيق التنفس. فتقسم أنك حالما تقوم من الماء، ستصوب «الريموت» الأسود ككلاشنكوف إلى «الجزيرة» فترديها صريعة «روتانا سينما» في جزء من الثانية، ولا تعود إلى التلفزيون بعد ذلك إلا لترديه كله صريعاً

Reblog this post [with Zemanta]

٢٨ ديسمبر، ٢٨٠ قتيلْ

For a week now, I have subjected myself for an hour or more every day to Al Jazeerah’s coverage of the Israeli assault on the Gaza Strip. It is no fun seeing bleeding and disfigured children, hysterical women who have just lost loved ones, helpless civilians asking “Why”, old men invoking the wrath of God (not on their assailants per se, but on the fellow Arabs, the Egyptians especially, who have abandoned them). It is quite painful, studying the expressions on the faces of hospital staff as they complain that, for dire lack of resources, they are forced to watch people die, while eternally exonerated and remorseless Israeli officials declaim, with perfectly straight faces, that their effort to rout Hamas is in the benefit of the Palestinian majority. 

Yet somehow, as an an Arab – as an Egyptian, especially – I feel that watching Al Jazeerah at a time like this is a necessary penance. According to a Hadith of the Prophet Mohammad, whoever sees wrongdoing must change it, if not with his hand or tongue then with his heart, “and that is the weakest faith”. Watching Al Jazeerah at a time like this is an exercise of the weakest faith: the faith of someone who can or will do no more, because there is little more to be done. To place oneself in the audiovisual thick, to remind oneself that Gaza is in every imaginable way the geographic and demographic extension of north Sinai, an organic part of Egypt, and to admit that, notwithstanding the politics of occupation or of peace, Egyptians are content to watch while the people of Gaza are mass-murdered across (and on) the border – that is the weakest faith. 

As a liberal and pragmatic follower of the news, I feel it is a copout – and hypocritical – to blame the Egyptian government for its opposition to the political Islam embodied by Hamas and its insistence that Israel alone should handle the problems of land occupied, or effectively occupied, by Israel. But as a liberal and pragmatic follower of the news, I am disgusted not only with Israel but also with the UN Security Council, with a world order that gives such murderous maniacs the means and the justification to perpetrate such atrocities at will – and with Egypt’s being part of the whole process. And so, suffering the occasional bout of empathy with suicide bombers and the frequent bout of sympathy (against my better judgement) with Hamas, I sit back in my apartment in Abu Dhabi, intently watching Al Jazeerah and muttering to myself:

“And that is the weakest faith.”

 

وأنت قاعد في الماء في أبو ظبي، تأتيك «الجزيرة» صوتاً بلا صورة من الغرفة المجاورة للحمام، لا تستطيع أن تضع حالك محل أهل القتلى والجرحى المارقين على الشاشة كأشباح معدين للعذاب. أن تكون جالساً مع أمك، مثلاً، ثم تسمع دوياً مفاجئاً وتشعر بارتجاج – وإذا بالحائط قد سقط وقسم رأسك أمك نصفين. حتى والناس يُمسَخون أمام عينك في الامتداد الطبيعي والبشري للبلد التي جئت منها، والعسكريون الإسرائيليون يشرحون (بلهجة فلسطينية مكسرة) أن الجيش الإسرائيلي جيش كبير، الجيش الإسرائيلي جيش قوي، الجيش الإسرائيلي قادر على استئصال الإرهابيين والمخربين مهما حاولوا الاختباء أو الهرب عبر الحدود، لا تستطيع أن تستحضر كم هو قبيح ومروع ما يحصل الآن في غزة. «آخرك» دمعة شاردة أو ضيق عابر في التنفس لعله ينفث أحزاناً شخصية لم تُحسم في رأسك. تسترجع قصيدة كتبتها قبل القصف (انظر الصورة) وتصوغ دراما عبثية عن بيت عائلة لأربابه – نحن – مصالح مع الآخرين: daftar

أمس جاءنا الآخرون فاستقبلناهم بترحاب وتفانينا في ضيافتهم. استمعنا إلى شكواهم من سلوك أهل بيتنا المارقين. وعندما أخبرونا أنهم راجعون غداً لتأديبهم لم نعترض، لم تتغير نبرة صوتنا المحتفية بوجود الآخرين. فقط نسقنا وإياهم فتح أبواب البيت وإزالة العوائق المحتملة من طريقهم، ثم حصار أهلنا الذين يريدونهم في غرفة بعيدة. واليوم عاد الآخرون بالسكاكين المميكنة وصاعقات الكهرباء، عادوا بالمسدسات كاتمة الصوت والخيوط الحديدية، الكمامات والأحماض والخوازيق. ونحن كما نحن في أرجاء بيتنا، نسد آذاننا عما قد يفلت من صرخات في الغرفة البعيدة. نسأل الآخرين على استحياء إن كان يمكن، من فضلهم، أن نكفن جثث أهلنا الخارجة من هناك بلا ملامح، جثة بعد جثة. ونشكرهم بفرح حقيقي عندما، من فضلهم، يسمحون.

 

تصوغ هذه الدراما فتضحك من غرابتها، وأنت قاعد في الماء في أبو ظبي، لا تستطيع أن تستبدل نفسك بأهل القتلى والجرحى. لكنك تتذكر وجه السائق السمين ذي الجلباب الأزرق يبرئ كل الجهات المعنية من مسئولية الركود الاقتصادي المترتب على إغلاق المعبر إلا «اليهود»، السائق الذي أجلسك على أرض بيته الموبوء بالذباب والفقر، في رفح، ثم اصطحبك إلى أقرب ميكانيكي في طريق العودة إلى العريش وأشار – عند مروركما بحذاء حقل واسع – إلى تلة بدت أقرب من أي شيء: «ها دي فلسطين». تتذكر هذا السائق وأنت تتابع، بشغف بذيء، صعود عدد القتلى من ٢٨٤ إلى ٢٨٧ – غداً يصل إلى ٣٥٠ – ويعود إلى رأسك مشهد وزيرة خارجية إسرائيل صحبة الرئيس في القاهرة، قبل يوم. وأنت قاعد في الماء تتعافى من شرخ شرجي فاقمه الإمساك ولا تعرف ما الذي سببه، شيء غير الغضب والفجيعة يعقد لسانك. «آخرك» ضحكة بلهاء على دراما غريبة صغتها كبديل للدمعة الشاردة وضيق التنفس. فتقسم أنك حالما تقوم من الماء، ستصوب «الريموت» الأسود ككلاشنكوف إلي «الجزيرة» فترديها صريعة «روتانا سينما» أو «ميلودي أفلام» في جزء من الثانية، ولا تعود إلى التلفزيون بعد ذلك إلا لترديه كله صريعاً.

 

alakhbar