تهامة الجندي عن التماسيح

رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

wpid-img_4689-2013-04-1-01-36.jpg

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).

المقطع السابق يقع في سياق الصفحات الأخيرة من رواية «التماسيح»، للكاتب المصري يوسف رخا. لكن الرواية بحد ذاتها لا تتحدث عن ثورة المصريين، بقدر ما تحاول استشراف الظروف والمسببات التي أدت إلى حدوثها، ومن ثمة، إخفاقها في تحقيق مطالب الشارع المنتفض، ذلك من وجهة نظر شاعر ينتمي إلى جيل التسعينيات، يستعيد ذاكرة العقدين الأخيرين، ويعاين تجارب ومصائر أقرانه من النخب المثقفة، على اعتبار أنها طليعة المجتمع المصري، ومرآته، التي بإمكانها أن تعكس السلبيات والإيجابيات، كما التشوهات والأزمات على اختلاف تجلياتها.

يبدأ الزمن الروائي في العشرين من حزيران 1997، وهو تاريخ مفصلي سوف تتقاطع في تضاعيفه واقعتان: من جهة، انتحار المناضلة اليسارية رضوى عادل، وهي في السادسة والأربعين من عمرها، بعد أن أحبطها مآل الحركة الشيوعية وتقلبات الرفاق. ومن الجهة الأخرى ولادة حركة «التماسيح» للشعر المصري السري. أو كما يمكن أن يُقال أن الواقعتين هما ثنائية الموت والحياة. مع ذلك، فإن الرواية لن تقف عند هذه الثنائية، ولن تحتفي بتاريخ النضال أو حركة الشعر السري، كما يمكن أن يُخيّل للقارئ، بل سوف توغل في تعقب وتأويل ملابسات العلاقات المركّبة التي ربطت ما بين الشخصيات، سيما الأعضاء المؤسسين للحركة، وتحديدا العلاقات الحميمة مع الجنس الآخر، على اعتبار أن الجسد لا يكذب: «كنت أعرف أن أجسادنا تدلّنا، تكشف لنا أسرارنا، وتملي علينا هويتنا الأصدق في الحياة، وأن هذا فضلها حتى بعد أن تفسد أو تشيخ» (ص166).

wpid-img_4478-2013-04-1-01-36.jpg

الراوي الملقب بالفيتس، وباولو الأشقر دائم الامتعاض، ونايف الأسمر الجميل كعمر الشريف، أسماء وهمية لثلاثة أصدقاء في العشرينات من أعمارهم أسسوا حركة «التماسيح» التي لم تستمر فعليا لأكثر من عام، ثلاثتهم كانوا من المتمردين الحانقين على واقعهم، يتعاطون المخدرات، وكانوا بمثابة «غرفة مغلقة مصنوعة من التطلع إلى الشعر أو حياة تشبه قصيدة» وكانوا أيضاً «أكبر تماسيح البركة حجماً وأكثرها نشاطاً في اصطياد الثدييات الصغيرة الآتية للشرب ثم التناوب على قضمها بشهية لا تعرف الرحمة» ص (17-18). هؤلاء الشعراء سوف يقعون في هوى نساء متزوجات أكبر منهم عمرا: صبا الحقوقية المعروفة، نرجس الفنانة التشكيلية الجريئة ومون الشاعرة الغامضة، وسوف يكون لهؤلاء النسوة حكايات متشابهة وإن تباينت التفاصيل: «من تسلط أسرة فقيرة إلى إهانات ذوي اليد العليا في أماكن العمل المؤقت والفضاءات الثقافية أو شبقهم» (ص31) إلى رغبة في التحقق وإثبات الذات تفوق كل الرغبات، وتستغل كل الممّكنات، سوف تبدأ الصداقات والعلاقات الغرامية واعدة، وتنتهي جميعها بمزيج من الخيبة والمرارة مع بداية الألفية الثالثة، بعد أن عبرت شواطئ الفرح ومتع الجسد إلى محطات الخيانة والشجار والعنف.

هي شخصيات فاعلة بالمعنى الاجتماعي والثقافي، تتطلع إلى الانعتاق من تابواتها الاجتماعية، وتسعى إلى إنتاج وعي من نوع جديد، يحمل مؤثرات عصرها، تنعطف بالقارئ من خلال هواجسها وتجاربها الحياتية والإبداعية تارة نحو أسماء شعرية هامة مثل ألن غانسبرغ وبرهان ولي، وأخرى نحو تيارات حديثة كـ»الهيفي ميتال»وتجربة الأمن المصري في اعتقال «عبدة الشيطان»، وثالثة نحو نصوص جميلة من قبيل الذي كتبته علية عبد السلام سنة 1998: «أمام الله سأعترف /أن دموعي قريبة/ والحكام أوغاد/ وأن الحب مرض/ والناس شياطين صغيرة» (ص11) أو من قبيل القصيدة التي كتبتها مون في بداياتها: «اليوم أيضا/ زهور الخشخاش الحمراء الفاقعة/ تتفتح داخل ملابس/ لا يراها سواك/ وأعلى من وشيش السيارات المسرعة في الخارج/ صوت إيديث بياف/ يخبرني أن هذا الوجع/ هو طفلك الذي لن ألده…» (ص21).

وهي أيضا شخصيات تنتمي إلى شبكة واسعة من الفعاليات الثقافية، وترتبط بأشخاص معروفين يظهرون بأسمائهم الحقيقية. ومع كل علاقة وتجربة، كانت تفتح الباب على إشكالات اجتماعية ونفسية وسياسية، يعاني منها ليس فقط المجتمع المصري بل عموم المنطقة العربية، ليس أولها الكبت، وليس آخرها القمع وكم الأفواه. إشكالات أدت إلى وضع العصيّ في عجلات التغيير والإخفاق في نقل الذات والمحيط إلى مطارح أفضل: «كأن الأولوية ليست لتغيير الشيء قدر ما هي لإبقائه مشوّهاً أو مكسوراً» ص(149).

wpid-photo-1-2013-04-1-01-36.jpg

مع ذلك، هنا لا يمكننا الحديث عن شخصيات روائية مكتملة، لا بالمعنى التقليدي للكلمة ولا بمعناها الحداثي، كذلك هي الحال فيما يخص ترسيم المكان وبناء الحبكة وتشييد عمارتها، فالأحداث لا تكترث كثيرا بحيّز وقوعها، والتفاصيل لا تتوزع على فصول أو مشاهد أو عناوين، بل تندرج متتابعة في سياق أربعمئة وتسعة مقاطع بلا توقف أو استراحة. ما ينهك القارئ ويسلبه متعة التفكير في تضاعيف ما يقرأ، كأنه متن كُتب دفقة واحدة حتى اللهاث، يجتاز الأمكنة والأزمنة بلا تسلسل أو شكل، محكوماً بآلية التداعي وتناسل الأفكار، التي قد تتكرر في أكثر من موضع وتبعث شيئا من الملل، على الرغم من شعرية اللغة وعمق الدلالات.

ومع أن الرواية تنطق بضمير الأنا، غير أن الراوي يسلك سلوك السارد الخارجي العليم مع أناه وبقية الشخوص، إذ يضعهم على مسافة من وعيه، كي تتضح الرؤية أكثر، وتفسح مجالا أوسع للتأمل والتأويل، لكنه وهو يفعل ذلك يقع في فخ أحكام القيمة القطعية والجائرة أحيانا، سيما فيما يتعلق بالشخصيات النسائية، على الرغم من جماليات الصياغة: «بلا كلام أو حتى تفكير فهمنا أن ما نصدّره إلى المحيطين قناع، وأننا متميزون بالقدرة على ارتداء أقنعة من قبل أن نبلغ العشرين. وكان إنجازنا الحقيقي، وإن لم ندركه وقتها، أننا لم نخلط أبداً بين الأقنعة التي نرتديها ووجوهنا»… «إن نرجس نكتة، وصبا شعار، ومون كليشيه» (ص90).

رواية خاصة بمذاقها وآليات تشكيلها، معظم شخوصها من المبدعين، ومعظم أحداثها وقعت بالفعل، لكن الأفكار والتأملات حول التجارب والوقائع العامة والخاصة هي البطل فيها، والمحرّك الأساس. إنها أشبه بقراءة في محطات من سير شخصيات معروفة، قضت نحبها أو ما زالت على قيد الحياة. هي أشبه برؤية المستقبل بالنظر إلى تجارب الماضي، في زمن من الانقلابات المصيرية، التي اختلفت إزاءها ردود أفعال البشر من المشاركة إلى الصمت، وصولا إلى التأمل وإعادة تقييم ما عايشوه وعانوه في أزمنة الركود المطبق. وقد اختار الكاتب أن يكون من المتأملين المحبطين والمتشائمين: «بعد عشرة أعوام – وأنا أتابع من بعيد تطورات ثورة انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها، وحين جاءت مارقة كقطار أخير تركتنا مشدوهين على رصيف المحطة – أفكر في كوننا كلنا أصبحنا حالة أو مأساة: إن بقيت لنا ذكرى، ستظل فحوى ذكرانا في فضائح الحب والموت والإنجاب. وهل كان هذا كله من أجل أن نكون مادة مناسبة لنميمة عدد أكبر قليلاً من الناس؟ أشعر بجسدي غارقاً في الحساء وأنا أتساءل: كلّ هذا؟» (ص180)

تهامة جندي

المستقبل – الاحد 31 آذار 2013 – العدد 4647 – نوافذ – صفحة 14

 

اغمض عينيك تراني أمامك: جواب غرامي

بيروت-بشري-بيروت، 15 نوفمبر؛ ذكرى الواحات البحرية، 10 نوفمبر

Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your Flash plugin.

لم أدر ما طيب العناق على الهوى حتى ترفق ساعدى فطواك

وتأودت أعطـاف بانك في يدي واحمر من خفريهما خداك

beirutbsharre

12.07: “أبو شادي” يزفر، على جسر “سليم سلام”. لازلت، لاهثاً، أتوق إلى منقوشة. “العجقة”، يكرر. سينقّ طوال السكة؟ على الأقل، سمح لي أن أدخن. السيجارة بلا طعم من غير قهوة. “وين بدنا نروح من هون”؟ منذ لمحت كوعه على الـcase فيHotel Cavalier وأنا متوجس خيفته، هذا القصير الماكر؛ لو كنتُ فقط “تروقت” قبل أن أجلس جواره! كأنه بطل مصارعة أقزام. يتعاطى كأمير إمارة عفى عليه الزمن. لن أنسى نبرته يخبرني، لاحقاً، أنه يتحدث الفرنسية والإنجليزية “بتلااااااكة”!

لكن المطر كف وها هي “العجقة” تنفك. تتعثر “المرسيدس” عبر الطاقة القريبة، عكس السير. كففت عن الانتباه لدمدمته. متعباً، أصير لا أتحمّل. فقط “جبران خليل جبران” في رأسي، دونكِ. و”كاميون” جيش يصرخ وراءنا. دقائق وأبرح إلى المقعد الخلفي، على أية حال. جوار رفيقة دربي، “ليلى”، سنضحك. لا تمضي دقيقتان، صحبة “ليلى”، دون أن نضحك. رفيقة دربي التي لستِ أنت. متى أعترف أن الحنق مصدره غيابك؟ “أبو شادي” مُسَلٍ، لكن بلا كافيين؟ لا أعرف كيف أستحضركِ وسط هذه الملابسات. “ليلى” ستلهيني، أفكر. وعند دكان “قبلان” أُفْلِت بحجة انتظارها. حمرة خرافية على وجهك تتشبث بعينيّ.

wpid-p1040225-2013-03-18-17-15.jpg

12،15: نزوم، ممتقعين، عبر مرفأ بيروت. تأخرت الضحكات؛ لعله عوز النوم. وحده القزم الأرستقراطي يبقبق. عن أي موضوع مداخلته؟ لـ”ليلى” أن تجيبه، إن أرادت. على غير هدى تلفحني فتنة “ليلى”؛ كلما طالَعتُها فتنتني؟ لعله عوز النوم. لِمَ لا يعدي “أبو شادي” سكوننا، مع ذلك؟ “هو إحنا هنفضل كدا زي اللي قاعدين ف دكان حلاقة”، أسألها. صوتها من تحت اللحاف، بعد مدة: “إنت اللي شكلك قرفان بصراحة”! الطعام، والراحة. أنتحي الجهة المقابلة إذ يتبدّى البحر. في الظُهر تبرّح بي القهوة؟ الجوع والإدمان. الغيوم نزعت عباءتها. لؤلؤ على الأسفلت. من جديد يسعل السائق؛ أظنه سينكتم فيزاول.

أسترق النظر إلى “ليلى”. لا تستوقفني فتنتها – أف! طائر منمنم فوق برج بعيد. أطوي غلاف الدفتر الراقد في راحتي منذ “رياض الصلح”. على رأس الصفحة: “الحج إلى بيت جبران”. كيف، وقد أقصيتُك يائساً، انقلب صاحب مزارنا شفيعي؟ هنيهة لأستدرج أسطورة جبل لبنان من مخبأها، رغم أنفك: اليوم أختبر الشيء الذي أسمع عنه دون أن أراه. لكن بِركةً وامضة تتمثل عينك. خليج آخر يستشف جذعك من وراء. حتى وشوشة الريح كأنها اللهاث الذي نصدره سوياً – كم مرة أعدت إنتاجه في غير سياق؟ – وقت تبارينا على صعود تلة جير. سبقتك، ثم غلبتيني. أكاد أعطس ثم ألتفت ورائي. كم مرة ستتكرر المباراة؟

ولقد مررت على الرياض بربوة غَنّاء كنت حيالها ألقاكِ

12.20: Fade out تدريجي. استراحة قصيرة ثم يبدأ العرض. لا يبقى سوى الحركة. ذكراك وتهويمات باطنية. إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه، وإن كان وعر المسالك، زلق المنحدر. ويوغل الـFade out حتى تنزعني الهواجس: سوف تحبينني؟ معقول، أنا الذي ستحبين؟ “ليلى” تهبّ إلى صليب طائر. لاح “يسوع الملك”؛ قبل أن أتحقق من شكله يغيب، كل مرة. وإذا حدثكم فصدقوه، وإن كان لصوته أن يعصف بأحلامكم مثلما يعصف ريح الشمال بالبستان. “التلفريك” قصعة صفراء مثل صحن طائر وئيد الالتفاف. تليه قصعة بيضاء طبق الأصل، ثم أخرى؛ فقط اللون يتبدل.

على البعد ظِل قصر يميل. زجاج مضبب وقرميد زهر.

wpid-p1040231-2013-03-18-17-15.jpg

12.26: من الأمام مداخلات “أبو شادي” متصلة. بندول في جوفي. أتنهد. “هو الباشمهندس نظامه إيه معانا الليله دي” – أهمس لـ”ليلى” – “مش ناوي يتخرس حبتين”؟ الطيبة ضحكة عينيها. تشغفني محبة كالرمل. الصحرا البيضا، أتذكر. صفاء الرقاد والمجرات خرائط. ولوهلة، خلل “جونية”، يُمسَخ المشهد فيلم خيال علمي حيث المسير على طريق “بشري” يدنيني من خيمة تحتويك. رفقة fairy ضحكوك من كوكب الفاتنات، أدنو، يقود مكوكَنا فضائيٌ ثرثار. بيته كان في نجم إمارة الأقزام حتى اندثر ثقباً أسود. “يعطيك العافية أبو شادي”، أصيح. و”ليلى”، مخافة طوفان الضحكات، تتنحنح في وجه الشمس. يحمر جيدها، ألاحظ.

إلى متى أستوثق من حزني كي لا تخلّيني الحاجة؟ حتى مغارة “جعيتا”، صباح أمس، لم تكن إلا ميناء أقلعت منه إلى سباتك. ذقني على حافة الزجاج، أستنشق أنفاسك الهاربة. كل هذه المعالم وأنت في “ميدان التحرير”؟ أنبش الهيولى عن إناء يجمع دموعنا. لتبنِ بخيالك خميلة في الخلاء، قبل أن تقيم داراً وراء أسوار المدينة؛ فكما تعود إلى دارك مع الغسق كل مساء، كذلك الهائم الطواف فيك يئوب من أفقه البعيد وحيداً. رقبتي تقفو ذقني، حتى تفاحة آدم. وأنت لستِ لي. أفق يرقطه السنديان.

wpid-p1040405-2013-03-18-17-15.jpg

12.31: غادرنا “جونية”. “ليلى” تكبس أنفها في الزجاج. لم أتوقع أن ترتدي زياً رياضياً. “الله”! تصطنع الدهشة إذ أعلّق. “إنتو مش قايلنلي فيه ماتش”؟ في العودة من الواحات، كنتِ إلى يساري؛ هي، تفصلنا فسحة، إلى اليمين. “أنا أسمع كلمة جبل تلاقيني ضربت التِرِنْك وقمت نازلة”! أخيراً همد “أبو شادي”؛ لعلها اللهجة: يشيح عن مزاحنا. “ليلى” تغالب النعاس.

مازلتِ وكأنك في محط ثلاثتنا. حيث الأرزة، والنبع. قبل أيام، على طريق كالتي خلّفناها منذ برهة – بدل دفتري “الزغنطط” مفتوحاً في راحتي – كانت قبضة يدك حلاوة روح “ستاكوزا” أُخرجت لتوها من حوض ثلج. يدك “زغنططة” إلى مدى لا يصدق. ما خلا الضغط، لم تفقد نعومتها. هكذا أتجشم حضورك، والسائق المختال في صمته. صوتك، رويداً – لم تلهني “ليلى”، لكن الهذر ييسّر الالتماس – “الحاجات اللي إنت بتقولها دي عيييييب”…

wpid-img_2718-2013-03-18-17-15.jpg

12.39: صارت الحركة حلزونية. بيوت كأنها قوالب سكر تتدرج على السفح. “أبو شادي” يضرب “فريمات”. أسفلت ضيق. وعلو يشي بالسقوط. الذكرى والكركرة في آن. أقرب ما استشعرتُ غرامك في سيارة مثل هذه بـ”شوفير”، أكتشف، و”الستاكوزا” المتداعية تعصر إصبعي. الفرح بالوجع. لم أحسب تمسيد الشعر يغبط إلى هذا الحد. ثم طمأنينة الدموع.

أتطلع إلى شعر صديقتي: جماله، بالضبط، أنه ليس شعرك. “ألاقيكِ ضربتي إيه حضرتك يا أستاذة ليلي”؟ – وزاوية الحجر، كما هُيِئ لي، ترسم “بروفيلك” في الهواء – القهقهة شلالات. لغز الغياب أنه يفصّلك خصلة، أو إيماءة، أو ضغطة إصبعين. وكل تفصيلة حاضرة بحدة رغبتي في جسدك. شعرك زر طربوش سلطاني. الوعد أعنف دائماً.

wpid-dsc_0106-2013-03-18-17-15.jpg

12.47: نحيد عن “جبيل” وضحتكِ، في أذني، سؤال: لماذا لم نكن في خيمة واحدة؟ تحت لافتة بلون سترة “ليلى”، يدي عند أنفي كي أشمك. ووجه “بيار الجُمَيِّل” نبوءة أن لا عطر هناك. وسط سَكينة مثل هذه، من أين يأتي القتلى؟

“أبو شادي”، أنحني على أذنه فيقع الدفتر وينخرني شوق بنفس اللون، “فينا نوقف بشي محل”؟ ثم أجفل لبرتقال الشمس. غيمة تنهنه. أزرق أسطوري باتجاهين. يدي على فمي وأمير الإمارة يعمل مداخلة ثانية: ندرة المخابز، الرجوع في العتمة، “دخيلك”… إلى أن تفجأني هبّة صديقتي. أرد الدفتر محل يدك، قبضة سعادة. و”ليلى” تجثم للبحر: “معقول يا ربي الجمال”!

“بلّش” الصعود والجبل الأخضر. “ولا يهمك”، أقاطع “أبو شادي”. ثم أوقد سيجارة أخرى. العلبة لون خديك. مثل سترة “ليلى” واللافتة التي مررنا تحتها، والشوق. أخضر على أزرقين، وبرتقال يبعث بياضاً. لكن “النهاردا” كل شيء أحمر.

ودخلت في ليلين فرعك والدجى  ولثمت كالصبح المنوّر فاك

13.11: وقفنا عند حاجز جيش. هيكل عظمي يركض باتجاه البحر. الآن رأسي كله في الهواء. زهر أصفر كالهشيم خلف حد الأسفلت. بعد الحاجز تضيق الطريق. السماء قاب قوسين. أحلم بماء ثائر: قالباً صلداً يترك بطن الأرض؛ رجعته إكليل يجوّف القالب. زهرة زُلال بين الأبيض واللالون، ينبوع حلمي: قُبلتها رواء. وأعود أرق للوحشة. بُعدك ملح أجاج. على المدى صوت كأنه انفجار. “ليلى”، غير منتبهة، تدندن. لم ألفتها إلى قطة تحتضر. طائرة لو مددت يدي أطولها، ثم أخرى رأس دبوس. أفقنا على برد وخلاء.

قالت السمكة: المحيط ملكوتي. قال الصياد: قلبي شص. قالت الموجة: لتغرق! لكن الدجى المبتل لا يأتي على الغرقى. السمكة نفقت تأكل الصياد. والشص مزار سياحي.

مازالت الطريق ممتدة. حاجز ثانٍ؟ “سمير جعجع” يطالعنا ببرود من خلف سروة ناحلة. “الحاجات اللي إنت بتقولها دي”… يغضبني خوفك إذ أرومه. ثم أفرد ظهري. نبطئ بصدد التفافة كالسهم. صدّقتك جوّابة صحراء، فأين الطَلّ من نهديك؟ أنتم يا أبناء الفضاء الذين لا تطمئنون حين تحل الطمأنينةلن تقطنوا قبوراً شيدها الموتى للأحياء. مرة ثانية أشهق، بلا صوت: السماء تِبر قصب. ثوانٍ، تتغنج إثرها سحب مستطيلة. هدوء عسل رغم النق. تِبْر، وعسل. قطرتا مطر تذكرانني بليل القاهرة. تتباعد السيارات.

wpid-dsc_0101-2013-03-18-17-15.jpg

13.37: كأنما بغتة، زاوية الميل احتدت. “ليلى” تفزع، دورياً، في غياب سياج. “حسرة عليكي إنتي يا لولة يا قمر”! تنعي شبابها “في الغربة”. فأفكر أننا قد نقضي. المنحنيات أكثر درامية. وكقوس رمادي، تبغتني مراوغتك للعشق. كل هذا يفعله الحب بكم لكي تعرفوا أسرار قلوبكم، وبهذه المعرفة تصبحون فلذة من قلب الوجود. الأخضر دوائر متلامسة وقباب: للمرة الأولى، يقين أنني غادرت. فيلوح الحنق حرماناً بدل الغيبة. الزرقة أقل بريقاً في دنو الشمس. ولا بحر. بدأت تندحر الحرارة. يركع الأحمر للطبيعة الطائلة.

من جديد أنحني على مقعد القيادة – لن أدع الدفتر ينزلق – “نحن وين”؟ اسم “الضيعة”، كغيره، سلوان. لكن قناعة ثبتت بجدوى الخرائط. “هلّق نحن بـ”… عصاب “الفرامل”، مع الالتفات للخلف. “ليلى تدندن”: “وتعطلت – ترم – لغة الكلااااااام وخاطبت عيني في لغة الـ”… بعد “إهدن” سينتصر السكوت. إذ تنغزين إحساس الفقد، الآن، أستعيد “النبي”: أنا الذي أهرب؟ صديقتي تتسلطن و”أبو شادي” ينفث سيجارته الوحيدة. “الهوى عينااااك – تراراررم، تراراررم”… نعلو ونشهق.

لا أمس من عمر الزمان ولا غد جُمع الزمان فكان يوم رضاكِ

14.03: الجوع بلغ ذروة جديدة. على البُعد مدن الناس. ماذا يشعرني أننا بلا سند؟ زايَلَنا الوادي الأخير. لبضع دقائق يفقد “أبو شادي” وجهته، فنجوب دياراً سيحدثني “بيار” عن انتمائها كلها لأربع عشائر، منتصف السبعينات. لا أحد يؤذيك ورأسك على حساب إحداها. اللاهوت الماركسي وسط أديرة “مار مارون”، سيقول. ويصف نبضاً اشتراكياً قض مضاجع “الجبهة اللبنانية” في أوج إقطاعها، أو انطفائه. أربابه، اليوم، أساطين اليمين المسيحي؛ مرة أخرى يفقدني صوابي تاريخ لبنان.

خبرة الوصول ذابت، استعادياً، في ماء الحديث: كلام “بيار”، بعد غد، عن بدايات “جعجع”؛ وفرحة “سوزان”، حال عودتي من “جعيتا”، بتطابق الينبوع المائل على مرقد “جبران” مع الرسم الذي حفظه بالداخل. من فسحة الضياع تبقى صوصوة الريح، والذكرى. بين أصابع قدمك كأنها “بونبون” aphrodisiac والعري الوَرِع مما ألقى زيتاً وفحماً بعد دقيقتين: عمر الزمان “توهة” واحدة طعم الزعتر. “ليلى” كفت عن الغناء. تعتدل فأظن فتنتها أحرقتني. الأرجح أنني مأخوذ بقدمك، لا أزال.

14.09: فقط غلظة “أبو شادي” تبقّع البياض – تَداوُل سموه مع المتطوعين بوصف الطريق – لا أعلم، في غياب الجليد، من أين هذا البياض. أطوي صفحة بحجم راحتك: “في مثل هذا المناخ، فعلاً، يولد أنبياء”. رأس عجوز يقب، كرةً تتأرجح، من فوق حائط صخر. دعك من إحساسي، حين أقرأ نصوص “جبران” متوازية مع أصولها الإنجليزية، كم هي ضعيفة وتافهة تلك الأصول. ٍهنا، مجال انبهار. ونحن نشرف على الرأس القابع مثل تلة في الصحرا السودا، قبالة الشلال. بريق معدني يغلف عينين وشعراً سائلاً. لماذا هما، في الاسترجاع، مغمضتان؟ نتحول، “ليلى” وأنا، سائحين من زمن كلاسيكي. زيها أنسب من ثيابي، في السياق. فأصطنع التريض. جوعان وهي تريد حمّاماً. يسارنا، عبر “تراس” المحبسة الزهر، كنيسة كأنها في شمال إيطاليا. من قلب البناء الأبيض، دروب منحدرة يغيّبها الوهج. سنصبر. نحملق في الماء المتدفق، نازلاً، لا يكاد يُرى بين الأصفر والبني. على البعد، أول أرزة أراها عن قرب. ثم نقصد “التراس”…

wpid-p1040340-2013-03-18-17-15.jpg

14.52: في خروجنا سألت “أبو شادي”، وأمل يافع على شفتي: “راح نكفّي ع الأرز”؟ بَعدي مغتاظ من الرد الرافض. لا شيء هناك، يعلل. بضع أشجار هزيلة لون الرماد – هكذا يقول الجميع – مثل طاقتي على البقاء بلا وعد منك. “أبو شادي” يتقافز مرة أخرى. بدلال، يضربه التشنج. على الأقل، “ليلى” تتفهم خوف الرجوع في الظلمة. مقلدة إياه، تكرر: “دخيلك”! فأصمم على الغداء. نتوقف، وأمير اﻹمارة يعمل مداخلة استجداء، عند أول مطعم مفتوح. “بزعون”. الدفء المنسل يعرض نوماً وطعاماً؛ ولا “دومري”. حنو القائمين على المكان، كأننا من كوكب آخر.

أسترجع خلاصي منك، كنزاً مؤقتاً، و”ليلى” في الحمام. بضع دقائق، فقط، قرب نهاية جولتنا. لا أصدق أنك زايلتيني حقاً داخل المحبسة. وقعتُ في غرام “خليل جبران”؟ كنا قد اجتزنا المراحل كلها.

wpid-p1050823-2013-03-18-17-15.jpg

14.53: النبع الذي لم يكن قالباً ولا زهرة – ثالث حجرة؟ – صورته، الفحم، من فوقه. وعينا الكهل الذي استقبلنا مازال زوغانهما يلهيني. لعله قسّ رسمه أسقف هو اﻵخر معرفة “بيار”. ترحابه تهديد. محبة مسيحية، في عينيه، تضمر سر أنه يكره “يسوع”. هذا التأود الرباني، لا تُقنع براءته. في الخلفية مخلوق نصفه رجل، نصفه حصان. صوت “سوزان” تستطرد، بحسرة: “معقول؟ ما رأيتَ غابة ولا شربت من نبع؟” خلتني أجلس القرفصاء ويداي كأس – في الحال أملأ كوبين “بلاستك” من كومة مصفوفة للغرض. “ليلى” منكبة على “الكتالوج”. لا تشاركني عجب حلاوة الماء – لا أظنني ذقت، في حياتي، ماءً أحلى – لعلها الحاجة إلى حمّام. وأهُم بإعادة ملئ كوبي. إذ ترتسم على فمي نكتة لن أقولها لـ”ليلى”، يعاودني فرعك. المرن المتماسك، كالسهل الممتنع. وقدرة مبهجة على خبط رأسك، في الساعة، مرات. Baby شقي، أغنّيكِ. فقط لو تطمئنني “ليلى” لأنك لحم ودم. من أين الشك في وجودك؟

طوال ثلثي ساعة – ونحن من غرفة إلى درج، من لوحة إلى رسالة إلى ظل “كومود” – لن يرحمني سحرك. إلى أن يتبع آخرَ الصعود هبوط مباشر إلى جوف الأرض. كأننا هطلنا. هناك، في مساحة هي الأخرى خيال علمي، سنبحث عن المرقد بلا دليل. ضوء النهار ينسل خافتاً. جدران قلاية: دير صحراوي. في الوجه موبيليا. ولا إشارة، سوى فقدان التوازن، إلى أن أكثر هذه الأشياء أمريكية المنشأ. خلف فروع مقشرة مثل خيط عنكبوت عملاق، تجويف منير كأنه مصطلى.

لن ندرك، حتى اللحظة الأخيرة، أنه يحوي التابوت. هل أرسم صليباً بين قورتي وكتفيّ؟ يدي تتلعثم في قراءة الفاتحة. سمكة في قلبي. بضع دقائق كأنها قرن كامل بعدها أدرك أنك لم تكوني معي. أنا قطرة مطر. “ليلى” تزوم إذ يوقفني كلام محفور على جذع مثبت إلى يمينه، احتفظ بدكنته: “أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك.”

wpid-p1050821-2013-03-18-17-15.jpg

14.55: “ليلى” وأنا – بعد أسابيع – نتقارع الحجة بالخبرة، والخبرة بالحجة. ليل “الزمالك” عشق آخر وأنا أبثها يأساً زئبقياً. صوتك مثل قهوة “بزعون”: عندما يستفسر الكهل المستغرب إن كنت أريدها “لبنانية”، أطمئنه قائلاً “تركي” بكسر التاء. الآن، أرزة صبية إلى يسار الزجاج. مدفأة كالأنبوبة، من زمن “جبران”. على القائمة، خمسة عشر نوع عرق. القرميد حلم. في “الزمالك” سأقول لـ”ليلى” إنك إن رابطتِ بلا جسد يروي شهوتي – في وجود جسد آخر – تصيرين أغنية لـ”عبد الوهاب”. روعة “جبيل” في الصورة الفوتوغرافية – أقول – ليست روعة “جبيل. وأنا لا أريد حبيبتي صورة فوتوغرافية رائعة على الحائط.

“بزعون”… والعطش موت أحمر… أتذكر لحماً سمجاً يثقله السماق، pommes frites عائم في زيته، وفتوشاً يفرح. “أبو شادي” الذي رفض أن يأتي أولاً، يأكل أكثر مني و”ليلى” مجتمعين. عن تحالف “جعجع” و”وليد جنبلاط” الذي أرضى مسيحيي “الشوف”، يحدثني. عن السنة التي تكره الشيعة، و”مصلحة المنطقة”. الغذاء ينشع في أنحاء جسمي. تلال وقمم تتحاور في أفق زجاجي. “هيك رأيك يعني”… أسفلت يلمع وسط معمار ورد. “سبحان الله أبو شادي”! الأخضر يعرف الأسرار.

wpid-p1020332-2013-03-18-17-15.jpg

17.34: “أبو شادي” يزفر. آخر “الحمرا”؟ “إيه يا أخويا الحظ دا” – “ليلى” – “ربنا رزقني بواحد وإحنا رايحين جعان ووإحنا راجعين نايم”! على بوابة Hotel Cavalier، قزم صارم يحاسبني. نترفق إلى المقهى القريب. دفء بيروت والليل الحلو. “إنتي بتدشي ف إيه عايز أفهم”؟ أتثاءب. “لا أبداً مفيش حاجة”… ذكرى واحدة تدغدغني.

آخر لقاء – في مقهى مثل هذا – والعذر: لن أراك حتى أرجع من لبنان. رجاء واحد وضعته على الطاولة: قبل الذهاب، أن أرى قدمك عارية من حذائها. ونحن وسط الناس؟ ضحكات كالعصافير وأنت تستنكرين. “معقول الحاجات اللي إنت بتطلبها دي”… لوهلة طويلة، يبدو أنك لن تمنحيني “الحاجات”. الخفر يلوّن خديك. وأنا أتباطأ. سيمر زمن، كدوران الأرض. عيناي على البلاط. وأنت بين التردد والانبساط. في أدائك نفي أكثر من الإثبات. لكن السمكة الشهية – وهذا المذهل – تتخلص من قشرتها. لحظة واحدة، انزاح الحذاء ورأيت قدمك، رأيت قدمك. تخلعين الحذاء، وكأنك لا تفعلين شيئاً. لحظة وجيزة جداً، خلعتيه. وليس بالكامل. ما كدت أرمش حتى عادت السمكة إلى مخبأها. الآن، أبتسم إذ أذكر أنك خلعتيه رغم كل شيء. الخوف والخجل وغياب جسدك – أين ومتى؟ – لكن خلعتيه.

6 ديسمبر 2007، ذكرى ميلاد “جبران”

(الأبيات من قصيدة “يا جارة الوادي” لأحمد شوقي؛ المقاطع المضمنة من كتاب “النبي” ترجمة “ثروت عكاشة”)

CREST: Heba Farouk Elnahhas (with lines from Ibn al Farid)

IMG_3485 (1)

تَمَسّكْ بأذيالِ الهوَى ، واخلَعِ الحيا، *** وخَلِّ سَبيلَ النَّاسكينَ ، وإنْ جَلُّوا

IMG_3486

عسَى عَطفَةٌ منكمْ عَليَّ بنظرةٍ, *** فقدْ تَعِبَتْ بَيني وبَينكمُ الرُّسلُ

IMG_3487

وإنْ ذُكرَتْ يَوْماً ، فخُرُّوا لذِكرِها *** سُجوداً ، وإنْ لاحتْ ، إلى وجهها ، صَلُّوا

IMG_3488

وتَعذيبُكمْ عَذبٌ لدَيَّ ، وجَوْرُكمْ *** عليَّ ، بما يَقضي الهَوَى لكُمُ ، عَدلُ

IMG_3489

أحِبَّةَ قلبي ، والمَحَبَّةُ شافِعي *** لدَيكمْ ، إذا شِئتُمْ بها اتَّصَلَ الحبلُ

***

Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your Flash plugin.

***

IMG_3490

تَبَالَهَ قومي ، إذْ رأوني مُتيَّماً، *** وقالوا : بمنْ هذا الفتى مَسَّهُ الخَبْلُ

IMG_3491

وقدْ صَدِئتْ عَيني برُؤيةِ غَيرها، *** ولَثمُ جُفُوني تُربَها للصَّدا يجلو

IMG_3492

وقالَ نِساءُ الحَيِّ : عَتَّا بذِكرِ مَنْ *** جَفانا ، وبعدَ العِزِّ لَذَّ لهُ الذلُّ

IMG_3495

وما ليَ مِثْلٌ في غَرامي بها ، كما *** غَدَتْ فِتْنَةً في حُسنِها ، ما لها مِثلُ

IMG_3496

أخَذتُمْ فؤادي ، وهوَ بَعضي ، فما الَّذي *** يَضُرُّكمُ لوْ كانَ عِندَكُمُ الكُلُّ

***

Heba Farouk Elnahhas: Crayon on Paper

قصة محمد فاروق: القضية الفلسطينية

wpid-img_3206-2013-03-6-05-57.jpg

هناك سبب آخر خاصٌّ جدًّا يمنعني من الزواج، يجعل الرجال يهربون مني. هذا السبب هو اسمي. اسمي يسبب لي مشاكل إضافية. اسمي ليس “نرمين” يا مصطفى، وقبل أن تتهمني بالجنون تفضل بطاقتي، مدون بها اسمي الحقيقي: اقرأ… نعم. لا تفرك عينيك… هذا هو اسمي الذي تقرأه: القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري، رقم قومي: 2109876- سجل مدني بولاق- تاريخ الإصدار 17-10-2005… هل صدقت الآن؟؟

أنا امرأة عادية تحلم كأي فتاة، بذلك الفارس الوسيم القوي الذي يعبر الصعاب ليخطف قلبها، لكنها كأي فتاة أيضًا، ستقبل أن تتزوج من رجل بدين، أصلع، عابس، تستيقظ في الصباح على رائحة فمه، ويقض مضجعها فساؤه الليلي تحت اللحاف- ويتميز أنه دائمًا ما ينسى سوستة بنطلونه مفتوحة في المناسبات الاجتماعية المهمة.

كل مشكلتي، أني أريد الزواج؟ أريد أن أتخلص من هذا “النزناز”؟ أريد أن أرتاح؟ لماذا أنت مندهش؟ وهل عيب أن تعلن امرأة عن ذلك؟ لا ينقصني شيء لكي أتزوج، أنا جميلة كما ترى، ومتعلمة، وبنت ناس طيبيين، لكن الرجال يهربون مني بمجرد أن يعرفوا اسمي، سامحه الله أبي، قال إنه أسماني بهذا الاسم؛ لأنه يريد أن تكون القضية الفلسطينية حية في الوجدان!. طيب كيف ذاك، وكلنا سنموت يا مصطفى؟؟

أستحلفك بالله يا شيخ، لا تحملني ما لا طاقة لي به، لا تأخذ كلامي أنني أتحدث في السياسة – لا تعتبرني رمزًا للمقاومة، وللكرامة، والوطن السليب، وهذا الكلام الذي يسد النفس، أنا لا أحدثك عن مشكلة اللاجئين، بل عن امرأة لجأت إليك، تطلب العون. أنا لا أريد حصتي من الأنروا، أريد حصتي من الحياة، فهل هذا كثير، هل هذا كثير يا مصطفى؟ عاملني كأني إنسانة من لحم ودم، امرأة تريد أبسط حقوقها: أن تعيش بشكل طبيعي. هل فهمت يا مصطفى؟. أنا أحدثك عن مشكلة إنسانية- عن نفسي – عن القضية الفلسطينية الجالسة أمامك، وليس عن القضية الفلسطينية الحقيقية.

أنا عايزة أفضفضلك كصديق، ربما لا تتذكرني، لكني أعرفك منذ أكثر من عشر سنوات، لكن دعك من ذاك الآن، سأخبرك أين ومتى تقابلنا – فقط اتركني أعبر عن مشاعري، أريد أن أستلقي هنا على الكنبة، وأحكي لك، أريد من يسمعني- من يتعاطف معي، من يعطيني دواءً لحالتي. آه يا مصطفى، أنا امرأة عاشت مشاعر مبتورة، وقصصًا متشابهة غير مكتملة. كانت آخرها، وأقساها قصتي مع عادل.

“لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين، هذه الجملة التي نسمعها في الأفلام وتثير سخريتنا، يكون لها وقع مختلف عندما تسمعها المرأة، نظرت إلى عيني عادل، ورأيت لمعة الصدق فيهما، كان قلبه يقول نفس الجملة “لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين!”. فجاوبته سينمائيًّا أيضًا حتى أعيش تلك اللحظات الصادقة : “بجد يا عادل؟”..فضغط على يدي: بجد يا نرمين!

عادل يعمل موظفًا في إدارة التسويق في شركة كيماويات. شاب جاد، وطموح، ومتدين، ومن نفس مستواي الاجتماعي. تعرفت عليه عندما كنت أنشئ موقعًا إلكترونيًّا للشركة التي يعمل بها. آه نسيت أن أخبرك: أنا مهندسة برمجيات، أعمل في تصميم المواقع الإلكترونية. كان عادل يرسل إليَّ الإيميلات، يطلب تغيير شيء في التصميم، أو تعديل شيء آخر، ثم نجلس سويًّا نتحدث في كل تفصيلة، بعد شهرين انتهيت من إنشاء الموقع، وانتهى هو من إنشاء صورة له سلبت فؤادي. تقابلنا بعد ذلك كثيرًا، ثرثرنا، ضحكنا، صمتنا، حدثته عن كل شيء إلا عن اسمي، طلب مني أن أحدد له موعدًا مع بابا. فوجئت. لا أعرف لماذا هكذا نحن الفتيات بالرغم من التوقع، والتخطيط، فإننا نُفَاجَأ عندما نسمع هذا الطلب. كان عليَّ حينها أن أخبره بالحقيقة، “لو بيحبني لشخصي، مش هيفرق معاه موضوع الاسم”، أليس كذلك يا مصطفى؟

انتهزت فرصة الحرب على غزة لأفتح الموضوع – موضوع مستقبلي – مستقبل القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري – قلت له ما رأيك فيما يحدث في غزة يا عادل؟ – ولم أكد أكمل السؤال حتى انفجر في نوبة حماسة وطنية، لعن النظام الذي يحاصر غزة، شتم حركة فتح، وكان متحفظًا في تحميل حركة حماس المسؤولية، قال أنهم أنضف من حركة فتح، على الأقل دول متديِّنين- لكنه قال: لكن هذا إلى زوال إن شاء الله، والنصر قادم، وسنهزم إسرائيل، ثم قال: ليس بأيدينا الآن سوى أن ندعوا لهم، في المساء أرسل لي رسالتين الأولى تقول : حبيبي ماشي حافي الأرض بتلسعه\ يا ريتني كنت شبشب كنت أقدر أنفعه \ ورسالة الأخرى تقول : أحبتي في الله – أدعوكم إلى صيام يوم الاثنين، وتوحيد الدعاء عند الإفطار لأهلنا في غزة – حتى تنال الثواب، ويتحقق النصر.

لم أكن أعرف أن عادل لديه هذا الشعور النبيل نحو القضية الفلسطينية، أو لديه أي اهتمام بالشأن العام. لم أعرف أبدًا أنه له آراء سياسية، لم يقل لي من قبل على سبيل المثال: هبة أنا نفسي أحرر القدس، بل قال “فاطمة” أنا نفسي أشتري عربية هيونداي- من بنكCIB. لكن وطنيته الجميلة أذهلتني، لهذا صارحته بكل ثقة بعد أن اكتشفت هذا الجانب من شخصيته، وقلت له: عادل أنا ماسميش “نرمين” أنا اسمي القضية الفلسطينية.

wpid-img_3156-2013-03-6-05-57.jpg

بالطبع بدأ الأمر بنوبة ضحك، ثم ابتسام، ثم أمام ملامحي الجادة تحول إلى وجوم، ولما شاهد بطاقتي الشخصية، تحول الوجوم إلى غضب، والغضب إلى ثورة، لكنه قال ببرود وتلامة، وباقتباس سخيف من فيلم سينمائي لا أذكره: إذا كنت خبيتي عليا اسمك، يا ترى مخبية إيه تاني؟

حاولت أن أشرح له، أن أخبره، أن اسمي كان سيبعده عني، أقسمت أني لم أخف عنه شيئًا آخر، صمت، هجرني فترة، ثم عاد وقال لقد فكرت كثيرًا في موضوعنا، بصراحة إن اسمك سيمنعني من التواصل معك، فلا أتخيل مثلًا أن أقول لك: أحبك أيتها القضية الفلسطينية، أو شفتاك جميلتان أيتها القضية الفلسطينية. ثم أردف أن قناعته تمنعه من الزواج بامرأة تسمى القضية الفلسطينية. قلت له: كيف؟ فقال لي: لا أستطيع أن أتخيل أني، أضاجعك. الحقيقة أنه لم يقل ذلك قال شيئًا آخر، ولكن يمنعني الحياء.

حاولت أن أقنعه أنه لا علاقة لي بالقضية الفلسطينية الحقيقية من قريب أو بعيد، بل هو مجرد تشابه أسماء، فصمم على رأيه. قلت له أن يناديني نرمين، هويدا، فاطمة، مريم، فرفض، شعرت بإهانة بالغة من توسلي له، صرخت فيه: اذهب إلى الجحيم لا أريدك، لن أموت بدونك. ومضى، وبعد أن غادر بكيت… بكيت بكاءً مُرًّا، ولكنه ليس بمرارة الألم الذي تركه في نفسي.

عشت أيامًا كئيبة، تركت العمل، تسكعت في الشوارع التي شهدت حبنا- أتذكر أيامنا الحلوة معًا، هذه التسعة شهور التي مرت كلحظات خاطفة في حياتي، أقرأ الخواطر التي كنت أكتبها فيها- كنت أجهش بالبكاء بصوتٍ عالٍ، ولم أنتبه إلى أنني كنت أجلس في نفس المكان “سيلانترو” جامعة الدول، إلا عندما قال لي النادل: اتفضلي يا أفندم، الموكا والتشيز كيك اللي حضرتك طلبتيهم.

هكذا نسيني، فقدت الأمل، ومن ثم استبدت بي الشهوة. تقضي علي، وأتوهم أني أقضي عليها، فهي لا تنطفئ بالعبث بجسدك، فالخيالات تسبب الضجر بقدر ما تفرز السوائل، تثبط انتفاضة أعضائك، لكنها لا تريح القلب.

لو ولدت في زمن آخر، لبُذل فيَّ أغلى المهور. لهذا استسلمت لكلام أمي، ومررت كغيري على زواج الصالونات، فغشيني منه ما غشى غيري، فلا داعي للتذكير بما هو مكرر، إلا أنه كان أقسى عليَّ، وأشد على نفسي، يتركني الرجال بمجرد أن يعرفوا اسمي، يهربون، ويتذرعون بالنصيب. بكت أمي، حزن أبي، وقال ” مفيش حل لازم تغيري اسمك”. لكني رفضت بشدة، لقد صار الاسم جزءًا مني، لن أتنازل عن اسمي، رغم نصائح صديقتي ياسمين: “القضية مش في الاسم… لابد أن تفكري بشكل براجماتي وعقلاني”، لقد جاوزتِ الثلاثين، وفرصتك تقل في الزواج ” صدقيني اسمك ليس بهذه الأهمية… خالص”.

***

أرأيت، إن لي من اسمي نصيبًا، يا مصطفى، إلا أن القضية الفلسطينية الحقيقية أوفر حظًّا مني. القضية الفلسطينية ستحل إن عاجلًا أو آجلًا، نحن في آخر الزمان، وسيأتي فارس يخرج من هذه الظلمة، يقود الجيوش وينشر العدل، سيأتي المهدي المنتظر، ويحررها من اليهود، هذه قضية إيمان، ألستَ بمؤمن يا مصطفى؟

أما أنا فمن ينتظرني؟ لا أحد يريد أن يطبع العلاقات معي، أريد التطبيع يا مصطفى، التطبيع لا أكثر ولا أقل، لكن الوقت ليس في مصلحتي. القضية الفلسطينية لن ينقطع عنها الطمث يا مصطفى، لكن أنا سينقطع عني الطمث.

هيا امسك يدي، قبـِّل وجنتي، ضمني، راقصني يا مصطفى… راقص القضية الفلسطينية، أنا معجبة بك جدًّا، تزوجني يا مصطفى- أنا أحبك، أنا لست غريبة، أنت تعرفني. لقد التقينا من قبل كما أخبرتك، ألا تذكر؟ منذ عشرة سنوات. ألا تتذكر اليوم الذي وقعت فيه أمك من أتوبيس 4 بشرطة، ألا تتذكر الفتاة التي حدثتك في التليفون فأتيت وأنت مضطرب، “بالأمارة” كنت تقود سيارة ريجاتا بيضاء، وحملتها معك إلى مستشفى، هل تذكرتني الآن؟. كنت ألبس بلوزة خضراء، وجيب جينز طويلة، أنا الفتاة الشقراء، أنظر تحت الطرحة، نفس الخصلات الذهبية الطويلة.

نعم… أنا الفتاة التي جمعت حبات الخيار، والطماطم، وكيس المكرونة، والفرخة التي كانت تحملهم أمك قبل أن تسقط من الأتوبيس. أنا التي أمسكت بيد أمك، وأجلستها على كرسي السيارة، أنا التي وضعت الأكياس في شنطة السيارة، ألا تذكر يا مصطفى، شنطة السيارة كانت بها سجادة صلاة قديمة، وشبشب بني، وكانت مفروشة بالجرائد، ألا تذكر مانشيت الجريدة يا مصطفى: فوز الأهلي على مزارع دينا 3 صفر، كان يوجد أيضًا كتاب التشريح للفرقة الثالثة في كلية الطب، ألا تتذكر يا مصطفى، ألا تتذكر كتابك؟… أرأيت الآن أني أعرفك، وأعرف طنط سميرة، عرفتك عندما وجدتك استأجرت هذه العيادة في شارعنا منذ شهور، هيا يا مصطفى، أنا لم آتيك بصفتك طبيب نفسي، أنا أتيتك بصفتك رجل، أحضني يا مصطفى أرجوك، قبِّلني، لا تخف، لا تحدثني بالإنجليزية، أرجوك، لا تقل لي كما قال عادل :-

I cannot fuck you? I cannot fuck the Palestinian issue!

wpid-img_3153-2013-03-6-05-57.jpg

محمد فاروق (من مجموعة سينما قصر النيل، دار ميريت)

التصوير والجنس يا باشا: فقرة من “الأسد على حق”، الجزء الثاني من رواية التماسيح

IMG_5164

أريد أن أحكي لك عن الصلة بين التصوير والجنس يا باشا، عن غواية امتلاك قد تؤدي حقاً إلى القتل قبل أن تؤدي إلى ميتة صغيرة مثلما يقول الفرنسيون. وقد تؤدي إلى القتل لا سيما في مكان كهذا، حيث فرقاء المجتمع – كما ترى – يزايدون ليس على الحريات والحقوق بل على نفيها والتبرؤ من ورطة الدفاع عنها؛ والمتورطون يراكمون عنفاً قد ينبثق كشلال في أية لحظة؛ فما فشل ثورتنا إلا أنها لم تنفث فيكم وأمثالكم عنفاً كافياً في الحقيقة، أليس كذلك؟ ونحن المتورطون رغماً عن بيوضنا في الحقوق والحريات – نحن الشعراء العشاق الثوار المصورون المجبولون على التخفي والتحايل أو مصير مأساوي (هو ذا ما يقوله الفتيس لو لم أخطئ) – فينا عنف خرافي برغم إيماننا بالتحضر. عنف ربما أبشع من عنف الإسلاميين لكن لا شيط فيه وهو إذ ينبثق لا يتفجر؛ يكون رقراقاً ورقيقاً رقة حبيبين، كشلال. والآن وأنت صاحب اليد الطولى وفي كامل أبهتك، دعني أعلّمك العنف على أصوله سعادتك. وأنت تملك سلطة غير محدودة علي، اسمع ممن روحه في يدك كلمتين عن السلطة: إنك إذ تُصوّر جسداً فأنت تمتلكه على نحو أعمق مما يحدث عندما تقضي داخله وطرك وقد رأيته يتلوى بالشهوة فيما تُعمل فيه أعضاءك مثل مُغيّب أو مدفوع بالغيب؛ إنك بتصويره إنما تُركّبه كما تشاء وأنت واثق عبر بقاء الصورة من بقاء تركيبك. ولا مناص من إثبات التهمة على نفسي بمثل هذا الكلام – بل في كثيرٍ مما تجده على المدونة دليل إدانة ضدي، فثمة علمي بأدق تفاصيل ما حصل لمون ليلة قتلها مثلاً – غير أن تعويلي على أن تصدّقني؛ لئن لم تصدقني فلآخذ حكم إعدام… وما الذي يحقّقه موتي لك أو لغيرك بعد أن تنجلي جميع ملابسات الجريمة؟ صورة الجسد العاري، أقول لك: امتلاك. أريد أن أحكي لك عن غواية مون كموديل وليس كامرأة جذابة صارت صديقة – وهي الغواية التي تعبر عن شخص قلبه فوتوغرافي أكثر من أية غواية سواها – فأفنّد لك، على مدى الأحداث وتفاقمها خلال عشرة أسابيع تقريباً، كيف درّبتُ مون وأنا لا أدري على أن تُصَوَّر فتُمتَلَك بما يتيح ذبحها: كيف حوّلتُها إلى جسد عار بلا وجع يتلوى، فنقلتها إلى حيث يكون عمل الرجل الأسد بروحها امتداداً رقراقاً للغرام.

الدنيا بتضحك للأوسة: أغنية تبحث عن لحن

wpid-img_2088-2012-12-25-09-10.jpg

.

الدنيا بتضحك للأوسة في كل الأوقات

علشان في خدودها حَمَار وغرام وكلام وحاجات

.

وعيونها الواسعة بتتفرج ع الأراجوزات

ودراعها النونو بيتحرك يعمل خناقات

وتنام وتزمزأ وتغني وتقول حكايات

وتقوم تتاوب وتدوّر ع الببرونات

مين قد الأوسة في حلاوتها م البنوتات

علشان في خدودها حمار وغرام وكلام وحاجات

.

الدنيا بتضحك للأوسة في كل الأوقات

الدنيا الحلوة الجاية عليا في بصتها

وإيدين بتخربش تتاكل من حلاوتها

والحلقة النجمة اللي بتلمع على ودنتها

والبسمة الرسمة تدوّب روحي في شفتها

علشان في خدودها حمار وغرام وكلام وحاجات

.

الدنيا بتضحك للأوسة في كل الأوقات

والدنيا الوحشة بعيد عني وهي معايا

الدنيا البايخة وقشر الموز في الحوداية

إخوان ودقون وبلاوي كتير رايحة وجاية

ومحمد مرسي بذات نفسه أرميه ورايا

علشان في خدودها حمار وغرام وكلام وحاجات

.

الدنيا بتضحك للأوسة في كل الأوقات

وعياطها ودوشة غياراتها عالم تاني

لما تزقزق زي العصفور جنب وداني

أو رجليها تضرب شلاليت كده عمياني

تبقى الدنيا وحتى الآخرة مش سايعاني

علشان في خدودها حمار وغرام وكلام وحاجات

.

الدنيا بتضحك للأوسة في كل الأوقات

علشان في خدودها حَمَار وغرام وكلام وحاجات

.

wpid-2012-12-2603-17-32am-2012-12-25-09-10.png

فقرتان من “الأسد على حق”: الجزء الثاني من رواية التماسيح

wpid-313168780476292061_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

وكنتُ أنتظر امرأة كمون برغم كل ما بي؛ فلا صلة لذلك بأنه فيما عادت رضوى عادل من القبر خرجت مون نفسها من ذاكرة سحيقة. كأن ثمة مونين سيادتك: واحدة سأقع في غرامها والثانية صديقة نايف.

وبرغم ذلك كنت قد أعددتُ الاسم في رأسي، مستلهماً الثانية. لقد نويت أن أشترط عليها ألا نتبادل اسمينا إذا ظهرت – وكأنني على يقين من ظهورها من أجل أن تكشط عن رأسي طبقات السوداوية شيئاً فشيئاً، حتى يتبدل يأسي استبشاراً بالغرام – فيظل كلانا، وقد تتابعت لقاءاتنا سراً فقط في الحي اللاتيني، بلا هوية يثقل بها كاهل الآخر. آخذها واقفاً قبل أن تخلع قبعتها وأدهن ما بين فخذيها بالزبدة. هو ذا…

فلم أستغرب، ولا خبا اكتئابي بادئ ذي بدء، إذ انتبهتْ لي أنتحب فوق مياه السين. لقد عرفتها ولعلها – في الجزء الذي يعنيها من غرامنا – عرفتني. ثم إنها قابلتني وهي تتفقد الشقة المقابلة لشقتي بحثاً عن مكتب لها في الحي اللاتيني. كانت تتدحرج على جنبها مثل أنبوب سارح بعد كل أورجازم. لم أدر ولم أدعها تخبرني أنها على وشك الزواج، غير أني – في مساحة مختبئة من وعيي – كنت في انتظار أن تقتلني.

لقد انتظرتُ مون وأنا على يقين من ظهورها من أجل أن أنام معها بلا رباط ولئن كان هذا الرباط اسماً لها غير مون.

فما إن ينقشع اكتئابي ويستقر غرامي مع حلول الصيف – وقد تفتّح الزهر حول النوتر دام وعاد الزرع أخضر وباهراً – حتى يكون عرسها قد حل. وعندما ألح في السؤال عن اسمها لا تجيبني. وعندما ألاحقها إلى بيتها في مونبارناس، مصمماً أن نكون معاً إلى الأبد، تعالج شيئاً خفياً داخل أحد الأدراج وتنتظر حتى أهجم عليها لأحتضنها فإذا بمسدس في يدها وهي تطلق في بطني الرصاص.

wpid-309618732400384173_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

في تلك الأيام كثرت التظاهرات واختلط أمر أهدافها ودوافع انطلاقها بل وأماكن تجمعها لدرجة مربكة. وقد كان التصوير ملازماً لرفع الشعارات سمعاً ونظراً، كما تدري، منذ البداية؛ الأمر الذي زرع لدي شكاً في مصداقية الاحتجاجات نفسها بدأ يثمر الآن، فبعد حَدّ أنت لا تدري سيادتك:

هل هؤلاء هنا ليتظاهروا حقاً – وهل ما يحتجون عليه نصب أعينهم بالوضوح الذي يبدونه؟ هل لديهم أية فكرة عما سيفضي إليه تحقق مطالبهم؟ – أم أنهم جاءوا يوثّقون لأنفسهم وهم في وضعية التظاهر ليحتفظوا – كدليل بطولة في مستقبل لا يعنيهم منه سوى ذلك – بالصورة والصوت (ولا سيما أن شعاراً أياً كان لا معنى له بتدقيق النظر، ولا سيما أن قادة الاحتجاجات بحكم طبيعة مهمتهم ممثلون، وقد يطمحون إلى مبلغ النجومية في تمثيلهم)؟

غير أن الالتباسات هذه زادت وصاحَبَها ما يُقال له المزايدات؛ صار “النزول” مجرداً من ملابساته دليل الحق والخير وجميع ما يناهض النزول شراً أو خيانة، وبدأ المتنازعون يتهم بعضهم بعضاً بعدم النزول وكأن في ذلك دليل قطع على جواز اغتيالهم قولاً ولئن ليس فعلاً أو ليس بعد.

وفي تلك الأيام، فيما لا يجرؤ أحد منا على التساؤل فيم ننزل أصلاً أو ماذا يحقق نزولنا وبأية غاية بعيدة يتحقق الهدف السياسي القريب – فهل الثأر للشهداء مثلاً يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته؟ – كانت التظاهرات نفسها تتحول إلى مناسبات درامية بما فيها من قتل، وحجج للتجمهر بدفع غريزي لتسجيل رفع الشعارات؛ وكان القمع الذي يواجهنا كلما اشتد يؤكد الحس البطولي، ويصنع من أناس يبدو لي أنهم سفهاء رموزاً تاريخية.

لقد ظلت تفصيلة التصوير هي الأكثر إرباكاً برغم ذلك – وحتى رأيتُ سيارة مزودة بكاميرا في مقدمتها تتحرك إلى الخلف في مقدمة مسيرة متباينة الرايات – إذ صرتُ لا أدري، عندما أرى تظاهرة مثل هذه، إن كان ما أراه احتجاجاً أم فيلماً توثيقياً أو روائياً عن الاحتجاج.

wpid-309588155227970361_6860517-2012-11-15-08-59.jpeg

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

بالترامادول شغلته ولقد كنت مأوفر

أبو الليف العظيم

وأنا

يدهشني أن أسئلة عن صبا ونرجس لم تحسم، لكن مون تدهشني بالأخص. أحلف لك أنني لا أذكر كيف عرفت تفاصيل حياتها الجنسية مع نايف؛ لكنني أعرفها بدقة مذهلة. أعرف تفاصيل غرامهما مع أنني لم أتلصص عليهما، ونايف نادراً ما كان يتطرق إلى تلك التفاصيل. هل مون التي حكت لي؟ هل حدث مرة أو أكثر؟ وبأي مناسبةأسأل نفسي إن كان للعنف والتعذيب في غرامهما، ذلك الذي لم يكن ليفهمه أحد منا وقتها ولا حتى هما، إن كان للتعذيب والعنف الجسدي الذي حكم غرامهما صلة بشيء خارق أعرف أيضاً أنه، مع شعر لم يقرأه أحد، كان مقدمة ثورة سيتضح خلال شهور من قيامها أنها لم تكن سوى صدى صيحة في الفراغ

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال

تدخين

elbadil | December 29, 2010 | التصنيف : إبداعات 

 

Willesden Green

إلى حنتوسو

 

لحظة الاختلال المفاجئ –
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة ،
تتشبث بالزجاج

– هل لأنني تخيّلتُ
رائحة “سيلفيا بلاث”
في أنف “تيد هيوز”
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد
الذي يمكن فتحه،
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب
لأي سيجارة أشعلها،
والطقس سجن أو سحاب،
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل
ورأسي في “الفريزر”،
أزفر دخاني وأقرأ
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي.

ودونما يوقظك ارتطامه –
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
قبل أن يعود نَفَسك
يغيب في الأغطية السميكة
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك،
أو هكذا يُخيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة
وأنا أقول لنفسي:

“فضلاً عن الغرام واللاغرام،
الشِعر واللاشِعر،
وألف شيء غالٍ
لابد أنه أصبح رخيصاً؛

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها
في إحدى قصائده
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً –
ستجيء الشهرة،
هكذا يقول لها في القصيدة،
ولكن بعد أن تكوني
قد دفعت ثمنها:
سعادتك،
زوجك،
حياتك –

فضلاً عن الناشر
والطبيب النفسي،
المكتبة وقاعة المحاضرات،
مَن المسئول عن الخلاف
ومَن يعتني بالطفلين
(كان أصغرهما قد مات منتحراً
قبل عام من لقائنا:
عالم أحياء مائية “ملو هدومه”
في السابعة والأربعين)
وعن ترهات “الفيمينيزم”
واللافيمينيزم أيضاً،
بعد عقود من وفاتها؛

فضلاً عن كل ذلك” –
هكذا أقول لنفسي

– “لابد أن رائحتها في أنفه
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها أحد سواه.”

ودونما أتذكر أنني
قبل أسابيع أو شهور،
دخنت بالطريقة نفسها في مالطة
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك،
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية

– شعرتُ الآن أنني
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة
بعد أو بالرغم من كل شيء،
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب

ودونما أدير وجهي
إلى جسدك النائم
أشهق وأهمس لك:

نجونا يا جميل

يوسف رخا



Enhanced by Zemanta

أنت والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

نشيد الأنشاد الذي لسليمان

שיר השירים

الأصحَاحُ الأَوَّلُ

1نَشِيدُ الأَنْشَادِ الَّذِي لِسُلَيْمَانَ:

2لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ. 3لِرَائِحَةِ أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ. اسْمُكَ دُهْنٌ مُهْرَاقٌ، لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى. 4اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ. أَدْخَلَنِي الْمَلِكُ إِلَى حِجَالِهِ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ بِكَ. نَذْكُرُ حُبَّكَ أَكْثَرَ مِنَ الْخَمْرِ. بِالْحَقِّ يُحِبُّونَكَ.

5أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، كَخِيَامِ قِيدَارَ، كَشُقَقِ سُلَيْمَانَ. 6لاَ تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ، لأَنَّ الشَّمْسَ قَدْ لَوَّحَتْنِي. بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. جَعَلُونِي نَاطُورَةَ الْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ. 7أَخْبِرْنِي يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، أَيْنَ تَرْعَى، أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ. لِمَاذَا أَنَا أَكُونُ كَمُقَنَّعَةٍ عِنْدَ قُطْعَانِ أَصْحَابِكَ؟

8إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ.

9لَقَدْ شَبَّهْتُكِ يَا حَبِيبَتِي بِفَرَسٍ فِي مَرْكَبَاتِ فِرْعَوْنَ. 10مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلاَئِدَ! 11نَصْنَعُ لَكِ سَلاَسِلَ مِنْ ذَهَبٍ مَعَ جُمَانٍ مِنْ فِضَّةٍ.

12مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ. 13صُرَّةُ الْمُرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ. 14طَاقَةُ فَاغِيَةٍ حَبِيبِي لِي فِي كُرُومِ عَيْنِ جَدْيٍ.

15هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ. عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ.

16هَا أَنْتَ جَمِيلٌ يَا حَبِيبِي وَحُلْوٌ، وَسَرِيرُنَا أَخْضَرُ.

17جَوَائِزُ بَيْتِنَا أَرْزٌ، وَرَوَافِدُنَا سَرْوٌ.

الأصحَاحُ الثَّانِي

1أَنَا نَرْجِسُ شَارُونَ، سَوْسَنَةُ الأَوْدِيَةِ.

2كَالسَّوْسَنَةِ بَيْنَ الشَّوْكِ كَذلِكَ حَبِيبَتِي بَيْنَ الْبَنَاتِ.

3كَالتُّفَّاحِ بَيْنَ شَجَرِ الْوَعْرِ كَذلِكَ حَبِيبِي بَيْنَ الْبَنِينَ. تَحْتَ ظِلِّهِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَجْلِسَ، وَثَمَرَتُهُ حُلْوَةٌ لِحَلْقِي. 4أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ. 5أَسْنِدُونِي بِأَقْرَاصِ الزَّبِيبِ. أَنْعِشُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا. 6شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي. 7أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ الْحُقُولِ، أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ.

8صَوْتُ حَبِيبِي. هُوَذَا آتٍ طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ. 9حَبِيبِي هُوَ شَبِيهٌ بِالظَّبْيِ أَوْ بِغُفْرِ الأَيَائِلِ. هُوَذَا وَاقِفٌ وَرَاءَ حَائِطِنَا، يَتَطَلَّعُ مِنَ الْكُوَى، يُوَصْوِصُ مِنَ الشَّبَابِيكِ.

10أَجَابَ حَبِيبِي وَقَالَ لِي: «قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي وَتَعَالَيْ. 11لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ. 12الزُّهُورُ ظَهَرَتْ فِي الأَرْضِ. بَلَغَ أَوَانُ الْقَضْبِ ، وَصَوْتُ الْيَمَامَةِ سُمِعَ فِي أَرْضِنَا. 13التِّينَةُ أَخْرَجَتْ فِجَّهَا، وَقُعَالُ الْكُرُومِ تُفِيحُ رَائِحَتَهَا. قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي وَتَعَالَيْ.

14يَا حَمَامَتِي فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ، فِي سِتْرِ الْمَعَاقِلِ، أَرِينِي وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِي صَوْتَكِ، لأَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ.

15خُذُوا لَنَا الثَّعَالِبَ، الثَّعَالِبَ الصِّغَارَ الْمُفْسِدَةَ الْكُرُومِ، لأَنَّ كُرُومَنَا قَدْ أَقْعَلَتْ.

16حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ. 17إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ، ارْجعْ وَأَشْبِهْ يَا حَبِيبِي الظَّبْيَ أَوْ غُفْرَ الأَيَائِلِ عَلَى الْجِبَالِ الْمُشَعَّبَةِ.

الأصحَاحُ الثَّالِثُ

1فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 2إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. 3وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: «أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟» 4فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِي. 5أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ الْحَقْلِ، أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ.

6مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟

7هُوَذَا تَخْتُ سُلَيْمَانَ حَوْلَهُ سِتُّونَ جَبَّارًا مِنْ جَبَابِرَةِ إِسْرَائِيلَ. 8كُلُّهُمْ قَابِضُونَ سُيُوفًا وَمُتَعَلِّمُونَ الْحَرْبَ. كُلُّ رَجُل سَيْفُهُ عَلَى فَخْذِهِ مِنْ هَوْلِ اللَّيْلِ.

9اَلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ تَخْتًا مِنْ خَشَبِ لُبْنَانَ. 10عَمِلَ أَعْمِدَتَهُ فِضَّةً، وَرَوَافِدَهُ ذَهَبًا، وَمَقْعَدَهُ أُرْجُوانًا، وَوَسَطَهُ مَرْصُوفًا مَحَبَّةً مِنْ بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ.

11اُخْرُجْنَ يَا بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَانْظُرْنَ الْمَلِكَ سُلَيْمَانَ بِالتَّاجِ الَّذِي تَوَّجَتْهُ بِهِ أُمُّهُ فِي يَوْمِ عُرْسِهِ، وَفِي يَوْمِ فَرَحِ قَلْبِهِ.

الأصحَاحُ الرَّابعُ

1هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ. 2أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ الْجَزَائِزِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْغَسْلِ، اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ، وَلَيْسَ فِيهِنَّ عَقِيمٌ. 3شَفَتَاكِ كَسِلْكَةٍ مِنَ الْقِرْمِزِ، وَفَمُكِ حُلْوٌ. خَدُّكِ كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ تَحْتَ نَقَابِكِ. 4عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ. أَلْفُ مِجَنٍّ عُلِّقَ عَلَيْهِ، كُلُّهَا أَتْرَاسُ الْجَبَابِرَةِ. 5ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ، تَوْأَمَيْنِ يَرْعَيَانِ بَيْنَ السَّوْسَنِ. 6إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ، أَذْهَبُ إِلَى جَبَلِ الْمُرِّ وَإِلَى تَلِّ اللُّبَانِ. 7كُلُّكِ جَمِيلٌ يَا حَبِيبَتِي لَيْسَ فِيكِ عَيْبَةٌ.

8هَلُمِّي مَعِي مِنْ لُبْنَانَ يَا عَرُوسُ، مَعِي مِنْ لُبْنَانَ! انْظُرِي مِنْ رَأْسِ أَمَانَةَ، مِنْ رَأْسِ شَنِيرَ وَحَرْمُونَ، مِنْ خُدُورِ الأُسُودِ، مِنْ جِبَالِ النُّمُورِ. 9قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَدْ سَبَيْتِ قَلْبِي بِإِحْدَى عَيْنَيْكِ، بِقَلاَدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُنُقِكِ. 10مَا أَحْسَنَ حُبَّكِ يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ! كَمْ مَحَبَّتُكِ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ! وَكَمْ رَائِحَةُ أَدْهَانِكِ أَطْيَبُ مِنْ كُلِّ الأَطْيَابِ! 11شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا. تَحْتَ لِسَانِكِ عَسَلٌ وَلَبَنٌ، وَرَائِحَةُ ثِيَابِكِ كَرَائِحَةِ لُبْنَانَ. 12أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ. 13أَغْرَاسُكِ فِرْدَوْسُ رُمَّانٍ مَعَ أَثْمَارٍ نَفِيسَةٍ، فَاغِيَةٍ وَنَارِدِينٍ. 14نَارِدِينٍ وَكُرْكُمٍ. قَصَبِ الذَّرِيرَةِ وَقِرْفَةٍ، مَعَ كُلِّ عُودِ اللُّبَانِ. مُرٌّ وَعُودٌ مَعَ كُلِّ أَنْفَسِ الأَطْيَابِ. 15يَنْبُوعُ جَنَّاتٍ، بِئْرُ مِيَاهٍ حَيَّةٍ، وَسُيُولٌ مِنْ لُبْنَانَ.

16اِسْتَيْقِظِي يَا رِيحَ الشَّمَالِ، وَتَعَالَيْ يَا رِيحَ الْجَنُوبِ! هَبِّي عَلَى جَنَّتِي فَتَقْطُرَ أَطْيَابُهَا. لِيَأْتِ حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ وَيَأْكُلْ ثَمَرَهُ النَّفِيسَ.

الأصحَاحُ الْخَامِسُ

1قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي.

كُلُوا أَيُّهَا الأَصْحَابُ. اشْرَبُوا وَاسْكَرُوا أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ.

2أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ. صَوْتُ حَبِيبِي قَارِعًا: «اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي! لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ، وَقُصَصِي مِنْ نُدَى اللَّيْلِ».

3قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟ قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟ 4حَبِيبِي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكَوَّةِ، فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي. 5قُمْتُ لأَفْتَحَ لِحَبِيبِي وَيَدَايَ تَقْطُرَانِ مُرًّا، وَأَصَابِعِي مُرٌّ قَاطِرٌ عَلَى مَقْبَضِ الْقُفْلِ. 6فَتَحْتُ لِحَبِيبِي، لكِنَّ حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ. نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي. 7وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ. ضَرَبُونِي. جَرَحُونِي. حَفَظَةُ الأَسْوَارِ رَفَعُوا إِزَارِي عَنِّي. 8أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا.

9مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ! مَا حَبِيبُكِ مِنْ حَبِيبٍ حَتَّى تُحَلِّفِينَا هكَذَا!

10حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ. مُعْلَمٌ بَيْنَ رَبْوَةٍ. 11رَأْسُهُ ذَهَبٌ إِبْرِيزٌ. قُصَصُهُ مُسْتَرْسِلَةٌ حَالِكَةٌ كَالْغُرَابِ. 12عَيْنَاهُ كَالْحَمَامِ عَلَى مَجَارِي الْمِيَاهِ، مَغْسُولَتَانِ بِاللَّبَنِ، جَالِسَتَانِ فِي وَقْبَيْهِمَا. 13خَدَّاهُ كَخَمِيلَةِ الطِّيبِ وَأَتْلاَمِ رَيَاحِينَ ذَكِيَّةٍ. شَفَتَاهُ سُوْسَنٌ تَقْطُرَانِ مُرًّا مَائِعًا. 14يَدَاهُ حَلْقَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، مُرَصَّعَتَانِ بِالزَّبَرْجَدِ. بَطْنُهُ عَاجٌ أَبْيَضُ مُغَلَّفٌ بِالْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ. 15سَاقَاهُ عَمُودَا رُخَامٍ، مُؤَسَّسَتَانِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ مِنْ إِبْرِيزٍ. طَلْعَتُهُ كَلُبْنَانَ. فَتًى كَالأَرْزِ. 16حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ. هذَا حَبِيبِي، وَهذَا خَلِيلِي، يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ.

الأصحَاحُ السَّادِسُ

1أَيْنَ ذَهَبَ حَبِيبُكِ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ؟ أَيْنَ تَوَجَّهَ حَبِيبُكِ فَنَطْلُبَهُ مَعَكِ؟

2حَبِيبِي نَزَلَ إِلَى جَنَّتِهِ، إِلَى خَمَائِلِ الطِّيبِ، لِيَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ، وَيَجْمَعَ السَّوْسَنَ. 3أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ.

4أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي كَتِرْصَةَ، حَسَنَةٌ كَأُورُشَلِيمَ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ. 5حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ الْمَعْزِ الرَّابِضِ فِي جِلْعَادَ. 6أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ نِعَاجٍ صَادِرةٍ مِنَ الْغَسْلِ، اللَّوَاتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مُتْئِمٌ وَلَيْسَ فِيهَا عَقِيمٌ. 7كَفِلْقَةِ رُمَّانَةٍ خَدُّكِ تَحْتَ نَقَابِكِ. 8هُنَّ سِتُّونَ مَلِكَةً وَثَمَانُونَ سُرِّيَّةً وَعَذَارَى بِلاَ عَدَدٍ. 9وَاحِدَةٌ هِيَ حَمَامَتِي كَامِلَتِي. الْوَحِيدَةُ لأُمِّهَا هِيَ. عَقِيلَةُ وَالِدَتِهَا هِيَ. رَأَتْهَا الْبَنَاتُ فَطَوَّبْنَهَا. الْمَلِكَاتُ وَالسَّرَارِيُّ فَمَدَحْنَهَا.

10مَنْ هِيَ الْمُشْرِفَةُ مِثْلَ الصَّبَاحِ، جَمِيلَةٌ كَالْقَمَرِ، طَاهِرَةٌ كَالشَّمْسِ، مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ؟

11نَزَلْتُ إِلَى جَنَّةِ الْجَوْزِ لأَنْظُرَ إِلَى خُضَرِ الْوَادِي، وَلأَنْظُرَ: هَلْ أَقْعَلَ الْكَرْمُ؟ هَلْ نَوَّرَ الرُّمَّانُ؟ 12فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَقَدْ جَعَلَتْنِي نَفْسِي بَيْنَ مَرْكَبَاتِ قَوْمِ شَرِيفٍ.

13اِرْجِعِي، ارْجِعِي يَا شُولَمِّيثُ. ارْجِعِي، ارْجِعِي فَنَنْظُرَ إِلَيْكِ.

مَاذَا تَرَوْنَ فِي شُولَمِّيثَ، مِثْلَ رَقْصِ صَفَّيْنِ؟

الأصحَاحُ السَّابعُ

1مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الْحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. 2سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لاَ يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. 3ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. 4عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. 5رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. 6مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاَكِ أَيَّتُهَا الْحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! 7قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. 8قُلْتُ: «إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا». وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، 9وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ.

لِحَبِيبِي السَّائِغَةُ الْمُرَقْرِقَةُ السَّائِحَةُ عَلَى شِفَاهِ النَّائِمِينَ.

10أَنَا لِحَبِيبِي، وَإِلَيَّ اشْتِيَاقُهُ. 11تَعَالَ يَا حَبِيبِي لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ، وَلْنَبِتْ فِي الْقُرَى. 12لِنُبَكِّرَنَّ إِلَى الْكُرُومِ، لِنَنْظُرَ: هَلْ أَزْهَرَ الْكَرْمُ؟ هَلْ تَفَتَّحَ الْقُعَالُ؟ هَلْ نَوَّرَ الرُّمَّانُ؟ هُنَالِكَ أُعْطِيكَ حُبِّي. 13اَللُّفَّاحُ يَفُوحُ رَائِحَةً، وَعِنْدَ أَبْوَابِنَا كُلُّ النَّفَائِسِ مِنْ جَدِيدَةٍ وَقَدِيمَةٍ، ذَخَرْتُهَا لَكَ يَا حَبِيبِي.

الأصحَاحُ الثَّامِنُ

1لَيْتَكَ كَأَخٍ لِي الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي، فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ وَأُقَبِّلَكَ وَلاَ يُخْزُونَنِي. 2وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وَهِيَ تُعَلِّمُنِي، فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ الْمَمْزُوجَةِ مِنْ سُلاَفِ رُمَّانِي. 3شِمَالُهُ تَحْتَ رَأْسِي، وَيَمِينُهُ تُعَانِقُنِي. 4أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ.

5مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ مُسْتَنِدَةً عَلَى حَبِيبِهَا؟

تَحْتَ شَجَرَةِ التُّفَّاحِ شَوَّقْتُكَ، هُنَاكَ خَطَبَتْ لَكَ أُمُّكَ، هُنَاكَ خَطَبَتْ لَكَ وَالِدَتُكَ.

6اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ. لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ. الْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالْهَاوِيَةِ. لَهِيبُهَا لَهِيبُ نَارِ لَظَى الرَّبِّ. 7مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ، وَالسُّيُولُ لاَ تَغْمُرُهَا. إِنْ أَعْطَى الإِنْسَانُ كُلَّ ثَرْوَةِ بَيْتِهِ بَدَلَ الْمَحَبَّةِ، تُحْتَقَرُ احْتِقَارًا.

8لَنَا أُخْتٌ صَغِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا ثَدْيَانِ. فَمَاذَا نَصْنَعُ لأُخْتِنَا فِي يَوْمٍ تُخْطَبُ؟

9إِنْ تَكُنْ سُورًا فَنَبْنِي عَلَيْهَا بُرْجَ فِضَّةٍ. وَإِنْ تَكُنْ بَابًا فَنَحْصُرُهَا بِأَلْوَاحِ أَرْزٍ.

10أَنَا سُورٌ وَثَدْيَايَ كَبُرْجَيْنِ. حِينَئِذٍ كُنْتُ فِي عَيْنَيْهِ كَوَاجِدَةٍ سَلاَمَةً.

11كَانَ لِسُلَيْمَانَ كَرْمٌ فِي بَعْلَ هَامُونَ. دَفَعَ الْكَرْمَ إِلَى نَوَاطِيرَ، كُلُّ وَاحِدٍ يُؤَدِّي عَنْ ثَمَرِهِ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ. 12كَرْمِي الَّذِي لِي هُوَ أَمَامِي. الأَلْفُ لَكَ يَا سُلَيْمَانُ، وَمِئَتَانِ لِنَوَاطِيرِ الثَّمَرِ.

13أَيَّتُهَا الْجَالِسَةُ فِي الْجَنَّاتِ، الأَصْحَابُ يَسْمَعُونَ صَوْتَكِ، فَأَسْمِعِينِي.

14اُهْرُبْ يَا حَبِيبِي، وَكُنْ كَالظَّبْيِ أَوْ كَغُفْرِ الأَيَائِلِ عَلَى جِبَالِ الأَطْيَابِ.