وديع سعادة: شاعر روحه من زجاج

wpid-img_2556-2012-07-1-02-32.jpg

أنديرا مطر- بيروت

نستعير الصورة من إحدى قصائده. رجل يمشي في ثنايا ردائه. وكدت أكتب أن روح وديع سعادة من زجاج، قبل أن يفاجئني بقوله «ان الشعر سلبني الرغبة في أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وفي أن أكون أقل رهافة لئلا تكون روحي من زجاج».

أخذنا علماً بأن روح الشاعر الذي لا يزال، منذ ربع قرن في استراليا وزار لبنان أخيراً لبعض الوقت، أو لبعض الغياب، من زجاج. ولكن ماذا عندما يتحدث عن عمره على أنه مجموعة هائلة من السنوات وعليه أن يبيدها بمطرقة!

الأكثر رقة من قصائده الرقيقة والجميلة، الشاعر الاقرب الى اللامرئي.

● نلحظ في قصائدك شذرات ونتفاً من سيرة ذاتية، هل وديع سعادة يؤرخ حياته من خلال شعره، هل القصيدة وثيقة شخصية؟

- لا يكتب الشاعر إلا ذاته، وذاته شبيهة بذوات ناس كثيرين. ذلك يعني أن كتابة الذات هي كتابة الآخر أيضاً، وإذ يؤرخ الشاعر حياته يكون كذلك يؤرخ حياة الآخرين. من هنا فإن الشاعر لا يكتب وثيقة شخصية فحسب إنما وثيقة جماعية كذلك.

● ثمة مناخ رثائي حزين في معظم قصائدك. بسهولة، ينفذ حزنك الى روح الآخر، متى يفرح وديع سعادة ويكتب هذا الفرح؟

-لا أظن أن الشاعر في مقدوره أن يفرح وهو يرى أحزان البشرية وآلامها وانكساراتها المتتالية. كيف يفرح أمام كل هذا الدم الذي يراق في الحروب، وأمام مليارات الجائعين، والعاجزين عن شراء دواء، والمقموعين، المحبطين، والمشردين؟ الشاعر الرائي لا يفرح. من يفرح هو الذي لا يرى.

 

عائلة واحدة

● مفردات الطبيعة تكتسب في قصائدك دلالات معاكسة لتلك التي تملكها عادة، الشجرة تصير انساناً والغصن شرياناً يسري فيه الدم، أي علاقة تربط وديع سعادة بالطبيعة وكيف أنسنتها وادخلتها في مناخات شعرك؟

- ولدتُ في قرية وادعة، حيث كان الناس يعيشون مع أشجارهم وحقولهم كعائلة واحدة. الناس هناك قطعة من الطبيعة والطبيعة قطعة من أجساد الناس وأرواحهم. إذا ذبلت شجرة يذبل صاحبها وإذا مرض صاحبها تمرض هي… كبرتُ، وكبرت تلك القرية في روحي وصارت كأنها هي العالم كله. وهكذا، على الأرجح، صارت الأشجار في شعري بشراً والبشر أشجاراً تمشي.

● وديع سعادة انت وحيد، وهذا يبدو جلياً في شعرك؛ كيف تعيش وحدتك في الغربة، استطراداً هل وحدة الشاعر مختلفة عن وحدة الناس العاديين؟

-لا تختلف الوحدة بين إنسان وآخر إلا بقدر ما يحمل صاحبها من مشاعر مرهفة. لا أقول إن الشاعر هو الأكثر إرهافاً من سواه، فثمة ناس عاديون تخالهم زجاجاً ينكسر بأقل ملمس. وإذ تضاف الغربة الجغرافية إلى الغربة الروحية تصير الوحدة بلا شك أكثر إيلاماً.

 

بعيدا عن التنظير

● هل سلبك الشعر الذي كرست له كل حياتك، حلماً أو رغبة ما؟

- سلبني الشعر رغبة أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وأن أكون أقلَّ رهافة لئلا تكون روحي من زجاج.

● لماذا يتجنب وديع سعادة الحديث عن الشعر، أشكاله، أساليبه، مدارسه ، هل تتجنب التنظير ؟ وكيف تنظر للحراك الشعري الشبابي او لجيل التسعينات؟

- لا أحب التنظير في الشعر أو ربما أنا فاشل في ذلك. لكني أعتقد أن الشعر هو فوق التنظير وفوق الأشكال والمدارس. وبالنسبة إلى الحركة الشعرية الشبابية فلا يمكن الحديث عنها في المطلق، إذ ان فيها أصواتاً عديدة ومختلفة ولا يجوز تقييمها كأنها كتلة واحدة. يمكنني فقط القول، عموماً، ان الكلام عن قطيعة هذه الحركة، أو أي حركة أخرى، عما سبقها، هو كلام يفتقر إلى الدقة. فلا قطيعة في التاريخ الشعري، ولا أحد يولد من عدم.

● نلاحظ انك متمسك بقصيدة الصورة.. بأي عدسة تلتقط صورك الشعرية؟

- لا أعتقد أني متمسك بقصيدة الصورة. ربما يصح القول «قصيدة الرؤية»

الأمران مختلفان. فأنا أعتقد أن الكاميرا لا يجوز أن تكون هي عين القصيدة.

 

شاعر اللامكان

● وديع سعادة تنقلت بين مدن عدة، باريس لندن بيروت سدني، اي المدن اقرب اليك ولماذا ؟ استطرادا يشعر القارئ انك تنتمي الى.. اللامكان.

- لا أظن أن للشاعر مكاناً. هو يبحث عن مكان، ولا أعتقد أنه سيجده.

● تعمل في الصحافة منذ زمن، ما هو تأثير الصحافة في الشعر، هل هو سلبي أم ايجابي؟

- الصحافة، بما أنها معاينة يومية لما يجري في العالم، فإن أثرها في الشاعر هو أثر إيجابي، إذ أن الشعر هو معاينة يومية للعالم أيضاً. هذا ما أراه شخصياً وما أجده في تجربتي الشعرية، وكذلك في تجارب شعراء – صحافيين آخرين.

● تقيم في استراليا منذ 25 سنة. هل كان لانعكاس الثقافة الاسترالية على شعرك أي أثر في معجمك اللغوي وطريقة بنائك للصورة؟

- أي إقامة في أي مكان تترك روحاً ما في نفس الشاعر. وأستراليا تركت في نفسي روحاً أكثر مما تركت أثراً في معجمي اللغوي أو في طريقة بناء قصيدتي.

● في حوار لنا مع الشاعر محمد علي شمس الدين ابدى اعجابه بشعرك وقال تجربتك الشعرية مكثفة غير صارخة فيها ظلال ومساحات من الغيب. البيئتان مختلفتان من الجنوب اللبناني الى استراليا والمدرستان مختلفتان من الكلاسيكي الى المنعتق..هذا يعني ان الروح الشعرية واحدة ولو تعددت الاساليب؟

ـ أشكر الشاعر محمد علي شمس الدين على هذا الإطراء، وأعتقد أن كلامه هذا هو خير دليل على أن الروح الشعرية هي واحدة، نعم، ولو تعددت الأساليب.

 

استنسخَ طريقاً من حذائه *

وطوى الطريق، طيَّة طيَّة، ووضعها في جيبه.

وصار، عوض أن يمشي على الطريق، يمشي في ثنايا ردائه.

لم تكن هناك طريق، ولا حذاء له ولا ثوب. لكن قال ذلك كي يكون له مشي.

لم يكن له شيء. كان له القول فقط. كان له القول، والمشي في القول.

وقطعَ الدروب كلَّها مشياً على الكلام.

لا تلفظِ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق. قد يسمعها أحد في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي.

وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك.

وهكذا لا تزعج الماشين.

وإنْ أردتَ رفيقاً، فأيُّ رفيق أعزُّ من وحدتك؟

 

* (من المجموعة الأخيرة «قل للعابر أن يعود نسي ظله هنا»)

wpid-67070-2012-07-1-02-32.gif

وديع سعادة

عن جريدة القبس

إلى محمد أبو الليل في غربته*


“كتابىِ–، ولولاَ أنَّ يأَسي قد نَهى اشت***ياقي لذاب الطرس من حر أنفاسي
وبعد فعندي وحشة لو تقسّــمت
***على الخلق لم يستأنس الـناس بالنـاس”

أسامة بن منقذ

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.

الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.

وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.

في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،

عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.

نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد

أنها لا تشتري البقاء.

ساعتها تبدو الأبدية نفسها رخيصة.

نتذكر عهود الأبالسة وأن كل مياه الأرض لا تكفي

لابتلاع حبة دواء. أكتب لك بعد أن حفرتُ فتحةً في بطني

وألقيتُ أمعائي في النيل. هل كنتَ تعلم

أنني سأفقد ما لم أحصل عليه؟

حقول الأسفلت التي ذرعناها معاً

نتراشق الاكتشافات والأسرار، ويوم احترقتْ العجلة

على أعلى نقطة في الكوبري

ونحن غائبان في الحشيش والموسيقى

فوق المدينة التي بدت مثل زاوية صلاة

أسفل عمارة الدنيا ما بعد 11 سبتمبر –

أنت صمّمتَ على إكمال المهمة

حالما استبدلنا الكاوتش المدخّن،

وكانت أقراص السعادة في تفاحة حمراء من البلاستك،

قسمناها نصفين لنبتلع الأقراص على قارعة الطريق:

هل تذكر وقت كانت السعادة أقراصاً

يمكننا التقاطها من نصف تفاحة بلاستك؟ –

ويوم خلعنا ملابسنا في صحراء صغيرة داخل شقة

يعاد تبليطها فوق الميدان،

ويوم انقلبت أعصاب ذراعك أوتار معدن

يمكنني أن أعزف عليها بصوتي،

والهلوسات التي جعلناها شبابيك، ومشاجراتنا

حول النقود وسيناء، والحورية التي جلست بيننا

حتى مالت برأسها على كتفك وأنا راضٍ تماماً…

إلى أن – ذات يوم – مات كل شيء.

قُدنا السيارة إلى الشاطئ أو غابة النخيل

لنتأكد أنه لا يحيا.

أنت واصلت البحث عن مزاج مثالي

بينما تكتشف الفلسفة والكآبة، وأنا اختبأت في بيت أمي

لأكتب رواية. وحين تزوج أحدنا وأنجب الآخر،

لم يكن سوانا لنخبرنا بحقيقة ما يصير.

ظل لكل حدث حديث من الطول والتعقيد

بحيث قلتَ إنك مللتَ الكلام،

إن شيئاً في الكلام لا يؤثّر. وفي هذه القصة الأخيرة،

وحدك فهمت أنني لم أكن مخدوعاً

بقدر ما أردت أن أصدّق،

وأن ما جادت به الدنيا مجرد مشبك

لأسمال بللها لقاء عابر ستجف آجلاً أو عاجلاً

لأعود أرتديها كما خلعتها وارتديتها

ألف مرة أمامك.

كنت تعلم أنني لست سوى أحد أعراض مرض

لا يشبه أمراضنا كثيراً

وأنّ وعد الخلاص خطاب موجه

واللحم والدم محسنات بديعية.

سيتسنى الوقت لنتجادل

فيما لو كان الفيلم هابطاً وإلى أي حد،

لكنك لم تخبرني بأكثر من أن الواقع المشترك

لا يكون براقاً وبأنني لن أقوى على الانتظار.

أكتب لك، كما يقول روبيرتو بولانيو، بدلاً من الانتظار…

ولأن قلقك لم يكن في محله. الوحشة أفسدت كل شيء

لكن البدائل حاضرة طالما الأبدية على الرف

ومن رحمة النوائب أننا لا نحزن إلا على أنفسنا.

كنتَ تقول: أحبها وأحتقرها. الآن أستدعي ضحكاتك

وأنا أتهادى إلى الحمام. قطرات الماء البارد

قد تجلو هذه القورة. أفرغ المنافض في أوعية القمامة.

أصنع القهوة وأشربها.

وكل هذا الذي جرى لي وقتلناه نقاشاً

طوال عام عامر بالشِعر والبكاء:

مجرد وهم آخر أكرهه لأفقده

وحين أفقده أكف عن كرهه لأنه لم يكن هناك.

في الحلم كان كما لم أعد أشتاق إليه: رائعاً ومهلكاً

مثل أورجازم سماوي. خبّرني عنك ولا تقلق علي.

الحسرة للـ”جدعان”.


* بوحي قصيدة Exile’s Letter للشاعر الأمريكي إيزرا باوند

Exile’s Letter by Ezra Pound
From the Chinese of Li Po, usually considered the greatest poet of China: written by him while in exile about 760 A. D., to the Hereditary War-Councillor of Sho, “recollecting former companionship.”
SO-KIN of Rakuho, ancient friend, I now remember
That you built me a special tavern,
By the south side of the bridge at Ten-Shin.
With yellow gold and white jewels
we paid for the songs and laughter,

5

And we were drunk for month after month,
forgetting the kings and princes.
Intelligent men came drifting in, from the sea
and from the west border,
And with them, and with you especially,

10

there was nothing at cross-purpose;
And they made nothing of sea-crossing
or of mountain-crossing,
If only they could be of that fellowship.
And we all spoke out our hearts and minds …

15

and without regret.
And then I was sent off to South Wei,
smothered in laurel groves,
And you to the north of Raku-hoku,
Till we had nothing but thoughts and memories between us.

20

And when separation had come to its worst
We met, and travelled together into Sen-Go
Through all the thirty-six folds of the turning and twisting waters;
Into a valley of a thousand bright flowers …
that was the first valley,

25

And on into ten thousand valleys
full of voices and pine-winds.
With silver harness and reins of gold,
prostrating themselves on the ground,
Out came the East-of-Kan foreman and his company;

30

And there came also the “True-man” of Shi-yo to meet me,
Playing on a jewelled mouth-organ.
In the storied houses of San-Ko they gave us
more Sennin music;
Many instruments, like the sound of young phœnix broods.

35

And the foreman of Kan-Chu, drunk,
Danced because his long sleeves
Wouldn’t keep still, with that music playing.
And I, wrapped in brocade, went to sleep with my head on his lap,
And my spirit so high that it was all over the heavens.

40

And before the end of the day we were scattered like stars or rain.
I had to be off to So, far away over the waters,
You back to your river-bridge.
And your father, who was brave as a leopard,
Was governor in Hei Shu and put down the barbarian rabble.

45

And one May he had you send for me, despite the long distance;
And what with broken wheels and so on, I won’t say it wasn’t hard going …
Over roads twisted like sheep’s guts.
And I was still going, late in the year,
in the cutting wind from the north,

50

And thinking how little you cared for the cost …
and you caring enough to pay it.
Then what a reception!
Red jade cups, food well set, on a blue jewelled table;
And I was drunk, and had no thought of returning;

55

And you would walk out with me to the western corner of the castle,
To the dynastic temple, with the water about it clear as blue jade,
With boats floating, and the sound of mouth-organs and drums,
With ripples like dragon-scales going grass-green on the water,
Pleasure lasting, with courtezans going and coming without hindrance,

60

With the willow-flakes falling like snow,
And the vermilioned girls getting drunk about sunset,
And the waters a hundred feet deep reflecting green eyebrows—
Eyebrows painted green are a fine sight in young moonlight,
Gracefully painted—and the girls singing back at each other,

65

Dancing in transparent brocade,
And the wind lifting the song, and interrupting it,
Tossing it up under the clouds.
And all this comes to an end,
And is not again to be met with.

70

I went up to the court for examination,
Tried Layu’s luck, offered the Choyu song,
And got no promotion,
And went back to the East Mountains white-headed.
And once again we met, later, at the South Bridge head.

75

And then the crowd broke up—you went north to San palace.
And if you ask how I regret that parting?
It is like the flowers falling at spring’s end,
confused, whirled in a tangle.
What is the use of talking! And there is no end of talking—

80

There is no end of things in the heart.
I call in the boy,
Have him sit on his knees to write and seal this,
And I send it a thousand miles, thinking.(Translated by Ezra Pound from the notes of the late Ernest Fenollosa, and the decipherings of the Professors Mori and Araga.)


Enhanced by Zemanta