بيروت-بشري-بيروت، 15 نوفمبر؛ ذكرى الواحات البحرية، 10 نوفمبر
Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your
Flash plugin.
لم أدر ما طيب العناق على الهوى حتى ترفق ساعدى فطواك
وتأودت أعطـاف بانك في يدي واحمر من خفريهما خداك

12.07: “أبو شادي” يزفر، على جسر “سليم سلام”. لازلت، لاهثاً، أتوق إلى منقوشة. “العجقة”، يكرر. سينقّ طوال السكة؟ على الأقل، سمح لي أن أدخن. السيجارة بلا طعم من غير قهوة. “وين بدنا نروح من هون”؟ منذ لمحت كوعه على الـcase فيHotel Cavalier وأنا متوجس خيفته، هذا القصير الماكر؛ لو كنتُ فقط “تروقت” قبل أن أجلس جواره! كأنه بطل مصارعة أقزام. يتعاطى كأمير إمارة عفى عليه الزمن. لن أنسى نبرته يخبرني، لاحقاً، أنه يتحدث الفرنسية والإنجليزية “بتلااااااكة”!
لكن المطر كف وها هي “العجقة” تنفك. تتعثر “المرسيدس” عبر الطاقة القريبة، عكس السير. كففت عن الانتباه لدمدمته. متعباً، أصير لا أتحمّل. فقط “جبران خليل جبران” في رأسي، دونكِ. و”كاميون” جيش يصرخ وراءنا. دقائق وأبرح إلى المقعد الخلفي، على أية حال. جوار رفيقة دربي، “ليلى”، سنضحك. لا تمضي دقيقتان، صحبة “ليلى”، دون أن نضحك. رفيقة دربي التي لستِ أنت. متى أعترف أن الحنق مصدره غيابك؟ “أبو شادي” مُسَلٍ، لكن بلا كافيين؟ لا أعرف كيف أستحضركِ وسط هذه الملابسات. “ليلى” ستلهيني، أفكر. وعند دكان “قبلان” أُفْلِت بحجة انتظارها. حمرة خرافية على وجهك تتشبث بعينيّ.

12،15: نزوم، ممتقعين، عبر مرفأ بيروت. تأخرت الضحكات؛ لعله عوز النوم. وحده القزم الأرستقراطي يبقبق. عن أي موضوع مداخلته؟ لـ”ليلى” أن تجيبه، إن أرادت. على غير هدى تلفحني فتنة “ليلى”؛ كلما طالَعتُها فتنتني؟ لعله عوز النوم. لِمَ لا يعدي “أبو شادي” سكوننا، مع ذلك؟ “هو إحنا هنفضل كدا زي اللي قاعدين ف دكان حلاقة”، أسألها. صوتها من تحت اللحاف، بعد مدة: “إنت اللي شكلك قرفان بصراحة”! الطعام، والراحة. أنتحي الجهة المقابلة إذ يتبدّى البحر. في الظُهر تبرّح بي القهوة؟ الجوع والإدمان. الغيوم نزعت عباءتها. لؤلؤ على الأسفلت. من جديد يسعل السائق؛ أظنه سينكتم فيزاول.
أسترق النظر إلى “ليلى”. لا تستوقفني فتنتها – أف! طائر منمنم فوق برج بعيد. أطوي غلاف الدفتر الراقد في راحتي منذ “رياض الصلح”. على رأس الصفحة: “الحج إلى بيت جبران”. كيف، وقد أقصيتُك يائساً، انقلب صاحب مزارنا شفيعي؟ هنيهة لأستدرج أسطورة جبل لبنان من مخبأها، رغم أنفك: اليوم أختبر الشيء الذي أسمع عنه دون أن أراه. لكن بِركةً وامضة تتمثل عينك. خليج آخر يستشف جذعك من وراء. حتى وشوشة الريح كأنها اللهاث الذي نصدره سوياً – كم مرة أعدت إنتاجه في غير سياق؟ – وقت تبارينا على صعود تلة جير. سبقتك، ثم غلبتيني. أكاد أعطس ثم ألتفت ورائي. كم مرة ستتكرر المباراة؟
ولقد مررت على الرياض بربوة غَنّاء كنت حيالها ألقاكِ
12.20: Fade out تدريجي. استراحة قصيرة ثم يبدأ العرض. لا يبقى سوى الحركة. ذكراك وتهويمات باطنية. إذا أومأ الحب إليكم فاتبعوه، وإن كان وعر المسالك، زلق المنحدر. ويوغل الـFade out حتى تنزعني الهواجس: سوف تحبينني؟ معقول، أنا الذي ستحبين؟ “ليلى” تهبّ إلى صليب طائر. لاح “يسوع الملك”؛ قبل أن أتحقق من شكله يغيب، كل مرة. وإذا حدثكم فصدقوه، وإن كان لصوته أن يعصف بأحلامكم مثلما يعصف ريح الشمال بالبستان. “التلفريك” قصعة صفراء مثل صحن طائر وئيد الالتفاف. تليه قصعة بيضاء طبق الأصل، ثم أخرى؛ فقط اللون يتبدل.
على البعد ظِل قصر يميل. زجاج مضبب وقرميد زهر.

12.26: من الأمام مداخلات “أبو شادي” متصلة. بندول في جوفي. أتنهد. “هو الباشمهندس نظامه إيه معانا الليله دي” – أهمس لـ”ليلى” – “مش ناوي يتخرس حبتين”؟ الطيبة ضحكة عينيها. تشغفني محبة كالرمل. الصحرا البيضا، أتذكر. صفاء الرقاد والمجرات خرائط. ولوهلة، خلل “جونية”، يُمسَخ المشهد فيلم خيال علمي حيث المسير على طريق “بشري” يدنيني من خيمة تحتويك. رفقة fairy ضحكوك من كوكب الفاتنات، أدنو، يقود مكوكَنا فضائيٌ ثرثار. بيته كان في نجم إمارة الأقزام حتى اندثر ثقباً أسود. “يعطيك العافية أبو شادي”، أصيح. و”ليلى”، مخافة طوفان الضحكات، تتنحنح في وجه الشمس. يحمر جيدها، ألاحظ.
إلى متى أستوثق من حزني كي لا تخلّيني الحاجة؟ حتى مغارة “جعيتا”، صباح أمس، لم تكن إلا ميناء أقلعت منه إلى سباتك. ذقني على حافة الزجاج، أستنشق أنفاسك الهاربة. كل هذه المعالم وأنت في “ميدان التحرير”؟ أنبش الهيولى عن إناء يجمع دموعنا. لتبنِ بخيالك خميلة في الخلاء، قبل أن تقيم داراً وراء أسوار المدينة؛ فكما تعود إلى دارك مع الغسق كل مساء، كذلك الهائم الطواف فيك يئوب من أفقه البعيد وحيداً. رقبتي تقفو ذقني، حتى تفاحة آدم. وأنت لستِ لي. أفق يرقطه السنديان.

12.31: غادرنا “جونية”. “ليلى” تكبس أنفها في الزجاج. لم أتوقع أن ترتدي زياً رياضياً. “الله”! تصطنع الدهشة إذ أعلّق. “إنتو مش قايلنلي فيه ماتش”؟ في العودة من الواحات، كنتِ إلى يساري؛ هي، تفصلنا فسحة، إلى اليمين. “أنا أسمع كلمة جبل تلاقيني ضربت التِرِنْك وقمت نازلة”! أخيراً همد “أبو شادي”؛ لعلها اللهجة: يشيح عن مزاحنا. “ليلى” تغالب النعاس.
مازلتِ وكأنك في محط ثلاثتنا. حيث الأرزة، والنبع. قبل أيام، على طريق كالتي خلّفناها منذ برهة – بدل دفتري “الزغنطط” مفتوحاً في راحتي – كانت قبضة يدك حلاوة روح “ستاكوزا” أُخرجت لتوها من حوض ثلج. يدك “زغنططة” إلى مدى لا يصدق. ما خلا الضغط، لم تفقد نعومتها. هكذا أتجشم حضورك، والسائق المختال في صمته. صوتك، رويداً – لم تلهني “ليلى”، لكن الهذر ييسّر الالتماس – “الحاجات اللي إنت بتقولها دي عيييييب”…

12.39: صارت الحركة حلزونية. بيوت كأنها قوالب سكر تتدرج على السفح. “أبو شادي” يضرب “فريمات”. أسفلت ضيق. وعلو يشي بالسقوط. الذكرى والكركرة في آن. أقرب ما استشعرتُ غرامك في سيارة مثل هذه بـ”شوفير”، أكتشف، و”الستاكوزا” المتداعية تعصر إصبعي. الفرح بالوجع. لم أحسب تمسيد الشعر يغبط إلى هذا الحد. ثم طمأنينة الدموع.
أتطلع إلى شعر صديقتي: جماله، بالضبط، أنه ليس شعرك. “ألاقيكِ ضربتي إيه حضرتك يا أستاذة ليلي”؟ – وزاوية الحجر، كما هُيِئ لي، ترسم “بروفيلك” في الهواء – القهقهة شلالات. لغز الغياب أنه يفصّلك خصلة، أو إيماءة، أو ضغطة إصبعين. وكل تفصيلة حاضرة بحدة رغبتي في جسدك. شعرك زر طربوش سلطاني. الوعد أعنف دائماً.

12.47: نحيد عن “جبيل” وضحتكِ، في أذني، سؤال: لماذا لم نكن في خيمة واحدة؟ تحت لافتة بلون سترة “ليلى”، يدي عند أنفي كي أشمك. ووجه “بيار الجُمَيِّل” نبوءة أن لا عطر هناك. وسط سَكينة مثل هذه، من أين يأتي القتلى؟
“أبو شادي”، أنحني على أذنه فيقع الدفتر وينخرني شوق بنفس اللون، “فينا نوقف بشي محل”؟ ثم أجفل لبرتقال الشمس. غيمة تنهنه. أزرق أسطوري باتجاهين. يدي على فمي وأمير الإمارة يعمل مداخلة ثانية: ندرة المخابز، الرجوع في العتمة، “دخيلك”… إلى أن تفجأني هبّة صديقتي. أرد الدفتر محل يدك، قبضة سعادة. و”ليلى” تجثم للبحر: “معقول يا ربي الجمال”!
“بلّش” الصعود والجبل الأخضر. “ولا يهمك”، أقاطع “أبو شادي”. ثم أوقد سيجارة أخرى. العلبة لون خديك. مثل سترة “ليلى” واللافتة التي مررنا تحتها، والشوق. أخضر على أزرقين، وبرتقال يبعث بياضاً. لكن “النهاردا” كل شيء أحمر.
ودخلت في ليلين فرعك والدجى ولثمت كالصبح المنوّر فاك
13.11: وقفنا عند حاجز جيش. هيكل عظمي يركض باتجاه البحر. الآن رأسي كله في الهواء. زهر أصفر كالهشيم خلف حد الأسفلت. بعد الحاجز تضيق الطريق. السماء قاب قوسين. أحلم بماء ثائر: قالباً صلداً يترك بطن الأرض؛ رجعته إكليل يجوّف القالب. زهرة زُلال بين الأبيض واللالون، ينبوع حلمي: قُبلتها رواء. وأعود أرق للوحشة. بُعدك ملح أجاج. على المدى صوت كأنه انفجار. “ليلى”، غير منتبهة، تدندن. لم ألفتها إلى قطة تحتضر. طائرة لو مددت يدي أطولها، ثم أخرى رأس دبوس. أفقنا على برد وخلاء.
قالت السمكة: المحيط ملكوتي. قال الصياد: قلبي شص. قالت الموجة: لتغرق! لكن الدجى المبتل لا يأتي على الغرقى. السمكة نفقت تأكل الصياد. والشص مزار سياحي.
مازالت الطريق ممتدة. حاجز ثانٍ؟ “سمير جعجع” يطالعنا ببرود من خلف سروة ناحلة. “الحاجات اللي إنت بتقولها دي”… يغضبني خوفك إذ أرومه. ثم أفرد ظهري. نبطئ بصدد التفافة كالسهم. صدّقتك جوّابة صحراء، فأين الطَلّ من نهديك؟ أنتم يا أبناء الفضاء الذين لا تطمئنون حين تحل الطمأنينة… لن تقطنوا قبوراً شيدها الموتى للأحياء. مرة ثانية أشهق، بلا صوت: السماء تِبر قصب. ثوانٍ، تتغنج إثرها سحب مستطيلة. هدوء عسل رغم النق. تِبْر، وعسل. قطرتا مطر تذكرانني بليل القاهرة. تتباعد السيارات.

13.37: كأنما بغتة، زاوية الميل احتدت. “ليلى” تفزع، دورياً، في غياب سياج. “حسرة عليكي إنتي يا لولة يا قمر”! تنعي شبابها “في الغربة”. فأفكر أننا قد نقضي. المنحنيات أكثر درامية. وكقوس رمادي، تبغتني مراوغتك للعشق. كل هذا يفعله الحب بكم لكي تعرفوا أسرار قلوبكم، وبهذه المعرفة تصبحون فلذة من قلب الوجود. الأخضر دوائر متلامسة وقباب: للمرة الأولى، يقين أنني غادرت. فيلوح الحنق حرماناً بدل الغيبة. الزرقة أقل بريقاً في دنو الشمس. ولا بحر. بدأت تندحر الحرارة. يركع الأحمر للطبيعة الطائلة.
من جديد أنحني على مقعد القيادة – لن أدع الدفتر ينزلق – “نحن وين”؟ اسم “الضيعة”، كغيره، سلوان. لكن قناعة ثبتت بجدوى الخرائط. “هلّق نحن بـ”… عصاب “الفرامل”، مع الالتفات للخلف. “ليلى تدندن”: “وتعطلت – ترم – لغة الكلااااااام وخاطبت عيني في لغة الـ”… بعد “إهدن” سينتصر السكوت. إذ تنغزين إحساس الفقد، الآن، أستعيد “النبي”: أنا الذي أهرب؟ صديقتي تتسلطن و”أبو شادي” ينفث سيجارته الوحيدة. “الهوى عينااااك – تراراررم، تراراررم”… نعلو ونشهق.
لا أمس من عمر الزمان ولا غد جُمع الزمان فكان يوم رضاكِ
14.03: الجوع بلغ ذروة جديدة. على البُعد مدن الناس. ماذا يشعرني أننا بلا سند؟ زايَلَنا الوادي الأخير. لبضع دقائق يفقد “أبو شادي” وجهته، فنجوب دياراً سيحدثني “بيار” عن انتمائها كلها لأربع عشائر، منتصف السبعينات. لا أحد يؤذيك ورأسك على حساب إحداها. اللاهوت الماركسي وسط أديرة “مار مارون”، سيقول. ويصف نبضاً اشتراكياً قض مضاجع “الجبهة اللبنانية” في أوج إقطاعها، أو انطفائه. أربابه، اليوم، أساطين اليمين المسيحي؛ مرة أخرى يفقدني صوابي تاريخ لبنان.
خبرة الوصول ذابت، استعادياً، في ماء الحديث: كلام “بيار”، بعد غد، عن بدايات “جعجع”؛ وفرحة “سوزان”، حال عودتي من “جعيتا”، بتطابق الينبوع المائل على مرقد “جبران” مع الرسم الذي حفظه بالداخل. من فسحة الضياع تبقى صوصوة الريح، والذكرى. بين أصابع قدمك كأنها “بونبون” aphrodisiac والعري الوَرِع مما ألقى زيتاً وفحماً بعد دقيقتين: عمر الزمان “توهة” واحدة طعم الزعتر. “ليلى” كفت عن الغناء. تعتدل فأظن فتنتها أحرقتني. الأرجح أنني مأخوذ بقدمك، لا أزال.
14.09: فقط غلظة “أبو شادي” تبقّع البياض – تَداوُل سموه مع المتطوعين بوصف الطريق – لا أعلم، في غياب الجليد، من أين هذا البياض. أطوي صفحة بحجم راحتك: “في مثل هذا المناخ، فعلاً، يولد أنبياء”. رأس عجوز يقب، كرةً تتأرجح، من فوق حائط صخر. دعك من إحساسي، حين أقرأ نصوص “جبران” متوازية مع أصولها الإنجليزية، كم هي ضعيفة وتافهة تلك الأصول. ٍهنا، مجال انبهار. ونحن نشرف على الرأس القابع مثل تلة في الصحرا السودا، قبالة الشلال. بريق معدني يغلف عينين وشعراً سائلاً. لماذا هما، في الاسترجاع، مغمضتان؟ نتحول، “ليلى” وأنا، سائحين من زمن كلاسيكي. زيها أنسب من ثيابي، في السياق. فأصطنع التريض. جوعان وهي تريد حمّاماً. يسارنا، عبر “تراس” المحبسة الزهر، كنيسة كأنها في شمال إيطاليا. من قلب البناء الأبيض، دروب منحدرة يغيّبها الوهج. سنصبر. نحملق في الماء المتدفق، نازلاً، لا يكاد يُرى بين الأصفر والبني. على البعد، أول أرزة أراها عن قرب. ثم نقصد “التراس”…

14.52: في خروجنا سألت “أبو شادي”، وأمل يافع على شفتي: “راح نكفّي ع الأرز”؟ بَعدي مغتاظ من الرد الرافض. لا شيء هناك، يعلل. بضع أشجار هزيلة لون الرماد – هكذا يقول الجميع – مثل طاقتي على البقاء بلا وعد منك. “أبو شادي” يتقافز مرة أخرى. بدلال، يضربه التشنج. على الأقل، “ليلى” تتفهم خوف الرجوع في الظلمة. مقلدة إياه، تكرر: “دخيلك”! فأصمم على الغداء. نتوقف، وأمير اﻹمارة يعمل مداخلة استجداء، عند أول مطعم مفتوح. “بزعون”. الدفء المنسل يعرض نوماً وطعاماً؛ ولا “دومري”. حنو القائمين على المكان، كأننا من كوكب آخر.
أسترجع خلاصي منك، كنزاً مؤقتاً، و”ليلى” في الحمام. بضع دقائق، فقط، قرب نهاية جولتنا. لا أصدق أنك زايلتيني حقاً داخل المحبسة. وقعتُ في غرام “خليل جبران”؟ كنا قد اجتزنا المراحل كلها.

14.53: النبع الذي لم يكن قالباً ولا زهرة – ثالث حجرة؟ – صورته، الفحم، من فوقه. وعينا الكهل الذي استقبلنا مازال زوغانهما يلهيني. لعله قسّ رسمه أسقف هو اﻵخر معرفة “بيار”. ترحابه تهديد. محبة مسيحية، في عينيه، تضمر سر أنه يكره “يسوع”. هذا التأود الرباني، لا تُقنع براءته. في الخلفية مخلوق نصفه رجل، نصفه حصان. صوت “سوزان” تستطرد، بحسرة: “معقول؟ ما رأيتَ غابة ولا شربت من نبع؟” خلتني أجلس القرفصاء ويداي كأس – في الحال أملأ كوبين “بلاستك” من كومة مصفوفة للغرض. “ليلى” منكبة على “الكتالوج”. لا تشاركني عجب حلاوة الماء – لا أظنني ذقت، في حياتي، ماءً أحلى – لعلها الحاجة إلى حمّام. وأهُم بإعادة ملئ كوبي. إذ ترتسم على فمي نكتة لن أقولها لـ”ليلى”، يعاودني فرعك. المرن المتماسك، كالسهل الممتنع. وقدرة مبهجة على خبط رأسك، في الساعة، مرات. Baby شقي، أغنّيكِ. فقط لو تطمئنني “ليلى” لأنك لحم ودم. من أين الشك في وجودك؟
طوال ثلثي ساعة – ونحن من غرفة إلى درج، من لوحة إلى رسالة إلى ظل “كومود” – لن يرحمني سحرك. إلى أن يتبع آخرَ الصعود هبوط مباشر إلى جوف الأرض. كأننا هطلنا. هناك، في مساحة هي الأخرى خيال علمي، سنبحث عن المرقد بلا دليل. ضوء النهار ينسل خافتاً. جدران قلاية: دير صحراوي. في الوجه موبيليا. ولا إشارة، سوى فقدان التوازن، إلى أن أكثر هذه الأشياء أمريكية المنشأ. خلف فروع مقشرة مثل خيط عنكبوت عملاق، تجويف منير كأنه مصطلى.
لن ندرك، حتى اللحظة الأخيرة، أنه يحوي التابوت. هل أرسم صليباً بين قورتي وكتفيّ؟ يدي تتلعثم في قراءة الفاتحة. سمكة في قلبي. بضع دقائق كأنها قرن كامل بعدها أدرك أنك لم تكوني معي. أنا قطرة مطر. “ليلى” تزوم إذ يوقفني كلام محفور على جذع مثبت إلى يمينه، احتفظ بدكنته: “أنا حي مثلك، وأنا واقف الآن إلى جانبك، فاغمض عينيك والتفت تراني أمامك.”

14.55: “ليلى” وأنا – بعد أسابيع – نتقارع الحجة بالخبرة، والخبرة بالحجة. ليل “الزمالك” عشق آخر وأنا أبثها يأساً زئبقياً. صوتك مثل قهوة “بزعون”: عندما يستفسر الكهل المستغرب إن كنت أريدها “لبنانية”، أطمئنه قائلاً “تركي” بكسر التاء. الآن، أرزة صبية إلى يسار الزجاج. مدفأة كالأنبوبة، من زمن “جبران”. على القائمة، خمسة عشر نوع عرق. القرميد حلم. في “الزمالك” سأقول لـ”ليلى” إنك إن رابطتِ بلا جسد يروي شهوتي – في وجود جسد آخر – تصيرين أغنية لـ”عبد الوهاب”. روعة “جبيل” في الصورة الفوتوغرافية – أقول – ليست روعة “جبيل. وأنا لا أريد حبيبتي صورة فوتوغرافية رائعة على الحائط.
“بزعون”… والعطش موت أحمر… أتذكر لحماً سمجاً يثقله السماق، pommes frites عائم في زيته، وفتوشاً يفرح. “أبو شادي” الذي رفض أن يأتي أولاً، يأكل أكثر مني و”ليلى” مجتمعين. عن تحالف “جعجع” و”وليد جنبلاط” الذي أرضى مسيحيي “الشوف”، يحدثني. عن السنة التي تكره الشيعة، و”مصلحة المنطقة”. الغذاء ينشع في أنحاء جسمي. تلال وقمم تتحاور في أفق زجاجي. “هيك رأيك يعني”… أسفلت يلمع وسط معمار ورد. “سبحان الله أبو شادي”! الأخضر يعرف الأسرار.

17.34: “أبو شادي” يزفر. آخر “الحمرا”؟ “إيه يا أخويا الحظ دا” – “ليلى” – “ربنا رزقني بواحد وإحنا رايحين جعان ووإحنا راجعين نايم”! على بوابة Hotel Cavalier، قزم صارم يحاسبني. نترفق إلى المقهى القريب. دفء بيروت والليل الحلو. “إنتي بتدشي ف إيه عايز أفهم”؟ أتثاءب. “لا أبداً مفيش حاجة”… ذكرى واحدة تدغدغني.
آخر لقاء – في مقهى مثل هذا – والعذر: لن أراك حتى أرجع من لبنان. رجاء واحد وضعته على الطاولة: قبل الذهاب، أن أرى قدمك عارية من حذائها. ونحن وسط الناس؟ ضحكات كالعصافير وأنت تستنكرين. “معقول الحاجات اللي إنت بتطلبها دي”… لوهلة طويلة، يبدو أنك لن تمنحيني “الحاجات”. الخفر يلوّن خديك. وأنا أتباطأ. سيمر زمن، كدوران الأرض. عيناي على البلاط. وأنت بين التردد والانبساط. في أدائك نفي أكثر من الإثبات. لكن السمكة الشهية – وهذا المذهل – تتخلص من قشرتها. لحظة واحدة، انزاح الحذاء ورأيت قدمك، رأيت قدمك. تخلعين الحذاء، وكأنك لا تفعلين شيئاً. لحظة وجيزة جداً، خلعتيه. وليس بالكامل. ما كدت أرمش حتى عادت السمكة إلى مخبأها. الآن، أبتسم إذ أذكر أنك خلعتيه رغم كل شيء. الخوف والخجل وغياب جسدك – أين ومتى؟ – لكن خلعتيه.
6 ديسمبر 2007، ذكرى ميلاد “جبران”
(الأبيات من قصيدة “يا جارة الوادي” لأحمد شوقي؛ المقاطع المضمنة من كتاب “النبي” ترجمة “ثروت عكاشة”)